
23-12-2025, 12:05 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 172الى صـــ 181
(441)
وإذا كان العبد يساوي ألفا وهو رهن بألف ، فقتل نفسه ، أو فقأ عين نفسه ، فليس في ذلك أرش ، وهذا مثل بلاء نزل به من السماء ; لأن جناية المرء على نفسه هدر - حرا كان أو مملوكا - وكأنه مات أو ذهبت عينه من غير صنع أحد ، فإن كان مرهونا بمثل قيمته سقط بذهاب عينه نصف الدين ، وإن كان بمثل نصف قيمته سقط بذهاب عينه ربع الدين
وإن كان الرهن أمة تساوي ألفا بألف فولدت بنتا تساوي ألفا فجنت البنت فدفعت بها لم يبطل من الدين شيء ; لأن البنت خلا مكانها بالدفع ، فكأنها ماتت ، فإذا فقأت الأم عين البنت ، فدفعت الأم وأخذت البنت فهي : رهن بألف كاملة مكان الأم ; لأن الأم لما دفعت بالجناية صارت كأمة أخرى للمدفوع إليه ، فتعتبر جناية الأم عليها لحق المدفوع إليه ، فلهذا تدفع الأم برضا الراهن والمرتهن ، وتؤخذ البنت ، كما هو الحكم في الجثة العمياء ، ثم البنت رهن بجميع الألف مكان الأم عند أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) وقال محمد : يسقط نقصان العينين من الدين ، وتكون البنت رهنا بما بقي ، وهكذا الحكم فيما إذا فقأت عين عبد آخر ، فدفعت وأخذ ذلك العبد فمحمد يقول : المجني عليه قائم مقام الجاني حين أخذ بدفع الجاني ، فكأن الأمة مرهونة بما فيها وذهبت عيناها فيسقط نقصان العينين من الدين ، ووجه ظاهر الرواية : أن المجني عليه إنما قام مقام الجاني على هذه الصفة ; لأن الأمة دفعت بفقء العينين ، فلا يستند الدفع والأخذ إلى ما قبل الفقء فتبين : أن المأخوذ قام مقام المدفوع على هذه الصفة ، وأن حكم الرهن لم يثبت في عينه ، فلهذا لا يسقط شيء من الدين بخلاف ما إذا ذهبت عينا الأمة المرهونة ، فإن ماتت البنت ماتت بجميع [ ص: 173 ] الدين ; لأنها قائمة مقام أم المدفوعة وبموتها كان يسقط جميع الدين ، فلذلك يموت من قام مقامها ، فإن فقأت البنت بعد ذلك عيني الأم فدفعت وأخذت الأم عمياء ، فإنه ينبغي في القياس أن تكون رهنا بجميع المال ; لأنها قائمة مقام البنت المدفوعة ، ولكنا ندع القياس ونجعل الرهن على الأول ، وقد عاد إلى حاله فيذهب من الدين بحساب ما نقص من العينين ; لأن جميع الدين كان في الأم التي هي الأصل وعاد إليها المال فسقط ما تخلل بين ذلك من الزوائد وتجعل كأنها كانت مرهونة إلى الآن ، وذهبت عيناها وعلى رواية محمد ( رحمه الله ) : في القياس : يتحول إلى الأم ما زاد على نقصان عيني البنت وفي الاستحسان : يتوزع ذلك المقدار على ما بقي من الأم ، وعلى نقصان عينها ، فتسقط حصة نقصان العينين ، وتكون هي مرهونة بما بقي .
وإذا استعار رجل من رجلين عبدين قيمة كل واحد منهما : ألف فرهنهما بألف ففقأ أحدهما عين الآخر ثم إن المفقوءة عينه فقأ عين الفاقئ ، فإن المستعير يفتك العبدين بتسعمائة وثمانية عشر درهما وثلاثة أرباع درهم ، وهذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة : حكم بين المستعير ، والمرتهن فيما يسقط من الدين وما بقي ، وحكم بين المستعير والمعيرين فيما يرجع كل واحد منهما به عليه ، وحكم بين المعيرين ، أما الذي بين المستعير ، والمرتهن فيقول : رهن العبدين منه بعقد واحد ، فكأنهما جميعا على ملكه وهي مسألة أول الباب : حين فقأ أحدهما عين الآخر سقط من الدين مائة وخمسة وعشرون تحول إلى الفاقئ مثله باعتبار جناية الفارغ على المشغول ، فصار الفاقئ مرهونا بستمائة وخمسة وعشرين ، فلما فقأ الآخر عينه فقد فات نصفه فإنما بقي فيه ثلثمائة واثنا عشر ، ونصف ، وسقط نصف ثلثمائة واثنا عشر ونصف وهو مائة وستة وخمسون وربع تحول مثله إلى الفاقئ فكان الساقط من الدين مرة مائة وخمسة وعشرين ، ومرة مائة وستة وخمسين وربعا ، وذلك مائتان واحد وثمانون ، وربع بقي من الألف سبعمائة وثمانية عشر ، وثلاثة أرباع فيقبلهما بهذا .
وأما الحكم الذي بين المستعير والمعيرين فهو : أن كل واحد منهما يرجع عليه بما صار قاضيا بملك المفقوءة عينه أولا : مائة وخمسة وعشرين فيغرم له ذلك المقدار ويملك مولى المفقوءة عينه أخيرا مائة وستة وخمسين وربعا فيغرم له ذلك المقدار .
وأما الحكم الذي بين المعيرين : فإنه يجبر مولى العبد الفاقئ أولا بجناية عبده على عبد غيره ، ويقال له : ادفع ثلاثة أرباع عبدك أو افده بثلاثة أرباع أرش عين العبد الآخر ; لأن مقدار الربع من الأرش قد وصل إلى مولى المفقوءة عينه ، أولا من جهة المستعير ، وهو مائة وخمسة وعشرون ، فلهذا بقي حكم الجناية في ثلاثة أرباع [ ص: 174 ] العبد ، فإن دفعه فليس له على صاحبه شيء ; لأن بالدفع صار مملوكا لمولى المفقوءة عينه أولا فيتبين أنه جنى عبده على عبده ، وذلك باطل ، وفيه نوع شبهة ، فإنه إنما يدفع ثلاثة أرباعه ، ويبقى الربع على ملكه ، وفي ذلك القدر يجعل جناية المفقوءة عينه أولا على ملك مولى الفاقئ فكأنه ذهب وهم محمد ( رحمه الله ) إلى أن الدفع في جميع العبد ، فلهذا قال : ليس له على صاحبه شيء ، ومثل هذا يقع إذا طال التفريغ ، وإن فداه بثلاثة أرباع أرش العين قيل لرب العبد المفقوءة عينه أولا : ادفع من عبدك ثلاثة أخماسه ، وثلاثة أثمان خمسه ونصف ثمن خمسه أو افده بمثل ذلك من أرش العين ; لأن العبد الفاقئ الأول طهر عن الجناية حين فداه مولاه ثم قد جنى عليه العبد المفقوءة عينه أولا فلا بد من اعتبار جنايته إلى أنه قد وصل إليه من جهة المستعير مائة وستة ، وخمسون وربع ، وذلك خمس الأرش ، ونصف خمسه ، ونصف ثمن خمسه ; لأن الأرش خمسمائة ، فخمسمائة ونصف خمسه : خمسون ، وستة وربع نصف ثمنه : خمسة ; لأن ثمن المائة : اثنا عشر ونصف ، فنصف ثمنها : ستة وربع ، فإنما بقي من حقه : ثلاثة أخماسه ، وثلاثة أثمان خمسه ، ونصف ثمن خمسه ، فيخير بين الدفع والفداء في هذا المقدار وعلى ذلك يسلم لصاحبه ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء .
وإذا كان الربع أمة تساوي ألفا بألف فولدت ولدا يساوي ألفا ثم جنت الأم جناية فدفعت بقي الولد بخمسمائة ; لأن الدين انقسم على قيمة الأم وقيمة الولد نصفين بشرط بقاء الولد على هذه القيمة إلى وقت الهلاك ، وقد بقي ، فالأم لما دفعت بالجناية خلا مكانها فكأنها ماتت فلهذا بقي الولد بخمسمائة ، فإن فقأ الولي عيني الأم فدفع بها وأخذت الأم عادت إلى حالها الأولى رهنا بألف غير أنه يذهب من الألف بحساب ما ذهب من بصرها ; لأن الولد حين دفعها ، فكأنه مات وتبين به بطلان ذلك الانقسام ، والأم حين أخذت عادت رهنا ، كما كانت بجميع الألف إلا أن عينها ذهبت فكأنها ذهبت من غير صنع أحد فسقط حصة ذلك من الألف .
وإذا كان الرهن أمة بألف تساوي خمسمائة فولدت ولدين كل واحد منهما يساوي ألفا فجنى أحدهما جناية فدفع بها ثم فقأت الأم عينه فدفعت الأم فأخذ الولد مكانها فهذا الولد الأعمى ، والصحيح بالألف كلها ; لأن الولد الجاني حين دفع صار كأن لم يكن ، ولم يسقط شيء من الدين باعتباره والتحق هذا بعبد آخر للمدفوع إليه فحين فقأت الأم عينه فدفعت واحدا مكانها قام مقامها وقبل جنايتها كانت هي مع الولد الصحيح بالألف ، فكذلك المأخوذ بها مع الصحيح بجميع الألف فإن مات الأعمى ذهب نصف الدين ; لأنه قائم مقام الأم ، ولو ماتت [ ص: 175 ] الأم سقط بموتها نصف الدين فكذلك سقط بموت من قام مقامها فإن جنى الولد الجاني على الأم فدفع وأخذت الأم مكانه عاد الرهن على حاله ، وذلك من الألف بحساب ما انتقص من الأم بالجناية عليها لما بينا : أنها كانت مرهونة في الأصل وعادت كما كانت فيجعل ما انتقص منها بالجناية كالثابت من غير صنع أحد فسقط حصة ذلك من الدين استحسانا ، كما بينا .
وإذا استعار عبدين من رجلين كل واحد منهما يساوي ألفا فرهنهما بألف فقتل أحدهما صاحبه ففي هذه المسألة أحكام ثلاثة : كما بينا ، أما الحكم فيما بين المستعير ، والمرتهن ، فإنه يسقط من الدين مائتان وخمسون ، والقاتل رهن بتسعمائة وخمسين بمنزلة ما لو كانا مملوكين له فقتل أحدهما صاحبه وهناك سقط نصف ما كان في المقتول من الدين وتحول نصفه إلى القاتل بجناية الفارغ على المشغول فيفتك القاتل بسبعمائة وخمسين ، ويغرم لمولى المقتول مائة وخمسين مقدار ما صار قابضا من دينه بملكه يقال لمولى القاتل : ادفع ثلاثة أرباع إلى مولى المقتول أو افده بسبعمائة وخمسين ; لأنه قد وصل إليه ربع حقه مائتان ، وخمسون من جهة المستعير فإنما بقي من حقه ثلاثة أرباع ، ولو لم يقتله ، ولكن فقأ عينه كانا جميعا رهنا بثمانمائة وخمسة وسبعين ، وكان الباقي من ذلك ستمائة وخمسة وعشرين ; لأن بذهاب العين فات نصفه ، وحصة ذلك من الدين مائتان ، وخمسون سقط نصفه ، وتحول نصفه إلى الفاقئ بجناية الفارغ على المشغول ، وقد كان في الفاقئ خمسمائة ; فلهذا يفتك الفاقئ بستمائة وخمسة وعشرين ، والمفقوءة عينه بمائتين وخمسين ، ويرد الراهن على مولى المفقوءة عينه مائة وخمسة وعشرين ; لأنه صار قابضا هذا القدر من دينه بملكه ثم يقال لمولى الفاقئ : ادفع ثلاثة أرباع عبدك أو افده بثلاثة أرباع أرش العين ; لأنه قد وصل إلى مولى المفقوءة عينه ربع حقه من جهة الراهن ، وذلك مائة وخمسة وعشرون
ولو كان الرهن أمتين ، والمسألة بحالها فولدت كل واحدة منهما ولدا يساوي ألفا ثم إن إحدى الأمتين قتلت صاحبتها بطل من الدين : اثنان وستون درهما ونصف ولزم القاتلة من الجناية مائة وسبعة وثمانون ، ونصف ; لأن ما في كل واحدة منهما من الدين انقسم عليها وعلى قيمة ولدها نصفين فحين قتلت إحداهما الأخرى ، ففي المقتولة مائتان ، وخمسون فالفارغ من القاتلة ثلاثة أرباعها ، وبقدر الفارغ من القاتلة يتحول الدين من المقتولة إليها ، وثلاثة أرباع مائتين وخمسين : مائة وسبعة وثمانون ونصف ، كل ربع : اثنان وستون ونصف ، فلهذا سقط اثنان وستون ونصف بجناية المشغول على المشغول ، وتحول مائة ، وسبعة وثمانون ونصف إلى القاتلة بجناية الفارغ على [ ص: 176 ] المشغول ، فإن مات ولد القاتلة بطل عنها من هذه الجناية اثنان ، وستون ونصف ; لأن ولدها لما مات فقد بطل الانقسام فيما كان فيها وتبين أن نصفها كان مشغولا ، ونصفها فارغ فإنما يتحول من المقتولة إليها بقدر الفارغ وذلك : مائة وخمسة وعشرون ، وسقط ما سوى ذلك ، وقد كنا أسقطنا اثنين وستين ونصفا ، فسقط مثل ذلك ليكون الساقط مائة وخمسة وعشرين ، وإن ماتت بنت الجارية المقتولة لزم القاتل من الجناية مائة وخمسة وعشرون أخرى ; لأنه تبين بطلان انقسام الدين بين المقتولة ، وولدها حين مات الولد وتبين أن جميع الخمسمائة كان فيها ، وأن نصف ذلك سقط ، وتحول نصفه إلى القاتلة ، وذلك مائتان وخمسون ، فلهذا كانت القاتلة رهنا بسبعمائة وخمسين ، والولدان لما ماتا فكأنهما لم يكونا أصلا
ولو كان الولدان جنيا فافتكهما الراهن رد على مولى المقتولة اثنين ، وستين ونصفا مقدار ما صار قابضا من دينه بملكه ودفع مولى الأمة القاتلة كلها إلا نصف ثمنها أو فدى بتسعمائة ، وسبعة وثلاثين ونصف ; لأن الواصل إلى مولى المقتول اثنان وستون ونصف ، وذلك : نصف ثمن حقه ; لأن حقه في الألف قيمة المقتولة ، وثمن الألف : مائة ، وخمسة وعشرون ، فنصف ثمنها : اثنان وستون ونصف ; فلهذا يحط ذلك القدر عن مولى القاتلة ، ويخير بين الدفع والفداء فيما بقي .
وإذا رهن أمتين بألف تساوي كل واحدة منهما ألفا ، فولدت كل واحدة منهما ولدا يساوي ألفا ثم إن أحد الولدين قتل أمه لم يلحقه من الجناية شيء ، وذهبت الأم بمائتين وخمسين ، كأنها ماتت ; لأن ما كان فيها من الدين انقسم عليها ، وعلى ولدها نصفين ولكن الولد جزء منها وهو تابع لها في حكم الرهن .
وقد بينا : أن اعتبار الجناية لحق المرتهن بحكم الرهن ، فيجعل جناية الولد عليها في حكم الرهن كجنايتها على نفسها ، ولو قتلت نفسها كان ذلك وموتها سواء ، فكذلك إذا قتلها ولدها فيسقط ما كان فيه من الدين وذلك مائتان وخمسون ولو كانت الأم هي التي قتلت ولدها ، أو فقأت عينه لم يسقط من الدين شيء بمنزلة ما لو مات الولد أو ذهبت عينه من غير صنع أحد ، ولو لم يكن كذلك ولكن أحد الولدين قتل الولد الآخر كانت أم المقتول وثلاثة أثمان القاتل رهنا بخمسمائة ، وخمسة أثمان القاتل وأمه رهن بخمسمائة ، وقد ذكرنا المسألة قبل هذه ولكنه أبهم الجواب هناك ، فقال : لا يسقط من الدين شيء ، وهنا بين التقسيم في القاتل ، وجه ما ذكرنا هنا : أن كل واحد من الولدين تبع لأمه ، فالنصف منه تبع للنصف الفارغ ، والنصف تبع للنصف المشغول وقد انقسم الدين الذي في كل واحد منهما عليها ، وعلى ولدها نصفين فثلاثة أرباع القاتل فارغ وربعه مشغول
وقد [ ص: 177 ] جنى هذا الفارغ على ثلاثة أرباع الفارغ من المقتول وربع المشغول وقد بينا : أن المعتبر جناية الفارغ على المشغول ، وذلك نصف ثلاثة أرباع ، ونصف ثلاثة أرباع يكون ثلاثة أثمان ، فقام نصف ثلاثة أرباعها مقام الفائت مما كان مشغولا بما كان فيها ، فلهذا كانت أم المقتولة ، وثلاثة أثمان القاتل رهنا بالخمسمائة التي كانت في أم المقتولة وخمسة أثمان القاتل وأمه رهنا بخمسمائة ، فإن مات القاتل لم ينقص من الدين شيء ; لأنه كان نماء حادثا ، وقد هلك فصار كأن لم يكن ، وإن لم يمت القاتل وماتت أمه ذهب ربع الدين حصة ما كان فيها .
وقد بينا : أن الخمسمائة التي كانت فيها انقسمت عليها ، وعلى ولدها نصفين ، والولد باق وإنما يذهب بموتها ربع الدين ، ولو لم تمت أمه ، وماتت الأخرى ذهب من الدين خمسة أثمان خمسمائة ; لأنه كان فيها أربعة أثمان خمسمائة ، وفي ولدها مثل ذلك فحين قتل ولدها تحول إلى القاتل ثلاثة أرباع ما كان في المقتول باعتبار جناية الفارغ على المشغول ، ولم يحول الربع باعتبار جناية المشغول على المشغول ، فكان ذلك كالهالك من غير صنع أحد ، فيعود ذلك القدر إلى أمه ، وقد كان في أمه نصف الخمسمائة ، وعاد إليها ربع النصف الآخر ، وذلك خمسة أثمان خمسمائة فيسقط ذلك بموتها ويبقى في عنق القاتل ثلاثة أثمان خمسمائة ، وذلك مائة وسبعة وثمانون ، ونصف ; لأن كل ثمن اثنان وستون ونصف مع ما كان في عنقه ، وهو خمسون ومائتان من دين أمه ، فيقبلهما الراهن بذلك .
وقد بينا شبهة هذه المسألة ، وما فيها من الإشكال فيما سبق وكذلك لو كان الرهن عبدين قيمة كل واحد منهما ألف بألف ، فقتل كل واحد منهما أمة قيمتها قليلة أو كثيرة ، فدفعت به ثم ولدت كل واحدة منهما ولدا يساوي الأم ثم قتلت إحدى الأمتين ابن الأخرى أو قتل أحد الاثنين صاحبه ، فهذا كالأول فيما ذكرنا من التخريج ; لأن كل أمة دفعت بعبد هي قائمة مقامه في حكم الرهن ، فهذا وما لو كان الرهن في الأمتين في الابتداء سواء .
وإذا ارتهن أمة وعبدا بألف درهم يساوي كل واحد منهما ألف درهم فولدت الأمة ولدا يساوي ألفا فهي ، وولدها بخمسمائة ، والعبد بخمسمائة ; لأن الولد زيادة فيما كان في أمة خاصة فإن جنى ولدها على إنسان فدفع به لم يبطل من الرهن شيء ; لأنه خلا مكانه بالدفع ، فكأنه مات ، فإن فقأ الولد عيني العبد جميعا فأخذ الولد ودفع العبد ، فالولد بخمسمائة خاصة ، وأمه بخمسمائة ; لأن الولد لما دفع صار كعبد آخر للمدفوع إليه ، فإذا فقأ عيني العبد فدفع العبد وأخذ الولد قام الولد مقام العبد وتحول إليه ما كان في العبد من الدين ، وهو خمسمائة فإن قتلت الأم الولد أو قتل الولد الأم ، فالقاتل منهما [ ص: 178 ] بتسعمائة وخمسين بمنزلة مسألة أول الباب إذا كان الرهن عبدين فقتل أحدهما صاحبه فإن قتل العبد المدفوع هذا القاتل فدفع به كان رهنا بتسعمائة ، وخمسين ; لأنه قام مقام المقتول إلا أن قدر أن نقصان العينين يسقط من ذلك ; لأن العبد كان رهنا في الابتداء وعاد رهنا ، كما كان وما تخلل من الزوال بطريق الاستحسان يصير كأن لم يكن وكأنه ذهبت عيناه من غير صنع أحد فيسقط نقصان العينين بما فيه من الدين ويفتكه بما بقي والله أعلم .
( باب جناية الرهن على الراهن ، والمرتهن ) ( قال رحمه الله ) : وإذا كانت قيمة العبد ألف درهم ، وهو رهن بألف أو أكثر ، فجنى على الراهن جناية خطأ في نفس أو دونها فالجناية باطلة ، وهو رهن على حاله ; لأنه بعد عقد الرهن باق على ملك الراهن ، وجناية المملوك على المالك فيما يوجب المال يكون هدرا ; لأنه لو جنى على غيره كان المستحق به ملك المولى وماليته فيه فإذا جنى عليه لا يثبت له الاستحقاق على نفسه بخلاف الجناية الموجبة للقصاص فالمستحق به دمه ، والمولى من دمه كأجنبي آخر .
( ألا ترى ) : أن إقرار المولى عليه بالجناية الموجبة للقصاص باطل ، وبالجناية الموجبة للمال صحيح ، وإقراره على نفسه بالجناية الموجبة للمال باطل توضيحه : أن الجناية بعد عقد الرهن على المرهون غير معتبرة لحق المالك ، كما قبل الرهن ، وإنما يعتبر لحق المرتهن ، فقد قررنا هذا في الباب المتقدم وليس في اعتبار جنايته على الراهن منفعة للمرتهن بل فيه ضرر عليه فكان حق المرتهن في هذه الجناية كأنه ليس اعتبار الجناية بالجناية عليه ، وكذلك لو كانت هذه الجناية على مملوك الراهن ، أو على متاعه فليس في اعتبارها منفعة للمرتهن ، ولا يمكن اعتبارها لحق الراهن ; لأن المستحق به ماليته ، فلا يعتبر أصلا .
ولو كان جنى على المرتهن في نفس أو فيما دونهما جناية خطأ فعلى قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) هو هدر أيضا .
وعلى قول أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) هو معتبر فيخاطبان بالدفع أو الفداء بمنزلة ما لو جنى على أجنبي آخر ، وجه قولهما : أن المرتهن غير مالك للعين والمستحق بالجناية ملك العبد وإذا كان المرتهن منه كأجنبي آخر يعتبر جنايته عليه كما يعتبر على غيره ، وهذا على أصلهما مستقيم فإن عندهما : جناية المغصوب على الغاصب معتبرة ، فكذلك جناية المرهون على المرتهن ; لأن كل واحد منهما ضامن غير مالك ثم في اعتبار هذه الجناية فائدة للمرتهن ; لأنهما إذا اختارا الدفع تملك المرتهن العين أو من يخلفه إن كان قتل
وإن [ ص: 179 ] كان سقط حقه في الدين ، ولكن بضمان الدين ما كان يثبت له ملك العين فربما يكون له في ملك العين غرض صحيح فيستفيد ذلك باعتبار الجناية وربما يكون بقاء الدين مع التزام الفداء أنفع له ففي إثبات الخيار له توفير النظر عليه .
وقد بينا : أن اعتبار الجناية لحق المرتهن صحيح وبه فارق ما لو جنى على مال المرتهن ; لأنه لا منفعة للمرتهن في اعتبار تلك الجناية فإنه لا يستحق بها الملك ولكن المستحق بالدين مالية العبد فتباع فيه أو يقضيها المولى ، وذلك مستحق له بدينه ، فلا فائدة في اعتبار جنايته على ماله ، فلهذا لا يعتبر وأبو حنيفة ( رحمه الله ) يقول : المرتهن في الرهن إذا كانت قيمته مثل الدين بمنزلة المالك في حكم جنايته
( ألا ترى ) : أنه لو جنى على غيره كان الفداء على المرتهن بمنزلة ما لو كان مالكا فكذلك في الجناية عليه يجعل كالمالك فلا تعتبر جنايته عليه وهذا ; لأن أصل حق المجني عليه في بدل الفائت وهو الأرش إلا أن للمولى أن يخلص نفسه من ذلك بدفع العبد إن شاء ولا يمكن اعتبار جنايته على المرتهن في استحقاق أصل البدل ; لأنه لو وجب ذلك كان قراره عليه ولا يجب على نفسه أرش الجناية ولا يمكن اعتبار جنايته لمنفعة ثبوت الملك له في العبد فإن ذلك لا يكون إلا باختيار الراهن والراهن لا يختار ذلك خصوصا إذا لم يكن عليه من الفداء شيء فصار هذا وجنايته على مال المرتهن سواء .
( ألا ترى ) : أن في جانب الراهن سوى بين جناية المغصوب على المغصوب منه أو على الغاصب ، والمرهون مضمون على المرتهن ، كما أن المغصوب مضمون على الغاصب فسوى بينهما في جانب الضمان فقال : لا تعتبر جناية المرهون على المرتهن ، كما لا تعتبر جناية المغصوب على الغاصب وفرق بينهما في جانب المالك فقال : ضمان الغاصب إذا تقرر وجب الملك ، فإذا اعتبرنا جنايته على المغصوب منه واستقر الضمان على الغاصب ثبت الملك له من وقت الغصب فتبين : أن العبد جنى على غير ملكه ، فلهذا اعتبر فأما ضمان الرهن ، وإن تقرر على المرتهن ، فلا يوجب الملك له في العين ، فلا يتبين له أن جنايته كانت على غير مالكه فلهذا كان هدرا فصار الحاصل أن المرهون من حيث إنه مضمون المالية كالمغصوب ، ومن حيث إن عينه أمانة كالوديعة فلاعتبار أنه كالأمانة من وجه تجعل جنايته على المالك هدرا ولاعتبار أنه كالمغصوب من وجه تجعل جنايته على الضامن .
قال : ولو كانت الجناية منه على ابن الراهن أو ابن المرتهن كان كالجناية على الأجنبي يدفع بها أو يفدي بمنزلة جنايته قبل عقد الرهن قال : لأن ابن الراهن وابن المرتهن في ملك العبد وماليته كأجنبي ، فجنايته عليهما توجب الدفع أو الفداء ، وروى الحسن عن أبي حنيفة ( رحمهما الله ) : أنه لا تعتبر جنايته على [ ص: 180 ] ابن الراهن ولا على ابن المرتهن إذا كان هو المستحق لتركة ابنه ; لأنه لو وجب الأرش هنا لوجب له فيكون بمنزلة جنايته على نفسه ، وكما لا تعتبر جنايته على الراهن والمرتهن لخلوه عن الفائدة فكذلك لا تعتبر جنايته على ابن أحدهما .
لو كانت قيمته ألفين والدين ألفا فجنى على الراهن أو على ماله كانت الجناية باطلة ; لأن نصفه مضمون ، ونصفه أمانة وحين كان الكل مضمونا لم تعتبر جنايته على الراهن ، وعلى ماله لقيام ملكه هنا أولى ، ولو جنى على المرتهن في نفسه أو رقيقه قيل للراهن ادفعه ، أو افده أما على قولهما فغير مشكل وأما على قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) : فجنايته هنا معتبرة في ظاهر الرواية وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة ( رحمهما الله ) : أنه لا يعتبر ; لأن الكل محبوس لحق المرتهن فلا تعتبر جنايته عليه ، كما في المسألة الأولى ، ووجه ظاهر الرواية أن النصف منه أمانة هنا ولا بد من اعتبار جنايته على المرتهن في ذلك النصف ; لأنه بمنزلة الوديعة ، وجناية الوديعة على المودع معتبرة
ولو جنى على أجنبي كان الفداء في هذا النصف على الراهن فإذا جنى على المرتهن كان في اعتبار جنايته منفعة للمرتهن فلهذا تعتبر بخلاف الأول .
وعن زفر ( رحمه الله ) قال : للمرتهن أن يبطل الرهن ثم يطالب بموجب الجناية ; لأن عقد الرهن ليس بلازم في جانب المرتهن ، فيتمكن من إبطاله ، وإذا أبطله صار كأن لم يكن ، ولكن ليس هذا بقوي ; لأن النصف منه مضمون ، وقد صار مستحقا ، كفعله عند الضامن ، فكيف يتمكن من إبطال الرهن في ذلك النصف إلا أن يبطل حقه في ذلك النصف فحينئذ يكون لهذا الوجوب معنى ثم التخريج على ظاهر الرواية أن يقال للراهن : ادفعه أو افده ; لأن الراهن هو المالك للعبد ، وإنما يخير المالك بين الدفع والفداء في جناية عبده فإن دفعه وقبله المرتهن بذلك صار عبدا له وبطل الدين ; لأن ملك الراهن تلف بفعله ، فهو أسوة العبد في ضمان المرتهن فيكون كالهالك في يده في حكم سقوط الدين ، كما لو جنى على أجنبي فدفعاه به وإن فداه كان على الراهن نصف الفداء ، حصة الأمانة ونصف الفداء على المرتهن حصة المضمون فتسقط حصته ; لأنه لا يستوجب على نفسه دينا ، ويستوفي من الراهن حصته من الفداء ، ويكون العبد رهنا على حاله ; لأنه فرغ من الجناية ، وإن قال المرتهن : لا أبقي الجناية ، فهو رهن ، وعلى حاله ; لأن اعتبار الجناية لحقه فإذا سقط حقه بقي مرهونا على حاله .
وإذا أفسد متاعا للمرتهن وقيمته ألفان وهو رهن بألف فإن طلب المرتهن أخذه بقيمة المتاع فإنه يعرض على الراهن فإن شاء قضى عنه نصف ذلك الدين ، وجعل نصفه على المرتهن ، فإذا قضى الراهن نصف ذلك الدين فرغ حصة الأمانة منه وحصة المضمون فارغة من ذلك ; لأن [ ص: 181 ] المرتهن لا يستحق على نفسه دينا فيكون رهنا على حاله وإن كرهه بيع العبد في ذلك كله ; لأن النصف الذي هو أمانة يباع في الدين حين أبى المالك أن يقضي عنه وبعد بيعه لا يمكن إيفاء الرهن في النصف الآخر لأجل الشيوع ، فالشيوع الطارئ في الرهن كالمقارن وفي بيع الكل جملة توفير المنفعة عليهما ; فلهذا يباع العبد كله ويقضى منه ثمن الدين ، فإن بقي بعد ذلك من الثمن شيء أخذ الراهن نصفه والمرتهن نصفه قل الدين أو كثر ; لأن نصف ما بقي بدل الأمانة فيسلم للراهن ، ونصفه بدل المضمون في الدين فيستوفيه المرتهن قضاء من دينه ، وما زاد على ذلك من حقه تاو لتلف المالية بفعل باشره العبد في ضمانه .
وإذا قتل الرهن مولاه أو المرتهن عمدا فعليه القصاص في الوجهين ; لأن المستحق بالعمد دمه ، وكل واحد منهما في دمه كأجنبي آخر ، وإذا قتل قصاصا سقط الدين ; لأن ماليته تلفت بسبب باشره في ضمان المرتهن ، فإن كان العبد يساوي ألفين ، والدين ألف فقتل المرتهن عمدا ، فعفا أحد اثنين فإنه يقال للراهن وللذي جنى : ادفعا نصف العبد إلى الذي لم يعف أو افدياه بثلاثة أرباع نصف الدية ; لأن بعفو أحدهما انقلب نصيب الآخر مالا ، وثبت الخيار للمالك بين الدفع والفداء بمنزلة ما لو كانت الجناية موجبة للمال في الابتداء ، والخطاب بالدفع يكون مع المال إلا أنه لا يتمكن من الدفع إلا برضا العافي بماله من الحق فيه باعتبار الرهن على سبيل الخلافة عن المرتهن ; فلهذا قال : يقال لهما ادفعا وإنما يدفعان نصف العبد ; لأن حق الذي لم يعف في نصف الجناية وقد بينا في هذه الصورة جنايته على المرتهن فيما دون النفس أنهما إذا اختارا الدفع دفع جميع العبد إلى المرتهن ، فكذلك يدفع إلى أحد ابنيه نصف العبد وبطل نصف الدين بدفع النصف إليه ، كما لو دفع جميعه إلى المرتهن بطل جميع الدين ، وهذا ; لأن نصف هذا المدفوع مما كان مضمونا بالدين ، فسقط نصف الدين باعتبار فواته ، وكان لهما على الراهن نصف الدين بينهما نصفين ; لأن الرهن قد بطل في النصف الآخر لأجل الشيوع فيرجعان على الراهن بنصف الدين وإن اختار الفداء فداه بثلاثة أرباع نصف الدية ; لأن على الراهن ربع الدية : حصة الذي لم يعف من النصف الذي هو أمانة وعلى العافي عن الدية : حصة نصيبه من المضمون بالدين فيكون جملة ما عليهما : ثلاثة أثمان الدية ، فإذا فدياه بذلك فرغ العبد من الجناية فكان رهنا على حاله بالدين .
وإذا كان العبد رهنا بين رجلين بألف وهو يساوي ألفين فقتل أحدهما عمدا ، وله وليان فعفا أحدهما ، فإنه يقال للراهن والمرتهن الباقي ، وللذي عفا : ادفعوا نصف العبد إلى الذي لم يعف ; لأن نصيبه انقلب مالا بعفو [ ص: 182 ] صاحبه ، كما في ( الفصل الأول ) فإن دفعوه بطل الرهن في جميع العبد للشيوع ، فبطل نصف الدين ، فكان نصف الراهن بينهم على حاله ، وإن فدوه بسبعة أثمان نصف الدية ، فعلى الراهن من ذلك : أربعة أسهم حصة الأمانة مما انقلب مالا من الجناية وعلى المرتهن الباقي سهمان : حصة المضمون بدينه من هذا النصف وعلى المولى الذي على حصة المضمون بدينه من هذا النصف ، وقد سقطت حصة المضمون بدين الذي لم يعف ; لأن ذلك وجب له على نفسه ، وذلك لا يجوز والله أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|