
23-12-2025, 10:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,934
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 101 الى صـــ 125
الحلقة (22)
القاعدة الحادية عشر:
إِذَا قدم بعض المتن عَلَى بعض، فإن اختلفت الدلالة به لم يجز وإلا جاز عَلَى الصحيح؛ بناءً عَلَى جواز الرواية بالمعنى، ولو قدم المتن عَلَى الإسناد أو بعض الإسناد مع المتن، ثمَّ ذكر باقي الإسناد حتَّى اتصل بما بدأ به جاز وهو سماع متصل. فلو أراد من سمع هكذا أن يقدم جميع الإسناد فالصحيح جوازه، ومنعه بعضهم (١).
القاعدة الثانية عشر:
اختصار الحديث والاقتصار عَلَى بعضه، الصحيح جوازه إِذَا كان ما فصله غير مرتبط الدلالة بالباقي، بحيث لا تختلف الدلالة، مفصلة كالحديثين المستقلين. ومنعه إن لم يكن كذلك. وأما تقطيع المصنف الحديث وتفريقه في أبواب فهو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد، وقد فعله مالك والبخاري وغير واحد من أئمة الحديث.
القاعدة الثالثة عشر:
معرفة الصحابي والتابعي وبها يعرف الاتصال والإرسال، فالصحابي: كل مسلم (رأى) (٢) النبي - ﷺ - ولو ساعة وإن لم يصحبه.
هذا هو الصحيح في حده كما أوضحته في «المقنع في علوم الحديث» (٣) من ستة أقوال فيه، والتابعي: من (رأى) (٤) الصحابي عَلَى الأصح (٥).
-------------
(١) انظر: «الكفاية» ص ٢٧١.
(٢) في الأصل: رآه، والصواب ما أثبتناه.
(٣) «المقنع» ٢/ ٤٩٠ - ٥٠٥.
(٤) في الأصل: رآه، والصواب ما أثبتناه.
(٥) انظر: «علوم الحديث» ص ٢٩١ - ٣٠٦، «تدريب الراوي» ٢/ ٢٩٨ - ٣٤٩.
القاعدة الرابعة عشر:
جرت العادة بحذف قَالَ ونحوه من رجال الإسناد خطًّا، ولابد للقارئ أن يتلفظ بها وإذا كان فيه: قرئ عَلَى فلان قَالَ: أخبرك فلان أو قرئ عَلَى فلان ثنا فلان، فليقل القارئ في الأول قيل له: أخبرك فلان وفي الثاني قَالَ: ثنا فلان، وإذا تكررت كلمة (قَالَ) كقوله في «صحيح البخاري»: (ثنا صالح قَالَ: قَالَ الشعبي) فإنهم يحذفون أحدهما خطًّّا، وعلى القارئ أن يتلفظ بها، فإن لم يتلفظ بـ (قال) في هذا كله فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع للعلم بالمحفوظ، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه (١).
القاعدة الخامسة عشر:
جرت العادة بالاقتصار عَلَى الرمز في حَدَّثَنَا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار وهَلُمَّ جرَّا، بحيث لا يخفى فيكتبون من حَدَّثنَا (ثنا) وهو الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء.
ويكتبون من أخبرنا (أنا)، ولا يحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقي وغيره، وقد يزاد في علامة (ثنا) دال في أوله، و(أثنا) ثاء بعد الألف، ووجدت الدال في خط الحاكم والبيهقي. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) مهملة والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إِذَا انتهى إليها: ح، ويستمر في قراءة ما بعدها، وهذِه الحاء كثيرة في «صحيح مسلم» قليلة في «صحيح البخاري» فتنبه لحكمها.
----------------
(١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ٣٦.
فصل مهم فى ضبط جمله من الأسماء المتكرره فيه وفي «صحيح مسلم» المشتبهة
فمن ذَلِكَ (أُبَيّ) كله بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء المثناة تحت، إلا آبي اللحم فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة، ثمَّ باء مكسورة ثمَّ ياء مثناة تحت مخففة؛ لأنه كان لا يأكله، وقيل: لا يأكل ما ذبح للصنم (١).
(البراء) كله بتخفيف الراء إلا أبا معشر البراء، وأبا العالية البراء فبالتشديد وكله ممدود، وقيل: إن المخفف يجوز قصره، حكاه النووي (٢). والبراء هو الذي يبري العود.
(يزيد) كله بالمثناة تحت والزاي إلا ثلاثة:
بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بردة يروي غالبًا عن أبي بُردة بضم الباء الموحدة وبالراء.
والثاني: محمد بن عرعرة بن البِرِند بموحدة وراء مكسورتين، وقيل بفتحهما ثمَّ نون. والثالث: علي بن هاشم بن البِرِيد بموحدة مفتوحة ثمَّ راء مكسورة ثمَّ مثناة تحت
---------------
(١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ٣٩.
(٢) «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي ١/ ١٣٢.
(يسار) كله بمثناة تحت ثم مهملة، إلا محمد بن بشار شيخهما فبموحدة ثمَّ معجمة، وفيهما سيار بن سلامة، وسيار بن أبي سيار بمهملة ثمَّ بمثناة.
(بشر) كله بموحدة ثمَّ شين معجمة، إلا أربعة فبالضم ثمَّ مهملة: عبد الله بن بسر الصحابي، وبسر بن سعيد، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وبسر بن محجن، وقيل: هذا بالمعجمة كالأول.
(بشير) كله بفتح الموحدة وكسر المعجمة إلا اثنين فبالضم وفتح الشين وهما: بُشَير بن كعب، وبُشَير بن يسار، وإلا ثالثا فبضم المثناة وفتح المهملة وهو: يُسَير بن عمرو، ويقال: أسير، ورابعًا: فبضم النون وفتح المهملة قطن بن نسير.
(حارثة) كله بالحاء المهملة والمثلثة، إلا: جارية بن قدامة، ويزيد ابن جارية فبالجيم والمثناة، قلت: كذا اقتصر عليهما ابن الصلاح.
وأهمل عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة والأسود بن العلاء بن جارية ذكرهما الجياني، وقَالَ: الأول حديثه مخرّج في «الصحيحين»، الثاني في مسلم (١).
(جرير) كله بالجيم وراء مكررة، إلا حريز بن عثمان، وأبا حريز عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة فبالحاء والزاي آخرا، ويقاربه حدير بالحاء والدال: والد عمران ووالد زياد وزيد
(حازم) كله بالحاء المهملة، إلا أبا معاوية محمد بن خازم فبالمعجمة، كذا اقتصر عليه ابن الصلاح وتبعه النووي (٢)، وأهملا
-----------------
(١) «تقييدالمهمل» ١/ ١٦٩.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١/ ٤٠.
بشير بن أبي خازم الإمام الواسطي أخرجا له، ومحمد بن بشير العبدي كنَّياه أبا حازم بالمهملة.
قَالَ أبو علي الجياني: والمحفوظ أنه بالمعجمة، كذا كناه أبو أسامة في روايته عنه، قاله الدارقطني (١).
(حبيب) كله بفتح المهملة إلا خبيب بن عديّ، وخبيب بن عبد الرحمن، و(خبيبا) (٢) غير منسوب عن حفص بن عاصم، وخبيبا كنية ابن الزبير فبضم المعجمة.
(حيان) كله بالفتح والمثناة، إلا حَبان بن منقذ والد واسعبن حبان وجدّ محمد بن يحيى بن حَبان وجدّ حَبان بن واسع بن حَبان، وإلا حَبان ابن هلال منسوبًا وغير منسوب عن شعبة ووهيب وهمام وغيرهم فبالموحدة وفتح الحاء، وإلا حبان بن العرقة وحبان بن عطية وحبان ابن موسى منسوبًا وغير منسوب عن عبد الله -هو: ابن المبارك- فبكسر الحاء وبالموحدة. قلت: وكذا أحمد بن سنان بن أسد بن حبان، روى لَهُ البخاري في الحج، ومسلم في الفضائل، كما نبه عليه الجياني (٣)، وأغفله ابن الصلاح ثم النووي.
(خراش) كله بالخاء المعجمة، إلا والد ربعي فبالمهملة.
(حزام) بالزاي في قريش وبالراء في الأنصار، كذا اقتصر عليه -أعني: ابن الصلاح والنووي (٤) - وفي «المختلف والمؤتلف» لابن
-----------------
(١) «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٦٥٦، «تقييد المهمل» ١/ ٢٠٥.
(٢) في الأصل: (هو خبيب)، والمعنى لا يستقيم، وما أثبتناه هو الصواب إن شاء الله كما في «مسلم بشرح النووي» ١/ ٤٠.
(٣) «تقييد المهمل» ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ١/ ٤٠.
حبيب في جذام: حرام بن جذام، وفي تميم بن مُرّ: حرام بن كعب، وفي خزاعة: حرام بن حبشية وفي عذرة حرام بن رضنّة (١).
وأما حزام بالزاي فجماعة في غير قريش منهم: حزام بن هشام الخزاعي، وحزام بن ربيعة شاعر، وعروة بن حزام الشاعر العدوي.
(حُصَين) كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، إلا أبا حَصِين عثمان بن عاصم فبالفتح وكسر الصاد، وإلا أبا ساسان حضين بن المنذر فبالضم وضاد معجمة.
(حَكِيم) كله بفتح الحاء وكسر الكاف إلا حُكَيم بن عبد الله، ورزيق ابن حُكَيم فبالضم وفتح الكاف.
(رباح) كله بالموحدة إلا زياد بن رياح عن أبي هريرة في أشراط الساعة فبالمثناة عند الأكثرين.
وقال البخاري: بالوجهين، بالمثناة وبالموحدة.
قُلْتُ: وفيهما أيضًا عَلَى ما ذكره أبو علي الجياني محمد بن أبي بكر ابن عوف بن رياح الثقفي سمع أنسًا وعنه مالك رويا له، ورياح بن عَبِيدة من ولد عمر بن عبد الوهاب الرياحي روى لَهُ مسلم، ورياح في نسب عمر بن الخطاب، وقيل: بالموحدة (٢).
(زُبيد) بضم الزاي: هو ابن الحارث ليس فيهما غيره. وأما زُييد بن الصلت فبعد الزاي ياء مثناة مكررة وهو في «الموطأ» (٣).
(الزُبير) بضم الزاي، إلا عبد الرحمن بن الزَبير -الذي تزوج امرأة
------------
(١) ذكره الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٥٧٤.
(٢) «تقييد المهمل» ١/ ٢٦٢.
(٣) كما في ص ٥١، ٥٥ من رواية يحيى.
(عَبْدة) كله بإسكان الباء إلا عامر بن عبدة وبَجَالة بن عبدة ففيهما الفتح والإسكان، والفتح أشهر. وعند بعض رواة مسلم عامر بن عبد بلا هاء ولا يصح.
(عُبيد) كله بضم العين.
(عُبيدة) كله بالضم، إلا السلماني، وابن سفيان، وابن حميد، وعامر بن عَبيدة فبالفتح. قلت: وإلا عامر بن عَبيدة قاضي البصرة، ذكره البخاري في كتاب الأحكام كما نبه عليه الجياني (١) وأهمله ابن الصلاح ثم النووي.
(عَقيل) كله بالفتح، إلا عُقيل بن خالد الأيلي، ويأتي كثيرًا عن الزهري غير منسوب، وإلا يحيى بن عُقيل، وبني عُقيل للقبيلة فبالضم.
(عُمارة) كله بضم العين.
(واقد) كله بالقاف.
(يَسرة) بفتح المثناة تحت المهملة واحد، وهو يسرة بن صفوان شيخ البخاري، وأما بسرة بنت صفوان فليست في الصحيحين.
الأنساب:
(الأَيَلي) كله بفتح الهمزة والمثناة، ولا يرد شيبان بن فروخ الأُبلي بضم الهمزة والموحدة شيخ مسلم، لأنه لم يقع في «صحيح مسلم» منسوبًا، قلت: والأيلي نسبة إلى أيلة: قرية من قرى مصر (٢)، والأبلي بالباء نسبة إلى قرية من قرى البصرة (٣).
-------------------
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٣٤٣.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٩٨.
(٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٦.
(البصري) كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة نسبة إلى البصرة مثلثة الباء، إلا مالك بن أوس بن الحدثان النصري، وعبد الواحد النصري، وسالمًا مولى النصريين فبالنون.
(البزاز) بزايين محمد بن الصباح وغيره، إلا خلف بن هشام البزار، والحسن بن الصباح فآخرهما راء.
قلت: وإلا يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب، وبشر بن ثابت فبالراء أيضا، والأول حدّث عنه البخاري في صدقة الفطر والدعوات، والثانى استشهد به فى صلاة الجمعة نبه على ذلك الجياني (١)، وأهمله ابن الصلاح، ثم النووي.
(الثوري) كله بالمثلثة، إلا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزي فبالمثناة فوق وتشديد الواو المفتوحة وبالزاي، ذكره البخاري في كتاب الردة (٢).
(الجُرَيري) بضم الجيم وفتح الراء، إلا يحيى بن بشر الحريري -شيخهما عَلَى ما ذكره ابن الصلاح، ولم يعلِّم له المزي إلا علامة مسلم فقط- فبالحاء المفتوحة (٣)، وعدّ ابن الصلاح من الأول ثلاثة، ثمَّ قَالَ: وهذا ما فيهما بالجيم المضمومة، وأهمل رابعًا وهو عباس بن فروخ روى لَهُ مسلم في الاستسقاء، وخامسًا وهو أبان بن تغلب روى لَهُ مسلم أيضًا (٤).
-------------
(١) «تقييد المهمل» ١/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٠٣) كتاب: الحدود، باب: لم يحسم النبي - ﷺ - المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا.
(٣) «تهذيب الكمال» ٣١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٦٧٩٤).
(٤) مسلم (٩١) كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه.
(الحارثي) كله بالحاء والمثلثة، ويقاربه سعد الجاريُّ بالجيم وبعد الراء ياء مشددة نسبة إلى الجار مرفأ السفن ساحل المدينة (١).
(الحزامي) كله بالحاء والزاي، وقوله في «صحيح مسلم» في حديث أبي اليسر: كان لي عَلَى فلان الحرامي (٢)، قيل: بالزاي وبالراء، وقيل: الجذامي بالجيم والذال المعجمة.
والحرامي بالحاء والراء المهملتين في الصحيحين جماعة منهم جابر ابن عبد الله.
(السلمي) في الأنصار بفتح اللام وحكي كسرها وفي بني سليم بضمها وفتح اللام.
(الهمْداني) كله بإسكان الميم ودال مهملة. كذا اقتصر عليه ابن الصلاح، ثم النووي، وقَالَ الجياني: أبو أحمد المرار بن حمويه الهمذاني -بفتح الميم وذال معجمة- يقال: إن البخاري حدّث عنه في الشروط (٣) فهذِه ألفاظ وجيزه نافعة جدًّا في المؤتلف والمختلف.
وأما المفردات فلا تنحصر، وستمر بك -إن شاء الله تعالى- واضحة محققة.
-------------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٥٥.
(٢) مسلم (٣٠٠٦) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر.
(٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٤٨٨.
فصل
عن أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن البصري: كل ما في البخاري أنا محمد، أنا عبد الله فهو ابن مقاتل المروزي عن ابن المبارك، وما كان أنا محمد عن أهل العراق كأبي معاوية وعبدة ويزيد بن هارون والفزاري فهو ابن سلام البيكندي، وما كان فيه عبد الله غير منسوب فهو عبد الله بن محمد الجعفي المسندي مولى محمد بن إسماعيل البخاري، وما كان أنا يحيى غير منسوب فهو ابن موسى البلخي وإسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه.
وهذا أخر ما يسره الله تعالى من هذِه الفصول، ونشرع الآن في المهم المقصود أعان الله على إكماله، ونفع به وهو حسبي ونعم الوكيل (١).
--------------
(١) آخر الجزء الأول من تجزئة المصنف.
١
كتاب بدء الوحى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - كتاب بدء الوحى
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله:
١ - باب (١) كيف كان بدء الوحى
إِلَى رَسُولِ اللِّه - ﷺ -
وَقَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)﴾ [النساء: ١٦٢]
الكلام على هذِه الترجمة من وجوه:
أحدها:
قوله: (باب) يجوز رفعه بلا تنوين على الإضافة، وهو خبر مبتدأ
------------------
(١) ورد بهامش (ف): بلغ ثانيًا له مؤلفه.
محذوف، أي: هذا باب، ويجوز تنوينه، وهما جاريان في نظائره أيضًا، ووقع في بعض نسخ البخاري بغير ذكر باب (١) وهي سماع أبي العز الحراني.
ثانيها:
(بَدْءُ) يجوز فيه الهمز من الابتداء، وتركه من الظهور مع سكون الدال، والأول أرجح، وقال القاضي عياض: بدأ (٢) بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبغير همز مع ضم الدال، وتشديد الواو من الظهور (٣).
قال أهل اللغة: بدأت الشيء بداءً: ابتدأت به، وبدا الشيء -بلا همز- بدوًّا -بتشديد الواو- كقعد قعودًا، أي: ظهر. فالمعنى على الأول: كيف كان ابتداؤه، وعلى الثاني: كيف كان ظهوره.
قال بعضهم فيما حكاه القاضي: الهمز أحسن؛ لأنه يجمع المعنيين، والأحاديث المذكورة في الباب تدل عليه؛ لأنه بيَّن فيه كيف يأتيه المَلَكُ ويظهر له، وكيف كان ابتداء أمره أول ما ابتدئ به (٤). وقيل: الظهور أحسن؛ لأنه أعم.
ثالثها:
قوله: (وَقَوْلُ اللهِ) هو مجرور ومرفوع معطوف على (كيف) قاله النووي في «تلخيصه»، وعبارة القاضي: يجوز الرفع على الابتداء، والكسر عطفًا على (كيف) وهي في موضع خفض، كأنه قال: باب
----------------
(١) كما في نسختي ابن عساكر وأبي الوقت، انظر: «صحيح البخاري» ١/ ٦ الطبعة السلطانية.
(٢) في (ف): دوي، والصواب ما أثبتناه كما في «مشارق الأنوار» ١/ ٧٩ - ٨٠.
(٣) «مشارق الأنوار» ١/ ٨٠.
(٤) «مشارق الأنوار» ١/ ٨٠.
كيف كذا، وباب معنى قول الله، أو الحجة بقول الله، قال: ولا يصح أن يحمل على الكيفية لقول الله تعالى، إذ لا يكيف كلام الله.
رابعها:
الوحي أصله الإعلام في خفاءٍ وسرعة ومنه: الوحاء الوحاء (١) وهي في عرف الشرع إعلام الله تعالى أنبياءه ما شاء من أحكامه، فكل ما دلت عليه من كتاب أو رسالة أو إشارة بشيء فهو وحي، ومن الوحي الرؤيا والإلهام، وأوحى أفصح من وحى، وبه جاء القرآن، والثانية أسدية كما قاله الفرَّاء، وقال القزاز في «جامعه»: هو من الله إلهام، ومن الناس إشارة، وستعرف في أول الحديث الثاني إن شاء الله تعالى أقسامه.
والوحي بمعنى الأمر في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]، وبمعنى الإلهام في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، وبمعنى التسخير في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وبمعنى الإشارة في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١].
خامسها:
قال أبو إسحاق الزجاج وغيره: هذِه الآية جواب لما تقدم من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآية، فأَعْلم الله تعالى أن أمره كأمر النبيين من قبله يوحى إليه كما يوحى إليهم، وقيل: المعنى: أوحى الله تعالى إلى محمد - ﷺ - وحي رسالة كما أوحى إلى الأنبياء، لا وحي إلهام.
-------------
(١) الوحاء: السرعة، ووَحَى يحي وَحاء إذا أسرع وعجل، والوحاء الوحاء: الإسراع. انظر: «الفائق» ٢/ ٢٩٩، «الصحاح» ٦/ ٢٥٢٠، «تاج العروس» ١/ ٨٦٤١ مادة: (وحى).
سادسها:
ذكر البخاري رحمه الله هذِه الآية في أول كتابه تبركًا ولمناسبتها لما ترجم له، وقد أسلفنا فيما مضى أنه يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن وسنة مسندة وغيرهما، وأراد أن الوحى سنة الله تعالى في أنبيائه.
سابعها:
بدأ البخاري رحمه الله بالوحي، ومالك في «الموطأ» بوقوت الصلاة، ومنهم من بدأ بالإيمان، ومنهم من بدأ بالوضوء، ومنهم من بدأ بالطهارة، ومنهم من بدأ بالاستنجاء، ولكلٍّ وجه، والله الموفق.
ثامنها:
(نوح) أعجمي، والمشهور صرفه، ويجوز تركه.
١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْنُ سَعِيدِ الأنصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصِ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - عَلَى الِمنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣ مسلم ١٩٠٧ - فتح ١/ ٩].
قال البخاري رحمه الله:
ثَنَا الحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِى، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - عَلَى المِنْبَرِ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
هذا حديث حفيل جليل، وقبل الخوض في الكلام عليه ننبه على خمسة أمور مهمة:
أولها: وجه تعلق هذا الحديث بالآية أن الله تعالى أوحى إلى نبينا وإلى جميع الأنبياء أن الأعمال بالنيات، والحجة لَهُ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، والإخلاص: النية، قَالَ أبو العالية: وصاهم بالإخلاص في عبادته.
وقال مجاهد: أوصيناك به والأنبياء دينًا واحدًا (١)، والمعنى: شرع لكم من الدين دينَ نوح ومحمد ومَن بينهما من الأنبياء، ثمَّ فسر المشروع المشترك بينهم، فقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
ثانيها: إن قُلْتَ: ما وجه تعلق هذا الحديث أيضًا بالترجمة والتبويب؟ قُلْتُ: عنه أوجه:
أحدها: أنه -عليه السلام- خطب بهذا الحديث لما قدم المدينة حين وصل إلى دار الهجرة، وذلك كان بدء ظهوره ونصره واستعلائه (٢)، فالأول: مبدأ
-------------------
(١) رواه الطبري ١١/ ١٣٤ - ١٣٥ (٣٠٦٣٣).
(٢) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٠: وهذا وجه حسن إلا إنني لم أر ما ذكره من كونه
- ﷺ - خطب به -أول ما هاجر- منقولا، وقد وقع في باب ترك الحيل بلفظ:
سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يا أيها الناس، إنما الأعمال بالنية» الحديث، ففي
هذا إيماء إلى أنه كان في حال الخطبة، أما كونه كان في ابتداء قدومه إلى المدينة فلم أر ما يدل عليه، ولعل قائله استند إلى ما روي في قصة مهاجر أم قيس، قال ابن دقيق العيد: نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ماينوى به، انتهى.
وهذا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبوية، وقصة مهاجر أم قيس =
النبوة والرسالة والاصطفاء وهو قوله: باب بدء الوحي، والثاني: بدء النصر والظهور، ويؤيده أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة، فشكوا إلى النبي - ﷺ -، وسألوه أن يغتالوا مَنْ مكَّنَهُم منهم ويغدروا به، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (١) [الحج: ٣٨]، فنهوا عن ذَلِكَ، وأمروا بالصبر إلى أن هاجر النبي - ﷺ - فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الآية فأباح الله قتالهم، فكان إباحة القتال مع الهجرة التي هي سبب النصر والغلبة وظهور الإسلام.
ثانيها: أنه لما كان الحديث مشتملًا عَلَى الهجرة وكانت مقدمة النبوة في حقه - ﷺ - هجرته إلى الله تعالى، وإلى الخلو بمناجاته في غار حراء، فهجرته إليه كانت ابتداء فضله باصطفائه ونزول الوحي إليه مع التأييد الإلهي والتوفيق الرباني.
ثالثها: أنه إنما أتى به عَلَى قصد الخطبة والترجمة للكتاب -كما سيأتي-.
فإن قُلْتَ: لِمَ لَمْ يبتدئ في أول «صحيحه» بالحمد، وهو أمر مُهم،
-------------
= رواها سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس، ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك. اهـ.
(١) قراءة متواترة قرأ بها أبو عمرو ويعقوب وابن كثير. انظر: «حجة القراءات» ص ٤٧٧، و«الكوكب الدري» ص ٤٩٩.
لَهُ بال عظيم، وقد صحَّ من حديث أبي هريرة لكنه - رضي الله عنه - عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» رواه أبو داود والنسائي في «سننهما» (١)، كذلك وابن ماجه في «سننه» بلفظ: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع» (٢).
ورواه الحافظ عبد القادر الرهاوي (٣) فى «أربعينه» بلفظ: «بذكر الله وببسم الله الرحمن الرحيم» (٤).
-------------
(١) أبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ١٢٧ - ١٢٨ (١٠٣٢٨)، من طريق الوليد عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به، لكن في النسائي بلفظ: أقطع.
(٢) ابن ماجه (١٨٩٤) من طريق عبيد الله بن موسى، عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به. ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن الأعرابي في «معجمه» (٣٦٢)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (١) بزيادة: «فهو». أي: فهو أقطع.
(٣) هو الإمام أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي الحنبلي، ولد سنة ٥٣٦ هـ بالرها، ونشأ بالموصل، وتوفي سنة ٦١٢ هـ. قال الذهبي: عمل «الأربعين المتباينة الإسناد والبلدان» فدل على حفظه ونبله، وله فيها أوهام. انظر في ترجمته: «معجم البلدان» ٣/ ١٠٦، «البداية والنهاية» ١٣/ ٨٢، «سير أعلام النبلاء»، ٢٢/ ٧١ - ٧٥، «تاريخ الإسلام» ٤٤/ ١٠٨ - ١١٠.
(٤) رواه من طريقه السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» ١/ ١٢ ولفظه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» وفيه أحمد بن محمد بن عمران، قال الخطيب: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه، وسئل الأزهري عنه فقال: ليس بشيء. اهـ. وقال العتيقي: كان يرمى بالتشيع، وكانت له أصول حسان. اهـ. وقال الذهبي: شيعي. انظر: «تاريخ بغداد» ٥/ ٧٧، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٥٥٦، «ميزان الاعتدال» ١/ ١٤٧. والحديث ضعفه الألباني في «إرواء الغليل» ١/ ٢٩ (١).
ورواه أبو عوانة وأبو حاتم ابن حبان في صحيحيهما (١).
قَالَ ابن الصلاح: ورجاله رجال الصحيحين سوى قرة بن الرحمن، فإنه ممن انفرد مسلم عن البخاري بالتخريج له (٢). قَالَ: حديث حسن (٣).
قُلْتُ: بل صحيح كما أسلفناه عن ذينك الإمامين (٤)، وقد تابع سعيدُ
------------
(١) أبو عوانة كما في «الإتحاف» ١٦/ ٧٢ (٢٠٤٠٤)، وابن حبان (١) من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن قرة به، بلفظ: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع».
قلت: ورواه أيضًا الخليلي في «الإرشاد» ١/ ٤٤٨ (١١٨) بسنده ومتنه، وأحمد ٢/ ٢٥٩ من طريق ابن المبارك عن الأوزاعي عن قرة به، بلفظ: «كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر» أو قال: «أقطع». والدارقطني ١/ ٢٢٩ من طريق موسى بن أعين عن الأوزاعي، عن قرة به، بلفظ: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله أقطع»، والبيهقي ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩ من طريق أبي المغيرة، عن الأوزاعي عن قرة به، بلفظ: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع».
والحديث مداره على قرة بن عبد الرحمن، وهو متكلم فيه، قال أحمد: منكر الحديث جدًّا، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بقوي. انظر: «الجرح والتعديل» ٧/ ١٣١ - ١٣٢ (٧٥١)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٥٨١ - ٥٨٣. وفيه علة أخرى وهي اضطرابه في متن الحديث، قال الألباني: فهو تارة يقول: «أقطع»، وتارة: «أبتر»، وتارة: «أجذم»، وتارة: يذكر الحمد، وأخرى يقول: «بذكر الله». اهـ. ومن ثمَّ فقد حكم عليه بالضعف. «إرواء الغليل» ١/ ٣١ - ٣٢.
(٢) قال تاج الدين السبكي في «طبقاته» ١/ ٩: وأنا أقول: لم يخرج له مسلم إلا في الشواهد مقرونًا بغيره، وليس لها حكم الأصول. اهـ.
(٣) وممن حكم عليه أيضًا بالحسن النووي في «شرح مسلم» ١/ ١٤٣، والمصنف في «البدر المنير» ٧/ ٥٢٨، والعجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ١١٩ (١٩٦٤).
(٤) وممن حكم بصحة هذا الحديث مع الكلام على طرقه وألفاظه ومحاولة التوفيق بينها مستفيضًا تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» ١/ ٥ - ٢٤.
ابنُ عبد العزيز قرةَ، كما أخرجه النسائي (١) فلم ينفرد به إذًا، فلا يلتفت إلى تضعيف ابن الصباغ (٢) -من أصحابنا- في «شامله» ولا إلى القاضي الحسين (٣)؛ حيث نقل ذَلِكَ عن الأصحاب، ولا إلى كونه روي مرة
----------------------
(١) «السنن الكبرى» ٦/ ١٢٧ (١٠٣٢٩) مرفوعًا، وقال النووي في «شرح مسلم» ١/ ٤٣: إسنادها جيد. اهـ.
قلت: وتابعه أيضًا يونس بن يزيد كما رواه الخليلي في «الإرشاد» ١/ ٤٤٩ من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: «كل أمر لم يُبْدأ فيه بحمد الله، والصلاة على فهو أقطع، أبتر، ممحوق من كل بركه».
قال الخليلي: إسماعيل بن أبي زياد شيخ ضعيف. اهـ، وقال أيضًا: ولا يعتمد على رواية إسماعيل عن يونس. اهـ.
وقال الرهاوي كما في «فيض القدير» ٥/ ١٩: غريب، تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد وهو ضعيف جدًّا لا يعتبر بروايته ولا بزيادته. اهـ.
وقال السبكي في «طبقاته» ١/ ٤: حديث غير ثابت. اهـ.
(٢) الإمام، العلامة، شيخ الشافعية، أبو نصر، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي الفقيه المعروف بابن الصباغ، مصنف كتاب «الشامل» وكتاب «الكامل» وكتاب «تذكرة العالم والطريق السالم»، ولد سنة ٤٠٠ هـ، قال ابن خلكان كان تقيًّا صالحًا. توفي ٤٧٧ هـ.
انظر ترجمته في: «المنتظم» ٩/ ١٢ - ١٣، «الكامل» ٣/ ١٤١، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٩٩ (٥٧٠)، «وفيات الأعيان» ٣/ ٢١٧، ٢١٨ (٣٩٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٤٦٤، ٤٦٥ (٢٣٨)، «شذرات الذهب» ٣/ ٣٥٥.
(٣) القاضي حسين بن محمد بن أحمد، العلامة شيخ الشافعية بخراسان، أبو علي المروزي ويقال أيضًا: المروروذي الشافعى حدث عن أبي نعيم سبط الحافظ أبي عوانة، وحدث عنه عبد الرزاق المنيعي، ومحيي السنة البغوي، وجماعة، له «التعليقة الكبرى»، و«الفتاوى» وغير ذلك وكان من أوعية العلم مات ٤٦٢ هـ.
انظر ترجمته في: «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٦٤، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٤، ١٣٥ (١٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٢٦٠، ٢٦١، (١٣١)، «كشف الظنون» ١/ ٤٢٤، «شذارت الذهب» ٣/ ٣١٠.
مرسلًا (١)؛ لأن الحكم للاتصال عند الجمهور؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت (٢).
قُلْتُ: عنه سبعة أجوبة:
أحدها: أن هذا الحديث ليس على شرطه في قرة السالف.
ثانيها: على تقدير تسليم صحته على شرطه أن المراد بالحمد الذكر لأمرين:
أحدهما: أنه قَدْ روي «بذِكْر الله» بدل «حمد الله» كما سلف.
ثانيهما: تعذر استعماله؛ لأن التحميد إنْ قُدّم عَلَى التسمية خولف فيه العادة، وإن ذكر بعدها لم يقع به البداءة، فثبت بهذين الأمرين أن المراد به الذكر، وقد بدأ به لإتيانه بالبسملة أولًا، فالحمد: الثناء عَلَى الله تعالى، وقد أثنى البخارى عليه بإتيانه بالتسمية أولًا، وهي من أبلغ الثناء، ولأنها أفضل آي القرآن -كما قَالَه الروياني (٣) في
--------------------
(١) رواه مرسلًا النسائي في «السنن الكبرى» ٦/ ١٢٧ (١٠٣٣٠)، وقال أبو داود في «سننه» بعد حديث (٤٨٤٠): رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. ورجح الدارقطني إرساله كما في «سننه» ١/ ٢٢٩، «العلل» ٨/ ٢٩ - ٣٠. قال الألباني في «الإرواء» ١/ ٣١: وهو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر وأوثق من قرة. اهـ.
(٢) قلت: بل ليس بثقة، انظر ما سبق من كلام الأئمة الحفاظ فيه، وزِدْ عليه: قال الآجري عن أبي داود: في حديثه نكارة. وقال أيضًا: سألت أبا داود عن عقيل وقرة فقال: عقيل أحلى منه. وقال يحيى بن معين: كان يتساهل في السماع وفي الحديث، وليس بكذاب. انظر: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٣٨.
(٣) القاضي العلامة، فخر الإسلام، شيخ الشافعية، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الطبري، الشافعي مولده في آخر سنة ٤١٠ هـ، وتفقه ببخارى مدة، ارتحل في طلب الحديث والفقه جميعًا، وبرع في الفقه، ومهر وناظر، وصنف التصانيف الباهرة منها «البحر» و«مناصيص الشافعي» =
«البحر»- وقد أسلفنا في رواية بالبسملة بدل الحمد؛ وأيضًا فكتابه العزيز مفتتح بها، وكُتُب رسوله عليه أفضل الصلوات والسلام مبتدأة بها؛ فلذلك تأسى البخاري بها.
ثالثها: وهو قريب مما قبله، أن بعض الذكر يقوم مقام البعض كما قاله - ﷺ - حكاية عن الله تعالى: «مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (١) فكذلك التسمية هنا تقوم مقامه، وكذا قوله - ﷺ -: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قُلْتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إلة إلا الله وحده لا شريك له» (٢) الحديث، قيل لسفيان: هذا ثناء وليس بدعاء فأنشد:
إِذَا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء
---------------------
= و«حلية المؤمن» و«الكافي» قتل سنة إحدى وخمسمائة بيد الإسماعيلية بجامع آمل.
انظر ترجمته في: «الأنساب» ٦/ ١٨٩، ١٩٠، «المنتظم» ٩/ ١٦٠، «معجم البلدان» ٣/ ١٠٤، «الكامل في التاريخ» ١٠/ ٤٧٣، «اللباب» ٢/ ٤٤، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٧٧ (٤٦٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٢٦٠ (١٦٢).
(١) رواه الترمذي (٢٩٢٦) من حديث أبي سعيد، وقال: هذا حديث حسن. ورواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (٤٢٧)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤١٣ (٥٧٢) كلاهما عن ابن عمر.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٤٦ ليس يجيء هذا الحديث فيما علمت مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وصفوان بن أبي الصهباء وبكير بن عتيق رجلان صالحان وله طرق أخرى كثيرة كلها ضعيفة، والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٣٣٥)، (٤٩٨٩).
(٢) رواه مالك ص ١٥٠ رواية يحيى، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٧٨ (٨١٢٥)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٢٥ (٢٧٦٥)، والمحاملي في «الدعاء» (٦٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٢٨٤، وفي «فضائل الأوقات» (١٩١)، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ١٥٧ (١٩٢٩) من حديث عبيد الله بن كريز مرسلًا، قال البيهقي: هذا مرسل حسن. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٥٠٣).
رابعها: أن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، والظاهر أنه حمد بلسانه.
خامسها: أن الأمر به محمول عَلَى ابتداءات الخطب دون غيرها، زجرًا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور، وإنما كان ذَلِكَ لثلاثة أمور:
أحدها: ما روي أن أعرابيًّا خطب فترك التحميد فقال - ﷺ -: «كل أمر ذي بال» إلى آخره (١).
ثانيها: أن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ﴾ (٢) [العلق: ١] وقيل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٣) [المدثر: ١]. وليس في ابتدائهما حمد الله، فلم يجز أن يأمر الشارع بما كتابُ الله على خلافه (٤).
ثالثها: أن خبر الشارع لا يجوز أن يكون خلاف مخبره وقد قَالَ: «فهو أجذم» وروي «أبتر». و«صحيح البخاري» أصح المصنفات وأنفع المؤلفات، فعلم بهذِه الأمور أنه محمول عَلَى الخطب دون غيرها من المصنفات والكتب.
سادسها: أن هذا الحديث منسوخ بأنه - ﷺ - لما صالح قريشًا عام
--------------------
(١) قال العيني في «عمدة القاري» ١/ ١٣: وفيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. اهـ.
(٢) سيأتي برقم (٤٩٢٢) كتاب: التفسير، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ [العلق: ٣]، ورواه مسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٤) قال العيني في «عمدة القاري» ١/ ١٣: وهذا ساقط جدًّا؛ لأن الاعتبار بحالة الترتيب العثماني لا بحالة النزول؛ إذ لو كان الأمر بالعكس، لكان ينبغي أن يترك التسمية أيضا. اهـ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|