عرض مشاركة واحدة
  #24  
قديم 23-12-2025, 10:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 149 الى صـــ 170
الحلقة (24)



مثل: الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قال: أوسعوا للشيخ الصغير. قال: ثم تبسم ابن عيينة وضحك (١).
فائدة:
سفيان هذا أحد مشايخ الشافعي، ومن ينتهي إليه سلسلة أصحابنا في الفقه، ومنه إلى النبي - ﷺ -، وكان إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا (٢). وقيل عن الشافعي: إنه مات في غشية له. فقال: إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه (٣).
وأما راويه عن سفيان فهو: الإمام أبو بكر عبد الله (ع) بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حُميد -بضم الحاء- الحُميدي القرشي الأسدي المكي الثقة، رئيس أصحاب ابن عيينة وأثبتهم. جَاَلسَه عشرين سنة، ومن الفضلاء الآخذين عن الشافعي وأحد رفقائه في الرحلة.
وهو أول من حدَّث عنه البخاري في «صحيحه»، وروى مسلم في مقدمة «صحيحه» عن سلمة بن شبيب عنه (٤)، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، والترمذي وابن ماجه في التفسير. مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين وقيل: سنة عشرين (٥).

----------------
(١) رواه الخطيب في «الكفاية» ص ٦١، وذكره الذهبي في «السير» ٨/ ٤٥٩ وقال: وفي صحة هذا نظر، وإنما سمع -يعني: سفيان- من المذكورين -يعني: الزهري، وعمرو بن دينار -وهو ابن خمس عشرة سنة أو أكثر.
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٩١ - ٩٢.
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٩٥.
(٤) «صحيح مسلم» ١/ ١٦.
(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٥٠٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ٩٦ - ٩٧ =


فائدة:
في الكتب الستة عبد الله بن الزبير ثلاثة هذا أحدهم، وثانيهم الصحابي (١)، وثالثهم البصري (٢): روى له ابن ماجه والترمذي في «الشمائل».
وفي الصحابة أيضًا عبد الله بن الزبير بن [عبد] (٣) المطلب بن هاشم (٤)، وليس لهما ثالث في الصحابة.

---------------
= (٢٧٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٥٦، ٥٧ (٢٦٤)، «الثقات» ٨/ ٣٤١، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥١٢ - ٥١٥ (٣٢٧٠).
(١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، يكنى أبا بكر، أبوه حواري الرسول - ﷺ -، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالته عائشة أم المؤمنين، وعمته خديجة أم المؤمنين، وجدته صفية عمة رسول الله - ﷺ -، وهو أول مولود يولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، بايع النبي - ﷺ - وهو ابن ثمان، وكان فصيحًا، وذا شجاعة وقوة، وكان صوامًا قوَّامًا، بالحق قوالًا، وللرحم وصالًا شديدًا على الفجرة، ذليلًا للأتقياء البررة. بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية فكانت خلافته تسع سنين، قتله الحجاج بن يوسف في أيام عبد الملك بن مروان وصلبه بمكة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين.
انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥١٤، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٢٦ (٥٨٩)، «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٤٧ (١٦٣٧)، «الاستيعاب» ٣/ ٣٩ (١٥٥٣)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٤٢ (٢٩٤٧).
(٢) عبد الله بن الزبير بن معبد الباهلي أبو الزبير، ويقال: أبو معبد البصري، قال أبو حاتم: مجهول لا يُعرف. وقال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول. «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥١٦ (٣٢٧١)، «الكاشف» ١/ ٥٥٢ (٢٧٢٢)، «تقريب التهذيب» (٣٣٢١).
(٣) ساقط من (ف)، ومثبت من مصادر الترجمة.
(٤) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم النبي - ﷺ -، وأمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن =



فائدة ثانية:
الحُمَيدي هذا -بضم الحاء وفتح الميم- قال السمعاني: وهي نسبة إلى حُميد بطن من أسد بن عبد العزى بن قصي، وقال النووي في «إملائه»: هو نسبة إلى جده حميد المذكور وهو ما ذكر ابن طاهر في (…) (١)، وقال السمعاني: سمعت شيخي أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: هو منسوب إلى الحميدات وهي قبيلة.
فائدة ثالثة:
الحميدي هذا قد يشتبه بالحميدي المتأخر صاحب «الجمع بين الصحيحين» وهو العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل -بمثناة تحت ثم صاد مهملة مكسورة ثم لام- الأندلسي، الإمام (ذو) (٢) التصانيف في فنون، سمع الخطيب وطبقته، وبالأندلس ابن حزم وغيره، وعنه الخطيب وابن ماكولا وخلق، وكان ثقة صالحًا إمامًا حافظًا متقنًا، متفقًا على جلالته وإمامته، سكن ببغداد مدة، ومات بها سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، قال السمعانى: والحميدي هذا نسبة إلى جده حميد (٣).

------------------
= مخزوم، لا عقب له، وهو أخو ضباعة بنت الزبير، وكان الزبير أخا عبد الله أبي رسول الله - ﷺ - لأبيهما وأمهما. وشهد عبد الله قتال الروم في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقتل يوم أجنادين، ووجد حوله عصبة من الروم قتلهم، ثم أثخنته الجراح فمات. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥٢٢، ٥٢٣، «الاستيعاب» ٣/ ٣٨، ٣٩ (١٥٥٢)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٤١ (٢٩٤٦).
(١) مقدار كلمة غير واضحة.
(٢) في (ف): ذوا.
(٣) انظر ترجمته في: «اللباب» ١/ ٣٩٢، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٢١٨ - ١٢٢٢ (١٠٤١)، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ١٢٠ (٦٣)، «شذرات الذهب» ٣/ ٣٩٢.



فائدة رابعة:
الحُميدي -بالضم- يشتبه بالحَمِيدي -بالفتح وكسر الميم- نسبة لإسحاق بن تَكِيْنَك الحميدي، مولى الأمير الحميد الساماني، سمع من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سلم وغيره، نبه عليه السمعاني (١). قلت: وأبو بكر عتيق بن علي الصنهاجي الحَميدي -بالفتح أيضًا- ارتحل وسمع من نصر الله القزاز وتفقه، وله ديوان شعر، ثم ولي قضاء عدن، ومات باليمن، وذكر ابن ماكولا مع الحُميدي -بالضم- الجنيدي، وقال: يروي عنه ابن عَدِي ولا يُلبس، وما ذكرناه من الضم مع الفتح أولى، وكذا سُقْتُهُ في مختصري في المؤتلف والمختلف.
فائدة:
هذا الحديث على شرط مسلم أيضًا من هذا الوجه، فإنه أخرج لرجاله كلهم في «صحيحه» فتنبَّه له.
الوجه الرابع: في لطائف إسناده:
من لطائفه أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني، فالأولان مكيان والباقون مدنيون.
ومن لطائفه رواية تابعي عن تابعي وهما يحيى ومحمد التيمي، وهذا كثير، وإن شئت قلت: فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة، على قول الجمهور كما سلف أنه تابعي لا صحابي (٢).

-------------------
(١) انظر: «اللباب» ١/ ٣٩٢.
(٢) قلت: هذا يسمى: المدبج أو رواية الأقران بعضهم عن بعض، كما هو مقرر في مصطلح الحديث. =



ومن لطائفه أيضًا: رواية صحابي عن صحابي على قول من عدّه صحابيًّا، ويقع أيضًا رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض أيضًا، وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصبهاني جزءًا لرباعي الصحابة وخماسيهم، وقد لخصته بحذف أسانيده، وسيأتي لك بعضه عند التوغل في هذا الشرح في أَمَسّ المواضع به إن شاء الله.
ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء وجمع اختلاف طرقه، وهو حديث (منصور) (١) بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - في أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن (٢).

------------------
= فالمدبج هو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر، والقرينان هما المتقاربان في السن والإسناد، المشتركان في الأخذ عن الشيوخ. فمثال المدبج في الصحابة: عائشة وأبو هريرة، روى كل واحد منهما عن الآخر، وفي التابعين: رواية الزهري عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عمر، عن الزهري، وفي أتباع التابعين: رواية مالك عن الأوزاعي ورواية الأوزاعي عن مالك.
أما رواية الأقران: فهي أن يروي أحد القرينين عن الآخر فقط، مثاله: رواية سليمان التيمي عن مسعر بن كدام، فهما قرينان، ولا يعلم لمسعر رواية عن سليمان. انظر: «علوم الحديث» ص ٣٠٩ - ٣١٠، «المقنع» ٢/ ٥٢١ - ٥٢٣، «تدريب الراوى» ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٦.
(١) في (ف): المنصور، والصواب ما أثبتناه، كما في مصادر التخريج.
(٢) رواه الترمذي (٢٨٩٦)، والنسائي ٢/ ١٧٢، وأحمد ٥/ ٤١٨، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٢٢٣ (٢٢٢)، والطبراني ٤/ ١٦٧ (٤٠٢٨، ٤٠٢٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال =



قال يعقوب بن شيبة: وهذا أطول إسناد روي. قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا الحديث أيضًا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الربيع، عن عبد الرحمن، فذكره.
الوجه الخامس: في بيان الأنساب الواقعة فيه:
وقع فيه الحميدي والأنصاري والليثي والتيمي، أما الأول: فقد سلف بيانه، وأما الثاني: فنسبته إلى الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف، وبه جزم النووي، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب وهم قبيلتان: الأوس، والخزرج ابنا حارثة -بالحاء المهملة- بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن مُزَيْقِيَاء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن قيس بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان بن عامر بن صالح بن أرفخشد بن سام بن نوح -عليه السلام-. وقحطان أصل العرب -أعني: عرب اليمن- واسم قحطان: يقطن وقيل: يَقطان؛ وسمي به لأنه كان أول من قحط أموال الناس من ملوك العرب. وقال ابن ماكولا اسمه: مهرّم (١).
وأما عرب الحجاز وهم العرب المستعربة فمن ذرية إسماعيل، وأما

---------------------
= شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحاديث المأثورة عن النبي - ﷺ - في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها، حتى قال طائفة من الحفاظ كالدارقطني: لم يصح عن النبي - ﷺ - في فضل سورة من القرآن أكثر مما صح عنه في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. «تفسير سورة الإخلاص» ص ٢٦، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٩٧٨).
(١) «الإكمال» ١/ ٣٤١، ٢/ ٥٦٦، ٧/ ٣٠٥.



العرب العاربة فهم: عاد وثمود وجرهم والعماليق وأمم سواهم، وقيل: إن جميع العرب ينسبون إلى إسماعيل، والمشهور ما ذكرناه. والخزرج أشرف من الأوس؛ لكون أخوال النبي - ﷺ - منهم، وهو وصفٌ لهم إسلامي، وقيل لهم ذَلِكَ؟ لنصرتهم رسول الله - ﷺ - في «الصحيح» كما سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك: أرأيتم اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله به؟ قال: بل سمانا الله (١). وتفرعوا بطونًا وأفخاذًا كثيرة.
وأما الليثي فنسبة إلى ليث بن بكر -كما أسلفناه- بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، وقد ينسب في غير هذا إلى الجد دون القبيلة وإلى نزوله فيهم، ويشتبه الليث بأشياء ذكرتها في «المؤتلف».
وأما التيمي فنسبه إلى عدة قبائل اسمها تيم قريش، ومنها خلق كثير من الصحابة فمن بعدهم، منها: محمد بن إبراهيم السالف، ومنها تيم اللات بن ثعلبة، وتيم الرباب، وتيم ربيعة. ويشتبه التيمي بالتيَمي -بفتح الياء- بطن ابن غافق، منهم الماضي بن محمد سمع منه ابن وهب (٢).
الوجه السادس:
هذا الحديث أحد أركان الإسلام وقواعد الإيمان، ولا شك في صحته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه حفاظ الإسلام وأعلام الأئمة إمام دار الهجرة مالك (خ، م) بن

----------------------
(١) سيأتي برقم (٣٧٧٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب الأنصار.
(٢) هو أبو مسعود، الماضي بن محمد بن مسعود التمي الغافقي، روى «الموطأ» عن مالك، روى عنه ابن وهب، وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومئة.
انظر: «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.



أنس، وشعبة بن الحجاج، والحمادان: حماد (خ) بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانان: سفيان الثوري وابن عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الوهاب (خ)، وخلائق لا يحصون كثيرة. وقد ذكره البخاري من حديث سفيان ومالك وحماد بن زيد وعبد الوهاب كما سلف.
قال أبو سعيد محمد بن على الخشَّاب الحافظ (١): روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلًا.
قلت: وبلغهم ابن منده (٢) في «مستخرجه» فوق الثلاثمائة.
ولولا خشية الملالة لعددتهم، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل (محمد) (٣) يقول في المذاكرة:

-------------------
(١) هو الإمام المحدث المفيد الثقة، أبو سعيد محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حبيب النيسابوري، الخشاب، الصافر، ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
قال عبد الغافر في سياق تاريخ نيسابور: كان محدثًا مفيدًا، من خواص خدم أبي عبد الرحمن السلمي، وكان صاحب كتب حتى صار بُندار كتب الحديث بنيسابور.
توفي في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ١٥٠ - ١٥١، «شذرات الذهب» ٣/ ٣٠١.
(٢) هو الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الإمام أبي عبد الله محمد بن المحدث أبي يعقوب إسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده، العبدي الأصبهاني، أبوه صاحب تصانيف منها «معرفة الصحابة». ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وسمع أباه وأبا بكر بن مردويه وغيرهم، وكان كبير الشأن جليل القدر كثير السماع، سافر إلى الحجاز وبغداد وهمذان وخراسان، وكتابه المذكور هو «المستخرج من كلام الناس» قيد التحقيق بدار الفلاح.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٣٤٩، «شذرات الذهب» ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٣) في (ف): أحمد، والمثبت هو الصواب.
وهو الشيخ الإمام الحافظ المتقن محدث أصبهان، أبو مسعود، عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بن محمد الأصبهاني كُوتاه، ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة. =



قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظان: أبو موسى المديني (١)، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: إنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل (٢).
ثم تنبه بعد ذَلِكَ لقولين ساقطين:
الأول: ما رأيته في أول كتاب «تهذيب مستمر الأوهام» لابن ماكولا أنه يقال: إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي.
الثانية: ذكرها هو أيضًا في موضع آخر أنه يقال: لم يسمعه التيمي من علقمة (٣). وبيان وهن هاتين المقالتين رواية البخاري السالفة أول «صحيحه» فإن فيها: عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم

-------------------
= قال الحافظ أبو موسى: هو أوحد وقته في علمه مع حسن طريقته وتواضعه.
مات في شعبان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
انظر ترجمته في: «المنتظم» ١٠/ ١٨٢، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٣٢٩ - ٢٣١، «شذرات الذهب» ٤/ ١٦٧.
(١) أبو موسى محمد بن أبى بكر عمر بن أبى عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبى عيسى المديني الأصبهاني الشافعي صاحب التصانيف، إمام علامة، حافظ كبير، ثقة شيخ المحدثين، ولد سنة ٥١١ هـ، ومات سنة ٥٨١ هـ.
انظر: «وفيات الأعيان» ٤/ ٢٨٦ (٦١٨)، «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ١٥٢ - ١٥٩ (٧٨)، «الوافي بالوفيات» ٤/ ٢٤٦، ٢٤٧ (١٧٨٤)، «شذرات الذهب» ٤/ ٣٧٣.
(٢) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١١: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائة. اهـ. وقال في «التلخيص الحبير» ١/ ٥٥: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقًا. اهـ.
(٣) «تهذيب مستمر الأوهام» ص ٦١ - ٦٢ بتصرف.



التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص فذكره، وكذا صرح بذلك في كتاب: الأيمان والنذور كما سلف لك، وإنما ذكرت هاتين المقالتين لأُنَبِّه على وَهنهما وشذوذهما وأنهما لا يقدحان في الإجماع السالف على صحته، ومثلهما في الوهن قول ابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار»: إن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودًا؛ لأنه حديث فرد (١).
الوجه السابع:
هذا الحديث قد رواه عن النبي - ﷺ - غير عمر، من الصحابة - رضي الله عنهم -، وإن كان الحافظ أبو بكر البزار قال: لا نعلم رُوِيَ هذا الحديث إلا عن عمر، عن رسول الله بهذا الإسناد (٢). وكذا ابن السكن في كتابه المسمى بـ «السنن الصحاح المأثورة» حيث قال: لم يروه عن النبي - ﷺ - بإسناد غير عمر بن الخطاب، وكذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن عتَّاب، حيث قال: لم يروه عن النبي - ﷺ - غير عمر. وذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه «الإرشاد» من حديث عبد المجيد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -: «الأعمال بالنية» (٣). ثم قال: ورواه عنه نوح بن حبيب وإبراهيم بن عتيق، وهو حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه.
فهذا مما أخطا فيه الثقة عن الثقة، وإنما هو حديث آخر أُلصق بهذا، وهذا مما غلط فيه عبد المجيد (٤).
ورواه الدارقطني في «أحاديث مالك التي ليست في الموطأ» ولفظه:

------------------
(١) «تهذيب الآثار» ص ٧٨٦، مسند عمر بن الخطاب، السفر الثاني.
(٢) «البحر الزخار» ١/ ٣٨٠ (٢٥٧).
(٣) «الإرشاد» ١/ ٢٣٣ (٢٨).
(٤) «الإرشاد» ١/ ١٦٧.



«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ولكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى» إلى آخره، ثم قال: تفرد به عبد المجيد، عن مالك، ولا نعلم حدث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيب وإبراهيم بن محمد العتيقي. قلت: وعبد المجيد هو ابن (عبد العزيز) (١) بن أبي رواد المكي، وهو من رجال مسلم مقرونًا، ووثَّقه يحيى وغيره. وقال أحمد: ثقة يغلو في الإرجاء. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه (٢). وقال الدارقطني: لا يحتج به (٣). وأما الخطابي فإنه أحال الغلط على الراوي عنه فقال: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن هذا الحديث لا يصح مسندًا إلا من حديث عمر، وقد غلط فيه نوح بن حبيب (٤)، ونوح هذا ثقة صاحب سنة، وأخرج له أبو داود والنسائي وقال: لا بأس به (٥)، وقال الخطيب: هو ثقة، أمر أحمد بن حنبل أن يكتب حديثه (٦).
وقال ابن منده الحافظ: رواه عن النبي - ﷺ - غير عُمَرَ سعدُ بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن عبد السلمي (وهزال بن

-----------------
(١) في (ف): عبد الله، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر الترجمة.
(٢) «الجرح والتعديل» ٦/ ٦٥.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٠٠، «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٢ (١٨٧٥)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٧١ - ٢٧٦ (٣٥١٠).
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ١١١.
وتعقبه العراقي في «طرح التثريب» ٢/ ٤ - ٥، فقال: وما قاله الخطابي ليس بجيد، فإنه لم ينفرد به نوح عنه بل رواه غيره عنه وإنما الذي تفرد به ابن أبي رواد كما قال الدارقطني وغيره. اهـ.
(٥) انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٣٢١.
(٦) «تاريخ بغداد» ١٣/ ٣٢٠، ٣٢١.



حدث خطأ في تحميل الصفحة

الجُذامي ومحمد بن المنكدر.
ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيمي (محمد) (١) بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن قيس الأنصاري.
الوجه التاسع:
ادعى الخليلي أن الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمردود وما كان عن ثقة توقف فيه، ولا يحتج به (٢). وقال الحاكم: إنه ما انفرد به ثقة وليس له أصل يتابع (٣).
وما ذكراه يشكل بما ينفرد به العدل الضابط كهذا الحديث؛ فإنه لا يصح إلا فردًا و(ليس له) (٤) متابع أيضًا كما سلف، ومثل هذا الحديث النهي عن بيع الولاء وهبته الآتي في بابه تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - (٥)، وقد قال مسلم في «صحيحه»: للزهري نحو من تسعين حديثًا يرويها عن النبي - ﷺ - لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد (٦)، وما أبدع حد الشافعي رحمه الله للشاذ، حيث

-----------------
= المختصر«٢/ ٢٤٨، ولم أقف له أيضا على ترجمة، والله أعلم.
(١) في (ف) محمد بن محمد، والصواب ما أثبتناه كما في»تهذيب الكمال«٢٦/ ٢١٢.
(٢)»الإرشاد«للخليلي ١/ ١٧٦.
(٣)»معرفة علوم الحديث«للحاكم ص ١١٩.
(٤) في (ف): وله، ولعل الصواب ما أثبتناه حتى يستقيم السياق والله أعلم.
(٥) سيأتي برقم (٢٥٣٥) كتاب: العتق، باب: بيع الولاء وهبته.
(٦)»صحيح مسلم" عقب الرواية (١٦٤٧).



بريء منه، وهو للذي أشرك» (١) وفي رواية: «تركته وشركه»، وحديث: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢).
الوجه العاشر:
قول البخاري رحمه الله: (ثنا الحميدي)، وقول يحيى بن سعيد (أخبرني) يتعلق به مسائل:
الأولى: في كتابة: نا وأنا، وقد أسلفنا الكلام عليه في القاعدة الخامسة عشر في الفصل المعقود لها فرَاجِعْها منه.
الثانية: جرت العادة أنْ يقال فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: حَدَّثَني، ومع غيره: ثنا، وفيما قرأ عليه بنفسه: أخبرني، وفيما قرأ عليه بحضوره: أنا، فإن شك هل كان وحده أو مع غيره؟ فيحتمل أن يقال: يقول: حَدَّثَني أو أخبرني؛ لأن عدم غيره هو الأصل، واختاره البيهقي، ولا يقول: ثنا، فإن كان حَدَّثَني أكمل مرتبة منها فيقتصر

----------------
= الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء، (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ - «اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم»، (٤٤٠٩) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع، (٥٣٥٤) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل. (٥٦٦٨) كتاب: المرض، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، (٦٣٧٣) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل، (٦٧٣٣) كتاب: الفرائض، باب: ميراث البنات. ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية: باب الوصية بالثلث.
(١) رواه مسلم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، وابن ماجه (٤٢٠٢)، وأحمد ٢/ ٣٠١، وابن خزيمة ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٩٣٨) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٥٨) كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: وقد ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا﴾، ورواه مسلم (١٩٠٤) كتاب: الاِمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله، عن أبي موسى الأشعري.



على الناقص، وهو ما قاله الإمام يحيى القطان فيما إذا شك أن الشيخ قال: نا فلان أو حَدَّثَني، ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب، ويجوز في حَدَّثَني: نا، وفي أخبرني: أنا، وذلك سائغ في كلام العرب.
الثالثة: أرفع الأقسام عند الجماهير السماع من لفظ المُسْمِع، قال الخطيب: وأرفع العبارات: سمعت ثم نا، وحَدَّثَني، فإنه لا يكاد أحد يقول في الإجازة والكتابة: سمعت لأنه يدلس ما لم يسمعه، وكان بعضهم يستعمل ثنا في الإجازة (١).
وقال ابن الصلاح: نا، وأنا أرفع من سمعت؛ إذ ليس في سمعت دلالة أن الشيخ خاطبه، بخلافهما كما وقع لأبي القاسم الآبندوني (٢)، فإنه كان عسر الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم، ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به، فكان يقول: سمعت، ولا يقول: نا ولا أنا؛ لأن قصده الرواية للداخل عليه (٣).
قلت: ولك أن تقول: نا أيضًا، قد استعملها بعضهم في الإجازة كما سلف، ولا شك في انحطاط رتبتها عن السماع.
الرابعة: في إطلاق نا، وأنا في القراءة على الشيخ ثلاث مذاهب: المنع، والجواز، والمنع في نا والجواز في أنا، والأول قول جماعة

------------------
(١) انظر: «الكفاية» ص ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) هو أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الآبندوني الجرجاني، كان إمامًا حافظًا زاهدًا ثقة مأمونًا ورعًا مكثرًا من الحديث، وكان من أقران أبي بكر الإسماعيلي وأبي أحمد ابن عدي الحافظ، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر البرقاني الخوارزمي.
مات سنة ثمان أو سبع وستين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٤٠٨، «الأنساب» للسمعاني ١/ ٩١ - ٩٢.
(٣) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٣٥ - ١٣٦.



منهم: أحمد، وصححه الآمدي (١)، والغزالي (٢) من الأصوليين، وهو مذهب المتكلمين.
والثاني: منسوب إلى معظم الحجازيين والكوفيين ومالك والبخاري أيضًا، وصححه ابن الحاجب (٣) من الأصوليين، وعن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة (٤).
والثالث: نسب إلى الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين أيضًا ومنهم ابن وهب (٥)، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث (٦)، وقد أعاد أبو حاتم الهروي قراءة «صحيح البخاري» كله؛ لأنه قرأه على بعض الشيوخ عن الفربري، وكان يقول له في كل حديث: حدثكم الفربري، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر له إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاده وقال له في جميعه: أخبركم الفربري (٧).
وقد ذكر البخاري في باب: العلم كما ستعلمه: عن الحميدي عن

-----------------
(١) «الإحكام» ٢/ ١٠٠.
(٢) «المستصفى» ١/ ٣١٠.
(٣) «منتهى الوصول» ص ٨٣.
(٤) «معرفة علوم الحديث» ص ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٥) «مقدمه ابن الصلاح» ص ١٣٢ - ١٣٧، «المقنع في علوم الحديث» ص ٢٨٨ - ٢٩٢.
(٦) انظر: «علوم الحديث» ص ١٤٠، ثم قال ابن الصلاح: وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ابن جريج والأوزاعي حكاه عنهما الخطيب، إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك بمصر، والله أعلم. اهـ.
(٧) أوردها الخطيب في «الكفاية» ص ٤٣٦.



ابن عيينة أنه قال: نا وأنا وأنبأنا وسمعت واحد (١)، وقد أتى البخاري في هذا الحديث بألفاظ، فقال: نا الحميدي، نا سفيان، وفي بعض نسخه، وهي نسخة شيخنا قطب الدين عن سفيان، ثم قال: أخبرني محمد، ثم قال سمعت عمر، فكأنه يقول: هذِه الألفاظ كلها تفيد السماع والاتصال (٢).
الوجه الحادي عشر:
قام الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين أن يأتي بلفظ: سمعت، أو بلفظ: عن، أو بلفظ: أن، أو بلفظ: قال. وقد ذكر البخاري في هذا الحديث الألفاظ الأربعة، فذكره هنا وفي الهجرة (٣) والنذور وترك الحيل بلفظ: سمعت رسول الله - ﷺ -. وفي باب: العتق بلفظ: عن. وفي؛ باب: الإيمان بلفظ: أنَّ، وفي النكاح بلفظ: قال.
نعم. وقع الاختلاف فيمن دونه إذا قال: عن، فقيل: إنه من قبيل المرسل والمنقطع حَتَّى يتبين اتصاله بغيره، والصحيح أنه من قبيل المتصل بشرط أن لا يكون المُعَنعِنُ مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا. وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالراوية عنه مذاهب:

------------------
(١) سيأتي قبل الرواية (٦١) كتاب: العلم، باب: قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا أو أنبانا.
(٢) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي قراءة على شيخنا حافظ الإسلام المصنف، وسمعه الأئمة شيخنا شمس الدين محمد الصفدي والبستاني الحاضري وأبو الحسن التيمي وابن بهرام وآخرون.
(٣) من كتاب: «المناقب» حديث رقم (٣٨٩٨).



أحدها: لا يشترط شيء من ذَلِكَ، ونقل مسلم في مقدمة «صحيحه» الإجماع عليه (١).
وثانيها: يشترط ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين.
وثالثها: يشترط طول الصحبة.
ورابعها: يشترط معرفته بالرواية عنه، وقد أسلفنا كل ذَلِكَ في القاعدة الخامسة السالفة أول الكتاب في المقدمات.
والحميدي مشهور بصحبة ابن عيينة، وهو أثبت الناس فيه، قال أبو حاتم: هو رئيس أصحابه ثقة إمام (٢). وقال ابن سعد: هو صاحبه وراويته (٣). والأصح أنَّ أنْ كعن بالشرط المتقدم. قلت: ولغة بني تميم إبدال العين من الهمزة، وقال أحمد وجماعة: يكون منقطعًا حَتَّى يتبين السماع.
الوجه الثاني عشر:
ذكر البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث: سمعت رسول الله - ﷺ -. وفي بعضها: سمعت النبي - ﷺ -. كما قدمناه. وتتعلق بذلك مسألة مهمة وهي: هل يجوز تغيير قال النبي إلى قال الرسول أو عكسه؟ وقد سلفت أول الكتاب.
قال ابن الصلاح: والظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى؛ لاختلاف معنى الرسالة والنبوة (٤). وسهل في ذَلِكَ الإمام أحمد وحماد بن سلمة والخطيب، وصوبه النووي، فإنه لا يختلف به

----------------------
(١) «صحيح مسلم» ١/ ٣٢.
(٢) «الجرح والتعديل» ٥/ ٥٧.
(٣) «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٠٢.
(٤) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٣٣.



هنا معنى (١)، وهو كما قال. وبهذا يظهر ردُّ بحثِ مَن بحثَ، حيث قال: لو قيل: يجوز تغيير النبي إلى الرسول دون عكسه لما بعد؛ لأن في الرسول معنى زائدًا على النبي وهو الرسالة.
قلت: وهذِه المسألة من أصلها مبنية على أن الرسالة أخص من النبوة، وهو ما عليه الجمهور.
وأما من قال: إنهما بمعنى، فلا يأبى هذا، وقد أوضحت الكلام على ذَلِكَ في كتابنا المسمى بـ«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» في شرح الخطبة مع فوائد جمة متعلقة بذلك، وذكرت فيه أن من الغرائب ما قاله الحليمي (٢): إن الإيمان يحصل بقول الكافر: آمنت بمحمد النبي دون محمد الرسول، معللًا بأن النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره. وقلت فيه: كأنه أراد أن لفظ الرسول يستعمل عرفًا في غير الرسالة إلى الخلق، بخلاف النبوة فإنها لا تستعمل إلا في النبوة الشرعية دون اللغوية (٣).
ثم اعلم أنه يتأكد الاعتناء بالجمع بين الصلاة والتسليم عند ذكره

-------------------------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١/ ٣٨.
(٢) الحليمي هو أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري، الشافعي أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، كان متفننا، سيّال الذهن، مناظرًا، طويل الباع في الأدب والبيان. ولد في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وله مصنفات نفيسة، توفي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٧، ١٣٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٣١ - ٢٣٤، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٥١، «طبقات السبكي» ٤/ ٣٣٣ - ٣٤٣.
(٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٠٨.



عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد نص العلماء على كراهة إفراد أحدهما (١).
الوجه الثالث عشر:
اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين: أحدهما: نعم، وهو مذهب أبي علي الفارسي في «إيضاحه» قال: لكن لابد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: سمعمت زيدًا أخاك لم يجز (٢)، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعته حال قوله كذا.
الوجه الرابع عشر:
(الْمِنْبَرِ) -بكسر الميم- مشتق من النبر وهو الارتفاع، قاله أهل اللغة (٣)، قال الجوهري: نبرت الشيء، أنْبُرُه نبرًا: رفعته. ومنه سمي المِنبر (٤).
الخامس عشر:
لفظة: «إنما» موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفى ما عداه، هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما. وعلى هذا هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان حكاهما ابن الحاجب (٥)،

------------------
(١) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩٠، «مسلم بشرح النووي» ١/ ٤٤، «المقنع» ١/ ٣٥٣.
(٢) «الإيضاح» ١/ ١٩٧.
(٣) «لسان العرب» ٥/ ١٨٨، «تاج العروس» ١/ ٣٥١٠، مادة: (نبر).
(٤) «الصحاح» ٢/ ٨٢١، مادة: (نبر).
(٥) «المنتهى» لابن الحاجب ص ١١٢.



ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق (١)، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات (٢)، وهو الصحيح عند النحويين (٣)، وقيل: تفيده وضعًا لا عرفًا، حكاه بعض المتأخرين، ومحل بسط المسألة كتب الأصول والعربية فلا نطول به.
فائدتان: الأولى: (أنما) -بفتح الهمزة- كإنما قاله الزمحشري (٤) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
وعُدَّ ذَلِكَ من أفراده (٥)، ومنع بعض شيوخنا الحصر هنا لاقتضائه أنه لم يُوْحَ إليه غير التوحيد (٦). وفيما ذكره نظر، فإن الخطاب مع المشركين، فالمعنى: ما أُوحي إِلَيَّ في أمر الربوبية إلا التوحيد لا الإشراك (٧).
الثانية: للحصر أدواتٌ أُخَرُ منها: حصر المبتدأ في الخبر نحو: العالم زيد (٨)، ومنها: تقديم المعمولات على ما قاله الزمخشري (٩) وجماعة نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ومنها إلا، على اختلاف

------------------
(١) «التمهيد» للإسنوي ص ٢١٨، «الإبهاج» ١/ ٣٥٦.
(٢) «الإحكام» ٣/ ١٠٦.
(٣) انظر: «مغني اللبيب» ص ٤٠٦.
(٤) «الكشاف» ٣/ ٢٠٨.
(٥) قاله أبو حيان، انظر: «مغني اللبيب» ص ٥٩، «القواعد والفوائد الأصولية» للبعلي ص ١٤٠.
(٦) وهو منقول أيضًا عن أبي حيان، انظر المصادر السابقة.
(٧) انظر: «مغني اللبيب» ص ٥٩، «القواعد والفوائد الأصولية» ص ١٤٠.
(٨) قلت: المسألة خلافية، فقد ذهب الحنفية والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يفيد الحصر، واختاره الآمدي، وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر. انظر: «الإحكام» ٣/ ١٠٦.
(٩) «الكشاف» ١/ ٤، ٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]