
23-12-2025, 08:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 42الى صـــ 51
(447)
ولو قال : خذه مضاربة بالنصف واشتر به البر وبع فله أن يشتري به ما بدا له من البر وغيره ; لأن قوله واشتر به البر مشورة وليس بشرط وكذلك لو قال : واشتر به من فلان أو قال وانظر فلانا وعامله فيه واشتريه البر وبع ; لأن هذا مشورة لا شرط فيبقى الأمر الأول بعده على إطلاقه
لو دفع إليه مضاربة على أن يشتري من فلان ويبيع منه فليس له أن يشتري من غيره ولا أن يبيع من غيره ; لأن هذا تقييد بشرط مفيد والناس يتفاوتون في المعاملة في الاستقضاء والمساهلة ويتفاوتون في ملاءة الذمة وقضاء الديون ولو دفعه إليه مضاربة على أن يشتري به من أهل الكوفة ويبيع فاشترى وباع بالكوفة من رجل ليس من أهل الكوفة فهو جائز ; لأن مقصوده هنا تقييد العمل بالكوفة لا تعيين من يعامله وتقييد ذلك بأهل الكوفة ; لأن طريق جميع أهل الكوفة في المعاملة وقضاء الديون لا يتفق فعرفنا أن مراده تقييد التصرف بالكوفة وقد وجد ذلك سواء تصرف بالكوفة مع أهل الكوفة أو مع الغرباء بها ، وكذلك لو دفعه إليه مضاربة في الصرف على أن يشتري من الصيارفة ويبيع كان له أن يشتري من غير الصيارفة وما بدا له من الصرف ; لأنه لما لم يعين شخصا لمعاملته عرفنا أنه ليس مراده إلا التقييد بالمكان
وإذا دفع الرجل مالا مضاربة بالنصف فاشترى به حنطة فقال رب المال دفعته إليك مضاربة في البر ، وقال : المضارب دفعته إلي مضاربة ولم تقل شيئا فالقول قول المضارب مع يمينه عندنا وقال زفر - رحمه الله - : " القول قول رب المال " ، ولو قال المضارب أمرتني بالبر وقد خالفت فالربح لي وقال : رب المال لم أسم شيئا فالقول قول رب المال والربح بينهما على الشرط بالإنفاق فزفر - رحمه الله - يقول : " الإذن يستفاد من جهة رب المال ولو أنكر الإذن أصلا كان القول قوله فكذلك " إذا أقر به بصفة دون صفة وقد تقدم نظيره في [ ص: 43 ] الإجارات إذا قال الحائك : أمرتني بستة في أربعة وقال : رب الغزل أمرتك بسبعة في خمسة أن القول قول رب الغزل ، وكذلك المعير ، مع المستعير إذا اختلفا في صفة الإعارة كان القول فيه قول المعير والوكيل مع الموكل إذا اختلفتا كان القول قول الموكل فهذا مثله وحجتنا في ذلك أن مطلق المضاربة يقتضي العموم ; لأن المقصود تحصيل الربح وتمام ذلك باعتبار العموم في التفويض للتصرف إليه والدليل عليه أنه لو قال خذ هذا المال مضاربة بالنصف يصح ويملك به جميع التجارات فلو لم يكن مقتضى مطلق العقد العموم لم يصح العقد إلا بالتنصيص على ما يوجب التخصيص كالوكالة وإذا ثبت أن مقتضى مطلق العقد العموم فالمدعي لإطلاق العقد متمسك بما هو الأصل والآخر يدعي تخصيصا زائدا فيكون القول قول من يتمسك بالأصل كما في البيع إذا ادعى أحدهما شرطا زائدا من خيار أو من أجل .
وبه يتضح الفرق بين هذا وبين ما استشهد زفر - رحمه الله - مع أنه لا فرق فإن هناك كل واحد منهما يدعي التخصيص بشيء آخر .
وفي المضاربة لو ادعى أحدهما التقييد بالبر والآخر بالحنطة كان القول فيه قول رب المال أيضا ; لأنهما اتفقا على تغيير مطلق العقد فبعد ذلك القول قول رب المال باعتبار أن الإذن يستفاد من جهته فأما هنا فأحدهما متمسك بما هو مقتضى العقد فيترجح قوله لذلك فإن أقام كل واحد منهما البينة على ما ادعى من تجارة خاصة أخذ ببينته ; لأنه أثبت بالبينة ما يعين مقتضى العقد وهو محتاج إلى إثبات ذلك
ولو دفع إليه مالا مضاربة بالنصف ولم يقل شيئا ثم قال له رب المال بعد ذلك : لا تعمل بالمال إلا في الحنطة فليس له أن يعمل به إلا في الحنطة ; لأن تقييده الأمر بعد الدفع مضاربة لتقييده بذلك عند الدفع وهذا ; لأن رأس المال ما دام في يد المضارب نقدا فرب المال يملك نهيه عن التصرف فيملك تقييد الأمر بنوع دون نوع ; لأن من يتمكن من دفع شيء أصلا يتمكن من تغيير وصفه بطريق الأولى ، وبعد ما صار المال عروضا لو قال لا تعمل به إلا في الحنطة لا يعتبر تقييده هذا ما لم يصر المال في يده نقدا ; لأنه لا يملك نهيه عن التصرف بعد ما صار المال عروضا ولو نهاه لا يعمل نهيه ما لم يصر المال في يده نقدا فكذلك لا يملك تغيير صفة الأمر بالتقييد وإن كان اشترى ببعض المال ثيابا ثم أمر بأن لا يعمل في المال إلا في الحنطة فليس له أن يشتري بما بقي في يده من المال إلا في الحنطة اعتبارا للبعض بالكل ، وأما الثياب فله أن يبيعها بما بدا له ; لأنه إذا رجع إليه رأس المال الذي كان نقد في الثياب فليس له أن يشتري به إلا الحنطة وذلك التقييد بعمل الآن اعتبارا [ ص: 44 ] للبعض بالكل
ولو دفع إلى رجلين مالا مضاربة وأمرهما بأن يعملا في ذلك برأيهما فليس لواحد منهما أن يشتري ويبيع إلا بأمر صاحبه ; لأنه رضي وفوض الأمر في العمل إلى رأيهما ، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى .
فباعتبار هذه الزيادة لا ينفذ تصرف أحدهما وحده ، وفي الوكيلين الجواب كذلك
ولو دفع إليه المال مضاربة بالنصف ولم يقل شيئا ثم قال بعد ذلك اشتر به البر وبع فله أن يشتري به غيره وليس هذا بنهي إنما هو مشورة كما لو قال عند الدفع : خذه مضاربة بالنصف واشتر به البر ، وإن قال رب المال دفعته إليك مضاربة في الطعام خاصة ، وقال المضارب في البر خاصة فالقول قول رب المال لاتفاقهما على تعيين مقتضى مطلق العقد بالتقييد ، وإن أقام المضارب البينة أن رب المال دفع إليه المال وأمره أن يشتري ما بدا له ، وأقام رب المال البينة أنه نهاه أن يشتري به شيئا غير الطعام وقد وقتت البينتان فإنه يؤخذ ببينة الوقت الأخير ; لأنه لا تنافي بينهما فيجعل كأن البينتين صدقتا ، والقول الآخر ينقض الأول ; لأن النهي بعد الإذن صحيح والإذن بعد النهي عامل ، وإن لم توقت البينتان وقتا أو وقتت إحداهما دون الأخرى فالبينة بينة رب المال ; لأنه هو المحتاج إليها .
فإن القول قول المضارب لدعواه الإطلاق ; ولأن في بينة رب المال زيادة إثبات التقييد ، ولو كان ادعى كل واحد منهما شيئا خاصا وأقام البينة فإن وقتت البينتان أخذ بالوقت الأخير لما بينا أن الثاني ينقض الأول ، وإن وقتت إحداهما أو لم توقتا فالبينة بينة المضارب ; لأنه هو المحتاج إلى إثبات ما ادعاه بالبينة فإن القول قول رب المال في هذا الفصل
ولو دفعه إليه مضاربة على أن يشتري بالنقد ويبيع فليس له أن يشتري إلا بالنقد ; لأن هذا تقييد مفيد في حق رب المال ، وهو أن يكون متمكنا من ماله مستردا ، فإن قال المضارب : أمرتني بالنقد والنسيئة وقال رب المال : أمرتك بالنقد فالقول قول المضارب مع يمينه عندنا ; لأنه يدعي ما هو مقتضى مطلق العقد ، والبينة بينة رب المال ; لأنه هو المحتاج إلى إثبات المعين بالبينة ، ولو أمره أن يبيع بالنسيئة ولا يبيع بالنقد فباع بالنقد فهو جائز ; لأن هذا خير لصاحب المال والخلاف إلى خير في جنس ما أمر به لا يكون خلافا في المضاربة كما لو أمره بأن يبيعه بألف درهم ولا يبيعه بأكثر من ألف فباعه بألفين لا يصير مخالفا وهذا ; لأنه باشر ما به يحصل مقصود الآمر وزيادة خير ، فكذلك إذا أمره بالبيع نسيئة فباعه بالنقد .
قالوا : وهذا إذا باعه بالنقد بمثل قيمته أو أكثر أو بمثل ما سمي له من الثمن ، فإن كان بدون ذلك فهو مخالف ; لأنه ليس فيه تحصيل مقصود الآمر في القدر [ ص: 45 ] فالشيء يشترى بالنسيئة بأكثر مما يشترى به بالنقد
وإذا دفعه إليه مضاربة على أن يشتري به الطعام خاصة فله أن يستأجر لنفسه دابة وإذا خرج للطعام خاصة كما يستأجر للطعام ; لأنه لا يجد بدا من ذلك فهو من توابع تجارته في الطعام ، وله أن يشتري دابة يركبها إذا سافر كما يشتري التجار ; لأن ركوبه إذا سافر في مال المضاربة كنفقته على ما نبينه في بابه إن شاء الله عز وجل وربما يكون شراء الدابة أوفق من استئجاره وذلك من صنع التجار عادة وله أن يشتري أيضا حمولة يحمل عليها الطعام ، فإن ذلك من صنع التجار عادة إذا لم يوجد الكراء أو يكون الشراء أوفق في ذلك من الكراء ، فإن اشترى سفينة يحمل عليها الطعام فإن ذلك لا يجوز على رب المال ; لأن هذا ليس من صنع التجار عادة ولا يعد شراء السفينة من توابع التجارة في الطعام فإن كان في بلد يشتري للطعام الحمولة فيحمل عليها فاشترى شيئا من الحمولة فهو جائز استحسانا في القياس شراء الحمولة ليس من التصرف في الطعام ولكنه استحسن فقال ما يصنعه التجار عادة إذا خرجوا في حمولة الطعام فذلك يملكه المضارب بتفويض التصرف إليه في هذا المال في الطعام وما ليس من صنع التجار عادة كشراء السفينة يؤخذ بأصل القياس فيه ويكون مشتريا ذلك لنفسه فإن نقد ثمنها من المضاربة فهو ضامن لما نقد ; لأنه قضى بمال المضاربة دين نفسه ولو كان رب المال دفع المال إليه مضاربة بالنصف ولم يسم فاشترى بها طعاما وسفينة يحمل عليها الطعام أو اشترى دواب جاز ذلك على المضاربة ; لأنه يملك التجارة في المدفوع إليه هنا مطلقا وجميع ما اشترى من عقود التجارة .
وإذا اختلفا بعد ما اشترى بها في غير المصر فقال أحدهما كانت المضاربة على أن يكون الشراء والبيع في المصر خاصة وقال الآخر لم يسم شيئا فالقول قول الذي لم يسم شيئا لتمسكه بمطلق العقد في مقتضاه والبينة بينة الآخر ; لأنه هو المدعي المحتاج إلى إثبات ما يدعيه بالبينة
وإذا دفع إلى رجلين ألف درهم مضاربة ليس لواحد منهما أن يتصرف في المال إلا بإذن صاحبه فهو جائز ، وقد زعم بعض المتأخرين من مشايخنا - رحمهم الله - أن ذلك لا يجوز ; لأن صاحب المال ما رضي برأي أحدهما فليس للمضارب أن يرضى بما لم يرض رب المال به وما ذكره في الكتاب أصح ; لأن الذي أذن لصاحبه في التصرف يكون كالموكل وللمضارب أن يوكل
. ولو وكل إنسانا واحدا بالتصرف نفذ تصرف الوكيل بيعا وشراء ، فكذلك إذا وكل أحدهما صاحبه . وإن أبضع أحدهما بعض المال بغير أمر صاحبه فاشترى المستبضع وباع وربح أو وضع فربح ذلك للمضارب الذي أبضع ووضيعته عليه ; لأن [ ص: 46 ] إبضاعه صحيح في حق نفسه غير صحيح في حق صاحبه ولا في حق رب المال فيجعل تصرف المستبضع له كتصرفه بنفسه ولرب المال أن يضمن إن شاء المستبضع ويرجع به المستبضع على الآمر وإن شاء ضمن المضارب الآمر ; لأن كل واحد منهما في حقه غاصب فإن ضمنه لم يرجع على المستبضع بشيء ; لأنه ملك المال بالضمان فإنما أبضع ملك نفسه ; ولأن المستبضع عامل له لو لحقه ضمان رجع به عليه ورجوع الآمر عليه بالضمان لا يفيده شيئا .
فإن أذن كل واحد من المضاربين لصاحبه في أن يبضع ما شاء من المال فأبضع أحدهما رجلا وأبضع الآخر رجلا فذلك جائز عليهما وعلى رب المال ; لأن فعل كل واحد منهما بإذن صاحبه بمنزلة فعلهما جميعا .
وإن باع المضاربان عبدا من رجل فلكل واحد منهما أن يقبض نصف الثمن من المشتري ، وإن لم يأذن له شريكه في ذلك لأن كل واحد منهما بائع للنصف وحق قبض الثمن إلى العاقد والعاقد في ذلك لغيره كالعاقد لنفسه ولا يقبض أكثر من نصف الثمن إلا بإذن شريكه فإن أذن له شريكه في ذلك فهو جائز كما لو وكل به غيره ; لأن حق قبض النصف الآخر للشريك .
ولو قال لهما حين دفع المال إليهما مضاربة لا تبضعا المال فأبضعاه فهما ضامنان له ; لأن هذا نهي مفيد فيكون عاملا مع العقد وبعده ، وإن أبضعاه رب المال فهو جائز على المضاربة ; لأن قبول رب المال البضاعة منهما والشراء لهما به فسخ منه لذلك النهي فيكون بمنزلة ما لو أذن لهما في الإبضاع أو كان العقد مطلقا ، وفي ذلك لا فرق بين أن يبضعا رب المال أو غيره .
وإذا أبضع المضارب في المضاربة الفاسدة فهو جائز على رب المال ; لأن الفاسد يعتبر بالجائز في الحكم فإنه لا يمكن تعرف معرفة الحكم الفاسد إلا باعتباره بالجائز فكما لا يصير مخالفا به في المضاربة الجائزة فكذلك لا يصير مخالفا في المضاربة الفاسدة ، وللمضارب أجر المثل فيما عمل المستبضع ; لأن عمل المستبضع له بأمره كعمله بنفسه وقد بينا أن له في المضاربة الفاسدة أجر مثله فيما عمل ، وكذلك لو كان قال له : اعمل فيه برأيك ، فإنه ينفذ بعد هذا ما ينفذ في المضاربة الصحيحة فلا يصير به ضامنا .
ولو دفع إلى رجلين ألف درهم مضاربة على أن لأحدهما ثلث الربح وللآخر مائة درهم فثلث الربح للمضارب الذي شرط له ثلث الربح وما بقي من الربح فهو لرب المال وعليه أجر المثل للمضارب الآخر فيما عمل ; لأن المضاربة فيما بينه وبينه فاسدة باشتراطه له مقدارا مسمى من المال ، وهذا المفسد غير ممكن فيما هو من صلب العقد بينه وبين الذي شرط له ثلث الربح فاستحق هو ثلث الربح بالشرط لصحة العقد بينهما فإن لم يعملا به حتى أبضع [ ص: 47 ] أحدهما المال مع صاحبه فعمل به أيهما كان فكذلك الجواب ; لأنا قد بينا أن عمل أحدهما بإذن صاحبه كعملهما إذا كان العقد صحيحا في حقهما أو فاسدا ، فكذلك إذا كان صحيحا في حق أحدهما فاسدا في حق الآخر .
والمضارب الذي شرط له مائة درهم أجر مثله في العمل بنصف المال سواء كان هو العامل أو صاحبه ; لأن عمله في النصف لصاحبه وعمل صاحبه في النصف له فيكون كعمله بنفسه .
وإذا باع المضارب متاع المضاربة وسلمه إلى المشتري ثم أخر الثمن عن المشتري بعيب أو غير عيب فهو جائز على المضاربة ولا يضمن المضارب بهذا التأخير شيئا بخلاف الوكيل فهناك عند أبي يوسف - رحمه الله - لا يصح تأجيله في الثمن وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز ويصير ضامنا للموكل ; لأن المضارب يملك أن يشتري ما باع بمثل ذلك الثمن ثم يبيعه بمثله مؤجلا فكذلك يملك أن يؤجله في ذلك الثمن ; لأن ذلك من صنع التجار وهو يملك ما هو من صنع التجار فأما الوكيل في حق الموكل لا يملك الشراء والبيع ثانيا بثمن مؤجل فكذلك تأجيله في حق الموكل لا يصح . وكذلك لو أحال به المضارب على إنسان أيسر من المشتري أو أعسر منه ; لأن قبول الحوالة من صنع التجار ولو أقال العقد مع الأول ثم باعه بمثله من المحتال عليه جاز فكذلك إذا قبل الحوالة بالثمن عليه ، وبه فارق الوكيل والمضارب في هذه ليس نظير الأب والوصي فإن قبولهما الحوالة على من هو أعسر من المحيل لا يصح في حق الصغير ; لأن تصرفهما مقيد بشرط الأحسن والأصلح له وذلك لا يوجد في قبول الحوالة على من هو أفلس ، وتصرف المضارب غير مقيد بمثله بل هو من صنع التجار عادة وذلك يوجد هنا .
وكذلك لو حط شيئا بعيب مثل ما يحط التجار في مثل ذلك العيب أو يتغابن به الناس فذلك جائز ; لأنه من صنع التجار عادة ، ولو قبله بالعيب ثم باعه بغبن يسير ثانيا جاز فكذلك إذا حط عنه هذا المقدار وإن حط عنه شيئا فاحشا أو حط بغير عيب جاز ذلك على المضارب خاصة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - : " وهو ضامن ذلك لرب المال وما قبضه من الثمن فعمل به فهو على المضارب خاصة ورأس المال في ذلك الذي قبضه من المشتري " وقال أبو يوسف - رحمه الله - : " لا يجوز هذا الحط ; لأن هذا الحط " ليس من صنع التجار فلا يملكه بمقتضى عقد المضاربة ولكنه هو العاقد فيكون في هذا الحط كالوكيل بالبيع ، والحط والإبراء عن الثمن من الوكيل بالبيع باطل في قول أبي يوسف - رحمه الله - صحيح في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وهو ضامن ذلك للموكل وفي مقدار ما صار ضامنا يبطل حكم المضاربة ; لأن شرط المضاربة [ ص: 48 ] الصحيحة أن يكون رأس المال أمانة في يد المضارب
وإذا قال رب المال للمضارب اعمل فيه برأيك فخلطه بماله ثم اشترى به جاز على المضاربة ; لأنه بتعميم التفويض إلى رأيه يملك الخلط بماله فلا يصير به مخالفا ، ولو لم يقل له : اعمل فيه برأيك كان هو بالخلط مخالفا ضامنا للمال والربح له والوضيعة عليه لبطلان حكم المضاربة بفوات شرطها ، فإن لم يخلطه ولكنه اشترى به وبألف من ماله عبدا واحدا وقبضه ونقد الثمن قبل أن يخلط فهو جائز على المضاربة كما لو اشترى نصف العبد بألف المضاربة في صفقة ونصفه بمال نفسه في صفقة أخرى ، إذ لا فرق بينهما في المعنى وهذا ; لأن الاختلاط إنما يحصل حكما إما لاتحاد الصفقة أو لاتحاد المحل من غير فعل من المضارب في الخلط وبمثله لم يصر مخالفا ضامنا كما لو اشترى العبد بألفين ينفذ شراؤه في النصف على المضاربة وإن باع العبد بألفين وقبضه مختلطا فهو جائز على المضاربة لما بينا أن الاختلاط بمعنى حكمي لا بفعل باشره المضارب قصدا ، فإن عزل حصة المضارب ثم اشترى بأحد المالين فربح أو وضع فالربح لهما ، نصفه للمضارب ، ونصفه على ما اشترطا في المضاربة ، والوضيعة عليهما نصفان وقسمته باطلة ; لأنه لا يكون مقاسما لنفسه فلا يكون أمينا في المقاسمة مع نفسه .
وقد بينا في كتاب القسمة أن القسمة لا تتم إلا باثنين فكان هذا وشراؤه ببعض المال قبل القبض سواء والله أعلم
( قال - رحمه الله - ) : " وإذا دفع الرجل إلى الرجلين ألف درهم مضاربة بالنصف وقال : لهما اعملا برأيكما أو لم يقل فاشترى أحدهما بنصف المال بأمر صاحبه وباعه حتى أصاب مالا وعمل الآخر بنصف المال بغير أمر صاحبه حتى أصاب مالا فالعامل بغير أمر صاحبه مخالف ضامن لنصف رأس المال ; لأن صاحب المال فوض التصرف في المال إلى رأيهما ولم يرض برأي أحدهما فيه والعامل بغير أمر صاحبه ينفرد بالرأي فيه حقيقة وحكما فيكون مخالفا ضامنا ، وما يحصل بتصرفه من الربح له ويتصدق بالفضل لحصوله له بسبب حرام ، وأما الذي عمل بأمر صاحبه فتصرفه حاصل برأيهما حكما فيكون على المضاربة ، ويؤخذ مما في يده نصف رأس المال والباقي بين المضاربين ورب المال على الشرط كما لو عملا فيه ، فإن توي ما في يد العامل بغير أمر صاحبه وهو معسر فإن رب المال يأخذ جميع رأس المال مما في يد المضارب [ ص: 49 ] الذي عمل بأمر صاحبه ; لأن الربح لا يظهر ما لم يصل إليه جميع رأس ماله وما أخذه العامل الآخر تاو فهو بمنزلة ما لو غصب بعض رأس المال إنسان أو استهلكه وتوي بدله عليه ، ثم عملا بما بقي وفي هذا يأخذ رب المال جميع رأس ماله ثم قسمة الربح بينهما بعد ذلك .
( ألا ترى ) أنه لو هلك جميع المال إلا عشرة دراهم فتصرفا فيها حتى أصابا مالا فإنه يأخذ رب المال جميع رأس ماله أولا ؟ فهذا مثله فإن بقي من الربح شيء أخذ رب المال نصفه وأخذ هذا المضارب ربعه ، والربع الباقي نصيب المضارب المخالف من الربح فلا يدفع إليه ; لأن نصف رأس المال دين عليه ، وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه من مال المديون يأخذه لحقه وإذا ظهر أنه لا يدفع إليه قلنا : إن كان هذا الربع مثل ما توي من حصته من الربح أخذ رب المال والموافق ربع الربح الذي صار للمخالف فاقتسماه أثلاثا على مقدار حقهما في الربح
. وإن كان ما توي عليه أكثر من حصته من الربح أو أقل تراجعوا بالفضل .
وبيان ذلك أن المال الذي كان في يد الموافق إن كان ألفا وخمسمائة فأخذ رب المال رأس ماله ألفا بقي خمسمائة فيجمع إلى نصف رأس المال الذي استهلكه المضارب الآخر فيقسم على أربعة أسهم : لرب المال من ذلك النصف ، وللمضارب العامل بأمر صاحبه الربع وذلك مائتان وخمسون وبقيت حصة المضارب الآخر وهو الربع وذلك مائتان وخمسون يحسب لهما عليه ويقسم رب المال والمضارب الآخر خمسمائة العين على ثلاثة أسهم ويرجعان على المضارب الذي استهلك نصف رأس المال بمائتين وخمسين درهما فيقسمانها على ثلاثة أسهم ، فإذا فعل ذلك وصل إلى رب المال خمسمائة وإلى المضارب الموافق مائتان وخمسون وسلم للآخر مما عليه مائتان وخمسون فاستقام الحساب .
ولو لم يهلك ما في يده ولكن هلك ما في يد العامل بأمر صاحبه فإن رب المال يضمن المضارب المخالف نصف رأس ماله ليس له غير ذلك ; لأن نصف رأس المال صار دينا عليه بالخلاف ، وتصرفه كان لنفسه .
ولو كان حين قبضا الألف مضاربة اقتسماها نصفين فاشترى أحدهما بنصف المال عبدا ثم أجاز صاحبه شراءه لم يكن العبد من المضاربة بإجازته ; لأن الإجازة إنما تعمل في العقد الموقوف ، والشراء هنا نافذ على المشتري فلا يكون إجازة الآخر تنفيذا للعقد فيكون وجوده كعدمه .
ولو اشتريا جميعا بالألف عبدا ثم باعه أحدهما بثمن معلوم فأجازه صاحبه جاز لأن البيع من أحدهما توقف على إجازة الآخر باعتبار أنه تعذر تنفيذه على العاقد ; ولأن ملك العين لغيره فتكون إجازته ، في الانتهاء كإذنه في الابتداء وهو [ ص: 50 ] نظير فضولي باع مال الغير فأجازه المالك ينفذ بإجازته ولو اشترى لغيره ينفذ الشراء على العاقد ولا يتغير ذلك بإجازة المشتري له . وكذلك لو أجازه رب المال ; لأن ملك العين لرب المال ، والمضارب الآخر عامل له في الإجازة فإذا كان العقد ينفذ بإجازة الآخر فبإجازة رب المال أولى ، والبائع هو الذي يلي قبض الثمن من المشتري ; لأن قبض الثمن من حقوق العقد فيتعلق بالعاقد وليس للآخر أن يأخذ المشتري بشيء من الثمن إلا بوكالة من البائع ; لأن المشتري لم يعامله بشيء .
ولو كان أحدهما باع العبد بشيء بعينه فأجازه صاحبه ففي القياس لا تعمل إجازته ; لأن في بيع المقابضة كل واحد من العاقدين يكون مشتريا عرض صاحبه وقد بينا أن الشراء لا يتوقف على الإجازة كما اشتراه بالدراهم وإذا لم تعمل إجازته فيما اشتراه صاحبه فكذلك لا تعمل في البدل الآخر .
وفي الاستحسان ينفذ العقد بإجازته ويكون بدله من المضاربة ; لأن في العرض الذي هو من جهته هو بائع وبيعه يتوقف على إجازة صاحبه وتجعل إجازته في الانتهاء بمنزلة إذنه في الابتداء ، فمن ضرورة أعمال إجازته في نفوذ العقد به في أحد البدلين أعماله في البدل الآخر ، ثم هذا العقد في أحد البدلين شراء وفي البدل الآخر بيع ولكنا رجحنا جانب البيع ; لأن العوض الآخر مذكور في العقد على وجه الثمن فإنهما قرنا به حرف الباء وحرف الباء يصحب الأبدال والأثمان .
وفي ترجيح جانب البيع بصحيح العقد على الوجه الذي قصد العاقد عند الإجازة وبقي الضمان على التصرف ، والضمان لا يلزمه بالشك فلهذا رجحنا جانب البيع فإن لم يجز الآخر حتى قبض البائع ما باع به العبد فباعه ، ثم إن المضارب الآخر أجاز ما صنع من ذلك فإجازته باطلة ; لأنه أجاز بيعه قبل إجازته معناه أنه مشتر للعرض الآخر ، وأكثر ما فيه أنه اشتراه ببدل يستحق فيملكه بالقبض وينفذ بيعه من جهته وبعد ما نفذ بيعه من جهة لا يصير للمضاربة بإجازة الآخر فإذا بطلت الإجازة يسترد العبد من المشتري فيكون على المضاربة وعلى البائع ضمان الذي قبضه وباعه ; لأنه لما استحق ما يقابله ظهر أنه ملكه بالقبض بسبب فاسد ، وقد تعذر رده حين باعه فعليه إن كان له مثل وقيمته إن لم يكن له مثل ، ولو كان رب المال هو الذي أجاز بيع العبد بشيء بعينه قبل أن يحدث العامل في ثمنه شيئا جاز بيع العبد للعامل البائع وله ثمنه وهو ضامن قيمة العبد لرب المال ; لأنه كان اشترى العرض لنفسه وأعطى العبد بمقابلته قرضا على نفسه ، ورب المال مالك للإقراض فيصير بالإجازة كأنه أقرضه العبد واستقرض الحيوان وإن كان فاسدا ولكنه يملك بالقبض وينفذ فيه تصرف المستقرض ، [ ص: 51 ] وهو ضامن قيمته للمقرض وقد بطلت المضاربة ; لأنها صارت دينا على المضارب البائع وذلك ينافي عقد المضاربة ولم يحصل الحكم عند إجازة المضارب الآخر بهذه الصفة ; لأن المضارب الآخر لا يملك الإقراض في مال المضاربة فلا يمكن إعمال إجازته بطريق إقراض العبد من صاحبه فاشتغلنا بترجيح جانب البيع لإعمال إجازته ورب المال يملك الإقراض فأمكن أن يجعل إجازته إقراضا منه فلهذا لم يشتغل فيه بترجيح جانب البيع .
وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى عبدا بألف درهم فلما قبضه قال : اشتريته وأنا أنوي أن يكون بالمضاربة وكذبه رب المال والعبد قائم أو هالك فالقول قول رب المضارب ; لأن ما في ضميره لا يوقف عليه إلا من جهته فيقبل قوله فيه ويدفع مال المضاربة في ثمنه ; لأنه أمين فيما في يده من المال فيكون مقبول القول فيه كالوكيل بالبيع إذا قال : بعت وقبضت الثمن وهلك في يدي يقبل قوله في ذلك ، فإن لم يدفعه حتى هلك المال ثم قال المضارب : اشتريته وأنا أنوي المضاربة وقد كان الشراء قبل هلاك المال والعبد قائم أو هالك فالقول قول رب المال والعبد للمضارب ; لأن المضارب يريد بهذا البيان أن يرجع على رب المال بألف أخرى ليدفعه في ثمن العبد وهو لم يكن مسلطا من جهة رب المال على ذمته لالتزام المال فيها بخلاف الأول فهناك إنما يريد دفع الألف الذي في يده في ثمنه ، وهو مسلط على ذلك من جهة رب المال يوضحه أن هناك تملك هو دفع ما في يده بإنشاء الشراء للمضاربة فيملك ذلك بالإقرار به أيضا ، وفي هذا الفصل لا يملك إلزام شيء في ذمة رب المال بإنشاء الشراء للمضاربة ; لأن ذلك استدانة على رب المال ، والمضارب لا يملك ذلك فكذلك بطريق الإقرار وإن كان هذا القول من المضارب قبل هلاك المال وكذبه رب المال ثم هلك المال بعد ذلك فإن كان العبد قائما فالقول قول المضارب ; لأنه يملك دفع المال بمقابلة هذا العبد بطريق إنشاء الشراء فكذلك بطريق الإقرار .
وإن كان العبد هالكا حين قال المضارب هذا القول ثم ضاعت الألف بعد ذلك قبل أن ينقدها المضارب للبائع فالقول قول رب المال ; لأنه حين أقر ما كان يملك إنشاء الشراء في هذا العبد لكونه هالكا فلا يمكن جعل إقراره كالإنشاء ، وإنما أعملنا إقراره باعتبار أنه أمين فيما في يده من المال ، وذلك المعنى ينعدم بهلاك المال في يده قبل الدفع فكان القول قول رب المال .
وفي الفصل الأول كان عند الإقرار متمكنا من إنشاء الشراء في هذا العبد القائم فيجعل إقراره كإنشائه والمضارب ، إذا اشترى شيئا للمضاربة ثم هلك المال في يده قبل دفع الثمن [ ص: 52 ] رجع بمثله على رب المال ; لأنه في الشراء كان عاملا له فهذا مثله

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|