
23-12-2025, 10:05 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,744
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 62الى صـــ 71
(449)
( ألا ترى ) أنه لا ربح في المضاربة حتى يستوفى رأس المال ، فإن كان النقصان يدخل عليه ، لم يجز ذلك عليه إلا أن يرضى بالبيع ، فإذا لم يرض به رب العبد حتى يبيعه المضاربان جاز ، وحاصل المعنى أن الإجازة إنما تصح ممن يملك مباشرة العقد ، ورب المال لا يملك بيع مال المضاربة بغبن يسير مراعاة لحق المضارب في الربح ، فكذلك لا يملك إجازة البيع بغبن يسير من أحد المضاربين ، أو من أجنبي آخر ، وهو يملك مباشرة البيع بمثل القيمة ، فكذلك يملك إجازة بيع أحدهما بمثل القيمة وهذا ; لأن رب المال غير مسلط على هذا التصرف من جهة من له الحق ، وهو المضارب ، فيستوي في حقه الغبن اليسير ، والفاحش كالمريض في حق ورثته ، بخلاف الوكيل بالشراء ، فإنه مسلط على التصرف من جهة الموكل ، فيجعل الغبن اليسير عفوا في حقه ، بخلاف الوصي فهو مسلط على التصرف في حق الصبي شرعا ، فيقام ذلك مقام التسليط من جهته أن لو كان من أهله ، وعلى هذا لو كان رب المال هو الذي باعه ، وأجازه أحد المضاربين ، فإن كان باعه بمثل القيمة ، فهو جائز ، وإن باعه بدون القيمة بقليل أو كثير ، لم يجز حتى يجيزاه جميعا .
ولو كان أحد المضاربين باع ببعض ما ذكرنا من الثمن فأجازه المضارب الآخر ولم يجز رب المال ، فهو جائز إن كان باعه بأقل من قيمته بما يتغابن الناس فيه ، وإن كان بما لا يتغابن الناس فيه . لم يجز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة ما لو كان باعاه جميعا ، وأصل المسألة في الوكيلين بالبيع والله أعلم .
( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا مضاربة بالنصف ، فعمل به في مصره ، أو في أهله ، فلا نفقة له في مال المضاربة ، ولا على رب المال ; لأن القياس أن لا يستحق المضارب النفقة في مال المضاربة بحال ، فإنه بمنزلة الوكيل ، أو المستبضع عامل لغيره بأمره ، أو بمنزلة الأجير لما شرط لنفسه من بعض الربح ، وواحد من هؤلاء لا يستحق النفقة في المال الذي يعمل فيه ، إلا أنا تركنا هذا القياس فيما إذا سافر بالمال لأجل الصرف ، فبقي ما قبل السفر على أصل القياس ، وهذا ; لأن مقامه في مصره أو في أهله ; لكونه متوطنا فيه لا لأجل مال المضاربة .
( ألا ترى ) أنه قبل عقد المضاربة كان متوطنا في هذا الموضع ؟ وكانت نفقته في مال نفسه ؟ فكذلك بعد المضاربة ، فأما إذا خرج بالمال إلى مصر يتجر فيه ، كانت نفقته في مال [ ص: 63 ] المضاربة في طريقه ، وفي المصر الذي يأتيه لأجل العادة ، وهذا ; لأن خروجه وسفره لأجل مال المضاربة ، والإنسان لا يتحمل هذه المشقة ، ثم ينفق من مال نفسه لأجل ربح موهوم ، عسى يحصل وعسى لا يحصل ، بل إنما رضي بتحمل هذه المشقة ، باعتبار منفعة تحصل له ، وليس ذلك إلا بالإنفاق من ماله الذي في يده ، فيما يرجع إلى كفايته ، بخلاف الوكيل ، والمستبضع ، فإنه متبرع في عمله لغيره ، غير طامع في شيء من ماله لأجله ، وبخلاف الأجير ; لأنه عامل له ببدل مضمون في ذمة المستأجر ، وذلك يحصل له بيقين ، فأما هذا فغير متبرع ، ولا هو مستوجب بدلا مضمونا ، بل حقه في ربح عسى يحصل أو لا يحصل ، فلا بد من أن يحصل له بإزاء ما تحمل من المشقة ، شيء معلوم .
وذلك نفقته في المال ، وهو بمنزلة الشريك ، والشريك إذا سافر بمال الشركة ، فنفقته في ذلك المال .
وهو مروي عن محمد - رحمه الله - فالمضارب كذلك وهذا ; لأنه فرغ نفسه عن أشغاله لأجل مال المضاربة ، فهو كالمرأة إذا فرغت نفسها لزوجها بالمقام في بيته ، فأما في المصر فما فرغ نفسه لمال المضاربة ، فلا يستوجب نفقته فيه .
ونفقته ، طعامه وكسوته ودهنه ، وغسل ثيابه ، وركوبه في سفره إلى المصر الذي أتاه بالمعروف على قدر نفقة مثله ; لأن هذا كله مما لا بد منه في السفر ، وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - أن دهنه ليس من جملة النفقة وكأنهما أرادا به في الموضع الذي لا يحتاج فيه إلى استعمال الدهن عادة ، فتكون الحاجة إليه نادرة ، والثابت عرفا لا يثبت فيما هو نادر .
ومراد محمد - رحمه الله - إذا سافر إلى المواضع التي يحتاج فيها إلى استعمال الدهن عادة ، وذلك في ديار الحجاز والعراق ، ثم المستحق نفقة المثل ، وهو المعروف ، كما في نفقة الزوجة ، فإن أنفق أكثر من ذلك حسب له من ذلك نفقة مثله وكان ما بقي عليه في ماله ، فإذا رجع إلى مثله ، وقد بقي معه ثياب أو طعام أو غيره ، رده في مال المضاربة ; لأن استحقاقه قد انتهى برجوعه إلى مصره فعليه رد ما بقي ، كالحاج عن الغير إذا بقي معه شيء من النفقة بعد رجوعه ، وكالمولى إذا بوأ أمته مع زوجها بيتا ، ثم شغلها بخدمته ، وقد بقي معها شيء من النفقة ، كان للزوج أن يسترد ذلك منها ،
فأما الدواء والحجامة والكحل ونحو ذلك ، ففي ماله خاصة دون مال المضاربة ، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أن ذلك كله في مال المضاربة ; لأن مال المضاربة مدة سفره في حاجته ، كمال نفسه ، فكما أنه يصرف مال نفسه في هذه الأشياء ، كما يصرف في النفقة ، فكذلك مال المضاربة . وجه ظاهر الرواية أنه إنما يستوجب النفقة في مال المضاربة .
وثمن الدواء ، وأجرة الحجام وما يحتاج إليه من العلاج ليس من النفقة ، [ ص: 64 ] ألا ترى ) أن الزوجة لا تستحق شيئا من ذلك على زوجها بخلاف النفقة ؟ ثم الحاجة إلى هذه الأشياء غير معتادة ، بل هي نادرة والنادر لا يستحق بطريق العادة .
وكذلك جارية الوطء والخدمة ، لا يحتسب بثمنها في المضاربة ; لأن ذلك ليس من أصول حوائجه بل يكون للترفه وقضاء الشهوة ; ولأن ما قصد لشرائها ، لا ترجع منفعته إلى مال المضاربة ،
ولو استأجر أجيرا يخدمه في سفره وفي مصره الذي أتاه ليخبز له ويطبخ ويغسل ثيابه ويعمل له ما لا بد له منه ، احتسب بذلك على المضارب ; لأنه لو لم يستأجر احتاج إلى إقامة هذه الأعمال بنفسه فإنه ما لا بد له منه ، وإذا عمل له أجيره ، تفرغ هو للعمل في مال المضاربة ، فكان في هذا الاستئجار منفعة للمضاربة .
وكذلك لو كان معه غلمان له يعملون في المال ، كانوا بمنزلته ، ونفقتهم في مال المضاربة ; لأن نفقتهم كنفقته وهم يعملون له في المال كما يعمل هو ، ومن يستحق نفقته على إنسان يستحق نفقة خادمه كالمرأة على زوجها ، إلا أنها لا تحتاج إلى الزيادة على خادم واحد في عملها للزوج في بيته ، وقد يحتاج المضارب إلى غلمان يعملون في المال معه ، فلهذا كانت نفقتهم في مال المضاربة وكذلك لو كان للمضارب دواب يحمل عليها متاع المضاربة إلى مصر من الأمصار ، كان علفها على المضاربة مادام في عملها ; لأنها بالعلف تتقوى على حمل المتاع ، ومنفعة ذلك راجعة إلى مال المضاربة ، وإذا أراد القسمة ، بدأ برأس المال ، فأخرج من المال ، وجعلت النفقة مما بقي ، فإن بقي من ذلك شيء ، فهو الربح يقسم بين المضارب ورب المال على ما اشترطا .
وكذلك لو كان أنفق في سفره من المال بعضه قبل أن يشتري به شيئا ، ثم اشترى بالباقي وباع وربح ، استوفى رب المال رأس ماله كاملا ; لأن ما أنفقه المضارب يجعل كالتاوي وقد بينا أن العقد يبقى في الكل بعد هلاك بعض رأس المال ، فيحصل جميع رأس المال ، وما بقي بينهما على الشرط .
ولو دفع المال مضاربة إليه ، فخرج إلى السواد يشتري به الطعام وذلك مسيرة يوم أو يومين فأقام في ذلك المكان يشتري ويبيع ، فإنه ينفق في طريقه ومقامه في ذلك المكان من مال المضاربة ، وهذا ومسيرة ثلاثة أيام في المعنى سواء ; لأنه إنما فارق وطنه لعمله في مال المضاربة .
وكذلك لو أقام في هذا الموضع أيضا ، فيستوجب النفقة في مال المضاربة ، ولو كان في المصر الذي فيه أهله ، إلا أن المصر عظم أهله في أقصاه ، والمقام الذي يتجر فيه في الجانب الآخر ، وكان يقيم هناك ليتجر ولا يرجع إلى أهله ، فلا نفقة في مال المضاربة ; لأن نواحي المصر في حكم ناحية واحدة .
( ألا ترى ) أن المقيم في ناحية من المصر يكون مقيما في جميع نواحيه ؟ وإذا خرج من أهله على قصد السفر لا يصير مسافرا [ ص: 65 ] ما لم ينفصل من عمران المصر ؟ وقد بينا أن مقامه في المصر لم يكن لأجل المضاربة ، وعلى هذا قيل لو كان يخرج للعمل إلى موضع قريب ، ويعود إلى أهله قبل الليل ، فإنه لا ينفق من مال المضاربة ; لأنه مقيم في أهله إذا كان خروجه إلى موضع لا يحتاج إلى أن يبيت في غير أهله ،
ولو كان له أهل بالكوفة وأهل بالبصرة ، ووطنه فيهما جميعا ، فخرج بالمال من الكوفة ليتجر فيه بالبصرة ، فإنه ينفق من مال المضاربة في طريقه ، فإذا دخل البصرة كانت نفقته على نفسه ما دام بها ، فإذا خرج منها راجعا إلى الكوفة أنفق من مال المضاربة في سفره ; لأن سفره في الذهاب والرجوع لأجل المضاربة ، أما في البلدتين فهو مقيم في أهله ، وإقامته في أهله ليس لأجل المضاربة ، ففي البلدتين ينفق من مال نفسه .
ولو كان أهل المضارب بالكوفة ، وأهل رب المال بالبصرة ، فخرج بالمال إلى البصرة مع رب المال ليتجر فيه ، فنفقته في طريقه بالبصرة ، وفي رجوعه إلى الكوفة من مال المضاربة ; لأن مقامه بالبصرة لأجل المضاربة ، إذ ليس له أهل بالبصرة ; لتكون البصرة وطن الإقامة له ، ويستوي إن نوى الإقامة بها خمسة عشر يوما أو أقل ; لأن التاجر في المال العظيم قد يحتاج إلى هذا القدر من المقام في بلده لأجل التصرف في المال ، وبهذه النية تصير البصرة وطنا مستعارا له ، بخلاف ما لو كان له بها أهل أو تأهل بها ; لأنه حينئذ تصير البصرة وطن إقامته ، ولو دفع إليه المال مضاربة وهما بالكوفة ، وليست الكوفة بوطن للمضارب ، لم ينفق على نفسه من المال ما دام بالكوفة ; لأن إقامته بالكوفة - على أي وجه كان - ليس لأجل المضاربة .
( ألا ترى ) أنه قبل عقد المضاربة كان مقيما بها ، فلا يستوجب النفقة في مال المضاربة ما لم يخرج منها ، فإن خرج منها إلى وطنه ثم عاد إليها في تجارته ، أنفق بالكوفة من مال المضاربة ; لأنه حين سافر بعد عقد المضاربة استوجب النفقة في مال المضاربة ، وصارت الكوفة في حقه كسائر البلدان ; لأن وطنه بها كان مستعارا ، وقد انتقض بالسفر ، فرجوعه بعد ذلك إلى الكوفة وذهابه إلى مصر آخر سواء ، فإن تزوج بها امرأة واتخذها وطنا ، زالت نفقته عن مال المضاربة ; لأن مقامه بها بعد ما تزوج بها واتخذها دارا لأجل أهله لا لأجل مال المضاربة ، فهي بمنزلة وطنه الأصلي .
وإذا سافر المضارب بالمال ، فأعانه رب المال بغلمانه يعملون معه في المضاربة ، أو أعانه بدوابه لحمل المتاع الذي يشتري بالمضاربة عليها ، فإن المضاربة لا تفسد بهذا ، كما لو أعانه بنفسه في بعض الأعمال ، ونفقة الغلمان والدواب على رب المال دون مال المضاربة ; لأن نفقة غلمان رب المال وعلف دوابه كنفقة نفسه ، ورب المال لو سافر معه ليعينه على العمل في مال المضاربة ، لم يستوجب نفقة في مال [ ص: 66 ] المضاربة بهذا السبب ، فكذلك نفقة غلمانه ودوابه بخلاف غلمان المضارب ودوابه فإن نفقتهم كنفقته ، وهو يستوجب نفقة في مال المضاربة إذا سافر لأجله ، فكذلك نفقة غلمانه ودوابه ، فإن أنفق على غلمان رب المال ودوابه من مال المضاربة بغير أمر رب المال ، ضمنه من ماله ، بمنزلة ما ينفق على أجنبي آخر ; لأنه صرف مال المضاربة إلى وجه غير مستحق صرفه إليه بحكم المضاربة ، فيصير كالمستهلك لذلك المال .
وإن كان أنفقه بأمر رب المال حسب ذلك على رب المال ; لأنه صرف إلى ملكه بأمره بمنزلة صرفه إليه ، فيحسب ذلك على رب المال ، وفي الأصل أوضح هذا الفرق فقال : لو لم أجعل نفقة غلمان المضارب في المضاربة جعلتها على المضارب لا محالة ، وكل نفقة تلحق المضارب في سفره في المضاربة ، فذلك في مال المضاربة ، ونفقة غلمان رب المال لو لم أجعلها في مال المضاربة ، كان ذلك على رب المال ، وهذا في المعنى اعتبار نفقة هؤلاء بنفقة نفسه على ما بينا ،
ولو دفع المضارب مال المضاربة إلى عبده ليخرج به إلى مصر فيشتري به ويبيع ، فخرج به ، كانت نفقته في مال المضاربة ; لأن نفقة عبده كنفقته ، وهو لو خرج بنفسه ، أنفق من مال المضاربة ، فكذلك عبده إذا خرج .
( ألا ترى ) أني لو لم أجعل نفقته على المضاربة ، جعلتها على المضارب ؟ ولو كان ذلك عبد رب المال بإعانته وإذنه ، فنفقته على مولاه ، ولا تكون على المضاربة ، بمنزلة ما لو خرج رب المال بنفسه على وجه الإعانة للمضارب في عمله ، فإن كان العبد أنفق نفسه بأمر رب المال ، فذلك محسوب على رب المال ، كما لو كان هو الذي أنفق على نفسه .
ولو أبضعه المضارب مع رجل لم يكن للمستبضع نفقة في مال المضاربة ; لأن المستبضع متبرع ; ولأنه لا يسافر عادة لأجل البضاعة بخلاف المضارب ، ولو أبضعه المضارب مع رب المال فعمل به ، فهو على المضاربة ، والربح بينهما على الشرط ; لأنه معين للمضارب متبرع فيما أقام من العمل ، فلا يفسد به عقد المضاربة بينهما ; كالشريكين في المال ، إذا عمل أحدهما ، ولم يعمل الآخر شيئا ، ولا نفقة لرب المال على المضاربة ; لأنه بمنزلة المستبضع إذا كان أجنبيا .
وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة ، وأمره أن يعمل فيه برأيه ، فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة ، فسافر الآخر بالمال إلى مصر ليشتري ويبيع ، فنفقته على المضاربة ; لأنه بمنزلة المضارب الأول ، فإن بعد قول رب المال : اعمل فيه برأيك .
للمضارب أن يدفعه مضاربة ، ويقوم هو في ذلك مقام رب المال ، فكما أن نفقة المضارب الأول في سفره في مال المضاربة ، فكذلك نفقة المضارب الثاني
وإذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة ، فخرج المضارب فيها وفي [ ص: 67 ] عشرة آلاف من مال نفسه إلى مصر ليشتري بها ويبيع ، فإن نفقته على أحد عشر سهما ، جزء منها في مال المضاربة ، وعشرة أجزاء في مال نفسه ; لأنه يحتمل أن يكون خروجه لأجل مال المضاربة ويحتمل أن يكون خروجه لأجل مال نفسه ، احتمالا على السواء ، فينظر إلى منفعة خروجه وعمله ، وذلك يختلف بقلة المال وكثرته ، فيقسم النفقة على قدر ذلك ; لأن المغرم مقابل بالمغنم .
وكذلك لو قال له : اعمل فيه برأيك فخلط ماله بمال المضاربة ، ثم خرج ; لأنه بعد هذا القول لا يصير ضامنا بالخلط ، فكان إخراجه المالين بعد الخلط ; كإخراجه قبل الخلط ،
وكل مضاربة فاسدة فلا نفقة للمضارب فيها على مال المضاربة ; لأن بعد فساد المضاربة هو بمنزلة الأجير .
( ألا ترى ) أنه يستوجب أجر المثل ، ربح أو لم يربح ؟ والإجارة الفاسدة معتبرة بالصحيحة ، فكما أن في الإجارة الصحيحة لا يستوجب النفقة على المال ; لأنه استوجب بدلا مضمونا بمقابلة عمله ، فكذلك في الإجارة الفاسدة ، فإن أنفق على نفسه من المال حسب من أجر مثل عمله ، وأخذ بما زاد عليه إن كان أنفق أكثر من أجر المثل ; لأنه صاحب دين ظفر بجنس حقه من مال مديونه ، وأخذ أكثر من حقه ، وفي هذا يلزمه رد الزيادة .
وإذا أنفق في المضاربة الصحيحة في سفره من مال المضاربة ، فلما انتهى إلى المصر الذي قصده ، لم يشتر شيئا حتى رجع بالمال إلى مصره فأخذ رب المال ما بقي منه ، لم يكن على المضارب ضمان ما أنفق ; لأنه أنفق بحق مستحق له فإن سفره كان لأجل المضاربة ، وبأن لم يشتر شيئا لا يتبين أن سفره لا يكون لأجل المضاربة .
فالتاجر لا يشتري بالمال في كل موضع يأتيه للتجارة لا محالة ، ولكن إن وجد ما يربح عليه اشترى ، وإلا رجع بالمال ، وذلك أرفق الوجهين له ، فإن كان ما فعله من صنع التجار ، لا يخرج هو به ، من أن يكون مستحقا للنفقة على المال فلا يضمن ما أنفق .
وإذا مر المضارب على العاشر بمال المضاربة ، وأخبره به وأخذ منه العشر ، فلا ضمان على المضارب فيما أخذ منه العاشر ، وقد بينا في كتاب الزكاة ، أن على قول أبي حنيفة الأول - رحمه الله - العاشر يأخذ منه الزكاة ، وعلى قوله الآخر وهو قولهما - لا يأخذ منه شيئا ، فما أخذه العاشر إما أن يكون تاويا أو مأخوذا بحق ، فلا ضمان فيه على المضارب .
وإن كان هو الذي أعطى العاشر بغير إلزام من العاشر له ، فهو ضامن لما أعطى . وكذلك إن صانعه بشيء من المال حتى كف عنه ، فهو ضامن لما أعطى ; لأنه أعطى باختياره إلى من لا حق له في أخذه منه فيكون هو مستهلكا لما أعطى ، كما لو وهبه من أجنبي آخر .
قال الشيخ الإمام الأجل - رحمه الله - : وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول : الجواب [ ص: 68 ] في زماننا بخلاف هذا .
ولا ضمان على المضارب فيما يعطي من مال المضاربة إلى سلطان طمع فيه وقصد أخذه بطريق الغصب . وكذلك الوصي إذا صانع في مال اليتيم ; لأنهما يقصدان الإصلاح بهذه المصانعة ، فلو لم يفعل ، أخذ الطامع جميع المال ، فدفع البعض لإحراز ما بقي من جملة الحفظ في زماننا ، والأمين فيما يرجع إلى الحفظ يكون ضامنا ، كما لو وقع الحريق في بيت المودع فناول الوديعة أجنبيا .
فأما في زمانهم فكانت القوة لسلاطين العمل ، فكان الأمين متمكنا من دفع الأمر إليهم ; ليدفعوا الظالم عن الأمانة ، فلهذا قال : إذا صانع بشيء من المال فهو ضامن لما أعطى .
وإذا اشترى المضارب بالمال متاعا ، أو لم يشتر به شيئا ، فنهاه رب المال أن يخرج من البلدة ، فليس له أن يخرجه من ذلك البلد ، أما قبل الشراء بالمال فالجواب صحيح واضح ; لأنه يملك نهيه عن التصرف أصلا ، ما بقي المال نقدا في يده ، فإذا قيد الأمر بشيء دون شيء ، كان أقرب إلى الصحة ، والحال قبل الشراء بعد العقد ; كحال العقد في انتفاء صفة اللزوم في حق كل واحد منهما وانعدام حق المضارب ، فكما أنه يملك التقييد عند العقد ، فكذلك بعد العقد قبل الشراء بالمال .
فأما بعد الشراء بالمال ; فمن أصحابنا - رحمهم الله - من يقول إنما يستقيم الجواب على الرواية التي رويت أنه ليس للمضارب أن يسافر بالمال بمطلق المضاربة ، وموضوع هذه المسألة ، فيما إذا قال له : اعمل برأيك . فإنما يملك المسافرة ، باعتبار هذه الزيادة ، وهو يملك رفع هذه الزيادة بعد الشراء ، فكذلك يملك التقيد فيما هو مستفاد بهذه الزيادة ، فأما على الرواية التي قلنا بمطلق العقد ; له حق المسافرة بالمال لا يستقيم هذا الجواب ; لأنه بعد صيرورة المال عروضا ، لا يملك نهيه عما صار مستفادا له بمطلق العقد ، وهو حق التصرف فيه ، فكذلك لا يملك التقييد فيه بالنهي عن المسافرة بالمال ، والأصح أن نهيه عن المسافرة بالمال ، عامل على الإطلاق ، وإن كان بمطلق المسافرة لدلالة اسم العقد ، فالمضاربة مشتقة من الضرب في الأرض ، أو لمراعاة ما نص عليه رب المال من حفظه المال بنفسه عند خروجه مسافرا كما في الوديعة .
وهذا كله ينعدم بالنهي عن المسافرة بالمال بخلاف أصل التصرف ، فإن حق المضارب يثبت بالتصرف حين صار المال عرضا ; لأن ربحه لا يظهر إلا بالتصرف ، ورب المال لا يملك إبطال حقه ، إما بالنهي عن المسافرة بالمال ، فليس فيه إبطال حق المضارب لتمكنه من التصرف في البلدة ، وإنما فيه إيفاء حق رب المال في أن يكون ماله مصونا عن أسباب الهلاك ، وهذا مملوك بعد ما صار المال عروضا كما كان قبله ، فإن أخرجه ، ضمنه للخلاف ، والأمين متى خالف ما أمر به نصا ، كان ضامنا ، وما أنفق على نفسه ، [ ص: 69 ] أو على المال ، بعد ما صار ضامنا له ، فهو في ماله خاصة بمنزلة الغاصب ، فإن لم يحدث فيه حدثا حتى رده إلى البلد ، فهو بريء من ضمانه ; لأنه عاد إلى الوفاق بعد ما خالف ، والعقد قائم بينهما ، فيعود أمينا كما كان .
وكذلك لو لم ينهه ، ولكن رب المال مات ، والمضاربة في يد المضارب عين ، أو متاع فسافر به المضارب بعد موته ; لأن المال بالموت انتقل إلى الورثة ، ولم يوجد منهم الرضا بسفره به قط ، وما كان من رضا رب المال به ، قد انقطع بموته ، بمنزلة نهيه عن المسافرة بالمال إذا بلغه ، فالنهي لا يعمل في حقه ما لم يعلم به ، ولا فرق في الموت بين أن يعلم به أو لا يعلم ; لأنه عزل حكمي فلا يتوقف على العلم به كعزل الوكيل بموت الموكل .
وإذا سافر المضارب بالمال ، فاشترى به متاعا في بلد آخر ، فمات رب المال وهو لا يعلم بموته ، ثم سافر بالمتاع حتى أتى مصرا ، فنفقة المضارب بعد موت رب المال على نفسه دون المضاربة ; لأن حكم المضاربة في حق المسافرة بالمال قد انتهى بموت رب المال ، وإن لم يعلم به المضارب ، وباعتباره كان ينفق من مال المضاربة ، فنفقته بعد ذلك في سفره على نفسه ، وهو ضامن لما يهلك من المتاع في الطريق ، فإن سلم حتى يبيعه جاز بيعه ; لأن بالموت لا يمتنع عليه بيعه في أي موضع باعه ; كما لا يمتنع عليه ذلك بالنهي عن التصرف بعد علمه به ; لما في التصرف من حق المضارب .
وقد سبق ثبوت حقه بثبوت حق الورثة ، فلا يبطل لحقهم لو كان المضارب خرج بالمتاع من ذلك المصر قبل موت رب المال ، لم يكن عليه ضمان ، وكانت نفقته في سفره ، حتى ينتهي إلى المصر ، ويبيع المتاع على المال ; لأنه لا يمكن من المقام في المفازة ، أو في موضع لا يتمكن من بيع المتاع ; كما هو عادة التجار فهو في نفقته على السفر ، إلى أن ينتهي إلى المصر ، ويبيع المتاع موافق لا مخالف فتكون نفقته في المال .
ولو كان رب المال مات والمضارب بمصر من الأمصار غير مصر رب المال ، والمضاربة متاع في يده فخرج بها إلى مصر رب المال ، ففي القياس هو ضامن ، ولا يستوجب النفقة في المال ; لأنه ينشئ سفرا بالمال بعد ما انعزل عنه بموت رب المال ، ولا حاجة به إلى ذلك فإنه في موضع آمن ، ويتمكن من التصرف في المال ، وهذا سفره إلى مصر آخر سواء ، وفي الاستحسان : لا ضمان عليه ، ونفقته حتى يبلغ مصر رب المال على المضاربة ; لأن هذا سفر لا يجد المضارب منه بدا ، فإنه لا بد من أن يسلم المال إلى الورثة ليسلم له نصيبه من الربح ، ولا يتأتى له ذلك إلا بالعود إلى مصره ; لأن ورثته فيه بخلاف سائر الأمصار ، والعقد يبقى لأجل الحاجة إليه ; كما إذا مات صاحب السفينة وهي في لجة البحر ، أو مات المكاري للدابة في طريق [ ص: 70 ] الحج .
بخلاف سفره إلى مصر آخر ، فإنه غير محتاج إلى ذلك .
وكذلك لو كان رب المال حيا ، فأرسل إليه رسولا ينهاه عن الشراء والبيع ، وفي يده متاع ، فخرج بها إلى مصر رب المال ، فإني لا أضمنه ما هلك من المتاع في سفره ، وأجعل نفقته في المال استحسانا ; لأنه لا بد من أن يرجع بالمال إلى مصر رب المال ، كما لا بد له من أن يبيعه إذا نهاه في المصر ، فكما أن نهيه في ذلك لا يعمل إيفاء لحق المضارب في حصته من الربح ، فكذلك في هذا المقدار لا يعمل نهيه .
ولو كانت المضاربة في يده دراهم أو دنانير ، فمات رب المال ، والمضارب في مصر آخر ، وكان رب المال حيا ، فأرسل إليه ينهاه عن الشراء والبيع ، فأقبل المضارب بالمال إلى مصر رب المال ، فهلك في الطريق ، فلا ضمان عليه ; لأنه لا يجد بدا من رد المال عليه ، ولا يتمكن من ذلك ما لم يأت به مصره ، فيسلمه إليه أو إلى ورثته .
( ألا ترى ) أنه لو تركه هناك عند غيره ، وخرج إلى مصر رب المال ، كان مخالفا ضامنا ، وهو بما صنع يتحرز عن الخلاف ، فلا يضمنه لانعدام السبب الموجب للضمان ، فإن سلم حتى قدم ، وقد أنفق منه على سفره ، فهو ضامن للنفقة ; لأن عقد المضاربة لا يبقى بعد موت رب المال ، أو نهيه ، إذا كان المال في يده نقدا ، فإن بقاء العقد ببقاء حق المضارب في المال ، ولا حق له في المال هنا ، فهذا المال بمنزلة الوديعة في يده ، والمودع لا يستوجب النفقة في مال الوديعة .
( ألا ترى ) أنه ليس له أن يشتري به شيئا لرب المال ؟ ولو فعل ذلك كان ضامنا ؟ بخلاف ما إذا كان المال عروضا ، فقد بقي العقد هناك ; لبقاء حق المضارب .
( ألا ترى ) أنه يملك البيع على رب المال ؟ فكذلك يستوجب النفقة في سفر لا بد له منه ، وإذا اشترى المضارب بالمال وباع ، فصار المال دينا على الناس ، ثم أبى أن يتقاضاه ، فإن كان فيه فضل أجبر على أن يتقاضاه ، وإن لم يكن له فيه فضل لم يجبر على أن يتقاضاه ; لأنه إذا كان فيه فضل ، فقد استحق المضارب نصيبه من الربح بعمله ، فيجبر على إكمال العمل كالأجير ، وذلك بالتقاضي حتى يقبض المال ، وإن لم يكن فيه فضل ، فالمضارب كالوكيل في التصرف ، إذا لم يستوجب بإزاء تصرفه شيئا ، والوكيل بالبيع لا يجبر على تقاضي الثمن ، ولكن يؤمر بأن يحيل به الموكل على المشتري ، فكذلك هنا يؤمر بأن يحيل به رب المال على الغرماء ; لأنه لا يتمكن من مطالبتهم إذا لم يعاملهم ، وليس في امتناع المضارب من أن يحيله بالمال عليهم إلا التعنت ، والقصد إلى إتواء ماله ، فيمنع من ذلك .
توضيح الفرق أنه إذا كان في المال فضل ، فلا بد للمضارب من أن يتقاضى نصيبه من الربح ويقبض ، فإذا قبض سلم له ذلك ، ولكنه يؤمر بتسليمه إلى رب المال ، [ ص: 71 ] بحساب رأس المال ; لأنه ما لم يصل رأس المال رب المال ، لا يسلم شيء من الربح للمضارب ، ثم يقبض ثانيا مثله فيسلمه إليه ، فلا يزال هكذا حتى يقبض جميع المال ، فإنه إذا لم يكن في المال فضل ، فلا حاجة بالمضارب إلى تقاضي شيء منه ; إذ لا نصيب له في المال ، فيؤمر أن يحيل به رب المال على الغرماء ، كما يؤمر به الوكيل .
وإن كان فيه فضل وهو في مصره ، فأنفق في تقاضيه ، وخصومة أصحابه ، وطعامه ، وركوبه ، نفقة لم يرجع بها في مال المضاربة ; لأن هذا كله بمنزلة تصرفه في المال ، وقد بينا أنه ما دام يتصرف في مصره ، لا يستوجب النفقة في مال المضاربة ; ولأنه بما صنع يحيي حصة من الربح ، فهو كبيعه العروض في مصره .
وإن كان الدين غائبا عن مصر المضارب ، فأنفق في سفره ، وتقاضيه ما لا بد له منه ، حسب ذلك من مال المضاربة ; لأن سفره وسعيه كان لأجل مال المضاربة ، فتكون نفقته في المال ; كما لو سافر للتصرف في المال ، وبهذا يتبين أن المضارب إذا أنفق في السفر من مال نفسه ، استوجب الرجوع به في مال المضاربة ; لأنه قد لا يجد بدا من ذلك ; بأن لا تصل يده إلى مال المضاربة عند كل حاجة إلى نفقة ، فلا يكون متبرعا فيما ينفق من مال نفسه ; كالوصي يشتري لليتيم ويؤدي الثمن من مال نفسه ، كان له أن يرجع به في مال اليتيم ، إلا أن تزيد نفقة المضارب على الدين ، فلا يرجع بالزيادة على رب المال ; لأن نفقته في مال المضاربة لا في ذمة رب المال فلو استوجب الزيادة ، إنما يستوجبها في ذمة رب المال ; ولأنه إنما يستوجب النفقة ; لأن سعيه لإصلاح مال المضاربة ولمنفعة رب المال ، وهذا المعنى ينعدم في الزيادة على المال .
وإذا سافر المضارب بمال المضاربة فاشترى طعامه وكسوته ، واستأجر ما يركب عليه من ماله ; ليرجع به في مال المضاربة . فلم يرجع به حتى توي مال المضاربة
، ولم يرجع على رب المال بتلك النفقة ; لأن حقه كان في المال لا في ذمة رب المال ، وبهلاك المال فات محل حقه فيبطل حقه ; كالعبد الجاني ، أو المديون إذا مات .
ومال الزكاة إذا هلك ، لا تبقى الزكاة واجبة بعد هلاك المال .
وكذلك لو لم يكن نقد ماله في ذلك ، فكان ثمن الطعام والكسوة ، وأجرة الدابة دينا عليه ; لأنه التزمه بمباشرة سبب الالتزام ، فلا يستوجب شيئا من ذلك في ذمة رب المال ، وهذا بخلاف ما إذا استأجر دابة ; ليحمل عليها متاع المضاربة ، أو اشترى طعاما للمضاربة ، فضاع المال قبل أن ينفذ فإنه يرجع بذلك على رب المال ; لأنه فيما يشتري للمضاربة عامل لرب المال بأمره ، فعليه أن يخلصه من عهدة عمله ، وذلك في رجوعه عليه بالثمن في الأجرة فيما تعذر إيفاؤه من المال الذي في يده .
فأما فيما يشتري أو يستأجر [ ص: 72 ] لحاجة نفسه ، هو عامل لنفسه ، وهو فيما هو عامل لنفسه لا يستوجب الرجوع على رب المال بما يلحقه من العهدة ، وإنما كان يرجع في مال المضاربة ; لأن سعيه لأجل مال المضاربة ، وهذا لا يوجد في مال آخر لرب المال ، فلا يستوجب الرجوع في ذلك بعد هلاك مال المضاربة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|