عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 23-12-2025, 12:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 2الى صـــ 11
(443)






[ ص: 2 ] قال رحمه الله ) : وإذا كان العبد رهنا بألف ، وقيمته ألف فغصبه رجل فقتل عنده قتلا خطأ ، ثم رده ، فدفعه بالجناية فإنه يرجع على الغاصب بقيمته ; لأن المرتهن له يد صحيحة على الرهن وقد أزالها عنه الغاصب ، فكان ضامنا له ما لم ينتسخ فعله بالرد ، كما قبض ، ولم يرده هنا ، كما قبضه ; لأنه قبضه فارغا عن الجناية ، ورده مشغولا بها واستحق بذلك الشغل حين دفع بالجناية ، فكأنه لم يرده أصلا ولو هلك عنده قبل الرد كان للمرتهن أن يرجع عليه بقيمته ، فيكون رهنا مكانه ، فإن فداه المرتهن كانت القيمة التي يأخذ من الغاصب له مكان الفداء ; لأن ما لحق من الغرم إنما لحقه بالجناية عند الغاصب ، وما كان يتوصل إلى إحياء حقه إلا بالفداء ، فكان له أن يرجع على الغاصب بالأقل من القيمة ومما فداه به ; لأن الذي يتيقن باستحقاقه عليه الأقل منهما ويكون ذلك له مكان الفداء ; لأن الغرم مقابل بالغنم .

ولو كان الرهن يساوي ألفين ففداه الراهن والمرتهن كانت القيمة التي يأخذونها من الغاصب بينهما نصفين ; لأن غرم الفداء كان بينهما نصفين ، وإنما يرجعان بالقيمة باعتبار ما غرما فتكون القيمة بينهما نصفين ، ولو لم يجن عند الغاصب ، ولكنه أفسد متاعا لحقه من دين ، وقيمته ألف رده ، فإنه يباع في الدين ، إلا أن يصلحه المرتهن بقضاء الدين ، فإذا بيع بدئ بحق صاحب الدين ; لأن حقه مقدم على حق المرتهن ، فإن بقي شيء بعد الدين كان في الرهن ويضمن الغاصب ما دفعوا في الدين من عنده ; لأن ذلك القدر استحق بسبب كان من العبد في ضمان الغاصب ، فيرجعون به عليه لأن الرد لم يسلم فيه ثم يكون رهنا مع ما بقي من الثمن ولا ينقص من الرهن شيء ; لأن ما فات من ماليته ، قد أخلف بدلا وهو المستوفى من الغاصب ، فيبقى جميع الدين ببقاء الخلف .

ولو كان حين قتل قتيلا في يد الغاصب رده إلى المرتهن فمات عنده بطلت الجناية ; لأن حق ولي الجناية في تملك نفسه بالدفع إليه ، وقد فات محل حقه حين مات ثم يسقط الدين بموته في يد المرتهن ; لأنه عاد إلى يده ، كما كان مضمونا بالدين [ ص: 3 ] إذا هلك ولا شيء على الغاصب ; لأن الرد قد سلم حين لم يؤخذ منه شيء بالجناية التي كانت عند الغاصب ، وكذلك لو كان الدم عمدا فيه قصاص فعفى ولي الدم أو عفى ولي جناية الخطأ ، أو أبرأ صاحب المال في الاستهلاك ، فلا شيء على الغاصب في هذه الفصول ; لأنه لم يوجد شيء من العبد بسبب الفعل الذي كان منه في يد قيم رده ، وانتسخ به حكم فعله .

ولو قتل عند الغاصب قتيلا خطأ ، ثم قتل قتيلا عمدا ، ثم أفسد متاعا مثل قيمته ، ثم رده عليهم فاختاروا دفعه فإنه يدفع بالخطأ ، ثم يقتله أصحاب العمد ، كما لو كانت هذه الجناية من العبد في يد المالك ، وهذا لو نوى القود ، وإن جنى ولي الخطأ ، ولو نوى بالدفع ما يفوت حق ولي العمد في القصاص ، ولا فائدة في البدلية في البيع بالدين ; لأنه يفوت به حق ولي الخطأ ، وإذا استوفى القصاص بطل البيع ; فلهذا يبدأ بالدفع في الخطأ ، ثم يقتله أصحاب العمد قصاصا ، ويكون على الغاصب القيمة ، ويدفع إلى أولياء الخطأ ; لأن حقهم ثبت في عبد فارغ ولم يسلم لهم ذلك فإنه دفع إليهم عبدا مباح الدم بالقصاص ، والقيمة بدل عنه فثبت حقهم في البدل بثبوت حقهم في الأصل فإذا رفعت إلى أولياء الخطأ أخذها الغرماء ، ثم يرجع المرتهن على الغاصب بقيمة أخرى ; لأن تلك القيمة استحقت بسبب كان من العبد في ضمانه فيأخذ منه هذه القيمة أصحاب الخطأ أيضا ; لأن القيمة الأولى لم تسلم لهم ، فإنها استحقت من يدهم لحق الغرماء ، فيدفع إليهم القيمة الثانية للذي استحقت من يده الجناية التي كانت عند الغاصب ، فيرجع عليه بقيمة أخرى حتى يكون في يد المرتهن قيمة لا تبعة فيها قائمة مقام عبد لم يكن فيه تبعة حين أخذه الغاصب .

ولو بدأ بالدين ثم ثنى بالعمد ثم ثلث بالخطأ ، فاختاروا الدفع ، فإنه يدفع بالخطأ ، ثم يقتل قصاصا لما قلنا ثم يكون على الغاصب قيمته للمرتهن ، ولا سبيل لأولياء الخطأ على هذه القيمة ; لأن حقهم ما ثبت إلا في عبد مشغول ، فإنه حين جنى على وليهم كان مشغولا بالدم مباحا بالقصاص ، وقد دفع إليهم بهذه الصفقة فليس لهم أن يرجعوا بشيء آخر ، ولكن هذه القيمة يأخذها الغرماء ; لأنها بدل عن العبد وحقهم كان ثابتا في ماليته فثبت في بدله أيضا ، فإذا أخذها الغرماء رجع المرتهن على الغاصب بقيمة أخرى ، فيكون رهنا مكان العبد ; لأن القيمة الأولى استحقها الغرماء بسبب ما في العبد من ضمان الغاصب .

ولو كان الرهن أمة فغصبها رجل فولدت عنده ولدا وجنى الولد جناية ثم ردهما جميعا ، فإن ولدها يدفع أو يفدى ، ولا شيء على الغاصب من ذلك ; لأن الولد ما كان في ضمان الغاصب ، فإنه لم يغصب الولد ، حتى لو مات في يده لم يكن عليه شيء ، فكذلك [ ص: 4 ] إذا استحق بجناية كانت عنده ، وهذا لأن المستحق على الغاصب نسخ فعله بالرد ولم يوجد منه فعل في الولد يستحق عليه ، نسخ ذلك بالرد .
ولو كان الرهن عبدا يساوي أكثر من عشرة آلاف وهو رهن بمثل قيمته فغصبه رجل فقتل عنده قتيلا ففداه المرتهن رجع على الغاصب بعشرة آلاف إلا عشرة دراهم ; لأن رجوع الغاصب بسبب الجناية التي كانت من العبد في ضمانه ، فإن الرد إنما لم يسلم لكونه مشغولا بالجناية ، وقيمة العبد بسبب الجناية لا يزيد على عشرة آلاف إلا عشرة .

( ألا ترى ) : أن قيمته بسبب الجناية عليه لا تزيد على هذه ، فكذلك قيمته بسبب الجناية منه ، وهو نظير المكاتب إذا كان كثير القيمة فجنى جناية لم يلزمه أكثر من عشرة آلاف إلا عشرة بمنزلة ما لو جنى عليه .

ولو كانت قيمته عشرين ألفا ، أو أكثر ، وهو رهن بمثله فقتل قتيلين عند الغاصب ، ففداه المرتهن بعشرين ألفا لم يرجع على الغاصب بأكثر من عشرة آلاف إلا عشرة ; لأن الرجوع عليه بسبب الجناية وقيمته في الجناية لا تزيد على هذا المقدار ، كما لو لم يغصبه الغاصب من يد المرتهن ، ولكنه قتله لم يلزمه أكثر من عشرة آلاف إلا عشرة ، ولو لم يفدوه ولكنهم دفعوه رجع على الغاصب أيضا بعشرة آلاف إلا عشرة فيدفع نصفها إلى ولي الجناية الأول ; لأن حقه ثبت في جميع العبد فارغا ولم يسلم له إلا النصف فيكون له أن يرجع بنصف القيمة التي قامت مقامه حتى يسلم له كمال حقه ، ولم يرجع المرتهن بذلك على الغاصب ; لأن هذا المقدار استحق من يده بالجناية التي كانت عند الغاصب فتكون هذه العشرة آلاف إلا عشرة ذهبا بمثلها من الدين إن كان الدين حالا يأخذها المرتهن قضاء من دينه ، وإن كان مؤجلا يكون رهنا في يده ; لأن حق الراهن في الأجل مرعى ، ويبطل الفضل لما بينا أن : الدراهم لا تكون مضمونة إلا بمثلها ولا يتصور أن يستوفى منها أكثر من قدرها من الدين فيبطل الفضل عن الراهن لفوات زيادة المالية في ضمان المرتهن .

ولو لم يقتله حر ، ولكن قتله عبد قيمته مائة في يد المرتهن كان رهنا بجميع الدين وقد تقدم بيان الخلاف على هذا الفصل ولو لم يقتل ، ولم يغصب ، ولكن المرتهن باعه بعشرين ألفا ، وكان مسلطا على بيعه فتوى الثمن ذهب من مال المرتهن ; لأن حكم الرهن يتحول إلى الثمن ، فهلاكه كهلاك العبد في يد المرتهن وكذلك لو باعه العدل ولو كان باعه بأقل من الدين رجع بباقي الدين على الراهن ; لأن المرتهن في هذا البيع نائب عن الراهن ، فيكون بيعه ، كبيع الراهن ، وذلك بمنزلة الفكاك ، ثم يتحول ضمان الدين إلى الثمن بقدر الثمن فما زاد على ذلك يبقى في ذمة الراهن [ ص: 5 ] بخلاف القتل ، فإنه يقتل وهو مرهون ، فيسقط من الدين مقدار مالية القيمة الواجبة ; ولهذا قال أبو يوسف ( رحمه الله ) في ( الأمالي ) : إنه إذا باعه المرتهن ، أو العدل ، فالثمن لا يكون رهنا إلا أن يكون شرط ذلك عند البيع ، أو عند الرهن وجعل البيع في إبطال حق المرتهن عن العين هنا نظير بيع العبد المؤاجر برضا المستأجر ، فإنه يكون مبطلا لحق المستأجر ، ولكن في ظاهر الرواية في البيع هنا تحقيق مقصود المرتهن ; لأن مقصود المرتهن استيفاء الدين من ماليته ، وذلك حال قيامه بالبيع يكون ، والثمن صالح لحقه ، كما كان الأصل صالحا ، فلهذا كان الثمن مرهونا ، فأما في بيع المؤاجر فإبطال مقصود المستأجر ; لأن مقصوده الانتفاع بالعين ، والثمن غير صالح لذلك ، فيبطل عقد الإجارة إذا كان البيع برضاه .

ولو كان العبد رهنا بألف وقيمته ألف فرخص السعر حتى صار يساوي مائة وحل المال فقتله حر غرم مائة ، ولم يكن للمرتهن غيرها لما بينا ، وكذلك لو قتله الراهن ، أو المرتهن ; لأنه فيما يلزم كل واحد منهما بالقتل لا يكون أشقى من الأجنبي ، فلا يلزمه قيمته إلا وقت القتل وإنغصبه الراهن ، وقيمته ألف فجنى عنده جناية ثم رده على المرتهن ففداه فإنه يرجع بالأقل من قيمته ، ومن الفداء على الراهن ، كما لو كان الغاصب أجنبيا آخر ، وهذا ; لأن الراهن بعقد الرهن صار من ماليته كأجنبي ، فغصبه إياه يوجب عليه ما يوجب على الأجنبي ، ولو كان استعاره الراهن فقتل عنده قتيلا فدفعه الراهن والمرتهن كان الدين على الراهن ، ولا يضمن قيمة الرهن ; لأنه قبضه على وجه العارية ولا يكون هو فيه دون أجنبي آخر ، فتكون العين أمانة في يده ، ولكنه خرج عن ضمان الرهن ما دام في يد الراهن ; لأن ضمان الرهن ضمان استيفاء ، ولا يتحقق ذلك إلا حال ثبوت يد استيفاء المرتهن على الرهن حقيقة وحكما ولا بدل له حال كونه عارية في يد المرتهن ; فلهذا لا يسقط شيء من الدين بهلاكه ، وكذلك لو استعاره رجل بإذن الراهن ولو استعاره بغير إذن الراهن فجنى عنده فدفع بالجناية كان الراهن بالخيار : إن شاء ضمن المرتهن قيمته ، وإن شاء ضمن المستعير قيمته ; لأن كل واحد منهما جان في حق صاحبه والمرتهن بالتسليم ، والمستعير بالقبض ، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء ; لأن المستعير إن ضمن فإنما ضمن بقبضه لنفسه ، والمرتهن إن ضمن فقد ملكه بالضمان ، وتبين أنه أعار ملك نفسه ، ثم تكون القيمة رهنا مكانه ; لأنها قائمة مقامه ، ولو كان الراهن أعاره بغير إذن المرتهن فللمرتهن أن يضمن القيمة إن شاء المستعير ، وإن شاء الراهن ; لأن كل واحد منهما جان في حقه ، وحقه في الرهن مقدم على حق الراهن .
وإذا كان العبد قيمته ألف درهم رهنا بألف فغصبه [ ص: 6 ] رجل فجنى عنده جناية ، واكتسب عنده ألف درهم ، ثم رده ، ورد المال ، ودفع العبد بالجناية ، فإنه يرجع عليه بقيمة العبد ، والألف التي اكتسب العبد ، أو وهب له المولى العبد ، لا حق للمرتهن فيها ; لأنها غير متولدة من العين فوجود هذا في حق المرتهن كعدمه ، وقد بينا : أنه حين دفع بالجناية ، فالرد لم يصح ، فيرجع المرتهن عليه بقيمته ، ويكون رهنا في يده .
ولو كان الغاصب عبدا فجنى العبد - الرهن - عنده جناية تستغرق قيمته ، فذلك في عنق الغاصب يباع فيه أو يفدى ; لأن الضمان على الغاصب بسبب الغصب ، وضمان الغصب بمنزلة ضمان الاستهلاك فالمستحق به ماليته ، فيبع فيه أو يفدى بخلاف جناية العبد ، فالمستحق بالجناية نفسه إلا أن يفديه المولى ( ألا ترى ) : أن الغاصب لو كان حرا كانت القيمة في ماله حالة ، ولو كان سببها الجناية ، لكانت عليه في ثلاث سنين .

ولو كان العبد الغاصب يساوي : عشرين ألفا والعبد المغصوب يساوي : عشرين ألفا فقتل عنده قتيلين فدفع بهما لم يكن في عتق العبد الغاصب إلا عشرة آلاف غير عشرة دراهم يباع فيها أو يفدى لما بينا : أن الغاصب قد رد المغصوب إلا أن الرد لم يسلم لكونه مشغولا بالجناية ، فيكون الرجوع على الغاصب ; لأجل شغل الجناية ، وقيمة العبد في الجناية لا تزيد على هذا المقدار في حق العبد والحر جميعا ، إلا أن هذا المقدار واجب على الغاصب بسبب غصبه ، فيباع فيه أو يفدى فصار الحاصل : أن وجوب هذا الضمان على الغاصب باعتبار السببين جميعا فإنه لولا غصبه ما ضمن شيئا بسبب جنايته ولولا جناية المغصوب عنده لكان رده تاما فلا يرجع عليه بشيء بعد ذلك فإنما الرجوع عليه باعتبار الأمرين جميعا فلاعتبار الجناية لا يرجع عليه بأكثر من عشرة آلاف إلا عشرة ولاعتبار غصبه يباع فيه أو يفدى ، وفي حق من يرجع ، السبب هو : الاستحقاق من يده بالجناية فلا يرجع إلا بعشرة آلاف إلا عشرة ، وفي حق من يرجع عليه ، وهو الغاصب ; لسبب غصبه ، فيباع فيه .
ولو ارتهن عبدا يساوي ألفا فغصبه رجل فقتل عنده قتيلا خطأ ، ثم رده فغصبه آخر فقتل عنده قتيلا خطأ ثم رده فغصبه آخر فقتل عنده قتيلا خطأ ، ثم رده واختاروا دفعه فإنه يكون بين أصحاب الجنايات أثلاثا سواء ، حق أولياء الجنايات في رقبته بالاستواء في سبب الاستحقاق فإن كل واحد منهم لو انفرد كان مستحقا جميع نفسه بالجناية ، ولم يضمن الغاصب الأول ثلث قيمته ; لأن المدفوع إلى ولي الجناية الأولى استحق بسبب كان عند الأول ; فلهذا يضمن الغاصب الأول ثلث قيمته ، فيدفعها المولى ، والمرتهن إلى ولي القتيل الأول ثم يرجع على الغاصب الأول [ ص: 7 ] أيضا بمثله فيدفعه إلى ولي القتيل الأول ; لأن حقه ثبت في العبد فارغا وما سلم له إلا ثلثه ، فيرجع في بدله مرتين حتى يسلم له ثلثي القيمة ، وثلث العبد فارغ لم يرجع على الغاصب الأول بمثله ، فيكون رهنا في يده ويرجع على الغاصب الثاني بثلث قيمته ، فيدفع نصف ذلك إلى ولي القتيل الثاني ; لأنه حين جنى على وليه كان مشغولا بالجناية فإنما يثبت حق ولي الثاني في نصفه ، وقد سلم له الثلث ، فيرجع إلى تمام حقه ، وذلك نصف الثلث حتى يسلم له النصف ، ثم يرجع المرتهن على الغاصب الثاني بذلك فيجعل في يده ثلث القيمة مع ثلث الأول مرهونا ويكون على الثالث ثلث قيمته ، ولا يدفع إلى ولي القتيل الثالث ; لأنه حين جنى عليه كان مشغولا بجنايتين فإنما يثبت حقه في ثلث العبد وقد سلم له ثلثه ، فيجتمع في يد المرتهن قيمة كاملة ويكون رهنا مكان العبد .

وهذا التخريج إنما يستقيم على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) فأما عند محمد وزفر ( رحمهما الله ) : فيستوفى من الغاصب الأول من ثلث القيمة ولا يدفع شيء منه إلى ولي الجناية الأولى ; لأن رجوعه ببدل ما دفعه إلى ولي الجناية الأولى ، فكيف يجتمع البدل والمبدل في ملكه ؟ وبيان هذا الفصل : يأتي في ( كتاب الديات ) إن شاء الله تعالى ، وكذلك إن كان الغاصب واحدا ، فغصب ثم رد أو كان جنى هذه الجنايات في يده قبل أن يرد ، فالتخريج مثل ذلك أنه يغرم قيمته ، فيأخذ ولي القتيل الأول : ثلثها ، والثاني : سدسها ، ثم يرجع بذلك كله على الغاصب ، فيكون رهنا ; لأن المعنى في الكل واحد ، وفائدة وضعه في ثلثه من الغاصبين : إيضاح الكلام .

وإذا ارتهن أمة تساوي خمسة آلاف بألف فغصبها رجل فجنت عنده جناية دون الخمس ثم ردها فاختاروا فداءها فعلى المرتهن خمس الفداء وعلى الراهن : أربعة أخماسه ; لأن خمسها مضمون بالدين ، والفداء بقدره على المرتهن وأربعة أخماسها أمانة والفداء بقدر ذلك على الراهن ولم يرجعوا بذلك على الغاصب إن كانت الجناية أقل من خمسة آلاف وإن كانت الجناية خمسة آلاف أو أكثر رجعوا على الغاصب بخمسة آلاف إلا عشرة بسبب الجناية التي كانت منها عند الغاصب ، وقيمة الأمة بسبب الجناية فلا يزيد على خمسة آلاف إلا عشرة في الروايات الظاهرة .
وإذا غصب رجل العبد المرهون فاستهلك عنده متاعا فعليه قيمة ذلك المتاع دينا في عنقه بالغا ما بلغ ، كما لو استهلك عند المالك أو المرتهن ، فإذا رده فالغريم بالخيار إن شاء استسعاه ، وإن شاء بيع له في ذلك ; لأن لوصوله إلى حقه محلين إما ماليته فيوفيه بالبيع ، أو الكسب بالاستسعاء وله في أحد الجانبين منفعة التعجيل يعني في البيع وفي الجانب الآخر منفعة توفير [ ص: 8 ] حقه عليه فيختار أي ذلك صنع به يضمن الغاصب الأقل من قيمته ، ومن الدين ; لأن استحقاق ذلك بسبب كان باشره الغاصب إلا أن تمام الاستحقاق في مقدار الأول ، فإن الدين إن كان أقل فليس عليه إلا ذلك ; لأن الرد إنما لم يسلم لشغل الدين ، وإن كانت قيمته أقل ، فالغاصب ما صار ضامنا إلا مقدار قيمته ، ولا يكون هذا على ما لو فات في يده ، فإن استسعى العبد في الدين ، ولو ألفا فأداه ، وأخذوا من الغاصب قيمته أيضا كانت هذه القيمة للمولى ; لأنه قام مقام كسبه الذي أخذه الغرماء وقد بينا : أن حق المرتهن في الكسب فكذلك فيما قام مقام الكسب ، والعبد رهن على حاله .

ولو بيع العبد في الدين ، فاستوفى الغريم حقه رجعوا على الغاصب بالقيمة وكانت رهنا ; لأن ما يغرمه الغاصب هنا بدل مالية العبد المدفوع إلى الغريم ، وحق المرتهن كان ثابتا فيه فإن باعوه بثلاثة آلاف ، وقيمته ألفان والدين ألف ، والرهن الأول ألف قضوا للغرماء ألفا ، وضمنوا للغاصب ثلث قيمته ، فتكون هذه الألفان ، وثلث القيمة رهنا بالمال لا ينقص منه شيء ; لأن قيمته ألفان وقد بقي مثل ذلك فعرفنا أنه لم يستقض شيئا من المالية التي هي أصل في ضمان المرتهن وإنما ضمن الغاصب ثلث قيمته ; لأن المستحق بالسبب الذي كان عنده ثلث بدل العبد ، ولو استحق جميع البدل ما كان يرجع عليه إلا بقيمته ، فكذلك إذا استحق ثلث بدله ، فإنما يرجع عليه بثلث القيمة ، ولو كانوا باعوه بألفين فقضوا غريم العبد ألفين رجعوا على الغاصب بنصف القيمة ; لأن المستحق بالسبب الذي كان عنده نصف بدله وكانت هاتان الألفان رهنا بالمال مكانه ; لأنه لم يفت شيء من مالية الرهن الذي كان موجودا عند قبض المرتهن ، ولو ترى ما على الغاصب كانت هذه الألف التي بقيت رهنا بنصف الدين ; لأن نصف المالية تلف في ضمان المرتهن ، فإن بغصب الغاصب لا يخرج العبد من ضمان المرتهن في حق الراهن .

ولو كان العبد رهنا بألف على يدي عدل ، وقيمته ألف فباعه العدل بألفين ، وكان مسلطا على البيع فتوت إحداهما ، وخرجت الأخرى استوفاها المرتهن ; لأن الألف الأخرى زيادة ، وقد بينا : أن ما توى كان من الزيادة لا من الأصل ، ولو كانت قيمته ألفي درهم عند المرتهن ، والمسألة بحالها ، فنصف هذه الألف التي خرجت للمرتهن ونصفها للراهن لما بينا أن نصف المالية مشغول بحق المرتهن ، ونصفها بحق الراهن فما خرج من البدل يكون نصفين وما توى عليهما نصفان ، ولو باعه بثلاثة آلاف ، فخرجت الألف ، وتوى ألفان كان ما يخرج بينهما نصفين ; لأن الألف الثالثة زيادة فيجعل التاوي بينهما ، وإنما يعتبر ما كان أصلا وهو [ ص: 9 ] ألفان فكان هذه ، وما لو بيع العبد بألفين سواء ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا كان العبد رهنا بألف وقيمته : ألف ثم غصبه رجل فحفر عنده بئرا في الطريق ووضع في الطريق حجرا ثم رده الغاصب على المرتهن فافتكه الراهن بقضاء الدين ثم وقع في البئر إنسان ، فمات قيل للراهن ادفع عبدك أو افده بالدية ; لأن العبد صار جانيا على الواقع بالحفر السابق عند وقوعه في البئر ، فإنه بالحفر متسبب لإتلافه بإزالة ما به كان يستمسك على الأرض ، وهو متعد في هذا التسبيب ، وحين صنع هذا كان ملكا للراهن وهو على ملكه عند الوقوع أيضا ، فيخاطب بالدفع أو الفداء ، كما لو قتله بيده ، وأي ذلك فعل يرجع على الغاصب بقيمته ; لأن فعل الرد لم يسلم ، وتبين أنه كان قاصرا حين استحق بسبب فعل كان باشره عنده ، وقيل : بل المرتهن هو الذي يرجع على الغاصب بقيمته فيدفعه إلى الراهن ; لأن الغاصب فوت يد المرهون بغصبه ، ولكن الأول أصح ، فإن حق المرتهن في اليد ما لم يصل إليه دينه وقد وصل إليه حقه فإنما المعتبر الآن حق المالك ، فهو الذي يرجع على الغاصب بالقيمة فإن كان الغاصب مفلسا أو غائبا رجع الراهن على المرتهن بالذي قضاه إذا كان الرهن والدين سواء حتى يكون الفداء من مال المرتهن ; لأنه حين حفر كان في ضمان المرتهن فيما بينه ، وبين الراهن .

( ألا ترى ) : أنه لو هلك في يد الغاصب ، وتوت عليه القيمة سقط دين المرتهن ، وقد تبين أن بالفكاك لم يسلم للراهن حين استحق من يده بسبب كان قبل الفكاك ، فيجعل كالهالك في يد المرتهن بعد استيفاء الدين وفي هذا ما يلزمه رد المستوفى ; لأنه تبين أنه بالفكاك في يده صار مستوفيا دينه فإن عطب بالحفر آخر فمات وقد دفع العبد إلى صاحب البئر فإنه يقال لصاحب البئر : ادفع نصفه أو افده بعشرة آلاف درهم ; لأن الجنايتين قد حصلتا في ملك رجل واحد ، وهما من جنس واحد ، فيكون حق كل واحد منهما في نصف العبد إلا أن صاحب البئر قد ملك جميع العبد حين دفع إليه فقام هو في نصيب صاحب الحفر مقام المولى ، فيخير بين أن يدفع إليه نصفه أو يفديه بعشرة آلاف ، ولا يتبع المرتهن ولا المولى من ذلك بشيء سوى الذي تبعهم أول مرة ; لأن جنايات العبد ، وإن كثرت لا توجب على المولى إلا دفع العبد ، وقد دفع العبد ، والذي عطب بالحفر مثل آخر لو وقع في [ ص: 10 ] البئر ; لأن الموجب واحد في الموضعين .

وإذا حفر العبد بئرا في الطريق ، وهو رهن بألف وقيمته ألف فوقع فيها عبد فذهبت عيناه فإنه يدفع العبد - الرهن - أو يفديه بمنزلة ما لو فقأ عيني العبد بيده ، والفداء كله على المرتهن ; لأن العبد كله مضمون بالدين ، فإن فداه ، فهو رهن على حاله ، وأخذ المرتهن العبد الأعمى ، فكان له مكان ما أدى من الفداء وإن دفع العبد - الرهن - وأخذ الأعمى كان رهنا مكانه بالألف ; لأنه قائم مقامه في حكم الرهن وإن وقع في البئر آخر اشتركوا في العبد الحافر بحصة ذلك أو يفديه مولاه الذي عنده بالألف ; لأن الجنايتين استندتا إلى سبب واحد ، فكأنهما وجدتا معا فيكون حق الوليين في العبد ولا يلحق الأعمى من ذلك شيء ; لأنه قائم مقام الجاني في حكم الرهن لا في حكم الجناية ، فإنه بالدفع خرج من حكم الرهن وتقرر حكم الجناية فيه فلهذا لا يلحق الأعمى من جنايته وإن وقعت في البئر دابة وعطبت أخذ عنها العبد في يدي أصحابه حتى يباع له في ذلك بمنزلة ما لو كانت الجنايتان من العبد بيده ، فإن قتل إنسانا وأتلف مال آخر فهناك يدفع بالجناية أولا ، ثم يباع بالدين إلا أن يقضي ولي الجناية الدين .

وهذا ; لأنه لا مجانسة في موجب الفعلين هنا فالمستحق بالجناية نفسه ، والمستحق بالاستهلاك بيعه في الدين ، فلا تثبت المشاركة بينهما ، ولكن إيفاء الحقين ممكن بأن يدفع بالجناية ثم يباع في الدين فلا يلحق الأعمى شيء من ذلك لما قلنا .

فإن بيع العبد في ثمن الدابة ثم وقع في البئر آخر فمات لم يكن له أرش ، ودمه هدر ; لأن الملك الذي كان فيه حين حفر قد فات وتجدد للمشتري ملك بسبب مبتدأ فلا يستحق عليه هذا الملك بسبب ذلك الفعل ، وذلك الملك الذي كان قد فات ، فكأنه مات أو قتل عمدا بخلاف ما قبل البيع في الدين فإن ملك المدفوع إليه بالجناية خلف عن ملك المولى فيبقى حكم ذلك الفعل حتى إذا وقع فيه آخر شارك المدفوع إليه في رقبته فإن وقعت في البئر دابة أخرى شركوا أصحاب الدابة الأولى في الثمن بقدر قيمتها ; لأن إتلاف الدابتين من العبد أسند إلى سبب واحد وبينهما مجانسة في الموجب فكان حقها في الثمن وهو قائم في يد من حفر بئرا في الطريق ، وهو رهن بألف وقيمتها ألفان ثم جنى بعد الحفر على عبد ففقأ عينه فدفع واحد العبد ، فهو رهن مكانه ، فإن وقع في البئر عبد آخر فذهبت عيناه قيل لمولاه الذي هو عنده : ادفع نصفه وخذ هذا العبد الأعمى أو افده بقيمة الأعمى لما بينا : أن ملكه في العبد المدفوع خلف عن ملك المولى ، فيبقى فعله باعتباره وموجب الجنايتين واحد فثبتت المشاركة بينهما ويكون حق مولى العبد الواقع في البئر في نصف العبد المدفوع إلا أنه [ ص: 11 ] الآن في ملك المدفوع إليه ، فيقوم هو في ثبوت الخيار له مقام المولى إن شاء دفع النصف إليه ، وإن شاء فداه بقيمة هذا الأعمى ، وأخذ الأعمى ، فكان له بمقابلة ما أدى ، والعبد الأعمى ، والأول رهن بألف على حاله ; لأنه قائم مقام المدفوع في حكم الرهن ، فإن كان الأعمى الأول أمة فولدت ولدا ثم ماتت هي ، قسم الألف على قيمتها ، وقيمة ولدها فيبطل ما أصاب قيمتها ; لأنها مرهونة بجميع الألف فكأنها هي التي رهنت في الابتداء فولدت فيقسم الدين على قيمتها وقيمة ولدها إلا أنه تعتبر في القسمة قيمتها عمياء ; لأنها إنما تقوم حين ثبت حكم الرهن فيها وإنما يثبت حكم الرهن فيها وهي عمياء .

وإذا احتفر العبد - الرهن - بئرا في الطريق أو وضع فيها شيئا فعطب به الراهن ، أو أحد من رقيقه لم يلحقه من ذلك ضمان بمنزلة ما لو جنى بيده على الراهن أو على رقيقه ، وإن وقع فيها المرتهن ، أو أحد من رقيقه فهذا وما لو جنى عليه بيده سواء ، فيما اختلفوا وفيما إذا كانت قيمته مثل الدين أو كان في قيمته فضل عن الدين وقد بينا هذه الفصول في جنايته بيده ، فكذلك في جنايته بحفر البئر .
وإذا أمره المرتهن أن يحفر بئرا في فنائه فعطب فيها الراهن أو غيره فهو على عاقلة المرتهن ; لأن للمرتهن أن يحفر في فنائه ، فإن الفناء اسم لموضع يتصل بملكه غير مملوك له معد لمنافعه ، وهو أحق الناس بربط الدواب ، وكسر الحطب فيه فيكون التدبير في ذلك الموضع إليه وإذا كان له أن يحفر فيه بنفسه فله أن يأمر غيره به وفعل العبد كفعل المرتهن بنفسه ، ولو فعله هو بنفسه فعطب فيه الراهن كان على عاقلته ، فكذلك إذا فعله العبد ، وهذا ; لأنه لما لم يكن هذا الموضع مملوكا له تقيد فعله بشرط السلامة كالمشي في الطريق فإذا لم يسلم كان هو ضامنا لما يعطب بسبب فعله ، وكذلك لو كان الراهن أمره بذلك في فناء نفسه كان على عاقلة الراهن .
ولو أمره الراهن أو المرتهن أن يقتل رجلا فقتله فدفع به كان على الذي أمره بذلك ، قيمته فيكون رهنا مكانه أما موجب الجناية هنا فيتعلق برقبته بخلاف الأول ; لأن الراهن أو المرتهن لا يملكان مباشرة القتل بأيديهما ، فلا يعتبر أمرهما في نقل فعل العبد إليهما ، وإذا بقي العبد جانيا كان مؤاخذا بموجب الجناية في الأول ، واعتبر أمرهما في الحفر في الفناء لما قلنا فينقل فعل العبد إلى الآمر ، فلهذا لم يكن في رقبة العبد من ذلك شيء ثم الآمر في مسألة القتل صار مستعملا للعبد غاصبا ، فإذا استحق بذلك السبب فعليه ضمان قيمته والقيمة قائمة مقامه ، فيكون رهنا ، وكذلك لو بعثه ليستقي دابته فوطئت إنسانا ; لأنه بالاستعمال صار غاصبا له ، وإن كان بعثه الراهن بإذن المرتهن دفع بالجناية ، وكان الدين على الراهن ; لأنه خرج من ضمان الدين [ ص: 12 ] حين بعثه الراهن في حاجته بإذن المرتهن بمنزلة ما لو أعاره المرتهن من الراهن ، ولو مات في هذه الحالة لم يسقط من الدين شيء ، فكذلك إذا استحق بجناية في هذه الحالة ، وكذلك لو كان بعثه المرتهن بإذن الراهن ; لأن المرتهن لو استعاره من الراهن فما دام يعمل له بحكم العارية لا يكون مضمونا بالدين لو هلك ، فكذلك إذا استحق بجناية في هذه الحالة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.61%)]