عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 23-12-2025, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,934
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (25)





فيها، ومنها لام كي، كقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، قاله الباجي (١)، ومنها السبر والتقسيم (٢) نحو: إن لم يكن زيد متحركًا فهو ساكن.
السادس عشر:
في الحديث مع «إنما» صيغة حَصْرٍ أخرى، وهي المبتدأ والخبر الواقع بعده، وقد أسلفنا عن البخاري أنه رواه مرة بإسقاط «إنما» فكل منهما إذا انفرد يفيد ما أفاده الآخر واجتماعهما آكد.
السابع عشر:
«الأَعْمَال» حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس، وعبَّر بها دون الأفعال؛ لئلا تتناول أفعال القلوب، ومنها النية ومعرفة الله تعالى، فكان يلزم أن لا يصحَّان إلا بنية، لكن النية فيهما محال؛ أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى لتوقفت الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو الدور، وهما محالان. وأما معرفة الله تعالى؛ فلأنها لو توقفت على النية، -مع أن النية قصد المنوي بالقلب- لزم أن يكون عارفًا بالله قبل معرفته وهو محال. ولأن المعرفة وكذا الخوف والرجاء مميزة لله تعالى بصورتها- وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة، لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب به بل إلى مجرد القصد له، ولهذا لما كان الركوع والسجود في الصلاة غير ملتبس بهما لم يجب فيهما ذكر،

----------------
(١) «المنتقى» ٣/ ١٣٢.
(٢) السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإبطال ما لا يصلح بدليل فيتعين أن يكون الباقي علة، والسبر لغة: الاختبار ومنه الميل الذي يختبر به الجرح، فإنه يقال له: المسبار، وسمي هذا به؛ لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر كل واحدِ منها، هل تصلح للعلية أم لا؟ =


بخلاف القيام والقعود في التشهد فإن كلًّا منهما ملتبس بالعادة، فوجب في القيام القراءة وفي القعود التشهد ليتميزا عن العادة.
ثم اعلم أن الأعمال ثلاثة: بدني، وقلبي، ومُرَكَّب منهما:
فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية: كرد الغصوب، والعواري، والودائع، والنفقات، وكذا إزالة النجاسة على الصواب وغير ذَلِكَ.
والثاني: كالاعتقادات، والتوبة، والحب في الله، والبغض فيه، وما أشبه ذَلِكَ.
والثالث: كالوضوء، والصلاة، والحج، وكل عبادة بدنية، فيشترط فيها النية قولًا كانت أو فعلًا كما سيأتي. وبعض الخلافيين يخصص العمل بما لا يكون قولًا، وفيه نظرٌ؛ لأن القول عمل جارحي أيضًا، أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال. ولا شك أن هذا الحديث يتناول الأقوال.
الوجه الثامن عشر:
«النِّيَّاتِ»: جمع نية -بالتشديد والتخفيف-، فمن شدد -وهو المشهور- كانت من نوى ينوي إذا قصد وأصله نوية، قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها لتقاربهما، ومن خفف كانت من ونى يني إذا أبطا وتأخر؛ لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر (١). ويقال: نويت فلانًا وأنويته بمعنًى.

----------------
= انظر: «المختصر في أصول الفقه» لابن اللحام ص ١٤٨، «المنخول» ص ٣٥٠، «شرح الكوكب المنير» ٤/ ١٤٢، «إرشاد الفحول» ٢/ ٨٩٢.
(١) قال العيني في «عمدة القاري» ١/ ٢٦: وهذا بعيد لأن مصدر ونى يني وَنْيًا، قال الجوهري: يقال: ونيت في الأمر أني ونًى ووَنيًا، أي: ضعفت فأنا وانٍ. اهـ.
وانظر: «الصحاح» ٦/ ٢٥٣١.



الوجه التاسع عشر: الباء في قوله: («بِالنِّيَّاتِ»)، يحتمل أن تكون باء السببية، ويحتمل أن تكون باء المصاحبة (١)، ويتخرج على ذَلِكَ أن النية جزءٌ من العبادة أم شرط، وستعلم ما فيه قريبًا.
الوجه العشرون:
وجه إفراد النية على رواية البخاري في الإيمان كونها مصدرًا، وجمعت هنا، لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه جُمع، فمتى أُريد مطلق النية -من غير نظر لأنواعها- تعين الإفراد، ومتى أريد ذَلِكَ جُمعت.
الوجه الحادي بعد العشرين:
أفردت أيضًا وجمعت الأعمال؛ لأن المفرد المُعَرَّف عام، والمراد أن كل عمل على انفراده تعتبر فيه نية مفردة، ويحتمل أن العمل الواحد يحتاج إلى نيات إذا قُصِدَ كمال العمل، كمن قصد بالأكل دفع الجوع، وحفظ النفس، والتقوي على العبادة، وما أشبه ذَلِكَ، وبسبب تعدد النيات يتعدد الثواب.
الوجه الثاني بعد العشرين:
أصل النية: القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي: قصدك الله بحفظه، كذا نقله عنهم جماعة من الفقهاء، واعترض ابن الصلاح

--------------------
(١) باء السببية هي التي يَصلح غالبًا في موضعها اللام وقد يصلح موضعها لفظ (بسبب) ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. أما باء المصاحبة فلها علامتان: إحداهما: أن يحسن في موضعها (مع)، والأخرى: أن يغني عنها وعن مصحوبها الحال. كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ أي مع الحق أو محقًا، وقوله: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ أي: مع سلام أو مسلمًا عليك. ولصلاحية وقوع الحال موقعها سماها كثير من النحويين باء الحال.


فقال: هذِه عبارة منكرة؛ لأن المقصود مخصوص بالحادث، فلا يضاف إلى الله تعالى.
قال: وفي ثبوت ذَلِكَ عن العرب نظر؛ لأن الذي في «الصحاح»: نواك الله، أي: صحبك في السفر وحفظك (١)، وقال الأزهري: يقال: نواه الله، أي: حفظه (٢)، وهذا الذي أنكره عليهم غير منكر بل صحيح، وقد قال: هو في القطعة التي شرحها من أول (٣) «صحيح مسلم»، وقد ورد عن العرب: نواك الله بحفظه. هذا كلامه، ومعلوم أن من أطلق القصد لم يرد القصد الذي هو من صفة الحادث بل أراد الإرادة، إذا تقرر هذا، فالمراد هنا قصد الشيء المأمور تقربًا إلى الله تعالى مقترنًا بقصده. فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم. وجعل الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (٤) في «أربعينه» النيةَ، والإرادةَ، والقصد، والعزم بمعنًى، قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، قال: وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها مما (ذكرنا) (٥).

------------------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٥١٦.
(٢) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٦٨٢ مادة: نوى.
(٣) هنا تبدأ النسخة: (ج).
(٤) هو علي بن المفضل بن علي بن مفرج بن حاتم بن حسن بن جعفر، الشيخ الإمام، المفتي، الحافظ، الكبير، المتقن، شرف الدين، أبو الحسن، ولد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة، كان ذا دِيْنٍ وَوَرع وتصون وعدالة وأخلاق رضيّة، توفي في مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة ودفن بسفح المقطم.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩٢، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٦٦ - ٦٩، «العبر» ٥/ ٣٨ - ٣٩.
(٥) في (ج): ذكرناه. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» ص ٣٢٤: النية لا يجوز إطلاقها على الله، فلا يقال: ناوٍ، ولكن يقال يريد، طردًا لقاعدة التوقيف على ما ورد به النص. اهـ.



ثم اعلم بعد ذَلِكَ أن محلها القلب عند الجمهور لا اللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات (١).
إذا تقرر أن محلها القلب، فإن اقتصر عليه جاز (٢) إلا في الصلاة على وجه شاذٍّ لأصحابنا لا يُعْبَأ به. وإن اقتصر على اللسان لم يجز (٣) إلا في الزكاة على وجه شاذٍّ أيضا (٤)، ومثله قول الأوزاعي: لا تجب النية في الزكاة (٥) وإن جمع بينهما فهو آكد (٦). واشترطه

-------------------
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم، وأبو داود (٤٨٨٢)، والترمذي (١٩٢٧)، وابن ماجه (٣٩٣٣)، وأحمد ٢/ ٢٧٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٥٠٧، ٥٠٨ (١١١٥١) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٩١، «المهذب» ١/ ٢٣٦، «العزيز» ١/ ٤٧٠، «الكافي» لابن قدامة ١/ ٢٧٥.
(٣) انظر: «الحاوي» ٢/ ٩١، «التهذيب» ٢/ ٧٢، «البيان» ٢/ ١٦٠.
(٤) انظر: «المجموع» ١/ ٣٥٩، «فتاوى السبكي» ١/ ١٩٩.
(٥) انظر: «المجموع» ٦/ ١٥٧، «المغني» ٤/ ٨٨.
(٦) وقال بعضهم: يستحب، وقال آخرون: إنه أكمل الأحوال انظر: «الحاوي» ٢/ ٩١، «الوسيط» ١/ ٢٠٩، «المغني» ٢/ ١٣٢، والصواب أن التلفظ بالنية سرًّا بدعة، قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٢٣٣: الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب، ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول - ﷺ -، وإجماع الأئمة الأربعة، وغيرهم، وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه، وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرًا هل يستحب أم لا؟ على قولين: والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بها لا سرًا ولا جهرًا، والعبادات التي شرعها النبي - ﷺ - لأمته ليس =



أبو عبد الله الزبيري كما أشار إليه الماوردي (١)، وحكاه الروياني (٢) أيضًا، واقتضى كلامه طرده في كل عبادة. ومشهور مذهب مالك أن الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه؛ إذ اللسان ليس محلًّا للنية على ما مر (٣).
تنبيهات:
أحدها: جميع النيات المعتبرة يشترط فيها المقارنة إلا الصوم

---------------
= لأحد تغييرها، ولا إحداث بدعة فيها. اهـ.
وقال في ٢٢/ ٢١٩ - ٢٢٠: والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن يفعله فلابد أن ينويه، فإذا علم المسلم أن غدًا من رمضان، وهو ممن يصوم رمضان، فلابد أن ينوي الصيام، فإذا علم أن غدًا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة. ثم قال: والنية تتبع العلم والاعتقاد اتباعًا ضروريًا، إذا كان يعلم ما يريد أن يفعله فلابد أن ينويه، فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر، وقد علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر، امتنع أن يقصد غيرها. اهـ.
وقال في «شرح العمدة» ٢/ ٥٩١: لأن النية محض عمل القلب فلم يشرع إظهارها باللسان لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وفاعل ذلك يُعلم الله بدينه الذي في قلبه. اهـ.
(١) «الحاوي» ٢/ ٩١ - ٩٢.
(٢) هو القاضي العلامة، فخر الإسلم، شيخ الشافعية، أبو المحاسن عبد الواحد بن
إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الطبري، الشافعي، ولد في آخر سنة خمس
عشرة وأربعمائة، من مصنفاته: «البحر» في المذهب، طويل جدًّا، غزير الفوائد،
«مناصيص الشافعي»، «حلية المؤمن»، «الكافي». قتل بجامع آمل يوم الجمعة
حادي عشر سنة إحدى وخمسمائة، قتلته الإسماعيلية، ورويان بلدة من أعمال
طبرستان. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ١٩٨/ ٣ - ١٩٩، «سير أعلام
النبلاء» ١٩/ ٢٦٠ - ٢٦٢، «العبر» ٤/ ٤ - ٥، «طبقات السبكي» ٧/ ١٩٣ - ٢٠٣.
(٣) انظر: «المعونة» ١/ ٩١، «التاج والإكليل» ٢/ ٢٠٧، «حاشية الدسوقي» ١/ ٢٣٤.



للمشقة، وإلا الزكاة؛ فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل: والكفارات؛ فإنه يجوز تقديمها قبل الفعل والشروع.
ثانيها: ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات أن يستحضر النية، فينوي به وجه الله تعالى. وهل يشترط ذَلِكَ أول كل عمل وإن قَلَّ وتكرر فعله مقارنًا لأوله؟ فيه مذاهب: أحدها: نعم. وثائيها: يشترط ذَلِكَ في أوله ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي أول كل عمل، ولا يشترط تكرارها فيما بعد ولا مقارنتها ولا الاتصال. وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال. ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة.
وكأن هذِه المذاهب راجعة إلى أنَّ النية جزء من العبادة أو شرط لصحتها، والجمهور على الأول، ولأصحابنا وجه بالثاني، والشرط لا (يجب) (١) مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد ما يرفعه أو ينفيه وجب فعله، وقال الحارث بن أسد المحاسبي (٢): الراجح عند أكثر السلف الاكتفاء بنية عامة، ولا يحتاج إليها في كل جزء لما فيه من الحرج والمشقة.
الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة وقد تكون مقصودة وقد يجتمعان.

----------------
(١) خرق بمقدار كلمة في (ج).
(٢) هو الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو عبد الله، الحارث بن أسد البغدادي، المحاسبي، صاحب التصانيف الزهدية، قال الخطيب: له كتب كثيرة في الزهد وأصول الديانة والرد على المعتزلة والرافضة، وقال الذهبي: المحاسبي كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنُقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال المحاسبي من وجه وحذر منه، مات سنة ٢٤٣.
وانظر ترجمته في: «حلية الأولياء» ١٠/ ٧٣، ١٠٩، «تاريخ بغداد» ٨/ ٢١١، ٢١٦، «وفيات الأعيان» ٢/ ٥٧، ٥٨، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١١٠ - ١١٢.



الرابع: الغرض المهم من النِّيَّة تمييز العبادات عن العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء، والغسل، والإمساك عن المفطرات، ودفع المال إلى الغير. ومن أمثلة الثاني: الصلاة.
الخامس: قد أسلفنا أن معنى النِّيَّة القصد، وذلك لا يؤثر إلا إذا كان جازمًا بالمقصود بصفته الخاصة، وإلا لم يكن قصدًا، فلو كان شاكًّا في وجود شرط ذَلِكَ الفعل، أو علق النية على شرط لم يصح المنوي، نعم لو كان جازمًا بالوجوب ناسيًا صفته، كمن تحقق أن عليه صومًا ولم يَدْرِ أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة، فقد حكى صاحب «البيان» عن (الصيمري) (١) أنه يصح إذا نوى الصوم الواجب عليه، قياسًا على من نسي صلاة من الخَمس ولم يعرف عينها، فإنه يعذر في جزم النية للضرورة (٢). ولو علق كما إذا قال: أصوم غدًا إن شاء الله. فالأصح أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح، وإن قصد التبرك أو تعليق الحياة على مشيئة الله تعالى وتمكينه صح (٣)، ثم في عدم الجزم بالنية صورٌ محل الخوض فيها كتب الفروع.

-----------------
(١) في (ف): الصميري، وما أثبتناه من (جـ) وهو الصواب، والصيمري هو: شيخ الإسلام، القاضي أبو القاسم، عبد الواحد بن الحسين الصيمري، من أصحاب الوجوه.
من مصنفاته: «الإيضاح في المذهب»، «القياس والعلل»، «الكفاية». توفي الصيمري بعد سنة ست وثمانين وثلائمائة.
انظر ترجمته في: «معجم البلدان» ٣/ ٤٣٩، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٦٥، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٤.
(٢) «البيان» ٣/ ٤٩٢.
(٣) انظر: «البيان» ٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣، «المجموع» ٦/ ٣١٥.



الوجه الثالث بعد العشرين:
قوله - ﷺ -: («إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ..») هو متعلق بالخبر المحذوف، ولا جائز أن نقدر وجودها لوجود العمل ولا نية، فتعين أن نقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإطلاق، فالحمل عليه أَوْلَى، وقد يقدرونه بالاعتبار، أي: اعتبار الأعمال بالنيات، وقرب ذَلِكَ بمثل قولهم: إنما الملك بالرجال -أي: قوامه ووجوده- وإنما الرجال بالمال، وإنما الرعية بالعدل، وكل ذَلِكَ يراد به أن قوام هذِه الأشياء بهذِه الأمور. وقدَّر بعض المحدثين القبول وهو راجع إلى ثواب الآخرة، وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال وقع اختلاف الفقهاء، فذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز إلى تقدير الصحة، أي: الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات، أو: إنما صحتها أو اعتبارها بالنيات. فيكون قد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فلا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم إلا بنية، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى تقدير الكمال، أي: كمال الأعمال بالنيات. فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلا بنية، وذهبت طائفة ثالثة إلى أنه يصح الكل من غير نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وغيره (١)، ومحل الخوض في هذِه المسألة كتب الخلافيات، وقد أوضحتها في «شرح عمدة الأحكام»، فليراجع منه (٢).

----------------------
(١) «الأوسط» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٨٣.



فإن قلت: الحديث المذكور عام مخصوص فإن أداء الدين، ورد الودائع، والأذان، والتلاوة، والأذكار، وهداية الطريق، وإماطة الأذى عبادات، وتصح بلا نية، فتضعف دلالته حينئذ، ويخص عدم اعتبارها في الوضوء أيضًا.
فالجواب: أن ما عُدَّ وادُّعِيَ فيه الصحة بلا نية إجماعًا ممنوع حَتَى يثبت الإجماع، ولن يقدر عليه، ثم نقول: النية تلازم هذِه الأعمال، فإنَّ مؤدي الديَّن قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذا الوديعة، والأذكار، والتلاوة والأذان بصورتهن عبادة، ولا ينفك تعاطيهن عن القصد، وذلك نية. ومتى خَلَوْنَ عن القصد لم يعتد بهن عبادة، والهداية والإماطة مترددة بين القربة وغيرها، وتتميز بالقصد.
تتمات تتعلق بالنية:
الأولى: لو وطئ امرأة يظنها أجنبية، فإذا هي مباحة له أَثِمَ، ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم (١)، وكذا لو شرب مباحًا يعتقده حرامًا أَثِمَ، وبالعكس لا يأثم، ومثله: ما إذا قَتل من يعتقده معصومًا، فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف مالًا يظنه لغيره فكان ملكه.
قال الشيخ عز الدين في «قواعده»: ويجري عليه حكم الفاسق لجرأته على ربه تعالى. وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب (تعذيبَ) (٢) زانٍ، ولا قاتلٍ ولا آكلٍ مالًا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على رتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على رتب المصالح في الغالب، قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيبَ من ارتكب صغيرة

-------------------
(١) ورد بهامش (ف): قال الخضري: إن كانت زوجته حرة؛ فالولد حر، وإلا فرقيق.
(٢) فى (ج): عذاب.



لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة (١).
الثانية: لو قال لامرأته: أنت طالق. يظنها أجنبية (طلقت) (٢) زوجته لمصادفة محله، وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه النظر إلى النية أو إلى فوات المحل، ولو قال لرقيقه: أنت حرٌّ. يظنه أجنبيًّا عتق، وفي عكسه التردد المذكور. وعلى هذا القياس في مسائل الشريعة والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة.
الثالثة: ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة ولزوم النذر بها؛ اعتمادًا على هذا الحديث ولا يرد على هذا حديث: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به» (٣) لأن (المعفو) (٤) عنه في هذا الحديث هو الخطرات والهمم الضعيفة، بخلاف ما (عقدت) (٥) به العزائم، وهم إنما يوقعون الطلاق ونحوه بالنية إذا قويت وصارت عزيمة أكيدة.
الرابعة: إذا نذر اعتكاف مدة (متتابعة) (٦) لزمه، وأصح الوجهين عند أصحابنا أنه لا يجب التتابع بلا شرط (٧).

---------------
(١) «قواعد الأحكام» ١/ ٢٦.
(٢) في (ج): خلفت.
(٣) سيأتي رقم (٢٥٢٨) كتاب: العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، و(٥٢٦٩) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، و(٦٦٦٤) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم (١٢٧) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.
(٤) في (ج): العفو.
(٥) في (ج): عقد.
(٦) في (ج): مستأنفة.
(٧) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٣٩، «فتح الوهاب» ١/ ١٣١، «مغني المحتاج» ١/ ٤٥٥.



فعلى هذا لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه وجهان: أصحهما لا كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه، كذا نقله الرافعي (١) عن تصحيح البغوي (٢) وغيره. قال الروياني وهو ظاهر نقل المزني، قال: والصحيح عندي اللزوم؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت كما لو قال: أنت طالق. ونوى ثلاثًا.
الخامسة: في اشتراط النية في الخطبة وجهان للشافعية كما في الأذان، قاله الروياني في «البحر» وفي الرافعي في الجمعة: أن القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة (٣)، ونقله في «الشرح الصغير» عن بعضهم.
السادسة: عدة الوفاة من حين الموت حَتَّى لو بلغها موته بعد تقضيها حلت للأزواج عندنا، وبه قال مالك والكوفيون. ولو أعتق عبده عن غيره

--------------
(١) «العزيز» ٣/ ٢٦٥ والرافعي هو شيخ الشافعية إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة من تصانيفه: «شرح مسند الشافعي» (طُبع بتحقيق دار الفلاح)، «الفتح العزيز في شرح الوجيز»، «التذنيب». توفي سنة ٦٢٣.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٥.
(٢) «التهذيب» ٣/ ٢٢٦ وهو الشيخ الإمام، العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسر، صاحب التصانيف كـ «شرح السنة»، و«معالم التنزيل»، و«المصابيح»، و«التهذيب» وغيرها من التصانيف المفيدة النافعة.
كان يلقب بمحيي السنة، وبركن الدين، توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٤٣٩ - ٤٤٣، «الوافي بالوفيات» ١٣/ ٢٦.
(٣) «العزيز» ٢/ ٢٩٣.



في كفارة الظهار بغير إذنه أجزأه عند ابن القاسم، وخالفه أشهب تبعًا للشافعي وأبي حنيفة (١).
السابعة: إذا أخذ الخوارج الزكاة اعتد بها على الأصح عندنا.
ثالثها (٢): إن أخذت قهرًا فنعم، وإلا فلا، وبه قال مالك.
الثامنة: قال الشافعي في البويطي كما نقله الروياني، عن القاضي أبي الطيب عنه: قد قيل: إن من صرح بالطلاق، والظهار، والعتق ولم يكن له نية في ذَلِكَ لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق، ولا ظهار ولا عتق، ويلزم في الحكم. وحجته هذا الحديث و«رفع القلم عن ثلاثة» (٣). والإجماع على المجنون والنائم إذا تلفظا بصريح الطلاق لا يلزمهما. وقال: قال مالك: من طلق، أو أعتق، أو ظاهر بلا نية يلزمه ذَلِكَ في الحكم فيما بينه وبين الله تعالى. والحجة فيه لمن ذهب إليه ما ذكر الله من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن من أتلف مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمساكين حق في الظهار. ولم يتعرض البويطي لواحد (منهما) (٤). فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين.

-----------------
(١) انظر: «المنتقى» ٤/ ٤٢.
(٢) على اعتبار أن في مسألة أخذ الخوارج للزكاة ثلاثة أوجه.
(٣) رواه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي ٦/ ١٥٦، وابن ماجه (٢٠٤١)، وأحمد ٦/ ١٠٠ - ١٠١، وأبو يعلى ٧/ ٣٣٦ (٤٤٠٠)، والطحاوي في «مشكل الآثار» «تحفة» ١/ ٥٨٢ (٥٧٩)، والحاكم ٢/ ٥٩ وصححه على شرط مسلم، من حديث عائشة، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٢٩٧).
(٤) في (ج): منها.



التاسعة: روينا في «مسند أبي يعلى» من حديث (…) (١) أنه -عليه السلام- قال: «يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا لم نحفظ ذَلِكَ عنه ولا هو في صحفنا فيقول: إنه نواه، إنه نواه» (٢). ولهذا المعنى ونحوه ورد الحديث الآخر: «نية المؤمن خير من عمله» (٣) وللناس فيه تأويلات ذكرت منها في «شرح
-------------------
(١) بياض في (ج)، و(ف).
والحديث بهذا النص مروي عن أبي عمران الجوني من قوله، وروي مرفوعًا عن أبي عمران الجوني عن أنس، بلفظ مقارب لهذا النص.
أما قول أبي عمران فقد رواه ابن أبي الدنيا في»الإخلاص والنية«ص ٧٥، وأبو نعيم في»الحلية«٢/ ٣١٣.
وأما حديث أنس فقد رواه الطبراني في»الأوسط«٣/ ٩٧. وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران إلا الحارث. اهـ. والبزار (٣٤٣٥) وقال: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، والدارقطني في»السنن«١/ ٥١، من طريق الحارث بن غسان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:»يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تبارك وتعالى، فيقول تبارك وتعالى: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله -عز وجل-: إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي«.
قال الهيثمي في»المجمع«١٠/ ٣٥٠: رواه الطبراني في»الأوسط«بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار. اهـ. والحديث ضعفه الألباني في»الضعيفة«(٥١٥٤).
قلت: وقع عند الطبراني أن الحارث هو ابن عبيد وهو خطأ، بل الصواب ابن غسان كما عند البزار، والدارقطني والله أعلم.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في»الإخلاص والنية«ص ٧٥، وأبو نعيم في»الحلية«٢/ ٣١٣.
(٣) رواه الطبراني في»الكبير«٦/ ١٨٥ (٥٩٤٢)، وأبو نعيم في»الحلية«٣/ ٢٥٥ من طريقه، والخطيب في»تاريخ بغداد«٩/ ٢٣٧، عن سهل بن سعد الساعدي، وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٦١: رجاله موثقون إلا حاتم بن عباد بن دينار الجرشي لم أر من ذكر له ترجمة. اهـ، وقال العراقي في»تخريج أحاديث الإحياء" ٢/ =



عمدة الأحكام» تسعة على (تقدير) (١) صحته، منها: أن نيته خير من خيرات عمله.
ومنها: أن النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عنها (٢).
الوجه الرابع بعد العشرين:
قوله عليه الصلاة السلام: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئِ مَا نَوى» يقال: امْرؤ وَمرء. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، (يقال) (٣) هذا مرء، وهذان امرآن، ولا يجمع إلا قومًا ورجالًا، ومنهم من يقول: هذا مرآن، وأنثى امرئ امرأة، وأنثى مرء مرأة ومرة

------------------
= ١١٧١: رواه الطبراني من حديث سهل بن سعد، ومن حديث النواس بن سمعان وكلاهما ضعيف. اهـ. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٦٠٤٥). ورواه القضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١١٩ (١٤٨) عن النواس بن سمعان. قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢١٩: والحديث ضعيف. اهـ. وقال العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ٣٢٤: وللعسكري بسند ضعيف عن النواس بن سمعان: «نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله». اهـ. وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٧٨٩): موضوع، فيه عثمان بن عبد الله الشامي كان يضع الحديث. اهـ ورواه القضاعي في «مسند الشهاب» ١٩/ ١١ (١٤٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٤٣، عن أنس. قال البيهقي: وهذا إسناد ضعيف. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢١٩: والحديث ضعيف. اهـ.، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ٤٣٠ في إسناده يوسف بن عطية ضعيف. اهـ. ورواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٢/ ٢٦٥ عن علي بن أبي طالب. ورواه الربيع بن حبيب! في «مسنده» ص ٢٣ عن ابن عباس، والحديث ضعف إسناده الألباني في «الضعيفة» (٢٧٨٩) وقال: فيه مسلم بن أبي كريمة مجهول كما قال أبو حاتم والذهبي، والربيع بن حبيب إباضي مجهول، ومسنده هذا هو «صحيح الإباضية» وهو مليء بالأحاديث الواهية والمنكرة. اهـ.
(١) في (ف): تقرير.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) في (ف): تقول.



- بغير همز- و(ما) بمعنى: الذي، وصِلَتُه: نوى، والعائد محذوف، أي: نواه. فإن قدرت ما مصدرية لم تحتج إلى حذف؛ إذ ما المصدرية عند سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل امرئ نيته.
الوجه الخامس بعد العشرين:
قوله: «(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى»). مقتضاه أن من نوى شيئًا يحصل له، وما لم يَنْوِه لا يحصل له؛ ولهذا عظموا هذا الحديث، وجعلوه ثلث العلم، والمراد بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلا فالعمل قد حصل لكنه غير معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: «(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا (يُصِيبُهَا) (١) ..») إلى آخره، فإن قلت: فما فائدة ذكر هذا بعد الأول وهو يقتضي التعميم؟
قلت: له فوائد:
الأولى: اشتراط تعيين المنوي، فمن كانت عليه مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل لابد أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذَلِكَ، قاله الخطابى (٢).
الثانية: منع الاستنابة في النية، فإن اللفظ إنما يقتضي اشتراط النية في كل عمل، وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو نوى واحد عن غيره صدق عليه أنه عمل بنية وذلك ممتنع، فأفاد بالثاني مَنْعَ ذلك.
وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته

-------------------
(١) من (ج).
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١١٣ - ١١٤.



الذمية عند طُهْرِهَا من الحيض على القول بذلك، وحَجُّ الإنسان عن غيره، وكذا إذا وكَّل في تفرقة الزكاة، وفوض إليه النية ونوى الوكيل، فإنه يجزئه كما قاله الإمام والغزالي و«الحاوي الصغير».
الثالثة: أنه تأكيد لقوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فنفى الحكم بالأول، وأكده بالثاني تنبيها على شرف الإخلاص (وتحذيرًا من الرياء المانع من (الإخلاص) (١).
فائدة: إذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء، فاختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان له (أجر) (٢) بقدره، وإن تساويا تساقطا.
واختار الشيخ عز الدين ابن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقًا سواء تساوى القصدان أو اختلفا (٣).
وقال المحاسبي: إذا كان الباعث الديني أقوى بطل عمله وخالف في ذَلِكَ الجمهور.
وقال محمد بن جرير الطبري: إذا كان ابتداء العمل لله لم يضره ما عرض بعده في نفسه من عجب. هذا قول عامة السلف.
الوجه السادس بعد العشرين:
مقتضى قوله - ﷺ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى» أن من نوى شيئًا لم يحصل له غيره ومن لم ينوِ شيئًا لم يحصل، وهذِه قاعدة مطردة في جميع

----------------
(١) من (ف) وفيها: الخلاص، والمثبت هو الصواب.
(٢) في (ف): الأجر.
(٣) «قواعد الأحكام» ١/ ١٢٤.



مسائل النية، نعم شدَّ عن ذَلِكَ مسائل يتأدى الفرض فيها بنية النفل، محل الخوض فيها كتب الفروع، وقد أوضحتها في كتاب «الأشباه والنظائر» فلتراجع منه (١).
الوجه السابع بعد العشرين:
الهجرة في اللغة: الترك. والمراد بها هنا: ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله إلى ما يحب.
ووقعت الهجرة في الإسلام على خمسة أوجه:
أحدها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة.
ثانيها: من مكة إلى المدينة بعد الهجرة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى المدينة قبل الفتح للاقتباس والتعلم لقومهم عند الرجوع.
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة؛ ليأتى النبي - ﷺ - ثمَّ يرجع إليها. كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، وهي أهمها، وقد أوضحتها بفوائد (جمة) (٢) في كتابنا «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» فلابد لك من مراجعته (٣). وأما حديث: «لا هجرة بعد الفتح» (٤) فمؤول كما ستعلمه في موضعه حيث ذكره البخاري -إن شاء الله- فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة من دار الكفر -إِذَا لم يمكنه إظهار دينه- إلى دار الإسلام،

-------------------
(١) «الأشباه والنظائر» لابن الملقن ١/ ٢٤٨ - ٢٥٢.
(٢) في (ج): خمسة.
(٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٩٨ - ٢٠١.
(٤) سبق تخريجه.



وينبغي أن تعدُّ سادسة (١). ثمَّ اعلم أن معنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن الحديث ورد على سبب كما سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ.
الوجه الثامن بعد العشرين:
قوله - ﷺ -: (»فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا .. «) إلى آخره، هو تفصيل لما سبق في قوله: (»إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ، وَإِئمَا لِكُلِّ آمْرِئٍ مَا نَوى«)، وإنما فرض الكلام في الهجرة؛ لأنها السبب الباعث على هذا الحديث كما سيأتي.
الوجه التاسع بعد العشرين:
قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى في الإيمان: (»فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ .. «). إلى آخره لابد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لابد من تغايرهما، وهنا وقع الاتحاد، (فالتقدير) (٢): فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وعقدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا (٣).
الوجه الثلاثون:
قوله - ﷺ -: (»فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا«) الدنيا بضم الدال عَلَى

-------------------
(١) زاد الحافظ أبو زرعة العراقي في»طرح التثريب" ١/ ٢٢: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإنهم هاجروا إلى أرض الحبشة مرتين كما هو معروف في السير ولا يقال: كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتفي بذكر الهجرة إليها مرة فإنه قد عدد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها.
ثم قال: والهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن. اهـ.
(٢) في (ج): والتقديرين.
(٣) ورد تعليق بهامش (ف) نصه: وقد يقصد بالخبر المفرد بيان الشيء وعدم التغيير فيتحد بالمبتدأ لفظًا كقوله: أنا أبو النجم، وشعري شعري.



المشهور (١)، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها (٢)، وجمعها دُنَا ككبرى وكُبَر وهي من دنوت لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها دنيوي ودُنْييُّ، وقال الجوهري (٣) وغيره: ودنياوي وقوله: «دُنْيَا» هو مقصور غير منون عَلَى المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوز في لغة غريبة تنوينها (٤).
الوجه الحادي بعد الثلاثين:
في حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين:
أحدهما: ما عَلَى الأرض مع الجو والهواء، (وأظهرهما) (٥): كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة.
الوجه الثاني بعد الثلاثين:
المراد بالإصابة: الحصول، شَبَّهَ تحصيل الدنيا بإصابة العرض بالسهم بجامع حصول المقصود.

-----------------
(١) الدنيا انقلبت فيها الواو ياءً، لأن فُعْلَى إذا كانت اسمًا من ذوات الواو أبدلت واوها ياءً، كما أُبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى، فأدخلوها في فُعْلَى ليتكافآ في التغيير.
(٢) «أدب الكاتب» ص ٣٢٨.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٣٤١. مادة: (دنو).
(٤) قال الحافظ أبو زرعة العراقي في «طرح التثريب» ١/ ٢٥: وحكى بعض المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة قريبة بالتنوين وليس بجيد، فإنه لا يعرف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيتم الكشميهني، وأنكر ذلك عليه ولم يكن ممن يرجع إليه في ذلك فأخذ بعضهم يحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في خلوف فم الصائم فحكوا فيه لغتين، وانما يعرف أهل اللغة الضم وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. اهـ.
(٥) في (ف): أظهرها.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]