
23-12-2025, 08:26 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,760
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 12الى صـــ 21
(444)
وإذا أقر الراهن بالأمة - الرهن - لرجل فزوجها ذلك الرجل جاز النكاح ; لأنه بالإقرار سلط المقر له على تزوجها ، ولو زوجه بنفسه جاز النكاح ، فكذلك إذا زوجها ذلك الرجل جاز النكاح ; لأنه بالإقرار سلط المقر له على تزويجها ولو زوجه بنفسه جاز النكاح فكذلك إذا زوجها غيره بتسليطه ، وقد بينا نظيره في العتق فالتزويج بمنزلة العتق في أنه لا يشترط صحة القدرة على التسليم ، ولكن ليس للزوج أن يقر بها ; لأن الراهن ممنوع من غشيانها بنفسه لحق المرتهن ، فكذلك يمنع منه المقر له ، أو من زوجها منه المقر له وهذا ; لأنه لو غشيها الزوج ربما تحمل فتنقص ماليتها بسبب الحبل ، وربما تتعسر عليها الولادة فتموت منها وفي ذلك من الضرر على المرتهن ما لا يخفى .
ولو رهن رجل أمة لها زوج كان الرهن جائزا ; لأن المنكوحة مال متقوم يمكن استيفاء الدين من ماليتها بالبيع فيكون رهنا جائزا ، فإن غشيها الزوج ، فهلكت من ذلك ففي القياس : تهلك من مال الراهن ; لأن الزوج إنما غشيها بتسليط الراهن حين زوجها منه ، فيجعل فعله كفعل الراهن بنفسه ( ألا ترى ) : أنه لو زوجها بعد الرهن فوطئها الزوج ، فماتت من ذلك كانت من مال الراهن ، فكذلك إذا كان التزويج قبل الرهن ; لأن موتها من الوطء لا من التزويج والوطء في الفصلين ابتداء فعل من الواطئ بعد الرهن ، ولكنا نستحسن أن يجعلها هالكة من الرهن حتى يسقط دين المرتهن ; لأنه لم يوجد من الراهن بعد عقد الرهن فعل يصير به مسلطا على إتلافها بل المرتهن حين قبل الرهن فيها مع علمه أنها منكوحة فقد صار راضيا بها على هذه الصفة ، وأكثر ما فيه أنه لم يرض بوطء الزوج إياها ، ولكن لا معتبر برضاه في ذلك ; لأن حق الزوج كان مقدما على حقه والمولى لا يملك إبطال حق الزوج بالرهن هنا ، فلهذا يجعل كأنها ماتت من غير صنع أحد فسقط الدين بخلاف ما إذا كان التزويج بعد الرهن ، فقد وجد هناك من الراهن بعد الرهن تسليط الزوج على وطئها ، ولم يوجد الرضا من المرتهن بذلك والزوج ممنوع من وطئها لحق المرتهن هنا فإن حقه سابق على حق الزوج ، فلهذا إذا هلكت من الوطء يجعل كأنها هلكت بفعل الراهن فلا يسقط دين المرتهن .
وإذا أشهد الراهنان بالرهن [ ص: 13 ] لإنسان لم تجز شهادتهما ; لأن عقد الرهن لازم من جهة الراهنين فهما بهذه الشهادة يريدان السعي في نقض ما قد تم بهما ، وإبطال يد الاستيفاء المستحقة للمرتهن عليهما ، ولو شهد به المرتهنان جاز ; لأنهما ممكنان من رد الرهن متى شاءا ، فليس في هذه الشهادة إبطال حق مستحق عليهما بل في هذه الشهادة ضرر عليهما ; لأن حق استيفاء الدين من مالية الرهن كان ثابتا لهما ويبطل ذلك بشهادتهما فتقبل الشهادة لانتفاء التهمة ولو شهد به كفيلان بالمال لم تجز شهادتهما ; لأنهما بمنزلة الراهنين ، ولو شهد به ابنا الراهن ، أو ابنا الكفيل ، والأب منكر جازت الشهادة ; لأنهما يشهدان على أبيهما ، وكذلك لو شهد به ابنا المرتهن ; لأنهما شهدا على أبيهما ببطلان حقه في ثبوت يد الاستيفاء .
ولو كان الراهن مكاتبا أو عبدا تاجرا ، فشهد مولياه بذلك وهو منكر جازت الشهادة ; لأنهما يشهدان على مكاتبهما أو عبدهما في استحقاق الملك والكسب عليه ، وببطلان العقد الذي باشره .
وإذا ادعى رجل على الرهن أنه له وأن راهنه سرقه منه وسأل المرتهن أن يخرجه حتى يقيم البينة فأبى ذلك المرتهن فإنه يجبر على إخراجه ; لأنه لا ضرر في إخراجه على المرتهن وفيه منفعة للمدعي ; لأنه لا يتمكن من إثبات دعواه بالبينة إلا بعد إحضار العين ليشير إليه في الدعوى ، ويشير إليه الشهود في الشهادة ، والمرتهن في الامتناع من الإحضار متعنت قاصد الإضرار به فيمنعه القاضي من ذلك .
وإذا ارتهن الرجل رهنا وأقر أن قيمته ألف ثم جاء به بعد ذلك وقيمته مائة درهم ولم يتغير فقال الراهن : ليس هذا متاعي ، فالقول قوله في ذلك ; لأنهما تصادقا على صفة متاعه أنه يساوي ألفا ، والذي أحضره ليس على تلك الصفة فالظاهر شاهد للراهن فيجعل القول قوله في ذلك ، وإذا قبلنا قوله كان على المرتهن أن يجيء بمتاع يساوي ألفا أو يحكم بأن الرهن هلك في يده فيسقط دينه .
وإذا باع رجلان شيئا من رجل إلى رجل على أن يرهنهما هذا العبد ففعل ثم شهدا أن الرهن لفلان فإن قالا فنحن نرضى أن يكون دينا إلى أجل بغير رهن جازت شهادتهما لخلوها عن التهمة فإنه لا منفعة لهما في قبول هذه الشهادة حين أسقطا حقهما في المطالبة برهن آخر بل عليهما فيه ضرر ، وإن قالا لا نزيد رهنا غيره أو يرد علينا متاعنا أبطلت شهادتهما لتمكن التهمة فيها ، فإنهما يشهدان لأنفسهما بثبوت حق مطالبة الراهن برهن آخر ، أو رد المتاع عليهما .
وإذا باع متاعا من رجل على أن يرهنه رهنا بعينه فاستحق أو هلك قبل الرهن أو رهنه رهنا يرضى به أو أعطاه قيمة ذلك الرهن فيكون رهنا عنده ، أو رد عليه ماله وقد بينا هذا [ ص: 14 ] الفصل فيما تقدم .
وإذا زاد الراهن مع الرهن رهنا آخر نظر إلى قيمة الأول يوم رهنه ، وإلى قيمة الزيادة يوم قبضها المرتهن في قسمة الدين ; لأن حكم الرهن في الزيادة إنما تثبت بقبض المرتهن ، فتعتبر قيمتها حين ثبت حكم الرهن فيها ، كما يعتبر ذلك في قيمة الأصل .
ولو كان لرجل على رجل عشرون درهما فرهنه بعشرة منها ما يساوي عشرة ، ثم قضاه عشرة فله أن يجعلها بما في الرهن ويقبض الرهن ، أما جواز هذا الرهن فللشيوع في الدين ولا شيوع في الرهن والشيوع في الدين لا يمنع جواز العقد ، ثم القاضي هو الذي ملك المستوفي هذه العشرة ، وإليه بيان الجهة التي أوفاها فإذا قال : إنما أوفيتها مما كان في الرهن ، ولو كان رهنه الثوب لجميع المال لم يكن له أن يقبضه حتى يؤدي جميع المال قلت قيمته ، أو كثرت ; لأن الرهن محبوس بكل جزء من الدين لاتحاد الصفقة ، ولو رهنه بعشرة منها ثوبا يساوي عشرين ثم زاده ثوبا آخر رهنا بالعشرة الأخرى فهو جائز لما قلنا وإن جعله رهنا بالعشرين جميعا فهو جائز فإن هلك الثوب الأول ذهب بثلثي العشرة ، وإن هلك الثوب الآخر ذهب بثلث العشرة التي بها الرهن الأول ، وبجميع العشرة الأخرى ; لأنه لما رهنه الثوب الأخرى ، بجميع العشرين كان نصفه بالعشرة التي لا رهن بها ، ونصفه زيادة في الرهن الأول بالعشرة الأخرى ، فيقسم ملك العشرة على قيمة الثوب الأول يوم رهنه ، وذلك عشرون ، وعلى قيمة نصف الثوب الثاني ، وذلك عشرة فيقسم أثلاثا ثلثاها في الثوب الأول فإذا هلك هلك به ، وثلثها مع العشرة الأخرى في الثوب الثاني فإذا هلك هلك به ; لأن في قيمته وفاء بالدين ، وزيادة .
إذا كان لرجل على رجلين مال وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه ، فأعطاه أحدهما رهنا بجميع المال يساويه ثم أعطاه الآخر رهنا بجميع المال يساويه فهو جائز ، وأيهما هلك هلك بنصف المال ; لأن كل واحد منهما مطالب بجميع المال هنا فهما كشخص واحد في إيفاء هذا الدين حتى لو أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه فيجعل الرهن من الثاني زيادة في الرهن الأول فيقسم الدين على قيمة الرهنين وقيمتهما سواء ، فأيهما هلك ذهب بنصف المال ، وكذلك لو كانا مكاتبين مكاتبة واحدة ، وكذلك لو كان المال على أحدهما ، والآخر به كفيل ، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب ( رحمهما الله ) هذا الفصل ، وقال عند زفر ( رحمه الله ) إذا هلك أحدهما يهلك جميع المال ; لأن كل واحد منهما ما رضي بالرهن في متاعه إلا بجميع الدين ، ولكل واحد منهما في ذلك غرض صحيح ، فغرض الكفيل في ذلك أن يصير موفيا جميع الدين بهلاكه ; ليرجع بالكل على الأصيل ، وغرض الأصيل أن [ ص: 15 ] يصير موفيا جميع الدين بهلاكه حتى لا يرجع الكفيل عليه بشيء ، وعلى قول أبي يوسف ( رحمه الله ) إن لم يعلم الثاني بالرهن الأول ، فكذلك الجواب وإن علم به فالثاني : رهن بنصف المال والأول : رهن بجميع المال ; لوجود الرضا من الثاني بأن يكون رهنه زيادة في الرهن الأول حين علم به ، ولو أن المديون رهن متاعه بالدين الذي عليه وتبرع إنسان بأن رهن به متاعا آخر له فقد روى هشام عن محمد ( رحمهما الله ) قال : إن هلك رهن المطلوب هلك جميع الدين ، وإن هلك رهن المتبرع هلك نصف الدين ; لأن رهن المطلوب صار مضمونا بجميع الدين فالمتبرع لا يملك فيعتبر موجب عقده عليه ، وأما رهن المتبرع ، فهو زيادة في رهن المطلوب ، فيكون بنصف الدين .
ولو رهنه بعشرين درهما دينارا يساوي عشرة ثم رخص الورق ، فصارت عشرون درهما بدينار ، فهلك الدينار فإنما يهلك بالعشرة ; لأن المعتبرة قيمة الرهن حين قبضه المرتهن .
ولو كان له عليه عشرة دراهم فرهن له دينارا يساوي عشرة ثم غلا الورق فصارت خمسة بدينار ، ثم رهنه دينارا آخر جميعا رهن بالعشرة فإن هلك الدينار الأول ذهب بثلثي العشرة ، وإن هلك الآخر ذهب بثلثها ; لأن المعتبر في الانقسام قيمة كل واحد منهما حين ثبت حكم الرهن فيه .
ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فرهنه بخمسمائة منها عبدا يساوي خمسمائة ثم زاده أمة رهنا بالألف كلها تساوي ألفا فولدت بنتا تساوي خمسمائة ثم مات العبد ، والأمة بقي الولد بسدس الخمسمائة التي كان العبد رهنا بها ، وبثلث الخمسمائة الأخرى ; لأن نصف الأمة رهن بخمسمائة ونصفها زيادة في رهن العبد بالخمسمائة الأخرى فتقسم تلك الخمسمائة على قيمة العبد ، وقيمة نصف الأمة ، وهما سواء فانقسم نصفين وصار في الأمة نصف الخمسمائة الأولى مع الخمسمائة الأخرى ، فلما ولدت ولدا يساوي خمسمائة انقسم ما فيها على قيمتها ، وعلى قيمة ولدها أثلاثا ; لأن قيمتها حين رهنت : ألف ، وقيمة ولدها : خمسمائة فصار في الولد ثلث الخمسمائة الأخرى وسدس الخمسمائة الأولى ، فيبقى ذلك القدر ببقاء الولد ، ويسقط ما سوى ذلك بموت العبد والأمة .
وإذا ارتهن عبدا بخمسمائة وهو يساوى ألفا ثم زاده المرتهن خمسمائة على أن زاده الآخر أمة رهنا بجميع المال ففي قول أبي حنيفة ومحمد ( رحمهما الله ) تكون الأمة رهنا بجميع المال نصفها مع العبد في الخمسمائة الأولى ونصفها بالخمسمائة الأخرى وعند أبي يوسف ( رحمه الله ) هما جميعا يكونان رهنا بالألف كلها ; لأن أبا يوسف ( رحمه الله ) يجوز الزيادة في الرهن ، والدين وهما يجوزان الزيادة في الرهن دون الدين ، فلهذا كان العبد مع نصف الأمة رهنا بالخمسمائة الأولى ، [ ص: 16 ] ونصف الأمة رهنا بالخمسمائة الأخرى ، وليس في العبد من الخمسمائة الأخرى شيء .
ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فرهنه بخمسمائة منها جارية تساوي خمسمائة ، فولدت كل واحدة منهما ابنا قيمته مثل قيمة أمه فالأولى ، وابنها ، ونصف الآخر ، ونصف ابنها رهن بالخمسمائة الأولى ، ونصف الآخر ونصف ابنها رهن بالخمسمائة الأخرى ، فإن ماتت الأم الأخرى ذهب ربع هذه الخمسمائة التي فيها خاصة ، ويبقى نصف ابنها بثلاثة أرباع ، ويذهب من الخمسمائة الأولى خمسون درهما ; لأن الجارية الأخرى ثمنها خمسمائة ، فكل واحد من الولدين تبع لأمه ، فنصف الجارية الأخرى زيادة في رهن الخمسمائة الأولى ونصفها رهن بالخمسمائة الأخرى وقيمة هذا النصف : مائتان وخمسون والرهن مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين فصار ثلث المائتين وخمسين من هذه الخمسمائة مقسوما على نصف قيمتها ، وولدها وهما سواء ، والذي فيها من هذه الخمسمائة ربعها : مائة وخمسة وعشرون ; فلهذا يسقط بهلاكها هذه الخمسمائة ، وبقي نصف ابنها بثلاثة أرباعها ، فأما الخمسمائة الأولى فانقسمت على قيمة الجارية الأولى ، وهي : ألف وعلى قيمة نصف الجارية الثانية ، وهو : مائتان وخمسون ، فإذا جعل كل مائتين وخمسين بينهما انقسم أخماسا : خمس ذلك وهو : مائة ، في نصف الجارية الأخرى ، ثم انقسم ذلك على نصف قيمتها ، ونصف قيمة ولدها نصفين ، فكان الذي فيها من الخمسمائة الأولى : خمسون درهما فيذهب ذلك القدر بهلاكها .
ولو كان على رجل ألف درهم وزن سبعة فرهنه بخمسمائة منها أمة تساوي ثمانمائة رهنا بالمال كله فولدت كل واحدة منهما ابنا قيمته مثل قيمة أمه ثم ماتت الأولى ذهب من الخمسمائة الأولى السدس ; لأن نصف الأمة الثانية زيادة في الرهن بالخمسمائة الأولى ، ونصفها رهن بالخمسمائة الأخرى فالخمسمائة الأولى انقسمت على قيمة الجارية الأولى ، وهو مائتان وعلى نصف قيمة الأخرى وهو أربعمائة فيقسم أثلاثا ثلثها في الجارية الأولى ، وثلثاها في نصف الجارية الأخرى ، ثم انقسم ما في الأولى وهو ثلث الخمسمائة على قيمتها وقيمة ولدها نصفين ، فحاصل ما بقي فيها سدس الخمسمائة ، وذلك ثلاثة وثمانون ، وثلث ، فإذا هلكت هلكت ، ولو لم تمت الأولى ، وماتت الأخرى ذهب من الخمسمائة الأولى ثلثها ومن الخمسمائة الأخرى خمساها ; لأن ثلثي الخمسمائة الأولى كان في نصفها ، وقد انقسم ذلك عليها ، وعلى نصف ولدها نصفين فإنما بقي فيها من تلك الخمسمائة ثلثها فيهلك بذلك وقد كان نصفها مرهونا بالخمسمائة الأخرى إلا أن قيمة نصفها : أربعمائة ، فلا يثبت فيه من الضمان إلا قدر قيمتها ثم نصف ذلك قد تحول [ ص: 17 ] إلى نصف ولدها فإنما بقي فيها من الخمسمائة الأخرى مائتان ، وذلك خمساها ; فلهذا هلك بذلك .
ولو كان رهنه بخمسمائة من الألف أمة تساوي ألفا ، ورهنه بالخمسمائة الباقية عبدا يساوي ألفا ثم زاده أمة رهنا ، فالمال كله يساوي ألفا ثم ولدت كل واحدة من الأمتين أمة تساوي ألفا ثم ماتت الأخرى ذهب سدس المال ; لأنها كانت زيادة في الكل فنصفها مع الأمة رهن بالخمسمائة الأولى ، ونصفها مع العبد رهن بالخمسمائة الأخرى ثم كل خمسمائة تنقسم أثلاثا على نصفها ، وعلى جميع قيمة ما هو مرهون بها خاصة ، وهو ألف فحاصل ما ثبت فيها بالانقسام ثلث الألف ثم انقسم هذا القدر عليها وعلى ولدها نصفين فإنما بقي فيها سدس المال فيهلك بذلك ، وكذلك لو ماتت الأولى ذهبت بسدس المال ; لأن الذي كان فيها ثلثا الخمسمائة الأولى ، وهو ثلث جميع المال ، وقد تحول نصف ذلك إلى أولادها فإنما بقي فيها سدس المال ، وهو أن بالعبد ذهب ثلث الدين ; لأن الذي أصاب العبد بالقسمة ثلثا الخمسمائة الثانية ، وذلك ثلث جميع الدين فبموته يسقط ذلك العدد .
ولو لم يمت العبد فقضى المطلوب الطالب خمسمائة كان له أن يأخذ إن شاء العبد الأول ، وإن شاء الأمة الأولى وابنها ; لأنه هو المالك فيكون له أن يصرف ذلك إلى أي الرهنين شاء فيسترد ذلك ، وليس له أن يقبض الأمة الآخرة ، ولا ولدها حتى يؤدي جميع المال ; لأن الأمة الآخرة رهن بجميع المال فتحبس بكل جزء من أجزاء المال ، وولدها بمنزلتها ، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب ( رحمهما الله ) أنه لو رهن جاريتين بألف درهم فاستحقت إحداهما فعلى قول أبي يوسف ( رحمه الله ) : الأخرى رهن بحصتها من الألف ، وعلى قول زفر ( رحمه الله ) : الأخرى رهن بجميع الألف إن هلكت ، وذلك قيمتها يملكها به ولا يفتكها إلا بجميع المال ، ولو ظهر أن إحداهما مدبرة ، أو أم ولد فالأخرى رهن بجميع المال بالاتفاق ، وإن هلكت هلكت به فزفر ( رحمه الله ) : قاس استحقاق الغير إحداهما باستحقاقها نفسها وأبو يوسف ( رحمه الله ) : فرق بينهما فقال : المستحق محل للرهن بدليل أنه لو رهنها برضا صاحبها جاز فينقسم الدين على قيمتها فإنما صارت الأخرى رهنها بحصتها ، فإذا هلكت هلكت به ، والمدبرة ، وأم الولد ليست بمحل للرهن ، فيكون جميع الدين في الأخرى ، فإذا هلكت ، وفي قيمتها وفاء بذلك صار المرتهن مستوفيا جميع دينه ، والله أعلم بالصواب .
( قال - رحمه الله - ) قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام [ ص: 18 ] أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء : المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض ، وإنما سمي به ; لأن المضارب يستحق الربح بسعيه وعمله فهو شريكه في الربح ، ورأس مال الضرب في الأرض والتصرف . وأهل المدينة يسمون هذا العقد مقارضة وذلك مروي عن عثمان رضي الله عنه فإنه دفع إلى رجل مالا مقارضة ، وهو مشتق من القرض وهو القطع فصاحب المال قطع هذا القدر من المال عن تصرفه وجعل التصرف فيه إلى العامل بهذا العقد فسمي به ، وإنما اخترنا اللفظ الأول ; لأنه موافق لما في كتاب الله تعالى .
قال الله تعالى { : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } يعني السفر للتجارة ، وجواز هذا العقد عرف بالسنة ، والإجماع فمن السنة ما روي : أن { العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان إذا دفع مالا مضاربة شرط على المضارب أن لا يسلك به بحرا ، وأن لا ينزل واديا ، ولا يشتري به ذات كبد رطب ، فإن فعل ذلك ضمن . فبلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فاستحسنه . }
وكان حكيم بن حزام رضي الله عنه إذا دفع مالا مضاربة شرط مثل هذا . وروي : أن عبد الله وعبيد الله ابنا عمر رضي الله عنهم قدما العراق ونزلا على أبي موسى رضي الله عنه فقال لو كان عندي فضل مال لأكرمتكما ولكن عندي مال من مال بيت المال فابتاعا به ، فإذا قدمتما المدينة فادفعاه إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه ، ولكما ربحه ، ففعلا ذلك ، فلما قدما على عمر رضي الله عنه أخبراه بذلك ، فقال : " هذا مال المسلمين فربحه للمسلمين " فسكت عبد الله وقال عبيد الله : " لا سبيل لك إلى هذا فإن المال لو هلك كنت تضمننا . قال بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - : " اجعلهما بمنزلة المضاربين ، لهما نصف الربح وللمسلمين نصفه فاستصوبه عمر رضي الله عنه
وعن القاسم بن محمد : " قال كان لنا مال في يد عائشة رضي الله عنها وكانت تدفعه مضاربة فبارك الله لنا فيه لسعيها . وكان عمر رضي الله عنه يدفع مال اليتيم مضاربة على ما روى محمد - رحمه الله - وبدأ به الكتاب عن حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده : " أن عمر رضي الله عنه أعطاه مال يتيم مضاربة وقال لا أدري كيف كان الشرط بينهما ؟ فعمل به بالعراق وكان بالحجاز ، اليتيم كان يقاسم عمر رضي الله عنه بالربح ، وفيه دليل جواز المضاربة بمال اليتيم ، وأن للإمام ولاية النظر في مال اليتامى ، وأن للمضارب والأب والوصي المسافرة بمال اليتيم في طريق آمن أو مخوف بعد أن كانت القوافل متصلة ، فقد كان عمر رضي الله عنه أعطى زيد بن خليدة رضي الله عنه مالا مضاربة فأسلمه إلى عتريس بن عرقوب [ ص: 19 ] في حيوان معلوم بأثمان معلومة إلى أجل معلوم فحل الأجل فاشتد عليه فأتى عتريس عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه يستعين به عليه فذكر ذلك فقال له عبد الله رضي الله عنه : " خذ رأس مالك ولا تسلمه شيئا مما لنا في الحيوان " . وفيه دليل جواز المضاربة وفساد السلم ، وإنما اشتد على عتريس بن عرقوب ; لفساد العقد أيضا ، فلا يظن به المماطلة في قضاء ما هو مستحق عليه مع قوله : صلى الله عليه وسلم { خيركم أحسنكم قضاء . } { وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بالمضاربة بينهم فأقرهم على ذلك وندبهم أيضا إليه على ما قال صلى الله عليه وسلم : من عال ثلاث بنات فهو أسير فأعينوه يا عباد الله ضاربوه داينوه } ; ولأن بالناس حاجة إلى هذا العقد فصاحب المال قد لا يهتدي إلى التصرف المربح ، والمهتدي إلى التصرف قد لا يكون له مال ، والربح إنما يحصل بهما يعني : المال والتصرف . ففي جواز هذا العقد يحصل مقصودهما .
وجواز عقد الشركة بين اثنين بالمال دليل على جواز هذا العقد ; لأن من جانب كل واحد منهما هناك ما يحصل به الربح ; فينعقد بينهما شركة في الربح ; ولهذا لا يشترط التوقيت في هذا العقد ولكل واحد منهما أن ينفرد بفسخه ; لأن انعقاده بطريق الشركة دون الإجارة .
ولهذا العقد أحكام شتى من عقود مختلفة ، فإنه إذا أسلم رأس المال للمضارب فهو أمين فيه ، كالمودع وإذا تصرف فيه فهو وكيل في ذلك يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال كالوكيل ، فإذا حصل الربح كان شريكه في الربح وإذا فسد العقد كانت إجارة فاسدة حتى يكون للمضارب أجر مثل عمله ، وإذا خالف المضارب كان غاصبا ضامنا للمال ولكن المقصود بهذا العقد الشركة في الربح وكل شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الربح بينهما مع حصوله فهو مبطل للعقد ; لأنه مفوت لموجب العقد ومن ذلك ما رواه عن إبراهيم - رحمه الله - : " أنه كان يكره المضاربة بالنصف أو الثلث وزيادة عشرة دراهم قال أرأيت إن لم يربح إلا تلك العشرة وهو إشارة إلى ما بينا من قطع الشركة في الربح مع حصوله بأن لم يربح إلا تلك العشرة وعن إبراهيم - رحمه الله - في المضاربة الوديعة والدين سواء يتحاصون ذلك في مال الميت وبه نأخذ ، والمراد مضاربة أو وديعة غير معينة فالأمين بالتجهيل يصير ضامنا فهو والدين سواء فأما ما كان معينا معلوما فصاحبه أولى به ; لأن حق الغريم بموت المديون يتعلق بماله إلا بما كان أمانة في يده لغيره
وعن إبراهيم - رحمه الله - قال في الوصي يعطي مال اليتيم مضاربة وإن شاء أبضعه وإن شاء اتجر إلى غير ذلك وكان خيرا لليتيم فعله لقوله تعالى { : قل إصلاح لهم خير } وقال الله تعالى { : ولا تقربوا [ ص: 20 ] مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } والأحسن والأصلح في حقه أن يتجر بماله قال - صلى الله عليه وسلم - { : ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكلها الصدقة } يعني : النفقة فإن احتسب بالتصرف فيه ، أو وجد أمينا يحتسب ذلك .
والأنفع لليتيم أن يدفعه إليه بضاعة وإن لم يجز ذلك وربما لا يرغب في أن يتصرف فيه مجانا فلا بأس يتصرف فيه على وجه المضاربة وهو أنفع لليتيم لما يحصل له من بعض الربح وبما لا يتفرغ الوصي لذلك فيحتاج إلى أن يدفعه مضاربة إلى غيره وإذا جاز منه هذا التصرف مع نفسه فمع غيره أولى وذكر عن علي رضي الله عنه قال : " ليس على من قاسم الربح ضمان " وتفسيره أنه المواضعة على المال في المضاربة والشركة وهو مروي عن علي قال : " المواضعة على المال والربح على ما اشترطا عليه " وبه أخذنا فقلنا : " رأس المال أمانة في يد المضارب لأنه قبضه بإذنه ليتصرف فيه له وعن علي رضي الله عنه أنه كان يعطي مال اليتيم مضاربة " ، ويقول { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن : الغلام حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يصح ، وعن النائم حتى يستيقظ } وفيه دليل أن ولاية النظر في مال اليتيم للقاضي إذا لم يكن له وصي لعجز اليتيم عن النظر لنفسه وإليه أشار علي رضي الله عنه فيما استدل به من الحديث
، وعن الشعبي - رحمه الله - أنه سئل عن رجل أخذ مالا مضاربة أنفق في مضاربته خمسمائة ثم ربح قال يتم رأس المال من الربح وبه أخذنا فقلنا للمضارب أن ينفق من مال المضاربة إذا سافر به ; لأن سفره كان لأجل العمل في مال المضاربة فيستوجب النفقة فيه كالمرأة تستوجب النفقة على زوجها إذا زفت إليه ; لأنها فرغت نفسها له ، فقلنا : الربح لا يظهر ما لم يسلم جميع رأس المال لربه ; لأن الربح اسم للفضل فما لم يحصل ما هو الأصل لرب المال لا يظهر الفضل قال - صلى الله عليه وسلم - { : مثل المؤمن كمثل التاجر لا تخلص له نوافله ما لم تخلص له فرائضه } فالتاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله وعن الشعبي - رحمه الله - أنه سئل عن رجل دفع إلى رجل أربعة آلاف درهم مضاربة فخرج بها إلى خراسان وأشهد عند خروجه أن هذا المال مال صاحب الأربعة الآلاف ليس لأحد فيها حق ثم أقبل فتوفي في الطريق فأشهد عند موته أيضا بذلك ، ثم إن رجلا جاء بصك فيه ألف مثقال مضاربة مع هذا الرجل له بها بينة وهي قبل الأربعة الآلاف بأحد وعشرين سنة فقال عامر - رحمه الله - أشهد في حياته وعند موته أن المال لصاحب الأربعة الآلاف وبه نأخذ فإن حق الآخر صار دينا في ذمته بتجهيله عند موته وقد بينا أن حق الغريم يتعلق بشركة الميت لا بما في يده من الأمانة [ ص: 21 ] وإنما أفتى الشعبي - رحمه الله - بهذا لإقراره بالعين لصاحب الأربعة الآلاف في حال صحته لا لإقراره عند موته فإقرار المريض بالدين أو العين لا يكون صحيحا في حق من ثبت دينه بالبينة لكونه متهما في ذلك وإقراره في الصحة بذلك مقبول ; لأنه غير متهم فيه
وعن الحسن - رحمه الله - أنه كان يكره المضاربة والشركة بالعروض وبه نأخذ وقد بيناه في كتاب الشركة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تكون المضاربة إلا بالدراهم والدنانير وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - وقال محمد رحمه الله : " أستحسن أن تكون المضاربة بالفلوس كما تكون بالدراهم والدنانير ; لأنها ثمن مثل الدراهم والدنانير " والحاصل أن في المضاربة بالفلوس عن محمد - رحمه الله - رواية واحدة أنها تجوز ; لأنها ما دامت رائجة فهي ثمن لا يتعين في العقد مقابلتها بجنسها وبخلاف جنسها عند محمد - رحمه الله - فالعقد بها يكون بثمن في الذمة لا بيعا فيكون الربح للمضارب على ضمان الثمن فهو والمضاربة بالدراهم سواء وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن المضاربة بالفلوس جائزة ; لأنها ثمن لا يتعين عند المقابلة بخلاف جنسها وهكذا ذكره ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله وفي الأصل روي عنهما أن المضاربة بالفلوس لا تجوز ; لأنها إذا كسدت فهي كالعروض فهي ثمن من وجه مبيع من وجه وهي ثمن لبعض الأشياء في عادة التجار دون البعض فكانت كالمكيل والموزون فإنها ثمن دينا ومبيع عينها فلا تصح المضاربة بها ، وهذا الاستدلال مروي عن أبي يوسف - رحمه الله - فإنه سئل عن المضاربة بالدراهم التجارية فقال : " لو جوزت ذلك جازت المضاربة بالطعام بمكة " يعني أن أهل مكة يتبايعون بالطعام كما أن أهل بخارى يتبايعون بالبر بعينه .
قال الشيخ الإمام الأجل - رحمه الله - : " وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول : الصحيح جواز المضاربة بها عندي ; لأنها من أعز النقود عندنا كالدنانير في سائر البلدان " .
وظاهر ما ذكر هنا يدل على أن المضاربة بالتبر لا تجوز ، والدراهم والدنانير اسم للمضروب دون التبر ، وذكر في غير هذا الموضع أن التبر لا يتعين بالتعيين ولا يبطل العقد بهلاكه فذلك دليل جواز المضاربة به ، والحاصل أن ذلك يختلف باختلاف البلدان في الرواج ففي كل موضع يروج التبر رواج الأثمان وتجوز المضاربة به وفي كل موضع هو بمنزلة السلع لا تجوز المضاربة به كالمكيل والموزون
وإذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان ، أو قال : ما كان في ذلك من ربح ، أو قال ما رزقك الله في ذلك من ربح ، أو ما ربحت في ذلك من شيء فهو كله سواء ; لأن الحكم يبنى على ما هو المقصود ولا ينظر إلى اختلاف العبارة [ ص: 22 ] بعد اتحاد المقصود .
والمقصود بهذه الألفاظ اشتراط التناصف في الربح وكذلك لو شرط للمضارب عشر الربح والباقي لرب المال فهو جائز ; لأن المشروط للمضارب جزء شائع معلوم وهذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة بينهما في الربح مع حصوله فما من شيء يحصل من الربح قل أو كثر إلا وله عشر ويستوي إن كانت الألف المدفوعة جيدة أو زيوفا أو نبهرجة ; لأن الفضة تغلب على العشر في هذه الأنواع فهو في حكم الدراهم المضروبة من النقرة فيها

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|