
23-12-2025, 10:31 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,092
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 126 الى صـــ 148
الحلقة (23)
الحديبية كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هدا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» (١) فلولا نَسْخُه لما تركه، وهذا بعيد، وأي دليل دلنا عَلَى النسخ فقد يكون الترك لبيان الجواز.
سابعها: إنما تركه لأنه راعى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. فلم يقدم بين يدي الله ولا رسوله شيئًا، وابتدأ بكلام رسوله عوضًا عن كلام نفسه (٢)، وانضم إلى ذَلِكَ ما سلف أنه - ﷺ - خطب به عند قدومه المدينة، وخطب به عمر أيضًا، فجعله البخاري خطبة لكتابه (٣).
فإن قُلْتَ: فقد قدم الترجمة فالجواب: أنها وإن تقدمت لفظًا فهي كالمتأخرة تقديرًا؛ لتقدم الدليل على مدلوله وضعًا وفي حكم التبع، وبهذا يندفع سؤال آخر وهو: لم قدم السند عَلَى المتن؟
الأمر الثالث: إن قُلْتَ: لِمَ لَمْ يبتدئ البخاري -رحمه الله- بخطبة في أول «صحيحه» كما فعله مسلم رحمه الله؟ قُلْتُ: لأنه خطب بالحديث للتأسي كما سلف، ونعم السلف.
الرابع: سألني بعض الفضلاء في الدرس عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا كما سلف عند إيراده، (ولِمَ لَمْ يذكره) (٤)
------------
(١) رواه مسلم (١٧٨٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية، من حديث أنس.
(٢) قال العيني في «عمدة القاري» ١/ ١٣: الآتي بالتحميد ليس بمقدم شيئا أجنبيًّا بين يدي الله ورسوله، وإنما هو ذكره بثنائه الجميل لأجل التعظيم على أنه مقدم بالترجمة وبسوق السند، وهو من كلام نفسه، فالعجب أن يكون بالتحميد الذي هو تعظيم الله تعالى مقدما ولا يكون بالكلام الأجنبي. اهـ.
(٣) ورد في هامش (ف): بلغ مقابلة بحمد الله وعونه.
(٤) في (ف): ولم لا ذكره، ولعل الصواب ما أثبتناه لمناسبة السياق.
مطولًا كما ذكره في غيره من الأبواب؟ فأجبته في الحال بأن عمر قاله عَلَى المنبر وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاري ذكره أيضًا مطولًا في ترك الحيل (١)، وفيه: أنه خطب به أيضًا كما ستعلمه، وقد قَالَ بعضهم: إن في الحديث ما يقوم مقام الترجمة من إعلام الناظر في كتابه أنه إنما قصد تأليفه وجمعه وجه الله تعالى، وتوصيته لَهُ أن يحذو حذوه ويفرغ جهده في طلب الإخلاص فيه، يحصل الفوز والخلاص. وقد قَالَ ابن مهدي الحافظ: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث (٢). وقال: لو صنفت كتابًا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث (٣)، وقال الخطابي (٤) نقلًا عن الأئمة: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبتدئ بهذا الحديث؛ تنبيهًا للطالب على تصحيح النية، ولعموم الحاجة إليه.
------------
(١) سيأتي برقم (٦٩٥٣).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الصغرى» ١/ ٢٠ (٣).
(٣) ذكره ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ١/ ٦١. ونقل الترمذي ٤/ ١٨٠ عقب الرواية (١٦٤٧) عن ابن مهدي قوله: ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب.
(٤) هو أبو سليمان حمد -وقيل: أحمد- بن محمد بن إبراهيم الخطَّابي، نسبة إلى زيد بن الخطاب البُستي، ولد في مدينة (بُست) في شهر رجب سنة تسع عشرة وثلائمائة من الهجرة نشأ بها للعلم مجتهدًا في تحصيله من كل سبيل، وطوَّف من أجله في البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، تفقه على يد أبي بكر القفال الشاشي، وسمع الحديث بمكة المكرمة من أبي سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد شيخ الحرم، وصنف فأبدع، ومن مصنفاته «أعلام الحديث»، «معالم السنن»، «غريب الحديث». توفي يوم السبت السادس عشر من ربيع الثاني سنة ست وثمانين وقيل: ثمان وثمانين وثلاثمائة من الهجرة المباركة بمدينة (بُست). انظر: «الأنساب» ٢/ ٢١٠، «المنتظم» ٦/ ٣٩٧، «معجم البلدان» ١/ ٤١٥، «اللباب» ١/ ١٥١، «وفيات الأعيان» ٢/ ٢١٤ - ٢١٦ (٢٠٧)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٣ - ٢٨ (١٢)، «شذرات الذهب» ٣/ ١٢٧، ١٢٨.
الخامس: بدأ البخاري -رحمه الله- بإخلاص القصد وختمه بالتسبيح حيث أورد في آخره حديث: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن» إلى آخره (١)؛ لأن به تتعطر المجالس وهو كفارة لما قد يقع من الجالس، والله تعالى يهدينا إلى صراطه القويم، ويعيذنا من الشيطان الرجيم.
إِذَا تقررت هذِه الأمور فلنرجع إلى الكلام عَلَى الحديث، وهو من ثلاثة وأربعين وجهًا:
أولها: في تعداد المواضع التي خرجه البخاري فيها:
ونحن نسلك -إن شاء الله تعالى- هذا الأسلوب، نذكر في أول موضع ذُكِرَ فيه الحديث جميع طرقه إِذَا كان مكررًا؛ ليحال ما يقع بعد ذَلِكَ عليه. فنقول: ذكره البخاري هنا مختصرًا وهو مشهور بالطول، وساقه عنه الداودي بالسند المذكور مطولًا في أول «شرحه» ولم أرَ ذَلِكَ في نسخه، فتنبه لَهُ. قَالَ الخطابي: ولست أشك في أن ذَلِكَ لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا الأثبات من طريقه مطولًا (٢)، قُلْت: وقد ذكره في ستة مواضع أخرى من «صحيحه» عن ستة شيوخ أخرى أيضًا:
أولها: في الإيمان، في باب: ما جاء أن الأعمال بالنية، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ:
--------------
(١) سيأتي برقم (٧٥٦٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٠٩.
«الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١).
وهذِه الزيادة وهي: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ» أنسب بهذا الموضع، وإن كان يقال: إنه استغنى عنها هنا بقوله: «فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» كأنه يفهم أن كل من هاجر إلى شيء فهجرته إليه، من شأنه العدول إلى الاستدلال الخفي مع الإمكان بالظاهر الجلي.
ثانيها: في العتق، في باب: الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، ثنا يحيى بن سعيد، عن محمد، عن علقمة قَالَ: سمعت عمر يقول: عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلاِمْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ ..» الحديث بمثل اللفظ الذي قبله (٢).
ثالثها: في باب: هجرة النبي - ﷺ - عن مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى، عن محمد، عن علقمة: سمعت عمر قَالَ: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ» (٣).
رابعها: في النكاح، في باب: من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى، عن يحيى بن قزعة، حَدَّثنَا مالك، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن علقمة، عن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -:
-------------
(١) سيأتي برقم (٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٢٥٢٩).
(٣) سيأتي برقم (٣٨٩٨).
«العمل بالنية، وإنما لامرئ ما نوى ..» الحديث بلفظه في الإيمان، إلا أنه قَالَ: «ينكحها» بدل «يتزوجها» (١).
خامسها: في الأيمان والنذور، في باب: النية في الأيمان، عن قتيبة بن سعيد، ثنا عبد الوهاب: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا (فَهِجْرَتُهُ) (٢) إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٣).
سادسها: في ترك الحيل، في باب: في ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيره، عن أبي النعمان محمد بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى، عن محمد، عن علقمة قَالَ: سمعت عمر يخطب قَالَ: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٤).
وأخرجه مسلم في «صحيحه» في آخر كتاب الجهاد، عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك بلفظ: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى» (٥)
---------------
(١) سيأتي برقم (٥٠٧٠).
(٢) في (ف): هجرته، والصواب ما أثبتناه كلما في البخاري (٦٦٨٩).
(٣) سيأتي برقم (٦٦٨٩)، وورد بهامش (ف): ثم بلغ ثانيًا له مؤلفه.
(٤) سيأتي برقم (٦٩٥٣).
(٥) رواه برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة.
الحديث مطولًا.
وأخرجه أيضًا عن محمد بن رمح بن المهاجر، عن الليث، وعن أبي الربيع العتكي، عن حماد بن زيد، وعن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي خالد الأحمر، وعن ابن نمير، عن حفص بن عتاب، ويزيد بن هارون، وعن محمد بن العلاء، عن ابن المبارك، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد، عن علقمة، عن عمر، وفي حديث سفيان: سمعت عمر عَلَى المنبر يخبر عن رسول الله - ﷺ - (١).
وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن كثير، عن سفيان (٢).
والترمذي في الحدود عن ابن المثنى، عن الثقفي (٣).
والنسائي عن يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد، وعن سليمان بن منصور عن ابن المبارك، وعن إسحاق بن إبراهيم عن أبي خالد الأحمر، وعن عمرو بن منصور، عن القعنبي، وعن الحارث عن ابن القاسم جميعًا عن مالك ذكره في أربعة أبواب من «سننه» (٤): الأيمان (٥)، والطهارة (٦)، والرقاق، والطلاق (٧)، ورواه ابن ماجه في الزهد من
---------------
(١) (١٩٠٧) كتاب: الإمارة.
(٢) «سنن أبي داود» (٢٢٠١).
(٣) «سنن الترمذي» (١٦٧٤).
(٤) الحديث في الطهارة، والأيمان، والطلاق من «المجتبى»، وفي الرقائق من «السنن الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» ٨/ ٩٢ - ٩٣ عن سويد بن نصر عن ابن المبارك.
(٥) «سنن النسائي» ٧/ ١٣. عن إسحاق بن إبراهيم.
(٦) «سنن النسائي» ١/ ٥٨ - ٦٠. عن يحيى بن حبيب، وعن سليمان بن منصور.
(٧) «سنن النسائي» ٦/ ١٥٨ - ١٥٩، عن عمرو بن منصور، وعن الحارث بن مسكين.
«سننه» عن أبي بكر عن يزيد بن هارون، وعن ابن رمح، عن الليث، كل هؤلاء عن يحيى، عن محمد، عن علقمة، عن عمر به (١).
ورواه مع هؤلاء الستة -أعني: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه -الإمام الشافعي في «مختصر البويطي» والإمام أحمد في «مسنده» (٢)، والدارقطني (٣)، والبيهقي (٤) وأبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» المسمى بـ «التقاسيم والأنواع» (٥)، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى الإمام مالك فإنه لم يخرجه في «موطَّئِه» (٦). نعم رواه (خارجه) (٧)، كما علمته من طرق هؤلاء الأئمة، وقد أخرجه من حديثه الشيخان -كما سلف- ووهم ابن دحية الحافظ في «إملائه» فقال عَلَى هذا الحديث: أخرجه مالك في «الموطأ» ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه (٨).
---------------
(١) «سنن ابن ماجه» (٤٢٢٧).
(٢) «مسند أحمد» ١/ ٢٥ (١٦٨).
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٠.
(٤) «سنن البيهقي» ١/ ٤١.
(٥) «صحيح ابن حبان» (٣٨٨).
(٦) بل خرجه فيه (٩٨٢) برواية محمد بن الحسن الشيباني.
(٧) في (ف): خارجها، وما أثبتناه المناسب للسياق.
(٨) قلت: وكذا قال الحافظ أيضًا في «الفتح» ١/ ١١، وهو عجيب منهما -أعني: المصنف والحافظ- فإن الحديث في «الموطأ» برواية محمد بن الحسن، وكأنهما لم يقفا عليه مع سعة اطلاعهما، والله أعلم.
قال السيوطي في «تنوير الحوالك» ص ١٠ في معرض حديثه عن رواة «الموطأ»: ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وبذلك تبين صحة قول من عزا روايته إلى «الموطأ» ووهم من خطأه في ذلك. اهـ.
قلت: إلا أنه في كتابه «الأشباه والنظائر» ص ٨ قد تابعهما على ما قالا، بل وتعجب من عدم إخراج مالك له!!
الوجه الثاني (١):
تحصل لنا من هذِه الطرق أربعة ألفاظ واقعة في الحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَيّاتِ»، «الأعمال بالنية»، «العمل بالنية» وادعى النووي في «تلخيصه» قلتها، رابعها: «إنما الأعمال بالنية»، وأورده القضاعي في «الشهاب» بلفظ خامس وهو: «الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» (٢) بحذف (إنما) وجمع الأعمال والنيات، فقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: لا يصح إسنادها. وأقره النووي على ذَلِكَ في «تلخيصه» وغيره، وهو غريب منهما، فهي رواية صحيحة أخرجها إمامان حافظان، وحكما بصحتها:
أحدهما: أبو حاتم ابن حبان، فإنه أورده في «صحيحه» عن على بن محمد القباني، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد، عن علقمة عن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ..» الحديث بطوله (٣).
ثانيهما: شيخه الحاكم أبو عبد الله، فإنه أورده في كتابه «الأربعين في شعار أهل الحديث» عن أبي بكر ابن خزيمة، ثنا القعنبي، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد به سواء ثمَّ حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في «المنتقى» بلفظ سادس عن ابن المقرئ، ثنا سفيان، عن يحيى: «إن الأعمال بالنية، وإن لكل آمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى دنيا ..» (٤)
------------
(١) ورد بهامش (ف): بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على في الثاني و… الحاضري … وأبو الحسن … وابن بهرام … بهاء الدين محمد بن الصفدي وآخرون كالسلاوي.
(٢) «مسند الشهاب» ١/ ٣٥ - ٣٦ (١).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) «المنتقى» (٦٤).
الحديث، وأورده الرافعي في «شرحه الكبير» بلفظ آخر غريب وهو: «ليس للمرء من عمله إلا ما نواه» (١). ولم أقف على من خرَّجه بهذا اللفظ بعد شدة البحث عنه (٢). وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: «إنه لا عمل لمن لا نية له» (٣) وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة.
الوجه الثالث: في التعريف برواته:
أما راويه عن النبي - ﷺ - فهو أمير المؤمنين أبو حفص -والحفص في اللغة: الأسد (٤) - وأول من كناه بذلك رسول الله - ﷺ -، كما رواه ابن الجوزي عنه، عمر -وهو اسم معدول عن عامر ولا ينصرف للعدل والتعريف- بن الخَطَّاب -وهو فَعَّال من الخطبة بالضم والكسر- بن نفيل -بضم أوله- بن عبد العزى بن رِياح -براء مكسورة ثمَّ مثناة تحت، وأبعد من أبدلها بموحدة -بن عبد الله بن قرط -بضم القاف ثمَّ راء وطاء مهملتين -بن رزاح -بفتح الراء والزاي.
قَالَ شيخنا قطب الدين (٥) في «شرحه»: ومن عداه بكسر أوله، ولم
---------------
(١) «الشرح الكبير» ١/ ١٨٥.
(٢) وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٥٠: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أجده. اهـ.
(٣) رواه البيهقي ١/ ٤١.
(٤) جمع حفص: أَحْفاصٌ وحُفُوصٌ، والحَفْصُ: البيت الصغير، والحَفْصُ: الشِّبْل، قال الأزهري: ولد الأسد يُسمى حفصًا. وقال ابن الأعرابي: هو السَّبُعُ أيضا، وقال ابن بَرِّي: قال صاحب «العين»: الأسد يكنَّى أبا حَفْصٍ، ويسمى شِبْلُهُ حفصًا. انظر: «تهذيب اللغة» ١/ ٨٦٦، «لسان العرب» ٢/ ٩٢٨.
(٥) هو قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصري. أحد من جرد العناية ورحل وتعب وحصل وكتب وأخذ عن أصحاب ابن طبرزذ ضمن بعدهم وصنف التصانيف وظهرت فضائله مع حسن السمت والتواضع والتدين وملازمة العلم، ولد سنة أربع وتسعين وستمائة، وتوفي في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. =
أر من صنف في المؤتلف والمختلف ذكر ذَلِكَ بترجمته فاعلمه-. بن عدي -أخي مرة وهصيص- بن كعب بن لؤي -بالهمز وتركه- بن غالب الفهري العدوي القرشي، يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في كعب بن لؤي الأب الثامن.
واتفقوا عَلَى تسميته بالفاروق؛ لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذَلِكَ؛ ولأن الشيطان يفرُّ منه، فقيل: سماه الله بذلك. روته عائشة، وإسناده ضعيف كما قَالَ ابن دحيه (١).
وقال ابن شهاب: سماه بذلك أهل الكتاب. ذكره الطبري (٢)، وقيل: رسول الله - ﷺ -. فهذِه ثلاثة أقوال.
----------------
= خرج لنفسه التساعيات والمتباينات والبلدانيات، وجمع لمصر تاريخًا حافلًا لو كمل لبلغ عشرين مجلدة بيض منه المحمدين في أربعة، واختصر «الإلمام» فحرره، وشرح سيرة عبد الغني، وشرع في شرح البخاري وهو مطول أيضًا، بيض أوائله إلى قريب النصف. وكان حنفي المذهب يدرس بالجامع الحاكمي.
انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٥٠٢، «الدرر الكامنة» ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩، «شذرات الذهب» ٦/ ١١٠ - ١١١.
(١) الشيخ العلامة المحدَّث الرحال المتفنن مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجميل، واسم الجميل محمد بن فرج بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن أحمد بن بدر بن دحية بن خليفة الكلبي الداني ثم السبتي، كان بصيرًا بالحديث معتنيًا بتقييده، مكبًّا على سماعه حسن الخط، معروفًا بالضبط، له حظ وافر من اللغة ومشاركة في العربية وغيرها. قال الذهبي: كان هذا الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعف فيه. توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٤٨ - ٤٥٠ (٤٩٧)، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٨٩ - ٣٩٥ (٢٤٨)، «لسان الميزان» ٤/ ٢٩٢، «شذرات الذهب» ٥/ ١٦٠، ١٦١.
(٢) الطبري في «تاريخه» ٢/ ٥٦٢.
وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين (١) عمومًا، وسمي به قبله خصوصًا عبد الله بن جحش على سرية في اثني عشر رجلًا، وقيل: ثمانية، وقد كان مسيلمة الكذاب يسمى بذلك أيضًا كما سيأتي في «الصحيح» في قصة قتله إن شاء الله (٢). وأمه حنتمة -بحاء مهملة مفتوحة ثمَّ نون ثمَّ مثناة فوق- بنت هاشم، يعرف بذي الرمحين -بن المغيرة بن عبد الله بن عمر، أخي عامر وعمران ابني مخزوم بن نقطة بن (مرة) (٣) بن كعب المخزومي، قَالَ أبو عمرو: من قَالَ: حنتمة بنت (هشام) (٤) فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام، وإنما هي ابنة عمهما (٥)، وقد وقع في هذا الخطأ ابن قتيبة في «معارفه» (٦)، وقبله ابن منده في «المعرفة» وقال: هي أخت أبي جهل، وهو وَهْمٌ.
قَالَ ابن عبد البر: الصحيح أنها بنت هاشم وقيل: بنت هشام، فمن قَالَ: هشام فهي أخت أبي جهل، ومن قَالَ: بنت هاشم فهي ابنة عم أبي جهل (٧) وهاشم وهشام ومهشم والوليد وأبو أمية حذيفة والفاكه ونوفل وأبو ربيعة عمرو وعبد الله وتيم وعبد شمس، كل هؤلاء أولاد المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو -يعني: المغيرة- بيت بني مخزوم.
---------------
(١) ورد بهامش الأصل: في سببه خلاف مشهور.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٧٢) كتاب: المغازي، باب: قتل حمزة بن عبد المطلب، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري.
(٣) في الأصل: مري، والصواب ما أثبتناه كما في «تاريخ بغداد» ٧/ ٤٢٣ (٣٩٩١).
(٤) في (ف): هاشم، والصواب ما أثبتناه من «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٥.
(٥) «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٥.
(٦) «المعارف» لابن قتيبة ص ١٨٠.
(٧) «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٥.
ولد بتبالة بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وقال عن نفسه: ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين. وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس، بعد أن دخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم بعد أربعين رجلًا، وقيل: ثلاثة عشر وإحدى عشرة امرأة.
وقال ابن الجوزي: لا خلاف أنه أسلم سنة ست من النبوة بعد أربعين، قَالَ: ولما أسلم نزل جبريل -عليه السلام- فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه (١)، وقيل: إنه أسلم بعد أربع من النبوة وهاجر فهو من المهاجرين الأولين. وكان إسلامه عزًّا ظهر به الإسلام بدعوة النبي - ﷺ -، وسيأتي في الصحيح إن شاء الله: «ما زلنا أعزة منذُ أسْلَمَ عُمر» (٢) قَالَ ابن مسعود: كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت، حتَّى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتَّى تركونا فصلينا (٣)، وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها.
-------------
(١) رواه ابن ماجه (١٠٣)، والطبراني ١١/ ٨٠ - ٨١ (١١١٠٩)، وابن حبان (٦٨٨٣) من طريق عبد الله بن خراشي الحوشبي، عن العوام بن حوشب، عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٨٤، لكن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال: صحيح، وتعقبه الذهبي، وقال: عبد الله ضعفه الدارقطني. اهـ.
وقال البوصيري ١/ ١٧: هذا الإسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الله بن خراش، إلا ابن حبان فإنه ذكره في «الثقات». اهـ. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٤٠).
(٢) سيأتي برقم (٣٦٨٤، ٣٨٦٣).
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٧٠، وأحمد في «فضائل الصحابة» ١/ ٤٠٩، ٤١٠ (٤٨٢)، والطبراني ٩/ ١٦٢ (٨٨٠٦) قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٦٣: رجاله رجال الصحيح إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود. اهـ.
بويع لَهُ بالخلافة يوم موت الصديق، وهو يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بوصاية الصديق إليه، فسار بأحسن سيرة، وزين الإسلام بعَدْلِهِ، وفتح الله به الفتوح الكبيرة كبيت المقدس وجميع الشام، ودوَّن الدواوين في العطاء ورتَّب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو أول من ضرب بالدرة وحملها، ومصَّر الأمصار، وكسر الأكاسرة، وقصر القياصرة، وأخَّر المقام إلى موضعه الآن، وكان ملصقًا بالبيت، ونوَّر المساجد لصلاة التراويح، وأول من أَرَّخ التاريخ من الهجرة، وأول قاضٍ في الإسلام، ولَّاه الصديق القضاء، وأول من جمع القرآن في المصحف، وآخى رسول - ﷺ - بينه وبين الصديق، حج بالناس عشر سنين متوالية، وحج في إحداهن بأمهات المؤمنين. وزهده ومناقبه جَمَّةٌ مَشْهورةٌ في «الصحيح» وغيره، وستقف على قطعة صالحة منها حيث ذكره البخاري -إن شاء الله- في كتاب المناقب (١).
وكان طوالا جدًّا جسيمًا، كث اللحية، خفيف العارضين، أصلع شديد الصلع، أعسر يسر-أي: قوة يديه سواء- وكان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثمَّ يجمع جراميزه -أي: أطرافه- ويثبت، فكأنما خلق على ظهر فرسه، وكان يخضب بالحناء والكتم بحتًا، وكان شديد حمرة العينين. وكان أبيض يعلوه حمرة، وقيل: أبيض أمهق وقيل: آدم. ونقله ابن عبد البر عن الأكثرين (٢)، وأنكره الواقدي والجمهور، وقالوا: إنما كان أبيض. قالوا: ولعله صار في لونه سمرة
---------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٧٩ - ٣٦٩٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب.
(٢) «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٦.
عام الرمادة لتخشنه (١)، وكان من مُحَدِّثي هذِه الأمة (٢). وسيأتي أنه وافق ربَّه في عدة مواضع إن شاء الله، وفي «الصحيح» أنه - ﷺ - قَالَ له: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (٣).
وشهد لَهُ بالشهادة (٤)، والجنة (٥) وسماه سراج أهل الجنة (٦)، وأخبر
أن الله جعل الحق على لسانه (٧).
روي لَهُ عن النبي - ﷺ - خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة
-----------
(١) ورده ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٦ حيث قال: وزعم الواقدي أن سمرة عمر وأدمته إنما جاءت من أكله الزيت عام الرمادة، وهذا منكر من القول، وأصح ما في الباب -والله أعلم- حديث سفيان الثوري عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: رأيت عمر شديد الأدمة. اهـ.
وقد جود إسناد حديث زر بن حبيش الحافظ في «الإصابة» ٢/ ٥١٨.
(٢) سيأتي برقم (٣٤٦٩) كتاب: حديث الأنبياء، باب: حديث الغار، وبرقم (٣٦٨٩) كتاب: المناقب، باب: مناقب عمر.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٩٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
(٤) سيأتي برقم (٣٦٧٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر.
(٥) رواه أبو داود (٤٦٤٩).
(٦) رواه أحمد فى «فضائل الصحابة» ١/ ٥٢٣ (٦٧٧)، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٧٤ (٢٥٠٢) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمر الغفاري، وهو منكر الحديث، ورواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٣٣ من طريق الواقدي عن أبي هريرة، والواقدي كذاب. وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٩١٦): باطل.
(٧) رواه الترمذي (٣٦٨٢) كتاب: المناقب، وأحمد ٢/ ٥٣، وعبد بن حميد في «المنتخب» (٧٥٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ١٠٩ - ١١٠ من حديث ابن عمر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٣٦)، وفي الباب عن الفضل بن عباس وأبي ذر وأبي هريرة.
وغيرهم. روى عنه نحو خمسين صحابيًّا منهم: عثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وخلائق من التابعين.
ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة أشهر قولان، واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاس وابن نمير: سنة أربع وهو ابن ثلاث وستين عَلَى الصحيح كسن سيدنا رسول الله - ﷺ - وسن الصديق. وقيل: ابن ستين، قَالَ الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا، وقيل: ابن إحدى وستين، وقيل: ابن اثنتين وخمسين، وقيل: ابن أربع، وقيل: ابن خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع وخمسين حكاهن الصُّرَيْفِيْنِيُّ، فهذِه ثمانية أقوال في سنه.
وغسله ابنه الزاهد أبو عبد الرحمن عبد الله الأكبر، أفضل أولاده الذكور العشرة، وعاصم -أمه جميلة بنت عاصم- وعبيد الله قتل بصفين مع معاوية، وعبد الله الأصغر وعبد الرحمن الأكبر وعبد الرحمن الأوسط وعياض، وزيد الأكبر -أمه أم كلثوم بنت علي- وزيد الأصغر والعقب من الثلاثة الأولى الذكور، وكان لَهُ من الإناث حفصة وزينب، وكفنه عبد الله أيضًا في ثوبين سحوليين، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي، ودفن في الحجرة النبوية، عَلَى ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
قتله أبو لؤلؤة غلام نصراني، وقيل: مجوسي للمغيرة بن شعبة، وهو في صلاة الصبح، طعنه ثلاث طعنات بسكين مسموم ذات طرفين فقال: قتلني -أو أكلني الكلب- وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا، فمات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذَلِكَ رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، فصار إلى لعنة الله وغضبه، ثمَّ
حُمل عمر إلى منزله، وبقي ثلاثة أيام وقيل: سبعة، وماترضي الله عنه - وعنَّا - به وكان وافر العلم.
قَالَ ابن مسعود حين توفي عمر: ذهب تسعة أعشار العلم (١). ومن زهده وتواضعه أنه كان في قميصه أربع عشرة رقعة إحداها من أدم.
فائدة:
ليس في الصحابة من آسمه عمر بن الخطاب غيره، فهو من الأفراد (٢) -أحد أنواع علوم الحديث- وفي الصحابة عمر ثلاثة وعشرون نفسًا على خلاف في بعضهم، وربما يلتبس بعمرو بزيادة واو في آخره، وهم خلق فوق المائتين بزيادة أربعة وعشرين على خلاف في بعضهم - رضي الله عنهم -.
فائدة ثانية:
في الرواة عمر بن الخطاب غير هذا الإمام ستة:
(أحدهم) (٣): كوفي (٤) روى عن خالد بن عبد الله الواسطي.
ثانيهم: راسبي (٥) روى (عن سويد أبي حاتم) (٦).
------------------
(١) رواه الطبراني في «الكبير» ٩/ ١٦٢، ١٦٣ (٨٨٠٨، ٨٨٠٩)، وقال الهيثمي ٩/ ٦٩: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى ثقة.
(٢) انظر «علوم الحديث» لابن الصلاح ص ٣٢٥ - ٣٣٩، النوع التاسع والأربعون.
(٣) فى (ف): أحدها، وهو ما أثبتناه هو المناسب للسياق.
(٤) عمر بن الخطاب الكوفي، انظر: «إكمال تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٥ (٣٩٦٥).
(٥) عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، أبو حفص البصري. انظر: «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣١٥ (٤٢٢٤)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢١، «التقريب» ص ٤١١ (٤٨٨٧).
(٦) فى (ف): (عنه سويد أبو حاتم)، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر الترجمة.
ثالثهم: سكندري (١) روى عن ضمام بن إسماعيل.
رابعهم: عنبري (٢) روى عن أبيه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
خامسهم: سجستاني (٣) روى عن محمد بن يوسف الفريابي.
سادسهم: سدوسي (٤) بصري روى عن معتمر بن سليمان.
فائدة ثالثة:
عمر هذا ثاني العشرة، وهاك سرد وفاتهم على سبيل الاختصار لتستحضره فإنه مهم: الصديق مات سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وأبو عبيدة سنة ثمان عشرة، وعمر سنة ثلاث وعشرين كما سلف مع الخلاف فيه. وعثمان سنة خمس وثلاثين، وطلحة والزبير بعده بسنة، وابن عوف سنة اثنتين وثلاثين، وعلي سنة أربعين، وسعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين على الأصح، وهو آخرهم موتا (....) (٥) خمسين (٦).
------------------
(١) عمر بن الخطاب بن حليلة -بمهملة ولامين، بوزن عظيمة- بن زياد بن أبي خالد الإسكندراني، مولى كندة، يكنى أبا الخطاب. انظر: «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣١٢ في ترجمة ضمام بن إسماعيل، «إكمال التهذيب» ١٠/ ٤٥ (٣٩٦٦)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) عمر بن الخطاب العنبري الكوفي، يعرف بابن أبي خيرة. انظر: «إكمال التهذيب» ١٠/ ٤٥ (٣٩٦٧). و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢٢.
(٣) عمر بن الخطاب السجستاني القشيري، نزيل الأهواز. انظر: «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٢٦ (٤٢٢٦). و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢٢، و«تقريب التهذيب» ص ٤١٢ (٤٨٨٩).
(٤) عمر بن الخطاب شيخ بصري سدوسي انظر: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢١.
(٥) بياض بالأصل.
(٦) هو تاريخ وفاة سعيد بن زيد، وهو عاشر العشرة. انظر: «الاستيعاب» ٢/ ١٨٢.
وأما راويه عن عمر فهو أبو واقد -بالقاف- علقمة بن وقاص الليثي، نسبة إلى ليث بن بكر المدني العتواري، ولد على عهد النبي - ﷺ - فيما ذكره الواقدي.
وروى ابن منده أنه شهد الخندق، وكان في الوفد الذين قدموا على النبي - ﷺ -، روى عن عمر وعائشة ومعاوية وغيرهم، وعنه ابناه عمر وعبد الله والزهري ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهم.
وروى له مع البخاري مسلم وباقي الستة، ذكره ابن منده وأبو عمر في الصحابة (١) والجمهور في التابعين، كما نبه عليه النووي في «إملائه» على هذا الحديث. وليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث وحديث الإفك عن عائشة (٢)، كما نبه عليه شيخنا قطب الدين في «شرحه».
مات بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، قاله الواقدي (٣).
فائدة:
ليس في الكتب الستة من اسمه علقمة بن وقاص غيره.
وأما راويه عن علقمة فهو أبو عبد الله محمد (ع) بن إبراهيم بن الحارث، وكان -أعني: الحارث- من المها جرين الأولين، وهو
------------
(١) «الاستيعاب» ٣/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٣٧) كتاب: الشهادات، باب: إذا عدَّل رجل أحدًا.
(٣) علقمة بن وقاص بن محسن بن كلدة بن عبد ياليل بن طريف بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثي العتواري المدني. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وله دار بالمدينة في بني ليث وله به عقب، وثقه النسائي، وقال الحافظ ابن حجر: ثقة ثبت، أخطأ من قال: له صحبة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٦٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٠ (١٧٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٠٥ (٢٢٥٩)، «الثقات» ٥/ ٢٠٩، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣١٣ - ٣١٤ (٤٠٢١)، «تقريب التهذيب» (٤٦٨٥).
ابن عم الصديق ابن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي المدني التابعي.
سمع ابن عمر وأنسًا وغيرهما من الصحابة، وعنه ابنه موسى المحدث الفقيه والزهري وخلق.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وقال: أمه حفصة بنت أبي يحيى واسمه عمير، وكان من قدماء موالي بني تيم. قال: وكان ثقة، كثير الحديث (١)، وقال يحيى بن معين: ثقة، وكذا وثقه النسائي وأبو حاتم (٢) وابن خراش، وأخرج له مسلم أيضًا في «صحيحه» مع باقي الستة.
وأما أحمد فقال فيما نقله العقيلي عن عبد الله بن أحمد عنه: في حديثه شيء، روى أحاديث مناكير (٣).
مات سنة عشرين ومائة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة تسع عشرة، وهو ابن أربعٍ وسبعين (٤).
وأما راويه عن محمد فهو الإمام أبو سعيد يحيى (ع) بن سعيد بن قيس بن عمرو، وقيل: قهد بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن الخزرج الأكبر الأنصاري النجاري -بالنون والجيم- المدني قاضيها، وأقدمه
--------------
(١) «الطبقات الكبرى» الجزء المتمم ص ٩٩.
(٢) «الجرح والتعديل» ٧/ ٨٤.
(٣) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ٤/ ٢٠.
(٤) انظر ترجمته في: «الثقات» ٥/ ٣٨١، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٠١ - ٣٠٥ (٥٠٢٣)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٦ (١٤٠)، «تقريب التهذيب» (٥٦٩١)، «شذرات الذهب» ١١/ ١٥٧.
المنصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية ومات بها، وقيل: إنه ولي قضاء بغداد ولم يصح. وهو تابعي صغير.
سمع أنسًا والسائب بن يزيد وغيرهما.
وعنه جماعة من التابعين منهم: هشام بن عروة وحميد الطويل وغيرهما.
واتفقوا على جلالته وعدالته وحفظه وإتقانه وورعه، وقال أحمد في حقه: إنه أثبت الناس. وقال أبو حاتم: هو يوازي الزهري (١). وقال أيوب: ما تركت بالمدينة أفقه منه. وقال ابن حبان: كان خفيف الحال، فلما استقضاه أبو جعفر ارتفع شأنه ولم يتغير حاله، فقيل له في ذَلِكَ، فقال: من كانت نفسه واحدة لم يغيره المال (٢). مات سنة أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (٣).
فائدة:
في الرواة يحيى بن سعيد جماعة في «الصحيح»، لكن لا التباس لهم بهذا. يحيى (ع) بن سعيد بن أبان الأموي الحافظ (٤)، يحيى (ع) بن سعيد بن حيان أبو حيان التيمي الإمام (٥)، يحيى (حم) بن سعيد بن العاص الأموي تابعي (٦)، يحيى (عم) بن سعيد بن فروخ
---------------
(١) «الجرح والتعديل» ٩/ ١٤٩.
(٢) «الثقات» ٥/ ٥٢١ «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٥٧.
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٥، ٢٧٦ (٢٩٨٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٥٢، ٣٥٣ (١٩٧٧)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٤٦ (٦٨٣٦)، «تقريب التهذيب» (٧٥٥٩).
(٤) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١١).
(٥) ستأتي ترجمته في حديث رقم (٥٠).
(٦) يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو أيوب، ويقال: أبو الحارث المدني. =
القطان التميمي الحافظ أحد الأعلام (١). ولهم يحيى بن سعيد العطار- براءٍ في آخره- واهٍ فاعلمه (٢). وجملة من اسمه يحيى بن سعيد في الحديث ستة عشر كما بينهم الخطيب في «المتفق والمفترق».
فائدة أخرى: النجار الذي سلف في نسب يحيى بن سعيد لقب، واسمه تيم اللات، سمي النجار؛ لأنه اختتن بالقدوم وقيل: ضرب وجه رجل به فنجره، أي: نحته.
وأما راويه (٣) عن يحيى بن سعيد فهو الإمام العلامة أبو محمد سُفيان (ع) -بضم السين على المشهور، وحكي كسرها وفتحها أيضًا- ابن عيينة:- بضم العين، وحكى النووي في «إملائه» […]، (٤) كسرها- ابن أبي عمران الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي. واسم أبي عمران: ميمون، مولى محمد بن مزاحِم أخي الضحاك، وقال الواقدي: مولى بني عبد الله بن رؤيبة من بني هلال بن عامر، وكان بنو عيينة عشرة خزازين، حدَّث منهم خمسة: محمد وإبراهيم وسفيان وآدم وعمران، وأجلهم وأشهرهم سُفيان هذا، وهو من تابعي التابعين، سكن مكة، ومات بها.
--------------
= وثقه النسائي وابن حبان. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٣٨، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٧ (٢٩٨٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٤٩ (٦٢١)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٢٥ - ٣٢٩ (٦٨٣٣).
(١) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١٣).
(٢) يحيى بن سعيد العطار الأنصاري أبو زكريا الشامي الحمصي، ويقال: الدمشقي ضعفه الجمهور. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨١/ ٢٧٧ (٢٩٨٥)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٥٢ (٦٢٨)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٤٣ - ٣٤٦ (٦٨٣٥).
(٣) أي: حديث النية.
(٤) بياض في (ف) بمقدار كلمة.
وسمع جماعات من التابعين منهم: الزهري.
وعنه: مسعر وخلق، وروى الثوري عن يحيى القطان عنه، وهو من الطُّرَف.
وكان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين، ومن العلماء بكلام رب العالمين وسند سيد المرسلين، قرأ القرآن وهو ابن أربع، وكتب الحديث وهو ابن سبع، ولما بلغ خمس عشرة قال له أبوه: يا بني، قد انقطعت عنك شرائع الصبى فاخْتَلِطْ بالخير تكن من أهله، واعلم أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم فأطعهم واخدمهم تقتبس من علمهم. قال: فجعلت لا أعدل عن وصية أبي (١). وكان كثير التلاوة والحج، حج نيفًا وسبعين حجة كما قال ابن حبان (٢).
وقال الحسن بن عمران بن عيينة: إن سفيان قال له بجمعٍ آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله -عز وجل- من كثرة ما أساله. فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة (٣)، ودفن بالحجون، وكان مولده سنة سبع ومائة (٤). روى له الجماعة.
ومناقبه جمة، ومنها ما حكاه أبو يوسف الغسُّولي، عنه قال: دخلت
----------------
(١) رواه البيهقي في «الزهد الكبير» ٢/ ١١١ - ١١٢.
(٢) «الثقات» ٦/ ٤٠٤.
(٣) رواه الخطيب في «تاريخه» ٩/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٤) انظر: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٩٤ (٢٠٨٢)، «معرفة الثقات» ١/ ٤١٧ (٦٣١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٧ (٩٧٦)، «تاريخ بغداد» ٩/ ١٥٤، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٧٧ - ١٩٧ (٢٤١٣).
عليه وبين يديه قرصان من شعير فقال: يا أبا يوسف، إنهما طعامي منذ أربعين سنة (١). وكان ينشد:
خَلتِ الدِّيارُ فَسُدتُ غير مُسوَّدِ … ومن الشَّقاءِ تَفَرُّدِي بالسُّؤددِ (٢)
قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز (٣). وقال أبو حاتم هما أثبت أصحاب الزهري. وقال الشافعي أيضًا: ما رأيت أحدًا فيه آلة العلم ما في سفيان، وما رأيت أحدًا أحسن لتفسير الحديث منه ولا أكف عن الفتيا منه (٤).
وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه (٥). وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى أحمد بن النضر الهلالي قال: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة، فنظر إلى صبي دَخل المجلس، فكان أهل المجلس تهاونوا به لصغره، فقال سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤].
ثم قال لي: يا نضر، لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار،
----------------
(١) رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٣/ ١٨٠ (٣٠٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وجاء فيهما أبو يوسف الفسوي. والله أعلم.
(٢) رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٢/ ٢٧٧ (١٧٣)، والخطيب في «تاريخه» ٩/ ١٧٨، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٧٤، ٢٩٠.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٢، ٣٢، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٢٢، والخطيب في «تاريخه» ٩/ ١٧٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٦٣.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ٣٢ - ٣٣، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» ١/ ٣٦٨.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ٣٣.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|