عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 23-12-2025, 08:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 32الى صـــ 41
(446)






وإذا دفع ألف درهم مضاربة على أن يخلطها المضارب بألف من قبله ثم يعمل بهما جميعا على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فللمضارب ثلثاه وللدافع ثلثه فهو جائز على ما اشتراطا لأن العامل شرط لنفسه ربح مال نفسه وثلث ربح مال صاحبه فكأنه أخذ منه الألف مضاربة بثلث الربح وذلك جائز ولو كان الدافع اشترط لنفسه ثلثي الربح وللعامل ثلثه فالربح بينهما نصفان على قدر مالهما ; لأن الدافع شرط لنفسه جميع ربح ماله فيكون دافعا المال من وجه البضاعة وشرط أيضا لنفسه جزءا من ربح مال العامل وهذا منه طمع في غير مطمع لأنه ليس له في مال العامل رأس مال ولا عمل فيبطل هذا الشرط ويكون الربح بينهما على قدر رأس مالهما نصفين ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يخلطها بألف من قبله ويعمل بهما جميعا على أن للمضارب ثلثي الربح نصف ذلك من ربح ألف صاحبه ونصفه من ربح ألفه خاصة وعلى أن ما بقي من الربح للدافع فهو جائز للمضارب ثلثا الربح على ما اشترطا والثلث لرب المال لما بينا أنه شرط الدافع للمضارب جزءا من ربح ماله بعمله فيه وذلك مستقيم ، ثم يقول في بيان العلة ; لأن سدس الربح صار للدافع من ربح مال المضارب وصار له سدس مثله من ربح ألفه الذي صار للمضارب قال الشيخ الإمام الأجل رضي الله عنه وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول : هذا التعليل لا يصح فمبادلة ربح لم يوجد بربح لم يوجد كيف يكون صحيا وإنما معنى هذا التعليل أنه ليس في هذا التفصيل فائدة لأحدهما ; لأن بعد خلط المالين لا فرق في حق كل واحد منهما بين سدس الربح الذي يكون من ألفه وبين مثله من ألف صاحبه والشرط إنما يراعى إذا كان مفيدا لهما أو لأحدهما فما لم يكن مفيدا يكون لغوا ويبقى اشتراط ثلثي الربح للمضارب مطلقا فيكون صحيحا على ما اشترطا ولو دفع إليه ألفي درهم على أن يخلطهما بألف من قبله على أن الربح بينهما نصفان فهذا جائز ; لأن العامل شرط لنفسه ربح ألفه وربع ربح مال الدافع ، ودفع المال مضاربة بربع الربح صحيح .

فإن كان الدافع شرط لنفسه ثلاثة أرباع الربح وللعامل ربعه فالربح بينهما أثلاثا على قدر مالهما ; لأن الدافع شرط الزيادة على الثلثين لنفسه وطمع في جزء من ربح مال العامل وليس له فيه رأس مال ولا عمل فكان هذا الشرط باطلا والله أعلم

[ ص: 33 ] باب المضاربة بالعروض ) ( قال - رحمه الله - ) : " ذكر عن إبراهيم والحسن - رحمهما الله - قالا لا تكون المضاربة بالعروض إنما تكون بالدراهم والدنانير وبه نأخذ " وقال : مالك - رحمه الله - " المضاربة بالعروض صحيحة ; لأن العرض مال متقوم يستريح عليه بالتجارة عادة فيكون كالنقد فيما هو المقصود بالمضاربة وكما يجوز بقاء المضاربة بالعرض يجوز ابتداؤها بالعروض ولكنا نستدل { بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح مال يضمن } والمضاربة بالعروض تؤدي إلى ذلك ; لأنها أمانة في يد المضارب وربما ترتفع قيمتها بعد العقد فإذا باعها حصل الربح واستحق المضارب نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه بخلاف النقد فإنه يشتري بها وإنما يقع الشراء بثمن مضمون في ذمته فما يحصل له يكون ربح ما قد ضمن توضيحه أن الربح هنا لما كان يحصل بمجرد البيع يصير في المعنى كأنه استأجره لبيع هذه العروض بأجرة مجهولة وفي النقد الربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع جميعا فتكون شركة ; ولأن تقدير المضاربة بالعروض كأنه قال : بع عرضي هذا على أن يكون بعض ثمنه لك ولو قال : على أن جميع ثمنه لك لم يجز فكذلك البعض وإذا كان رأس المال نقدا يصير كأنه قال : اشتر بهذه الألف وبع على أن يكون بعض ثمنه لك .

ولو قال على أن جميع ثمنه لك صح فكذلك البعض .

توضيحه أن الربح في المضاربة لا يظهر إلا بعد تحصيل رأس المال ، ورأس المال إذا كان عرضا فطريق تحصيله وطريق معرفة قيمته الحزر والظن فلا يتيقن بالربح في شيء ليقسم بينهما بخلاف النقود

فإن كان رأس المال مكيلا أو موزونا من غير النقود فالمضاربة فاسدة أيضا عندنا وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - هي جائزة ; لأنها من ذوات الأمثال فيمكن تحصيل رأس المال بمثل المقبوض ثم قسمة الربح بينهما ; ولأن المكيل والموزون يجوز الشراء بهما ويثبت دينا في الذمة ثمنا فيكون ذلك بمنزلة النقود في أن المضارب إنما يستحق الربح بالضمان وحجتنا في ذلك أن المكيل والموزون يتعين في العقد كالعروض ، وأول التصرف بهما يكون بيعا وقد يحصل بهذا البيع ربح بأن يبيعه ثم يرخص سعره بعد ذلك فيظهر ربحه بدون الشراء فيكون هذا استئجارا للبيع بأجرة مجهولة وذلك باطل كما في العروض فإن اشترى وباع فربح أو وضع فالربح لرب المال ، والوضيعة عليه ولا ضمان على المضارب وله أجر مثله فيما عمل كما هو الحكم في المضاربة الفاسدة
وقد بينا حكم المضاربة بالفلوس والنبهرجة والستوقة والزيوف والتبر .

زاد هنا فقال ( ألا ترى ) أن رجلا [ ص: 34 ] لو اشترى عبدا بذهب تبر بعينه أو بفضة تبر بعينها فهلك التبر قبل التسليم بطل البيع ؟ فقد أشار في كتاب الصرف إلى أن التبر لا يتعين في الشراء ولا ينتقض العقد بهلاكه وقد بينا هناك وجه الروايتين أن هذا يختلف باختلاف البلدان في رواج التبر نقدا أو عرضا وإذا دفع إلى رجل فلوسا مضاربة بالنصف فلم يشتر شيئا حتى كسدت تلك الفلوس وأحدثت فلوس غيرها فسدت المضاربة ; لأن على قول من يجيز المضاربة بالفلوس إنما يجيز باعتبار صفة الثمنية وهي ثمن ما دامت رائجة فإذا كسدت فهي قطاع صفر كسائر الموزونات .

ولو اقترن كسادها بعقد المضاربة لم تصح المضاربة فكذلك إذا كسدت بعد العقد قبل حصول المقصود به وقد بينا في كتاب الشركة أن الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود به كالمقارن للعقد فهذا مثله فإن اشترى بها المضارب بعد ذلك فربح أو وضع فهو لرب المال وللمضارب أجر مثل عمله فيما عمل هو الحكم في المضاربة الفاسدة ولا فرق فيه بين الفساد الطارئ والفساد المقارن .

( ألا ترى ) أنه لو اشترى بهذه الفلوس الكاسدة شيئا فضاعت قبل أن ينقدها انتقض البيع ؟ فعرفنا أنها بالكساد صارت كالعروض ولو لم تكسد حتى اشترى بها المضارب ثوبا ودفعها وقبض الثوب ثم كسدت فالمضاربة جائزة على حالها ; لأن بالشراء حكم المضاربة تحول إلى الثوب ، وصار مال المضاربة الثوب دون الفلوس فلا يتغير الحكم بكساد الفلوس بعد ذلك ولكن المقصود قد حصل بالشراء وما يعرض بعد حصول المقصود لا يجعل كالمقترن بالسبب فإذا باع الثوب بدراهم أو عرض فهو على المضاربة فإن ربح ربحا وأرادوا القسمة أخذ رب المال قيمة فلوسه يوم كسدت ; لأنه لا بد من رد رأس المال إليه ليظهر الربح ورأس المال كان فلوسا رائجة وهي للحال كاسدة فقد تعذر مثل رأس المال وهذا التعذر إنما يتحقق يوم الكساد فيعتبر قيمتها في ذلك الوقت وفرق بين هذا وبين إذا غصب شيئا من ذوات الأمثال فانقطع المثل من أيدي الناس إن عند أبي حنيفة - رحمه الله - تعتبر قيمته يوم الخصومة ; لأن المثل هناك باق في الذمة ، والقدرة على تسليمه متعذرة أو أنه حاصل وإنما يتحول الحق إلى القيمة عند الخصومة فتعتبر قيمته يومئذ وهنا الوقت في تحصيل المثل غير منتظر ; لأن ما كسد من الفلوس قد لا يروج بعد ذلك قط ولا يدرى متي يروج فإنما يتحول الحق إلى القيمة عند تحقق فوات مثل تلك الفلوس وذلك وقت الكساد فتعتبر قيمته عند ذلك ثم الباقي بينهما ربح على الشرط

وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صاد بها [ ص: 35 ] من شيء فهو بينهما فصاد بها سمكا كثيرا فجميع ذلك للذي صاد لقوله صلى الله عليه وسلم { الصيد لمن أخذ } ; ولأن الآخذ هو المكتسب دون الآلة فيكون الكسب له وقد استعمل فيه آلة الغير بشرط العوض لصاحب الآلة وهو مجهول فيكون له أجر مثله على الصياد ، وكذلك لو دفع إليه دابة يستقي عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك بخلاف ما إذا أمره أن يؤاجر الدابة فالغلة هناك لصاحب الدابة وللعامل أجر مثله وقد تقدم بيان هذا في الإجارة أنه إذا أجر الدابة فالأجر بمقابلة منافعها والعامل وكيل لصاحبها وإذا استعملها العامل في نقل شيء عليها وبيع ذلك فهو لنفسه
ولو دفع إلى حائك غزلا على أن يحوكه سبعة في أربعة ثوبا وسطا على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد وهو في معنى قفيز الطحان وقد بينا ما فيه من اختيار بعض المتأخرين رحمهم الله باعتبار العرف في ذلك في بعض البلدان في كتاب الإجارة والثوب لصاحب الغزل وللحائك أجر مثله

وإذا دفع إلى رجل أرضا بيضاء على أن يبني فيها كذا كذا بيتا وسمى طولها وعرضها وكذا كذا حجرة على أن ما بني من ذلك فهو بينهما نصفان وعلى أن أصل الدار بينهما نصفان فبنى فيها كما شرط فهو فاسد ; لأنه أمر بأن يجعل أرضه مساكن بآلات نفسه فيكون مشتريا بالآلات وهي مجهولة وقد جعل العوض نصف ما يعمل لنفسه من المساكن وذلك فاسد وقد قررنا في الإجارات أن هذا المعنى في الأرض يدفعها إليه ليغرسها أشجارا على أن تكون الأرض والشجر بينهما نصفين فهو في البناء كذلك ثم جميع ذلك لرب الأرض وعليه للثاني قيمة ما بنى ; لأنه يصير قابضا له بحكم العقد الفاسد فإن بناء الغير بأمره كبنائه بنفسه فعليه ضمان القيمة لما تعذر رد العين باعتبار أنه صار وصفا من أوصاف ملكه وللعامل أجر مثله فيما عمل ; لأنه أقام العمل له وقد ابتغى من عمله عوضا فإذا لم ينل ذلك استوجب أجر المثل
ولو دفع إليه أرضا على أن يبني فيها دسكرة ويؤاجرها على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان فبناها كما أمره فأجرها فأصاب مالا فجميع ما أصاب من ذلك فهو للبناء والبناء له ; لأن صاحب الأرض هنا شرط البناء لنفسه فيكون الثاني عاملا لنفسه في البناء وإذا كان البناء ملكا له فعليه البناء أيضا وإنما يستأجر البيوت للسكنى وذلك باعتبار البناء ولهذا لو انهدم جميع البناء لم يكن على المؤاجر للمستأجر أجر بعد ذلك فلهذا كان الأجر كله لصاحب البناء ولرب الأرض أجر مثل أرضه على الباني ; لأنه أجر الأرض بنصف ما يحصل من غلة البناء وهي مجهولة وقد استوفي منفعة الأرض [ ص: 36 ] بهذا العقد الفاسد فيلزمه أجر مثلها وينقل الثاني بناءه عن أرض رب الأرض ; لأن الأرض باقية على ملك صاحبها فعلى الثاني أن يفرغها ويردها على صاحبها لفساد عقد الإجارة بينهما في الأرض ولو كان اشترط مع ذلك أن الأرض والبناء بينهما نصفان كان ذلك كله مع ما أجرها به لرب الأرض ; لأنه صار مشتريا لما بني به هنا بنصف الأرض ، أو أمره بأن يجعل أرضه دسكرة بآلات نفسه على أن له بعض ما يحصل بعمله وذلك فاسد ولكنه صار قابضا مستهلكا بشراء فاسد فعليه قيمته يوم بنى الباني وأجر مثله فيما عمل وأجر مثله فيما أجر من الدسكرة ; لأنه في كل ذلك عامل لصاحب الأرض بأجرة مجهولة بخلاف الأول فهناك صاحب الأرض ما شرط لنفسه شيئا من البناء فيكون الثاني عاملا لنفسه وهنا أضاف البناء إلى نفسه حين شرط لنفسه نصف البناء وجعل النصف الآخر أجرة للباني فلهذا كان البناء كله لصاحب الأرض هنا
وإذا دفع إلى رجل بيتا على أن يبيع فيه البر على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان فقبض البيت فباع فيه وأصاب مالا فالمال كله لصاحب البر ; لأنه ثمن ملكه وهو في البيع كان عاملا لنفسه ، ولرب البيت أجر مثل بيته ; لأنه أجر البيت بأجرة مجهولة ولو كان رب البيت دفع إليه البيت ليؤجره ليباع فيه البر على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان فهذا فاسد فإن أجر البيت فالأجر لرب البيت ; لأن الأجر عوض منفعة البيت هنا والعامل كالوكيل لصاحب البيت في إجارته ولكنه ابتغى عن عمله له عوضا لم يسلم له فيستوجب أجر مثله فيما عمل
وإذا قال خذ هذا العبد مضاربة وقيمته ألف درهم على أن رأس مالي قيمته على أن يبيعه ويشتري بثمنه ويبيع فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء أخذت منه رأس مالي قيمة العلام وما بقي فهو بينهما نصفان فهذه مضاربة فاسدة ; لأن رأس المال فيها العبد وهو متعين كسائر العروض ولا يمكن أن يجعل قيمة رأس المال ; لأن القيمة تختلف باختلاف المقومين ولا يمكن تحصيلها يقينا ليظهر الربح بعدها وإذا فسد العقد فجميع ذلك ما باع واشترى لرب العبد ، وللمضارب أجر مثله ولو قال بع عبدي هذا واقبض ثمنه واعمل فيه مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ثمنه من شيء فهو بيننا نصفان فهو جائز على ما اشترطا ; لأنه وكله ببيع العبد أولا فكان بيع الوكيل له كبيعه لنفسه ، ثم عقد المضاربة على الثمن المقبوض من دراهم أو دنانير وهو أمانة في يد الوكيل فقد وجد شرط صحة المضاربة وأكثر ما فيه أنه أضاف عقد المضاربة إلى ما بعد البيع وقبض الثمن وذلك [ ص: 37 ] لا يفسد المضاربة غير إني أكره أن يقول بعه وخذ الثمن مضاربة على أن الربح بيننا نصفان ; لأن بيع العبد ليس من المضاربة وقد صار كأنه شرط فيها فلهذا كره فإن شبهة الشيء كحقيقته في وجوب التحرز عنه .

قال : صلى الله عليه وسلم { من اتقى الشبهات سلم له دينه } ولو شرط على المضارب في المضاربة منفعة له سوى ما يحصل به الربح كان ذلك الشرط فاسدا فكذلك شرط بيع العبد لما صار في معنى ذلك ولكنه ينبغي أن يأمره ببيعه ولا يذكر المضاربة فإذا قبض الثمن أمره أن يعمل به مضاربة وكذلك هنا الحكم في جميع العروض من المكيلات والموزونات ولو باع المضارب العبد بعشرة أكرار حنطة وعمل بها فهذا في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - مضاربة فاسدة ; لأنه وكيل بالبيع مطلقا ومن أصل أبي حنيفة أن الوكيل بالبيع يملك البيع بالمكيل والموزون فلا يصير هو ضامنا ولكنه يصير كأنه دفع إليه الحنطة مضاربة فتكون المضاربة فاسدة وجميع ما ربح لرب المال وللمضارب أجر مثله فيما عمل بالثمن ; لأنه في بيع العبد معين وإنما يصير أجيرا باعتبار المضاربة ، وأوان ذلك بعد قبض الثمن وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - المضارب ضامن لقيمة العبد وجميع ما ربح له ; لأن عندهما الوكيل بالبيع لا يملك البيع إلا بالنقود فإذا باع بالحنطة كان مخالفا ضامنا لقيمة العبد كالغاصب ، فإذا ضمن القيمة بعد البيع من جهته والحنطة التي قبضها له بمقابلة العبد فإنما ربح على مال نفسه ولا يتصدق بالفضل ; لأنه ربح ما قد ضمن ، فإن قيل عند أبي حنيفة ينبغي أن يكون الجواب كذلك ; لأنه قال اعمل بثمنه مضاربة فبهذا اللفظ ينبغي أن تنفذ الوكالة بالبيع بما يصلح أن يكون رأس المال في المضاربة وهو النقد قلنا لا كذلك فكون المضاربة بالعروض والمكيل فاسدة من الدقائق قد خفي ذلك على بعض العلماء فلعله خفي ذلك على صاحب المال أيضا أو كان ممن يعتقد جواز المضاربة بها فمطلق الوكالة لا يتقيد بمثل هذا الكلام المحتمل ولو باعه بمائة درهم وقيمته ألف درهم وعمل بها فهي مضاربة جائزة في المائة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما المضارب ضامن قيمة العبد لرب المال بناء على اختلافهم في الوكيل بالبيع مطلقا يبيع بالغبن الفاحش

وإذا كان للرجل دراهم ودنانير ، وأكرار حنطة ، ودقيق فقال خذ أي أصناف مالي شئت واعمل به مضاربة بالنصف فأخذ المضارب أحد الأصناف فعمل به فإن كان أخذ الدنانير والدراهم فعمل بهما فهو جائز على الشرط وإن أخذ غيرهما فهو فاسد فإذا اشترى وباع فهو لرب المال وعليه وضيعته وللمضارب أجر مثله ; لأن تعيين [ ص: 38 ] الضارب صنفا بأمر من رب المال كتعيين رب المال ذلك بنفسه فإن كان المعين من النقود انعقد العقد صحيحا وإلا فالمضاربة فاسدة ولو قال خذ أي مالي شئت فبعه ثم اعمل بثمنه مضاربة فأخذ عبدا فباعه بدراهم أو دنانير ثم عمل به مضاربة فهو جائز كما لو كان رب المال دفع العبد إليه وأمره بذلك
ولو قال اشتر لي عبدا بألف درهم نسيئة سنة ثم بعه واعمل بثمنه مضاربة فاشترى به كما أمره وقبضه ثم باعه بدراهم أو دنانير ثم عمل بالثمن فهذه مضاربة جائزة ; لأنه في شراء العبد وبيعه وكيل للآمر معين فكأن الآمر فعل ذلك بنفسه ثم إنما عقد المضاربة بعد قبض الثمن على المقبوض وهو تعد فكانت المضاربة جائزة ، ورأس المال ثمن العبد الذي باعه به المضارب فأما الثمن الذي اشترى به المضارب فليس من المضاربة بل هو دين له على رب المال كما هو الحكم في الوكالة أن البائع يستوجب الثمن على الوكيل والوكيل على الموكل والله أعلم
( قال - رحمه الله - ) : " وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة ولم يقل اعمل فيه برأيك فله أن يشتري به ما بدا له من أصناف التجارة ويبيع ; لأنه نائب عن صاحب المال في التجارة " فإن قصده بالدفع إليه تحصيل الربح وذلك بطريق التجارة فكذلك ما هو من صنع التجار يملكه المضارب بمطلق العقد ويبيع بالنقد والنسيئة عندنا وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - : " ليس له أن يبيعه بالنسيئة ; لأن ذلك تصرف يوجب قصر يده عن مال المضاربة والتصرف فيه فيكون ضدا لما هو مقصود رب المال بمنزلة الإقراض " .

( ألا ترى ) أن البيع بالنسيئة من المريض يعتبر من الثلث ؟ فعرفنا أنه بمنزلة التبرع ولكنا نقول : البيع بالنسيئة من صنع التجار وهو أقرب إلى تحصيل مقصود رب المال وهو الربح فالربح في الغالب إنما يحصل بالبيع بالنسيئة دون البيع بالنقد ; ولأن تسليط المضارب على المال ليس بمقصود رب المال إنما مقصوده تحصيل الربح بطريق التجارة وذلك حاصل والدليل على أن البيع بالنسيئة تجارة مطلقة قوله تعالى { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } فهذا يبين أن التجارة قد تكون غائبة وليس ذلك إلا بالبيع بالنسيئة وله أن يبضعه ; لأن الإبضاع من عادة التجار ويحتاج المضارب إليه لتحصيل الربح .

فالتجارة نوعان حاضرة في بلدة ، وغائبة في بلدة أخرى ، ولا يتمكن من مباشرتها بنفسه ولو لم يجزئه الإبضاع والتوكيل والإيداع لفاته أحد نوعي التجارة لاشتغاله بالنوع الآخر وله أن يستأجر معه الأجراء [ ص: 39 ] يشترون ويبيعون ويستأجر البيوت والدواب لأمتعته التي يشتريها ; لأن ذلك من صنع التجار .

فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح ، وللمنافع حكم المال عند العقد ، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث إنه مبادلة مال بمال وله أن يسافر به .

وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله - أنه ليس له أن يسافر به ما لم يأذن له فيه صاحب المال ; لأن فيه تعريض المال للهلاك .

وجه ظاهر الرواية أن اشتقاق المضاربة من الضرب في الأرض وإنما يتحقق ذلك بالمسافرة ; ولأن مقصوده تحصيل الربح وإنما يحصل ذلك في العادة بالسفر بالمال فيملكه بمطلق عقد المضاربة

وقد بينا في الوديعة أن المودع له أن يسافر بمال الوديعة ففي المضارب أولى وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه قال إن دفع المال في مصر وهو من أهل ذلك المصر فليس له أن يسافر به ، وإن دفع المال إليه في غير مصر فله أن يسافر به ; لأن العام الغالب أن الإنسان يرجع إلى وطنه ولا يستديم الغربة مع إمكان الرجوع فلما أعطاه مع علمه أنه غريب في هذا الموضع كان ذلك منه دليل الرضا بالمسافرة بالمال عند رجوعه إلى وطنه وذلك لا يوجد فيما إذا دفع المال إليه وهو مقيم في مصره . ولكن هذا التفصيل فيما له حمل ومؤنة بناء على ما روينا عن أبي يوسف - رحمه الله - في المودع أنه لا يسافر الوديعة إذا كان لها حمل ومؤنة وليس له أن يقرضه ; لأن الإقراض تبرع قال النبي صلى الله عليه وسلم { قرض مرتين صدقة مرة } ; ولأنه ليس في الإقراض تحصيل شيء من مقصود رب المال ; لأن المقبوض بحكم القرض مضمون بمثله لا يتصور فيه زيادة شرط ولا غيره وليس له أن يخلطه بماله ; لأن في الخلط بماله أو بمال غيره إيجاب الشركة في المال المدفوع إليه على وجه لم يرض به رب المال وكذلك لا يدفعه مضاربة ; لأن بالدفع مضاربة سوى غيره بنفسه في حق الغير وهو لا يملك ذلك .

( ألا ترى ) أن الوكيل بالبيع مطلقا لا يوكل به غيره ؟ ; ولأنه موجب لغيره شركة في الربح ورب المال لم يرض بالشركة لغيره في ربح ماله ولا يشارك به أيضا ; لأن الشركة بمنزلة الدفع مضاربة بل أقوى منه فإن قيل أليس أن المضارب يأذن لعبد من مال المضاربة في التجارة ويصح ذلك منه وإطلاق التصرف بالإذن في التجارة بمنزلة الدفع مضاربة أو فوقه ؟ قلنا قد روى ابن رستم عن محمد رحمهما الله أنه لا يملك الإذن في التجارة بمنزلة الدفع مضاربة والفرق بينهما على ظاهر الرواية أن المأذون لا يصير شريكا في الربح فيكون الإذن في التجارة نظير الإبضاع لا نظير الدفع مضاربة ، والشركة به ، فإن كان قال له اعمل فيه برأيك ، فله أن يعمل [ ص: 40 ] جميع ذلك إلا القرض ; لأنه فوض الأمر في هذا المال إلى رأيه على العموم وقد علمنا أن مراده التعميم فيما هو من صنع التجار عادة فيملك به المضاربة والشركة والخلط بماله ; لأن ذلك من صنع التجار كما يملك الوكيل توكيل غيره بما وكل به إذا قيل له اعمل فيه برأيك ولا يملك القرض ; لأنه تبرع ليس من صنع التجار عادة فلا يملكه بهذا اللفظ كالهبة والصدقة

وإذا دفعه إليه مضاربة على أن يعمل به في الكوفة ليس له أن يعمل به في غيرها ; لأن كلمة على للشرط والشرط في العقد متى كان مفيدا يجب اعتباره وهذا شرط مفيد لصاحب المال ليكون ماله محفوظا في المصر يتمكن منه متى شاء فيتقيد الأمر بما قيده به وليتبين له أن يعطيه بضاعة ممن يخرج به ; لأنه إنما يستعين في هذا المال في غير الكوفة فلا يملك أن يستعين بغيره أيضا ويقاس التوقيت من حيث المكان بالتوقيت من حيث الزمان فإن أخرجه من الكوفة فلم يشتر به شيئا حتى رده إليها فهو ضامن على حاله يتصرف فيها ; لأن خلافه لا يتحقق بإخراج المال ما لم يعمل خارجا من الكوفة فإنه قيد الأمر بالعمل بالمكان وإنما يمتنع عليه إخراج المال من الكوفة على قصد التصرف لكي لا يكون مخالفا لما شرط عليه صاحبه فعرفنا أن بالإخراج لا يتحقق خلافه ولو تحقق فهو أمين خالف ثم عاد إلى الوفاق فيكون أمينا كما كان وإن اشترى ببعضه في غير الكوفة واشترى بما بقي منه في الكوفة فهو مخالف فيما اشتراه بغير الكوفة ضامن لذلك القدر من المال فله ربحه وعليه وضيعته لتحقق الخلاف منه في ذلك القدر وفيما بقي من المال فهو متصرف على المضاربة ; لأنه ليس من ضرورة صيرورته مخالفا ضامنا لبعض المال لبقاء حكم المضاربة فيما بقي ما لم يتقرر فيه الخلاف والبعض معتبر بالكل
ولو دفعه إليه مضاربة على أن يعمل به في سوق الكوفة فعمل به في الكوفة في غير ذلك المكان ففي القياس هو مخالف ضامن ; لأنه خالف شرطا نص عليه الدافع وفي الاستحسان ينفذ تصرفه على المضاربة ولا يكون ضامنا ; لأن الشرط إذا لم يكن مفيدا لا يكون معتبرا ولا فائدة في تقييد تصرفه بالسوق ; لأن مقصوده سعر الكوفة لا عين السوق ففي أي موضع من الكوفة تصرف كان تصرفه واقعا على ما شرطه الدافع أرأيت لو أمره أن يعمل بها في الصيارفة فعمل بها في سوق آخر أو أمره أن يعمل في بيت فلان فعمل في غير ذلك المكان كان ضامنا ولا يكون ضامنا في شيء من ذلك بسبب اتحاد المصر ولو دفعه إليه على أن يعمل به في سوق الكوفة وقال له لا تعمل به إلا في السوق فعمل به في غير السوق فهو مخالف ضامن ; لأنه [ ص: 41 ] منعه من التصرف بقوله : لا تعمل به واستثنى تصرفا مخصوصا وهو ما يكون في السوق ، فما يكون على الوجه المستثنى ينفذ منه وما لا فلا بخلاف الأول فهناك ما حجر عليه عن التصرف إنما أمره بالتصرف وقيد الأمر بشرط غير مفيد فلا يعتبر تقييده وينفذ تصرفه باعتبار صحة الأمر

ولو قال : خذه مضاربة تعمل به في الكوفة أو قال : فاعمل به في الكوفة فعمل به في غير الكوفة فهو ضامن ; لأن قوله : تعمل به تفسير لقوله : خذه مضاربة والكلام المبهم إذا تعقبه تفسيره فالحكم لذلك التفسير ، وقوله : فاعمل به في معنى التفسير أيضا ; لأن الفاء للوصل والتعقيب والذي يتصل بالكلام المبهم ويتعقبه تفسير وكذلك لو قال خذ مضاربة بالنصف بالكوفة ; لأن الباء للإلصاق فذلك يقتضي أن يكون موجب كلامه ملصقا بالكوفة وموجب كلامه العمل بالمال وإنما يتحقق إلصاقه بالكوفة إذا عمل بها وكذلك لو قال خذه مضاربة بالنصف في الكوفة ; لأن حرف في للظرف والمكان إنما يكون ظرفا للعمل إذا كان حاصلا فيه فهذا كله اشتراط العمل في الكوفة وقد بينا أن هذا شرط مفيد .

ولو قال : خذه مضاربة بالنصف واعمل به في الكوفة فله أن يعمل به حيث شاء ; لأن الواو للعطف والشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره وقد تكون الواو للابتداء خصوصا بعد الجملة الكاملة وقوله خذه مضاربة بالنصف جملة تامة وقوله : واعمل عطف أو ابتداء فيكون مشورة أشار به عليه لا شرطا في الأول فإن قيل لماذا لم يجعل بمعنى الحال كما في قوله أد إلي ألفا وأنت حر قلنا ; لأنه غير صالح للحال هنا فحال العمل لا يكون وقت الأخذ وإنما يكون العمل بعد الأخذ مع أن الواو تستعار للحال مجازا وإنما يصار إليه للحاجة إلى تصحيح الكلام والكلام صحيح هنا باعتبار الحقيقة فلا حاجة إلى حمل حرف الواو على المجاز ولو قال خذه مضاربة على أن تشتري به الطعام أو قال فاشتر به الطعام أو قال تشتري به الطعام أو قال خذه مضاربة بالنصف في الطعام فهذا كله بمعنى الشرط كما في الأول وهو شرط مفيد ، وقد يكون المرء مهتديا إلى التصرف في الطعام دون غيره فيعتبر التقييد ثم يصرف لفظ الطعام في هذا الموضوع إلى الحنطة والدقيق خاصة ليس له أن يشتري به غيرهما ; لأنه ذكر لفظ الطعام عند ذكر الشراء وذلك ينصرف إلى الحنطة والدقيق خاصة باعتبار عرف الناس فإن بائع الطعام في عرف الناس من يبيع الحنطة ودقيقها ، وسوق الطعام الموضع الذي يباع فيه الحنطة ودقيقها وقد قررنا هذا في الإقرار والأيمان .

وله أن يستأجر ببعضه شيئا يجوز فيه الطعام أو يبيعه فيه أو سفينة ليحمل [ ص: 42 ] فيها الطعام من مصر إلى مصر أو دواب ; لأن هذا كله من صنع التجار في الطعام ولا يجد منه بدا فلما أمره صاحب المال بذلك مع علمه أنه لا يجد بدا من ذلك فقد صار إذنا له بجميع ذلك وكذلك كل صنف سماه فهو عليه خاصة ; لأنه تقييد مفيد فإن اشترى غيره فهو ضامن للخلاف وكذلك لو قال خذه مضاربة في الرقيق فليس له أن يشتري به غير الرقيق لما بينا أن حرف في للظرف ولا يتحقق ذلك إلا من حيث العمل في الرقيق وله أن يشتري ببعضه كسوة للرقيق وطعاما لهم وما لا بد لهم منه ، ويستأجر ما يحملهم عليه ; لأن التاجر في الرقيق يحتاج إلى هذا كله عادة فيكون هذا من توابع التجارة في الرقيق ، وبمباشرة البيع لا يصير مخالفا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]