
23-12-2025, 11:59 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 162الى صـــ 171
(440)
ولو استعار أمة ليرهنها فرهنها ثم وطئها الراهن أو المرتهن فإنه يدرأ له الحد عنهما أما المرتهن ، فلأنه ثبت ملك العبد بعقد الرهن ، وذلك مسقط للحد وأطلق الجواب هنا ، وفسر في ( كتاب الحدود ) فقال : إذا قال : ظننتها تحل لي ، وهو الصحيح فملك اليد الثابت للمرتهن هناك كملك اليد للزوج في العدة في حق المكانة ، وذلك إنما يسقط الحد إذا قال : ظننت أنها تحل لي ، وكذلك لو وطئها الراهن وقال : ظننتها تحل لي ; لأن حقه فيها نظير حق المرتهن ، فله حق إيفاء الدين بماليتها ، وللمرتهن حق استيفاء الدين من ماليتها ، فكما يسقط الحد باعتبار هذا المعنى عن المرتهن ، فكذلك عن الراهن ويكون المهر على الواطئ ; لأن الوطء في غير الملك لا ينفك عن حد أو مهر ، والمهر بمنزلة الزيادة المنفصلة المتولدة من العين ; لأنه بدل المستوفى والمستوفى في حكم جزء من العين فيكون رهنا معها ، فإذا افتكها الراهن سلمت الأمة مهرها لمولاها ، كما لو كانت ولدت ، ولو وهب لها هبة أو اكتسبت كسبا ، فذلك لمولاها لما بينا أن حكم الرهن لا يثبت في الزيادة حتى هي غير مطالبة من العين ، ولكنها تملك بملك الأصل ، وملك الأصل للمعير ، فكذلك الغلة والكسب يكون له ، والله أعلم .
[ ص: 163 ] باب رهن الأرضين وغيرها ) ( قال رحمه الله ) : وإذا ارتهن أرضا فيها نخل وشجر وقبضها فهو جائز وسقي النخل ، والشجر على الراهن ; لأن سقي النخل بمنزلة علف الدواب ، ونفقة المالك ; ليبقى منتفعا بها ، فيكون على الراهن باعتبار ملكه ، كما كان قبل الرهن ، وإن أنفق المرتهن عليها فهو متطوع إلا أن يكون بأمر القاضي ، وجعله دينا على الراهن وقد بينا ذلك في النفقة .
وليس للمرتهن أن يبيع ثمرة النخيل وإن خاف الفساد عليها ; لأنه حافظ لها وبحق الحفظ لا يثبت له ولاية البيع ، لما فيه من ترك حفظ العين إلا بأمر الراهن أو بأمر القاضي إن كان الراهن غائبا ; لأن للقاضي ولاية النظر في مال الغائب ، وبيع ما يخاف الفساد على عينه من النظر .
ويدخل البناء والشجر في رهن الأرض ، والدار وإن لم يذكر ، كما في البيع ، وكذلك ثمر النخيل ، والشجر ، وزرع الأرض يدخل في الرهن من غير ذكر لقصدهما إلى تصحيح الرهن ، وقلة الضرر على الراهن في دخولهما فيه بخلاف البيع ، والهبة ، وقد بينا هذا الفرق فيما سبق .
وإذا أخذ السلطان العشر من الغلة لم ينقص ذلك من الدين ; لأنه أخذ ذلك بحق مستحق على الراهن فهو في حق المرتهن بمنزلة الاستحقاق ولا يبطل به الرهن فيما يبقى ; لأن مقدار العشر من الغلة يبقى على ملك الراهن ما لم يأخذه السلطان .
( ألا ترى ) : أنه لو أدى العشر من موضع آخر جاز فصح الرهن في الكل ، ثم خرج هذا الجزء بأخذ السلطان والباقي مقسوم فلا يتمكن بسببه الشيوع في الرهن قارنا ولا مقارنا ، ولو أخذ السلطان العشر من الراهن لم يرجع الراهن في غلة الأرض بشيء ; لأن الرهن في الكل صحيح لمصادفة العقد ملكه ، ولو أخذها المرتهن فأدى عشرها أو خراجها لم يرجع على الراهن بذلك ; لأنه إن تطوع بالأداء فلأنه متبرع فيما أدى وإن أكرهه السلطان فهو ظالم في حقه ; لأنه ليس عليه من الخراج والعشر شيء ، والمظلوم لا يرجع إلا على الظالم .
وليس للراهن أن يزرع الأرض المرهونة ; لأن ذلك انتفاع منه بالمرهون وهو ممنوع من ذلك عندنا بحق المرتهن ، وكذلك لا يؤاجرها ; لأنه لما منع من الانتفاع بنفسه ، فلأن يمنع من تمليك منفعتها من غيره ببدل أولى ، وهذا ; لأنه بالإجارة يوجب للغير حقا لازما ، وفي تصحيحها إبطال حق المرتهن في استدامة اليد ، فإن فعل ذلك ، فالأجر له ; لأنه وجب بعقده بدلا عن منفعة مملوكة له ، وكذلك المرتهن لا يزرعها ; لأن الملك فيها لغيره فلا يزرعها ولا يؤاجرها بغير إذنه ، فإن فعل ذلك ضمن ما نقص من الأرض وتصدق بالأجر إن أجر ، ويفصل الزرع أما ضمان النقصان ، فلأنه بالزراعة متلف [ ص: 164 ] جزءا منها .
وأما التصدق فلأنه فصل حصل له من ملك الغير بسبب حرام شرعا ، ولو أذن له الراهن في الإجارة ففعل ، أو سلم المرتهن للراهن أن يؤاجر أو يرهن ففعل خرجت من الرهن ، ولا يعود فيه ; لأن الإجارة عقد لازم من الجانبين ويستحق به تسليم العين ، والرهن يتعلق به اللزوم في جانب الراهن وقد بينا : أن الشيء ينقصه ما هو مثله أو أقوى منه فمن ضرورة نفوذ العقد الثاني بطلان الرهن الأول ، ولو أعادها بإذن الراهن وقبضها المستعير خرجت من الرهن ما دامت في يد المستعير ، ولم يرد به خروجها من العقد ، وإنما أراد خروجها من الضمان الثابت بيد المرتهن ; لأن يد المستعير يد نفسه ، ولهذا يتقرر عليه ضمان الاستحقاق ، وتلزمه مؤنة الرد فباعتباره لا تبقى يد المرتهن ، وضمان الراهن باعتبار يد المرتهن ، فأما عقد الرهن فباق ; لأن الإعارة لا توجب حقا لازما للمستعير ، والشيء لا ينقصه ما هو دونه ، فلهذا لا يبطل الحق الثابت للمرتهن ، فيكون له أن يستردها متى شاء .
ولو كانت جارية فولدت في يد المستعير كان الولد رهنا معها ، وللمرتهن أن يستردهما لما ، قلنا وكذلك إن زرع المستعير الأرض بإذنهما فالإعارة لا تلزم بعد الزراعة ، كما كان قبلها .
ولو ارتهن أرضا فغرقت وغلب عليها الماء حتى جرت فيها السفن ، وصارت نهرا لا يستطاع أن ينتفع بها ولا ينحسر عنها الماء فلا حق للمرتهن على الراهن ; لأن المرهون صار في حكم المستهلك خصوصا في حق المال ، فإنه خرج عن أن يكون منتفعا به ، وبفوات مالية الرهن يصير المرتهن مستوفيا دينه ; ولأن المرتهن إنما يطالب الراهن بالدين إذا قدر على تسليم الرهن إليه بعد استيفاء الدين ، كما قبضه منه وهو عاجز عن ذلك فهو نظير العبد المرهون إذا أبق ، فإن نضب الماء عنها فهي رهن على حالها ; لأن ماليتها عادت بصيرورتها منتفعا بها ، كما كانت وإن أفسد منها شيئا ذهب من الدين بحسابه والله أعلم .
( باب رهن الرجلين وارتهانهما ) ( قال رحمه الله ) : وإذا كان لرجلين على رجل دين هما فيه شريكان ، أو لأحدهما : دنانير وللآخر : دراهم ، أو حنطة ، أو غيرهما فرهنهما بذلك رهنا واحدا فهو جائز من أي وجه كان ، كالواحد من الدينين ; لأن جميع الرهن يكون محبوسا بدين كل واحد منهما لاتحاد الصفقة ; ولأنه لا شيوع في المحل باعتبار عدد المستحقين ، وهو نظير قصاص يجب لجماعة على شخص [ ص: 165 ] فإنه لا يتمكن الشيوع في المحل باعتبار عدد المستحقين فإن قضى أحدهما ماله لم يأخذ الرهن حتى يقبض الثاني ماله لثبوت حق الحبس لكل واحد منهما في جميع الرهن بدينه ، وإن تلف الرهن عنده استرد الذي قضاه ما أعطاه ; لأن بهلاك الرهن يصير كل واحد منهما مستوفيا دينه من نصف مالية الرهن ، فإن في الرهن وفاء بدينهما ، فتبين أن القابض استوفى حقه مرتين فعليه رد ما قبضه ثانيا ، وقد بينا : أن باستيفاء الدين يتقرر حكم ضمان الرهن ولا يبطل ما لم يعد الرهن إلى يد الراهن .
وإذا ارتهن الرجل من الرجلين دارا بحق له عليهما فهو جائز ; لأنه لا شيوع في الرهن إنما الشيوع في ملك الراهنين ، فإن قضاه أحدهما نصف المال لم يأخذ شيئا من الدار حتى يقضي صاحبه ما عليه ; لأن جميع الرهن محبوس بكل جزء من الدين وقد رضيا فذلك دين أوجبا له الرهن في جميعها صفقة واحدة .
وإذا كانت الأرض بين رجلين فرهناها من رجل له عليهما مال وأحدهما شريك في ذلك المال ، والمال متفرق لم يجز الرهن من قبل أنه لا يكون راهنا لنفسه ، فلما بطل بعضه بطل كله ومعنى هذا أن ملكه لا يجوز أن يكون مرهونا بشيء من نصيبه من المال وبطلان الرهن في جزء من الأرض شائع يبطل الرهن في جميعها .
وإذا ارتهن الرجل من الرجلين أرضا ، أو دارا ولأحدهما أكثر من نصفها وقبض فهو جائز لاتحاد الصفقة ، وثبوت حق المرتهن في حبس الكل وانتفاء الشيوع عن المحل في موجب الرهن وأكثر ما فيه أن دينهما سواء فصاحب الكبير كالمعير نصيبه من صاحبه ليرهنه معه وذلك مستقيم .
وإذا كان المرتهن اثنين والراهن اثنين ، فرهناهما دارا وجعلاها أثلاثا أو نصفين من قبل أيهما وقد فصلا بعض الرهن من بعض معناه : أن يفرق التسمية فيما أوجبا لكل واحد منهما بمنع ثبوت حق الحبس لكل واحد منهما في جميعه أو يوجب ذلك تفريق التسمية ، كما في البيع من رجلين بتسمية متفرقة وبتفرق التسمية يتمكن الشيوع في محل فيما أوجباه لكل واحد منهما ، وذلك مبطل للرهن ، ولو كان لأحدهما ألف درهم ، وللآخر ألفا درهم على حدة فرهناهما الدار جميعا كان جائزا ، ولصاحب الألفين الثلثان ، وللآخر الثلث يعني مقدار ما صار مضمونا بالدين الذي على كل واحد منهما ، فأما حق الحبس فثبت للمرتهن في الجميع لاتحاد الصفقة ، والشيوع في الضمان لا يمنع صحة الرهن ، كما لو كانت قيمة الرهن أكثر من الدين ، وكذلك لو كان جنس المالين مختلفا فباختلاف جنس المال لا تتفرق الصفقة لاتحاد الإيجاب منهما فإن مات أحد الراهنين فورثه الآخر ، فالرهن على حاله ; لأن وارث [ ص: 166 ] الميت يخلفه في ملكه بعد موته ، وكان نصيبه في حياته مشغولا بحق المرتهن ، فكذلك بعد موته .
وإذا شارك الراهن المرتهن في الرهن ونقضاه ، وهو في يدي المرتهن فهو رهن على حاله حتى يقبضه الراهن ; لأن ضمان الرهن انعقد بالقبض ، والدين يبقى شائعا بينهما ، وفسخ العقد معتبر بأصل العقد ، فكما أن ضمان الرهن لا يثبت بالعقد قبل القبض ، فكذلك لا يسقط بالفسخ قبل الرد فإن بدا للمرتهن أن يملكه فله ذلك وليس للراهن أن يأخذه ; لأن بعد العقد قبل التسليم كان للراهن أن يمتنع من التسليم فكذلك بعد الفسخ قبل الرد للمرتهن أن يمتنع من الرد حتى يستوفي دينه اعتبارا لأحد الجانبين بالآخر فبه تتم المعادلة ، وإن بدا للراهن أن يتركه كان للمرتهن أن يرده ; لأنه قبل الفسخ كان يتمكن من ذلك فبعده أولى .
وإذا كان المرتهن اثنين فأراد أحدهما رد الرهن لم يكن له ذلك حتى يجتمعا على الرد ; لأن حق الحبس لكل واحد منهما ثابت في الجميع ولا ولاية لأحدهما على الآخر في إسقاط حقه ، ولأنه لو تمكن من رد نصيبه بطل به الرهن في نصيب الآخر ، فإن الشيوع الطارئ ، كالشيوع المقارن في ظاهر الرواية ورضاه غير معتبر في إلحاقه بالضرر بالعين ، كما لا يعتبر رضا الراهن بذلك في إبطال حق المرتهن ، ولو اختلفا في أصل الرهن ، فقال أحدهما : لم نرتهن ، وقال الآخر : بل قد ارتهنا وأقام البينة ، وقال الراهن لم أرهنه لم يكن رهنا حتى يجتمعا على الدعوى ، وهو قول أبي يوسف .
وقد بينا هذا الخلاف فيما سبق ، وكذلك إن كانا شريكين شركة عنان ، أو مفاوضة وليس هذا كالذي كان رهنا فنقضه أحدهما فإن في المتفاوضين يجوز نقض أحدهما على شريكه ; لأن فيما هو من التجارة كل واحد منهما يقوم مقام شريكه فأما إذا أنكر أحدهما الرهن فقد أكذب شهوده ومع إكذابه يتعذر القضاء بالرهن في نصيبه فيتعذر القضاء به في نصيب الآخر ; لأجل الشيوع .
ولو كانا شريكي عنان فرهنا جميعا رهنا لم يكن لأحدهما أن ينقضه دون صاحبه ; لأنهما كالأجنبي في نقض كل واحد منهما الرهن في نصيب صاحبه فإن شركة العنان لا تتضمن إلا الوكالة بالبيع والشراء ، وفيما سوى ذلك كل واحد منهما في حق صاحبه ينزل منزلة الأجنبي فإن نقضه ، وقبضه ، فهلك عنده كان المرتهن ضامنا لحصة الذي لم ينتقض ; لأنه صار مخالفا برد حصته على الآخر ، ويرجع عليهما بماله ويرجع بنصف القيمة التي ضمن على الذي قبض منه الرهن ; لأن القابض منه لا يرده عليه بمنزلة غاصب الغاصب في حقه ، والغاصب الأول إذا ضمن رجع بما ضمن على الغاصب الثاني ، فهذا مثله قال عيسى : هذا خطأ ، والصواب أن لا يرجع [ ص: 167 ] المرتهن بما ضمن على القابض ; لأنه هو الذي سلمه إليه مع علمه أنه ليس بمالك له ، فهو في حقه كمودع الغاصب ، فإذا ملك الغاصب بالضمان كان مسلما ملك نفسه إلى الأجنبي طوعا ، وقد هلك في يد القابض من غير فعله فلا ضمان عليه إلا أن يكون ادعى الوكالة من صاحبه ، ودفعه المرتهن من غير تصديق ، فحينئذ يرجع عليه لأجل الغرور الممكن من جهته بدعواه الوكالة من صاحبه ، وقد قيل في تصحيح جواب الكتاب أن حالة الشركة التي بينهما توهم كثيرا من الناس جواز قبض أحدهما له في حقهما ، فيقوم ذلك مقام الغرور الذي يمكن بادعاء أحدهما الوكالة ، فكما يرجع هناك بما ضمن ، فكذلك هنا ولو كان رهنه أحدهما بإذن شريكه ثم نقض الرهن وقبضه ، وسلم ذلك المرتهن جاز ذلك ; لأنه هو الذي رهنه .
( ألا ترى ) : أن المستعير للرهن إذا نقض الرهن واسترد العين برضا المرتهن كان جائزا ، فكذلك هنا والله أعلم .
( باب جناية الرهن بعضه على بعض ) ( قال رحمه الله ) : وإذا ارتهن الرجل عبدين بألف درهم وقيمة كل واحد منهما ألف ، فقتل أحدهما صاحبه فإن الباقي يكون رهنا بتسعمائة وخمسين والأصل فيه أن يقال : نصف كل واحد من العبدين مشغول بنصف الدين ونصفه فارغ ، فالنصف الذي هو مشغول من القاتل جنى على نصف شائع من المقتول نصف ذلك مما هو مشغول ونصفه مما هو فارغ ، وكذلك النصف الذي هو فارغ من القاتل جنى على نصف شائع من المقتول نصفه من المشغول ونصفه من الفارغ ، وجناية الفارغ هدر ، وجناية المشغول على المشغول هدر ، وجناية الفارغ على المشغول معتبرة ، وإنما قلنا ذلك ; لأن العبدين على ملك الراهن بعد عقد الرهن ، كما كانا قبله ، وجناية أحدهما قبل عقد الرهن على الآخر خطأ هدر ; لأن المستحق بجناية الخطأ نفس الجاني ملكا ، وهو مملوك لمولى المجني عليه ولو اعتبرت الجناية لاستحق بها على نفسه ملك نفسه وهذا لغو ، فكذلك بعد عقد الرهن لا يمكن اعتبار الجناية لحق الراهن ، وإنما يجب اعتبار الجناية لحق المرتهن ; لأن في حق المرتهن تمييز البعض عن البعض كان لثبوت حق الاستيفاء له في نصف كل واحد منهما
( ألا ترى ) : أن جناية الراهن على المرهون تعتبر لحق المرتهن ، فكذلك جناية ملك الراهن على حق المرتهن تكون معتبرة لحق المرتهن إذا عرفنا هذا فنقول : جناية الفارغ على الفارغ لو اعتبرت إنما تعتبر لحق الراهن إذ لا حق للمرتهن في المحل المجني [ ص: 168 ] عليه من حيث الاستيفاء ، فلا يعتبر ، وكذلك جناية المشغول على المشغول غير مفيد اعتبارها في حق المرتهن ; لأنه لا بد من أن يسقط ما له من الحق في أحدهما أما المجني عليه إذا جعل فائتا لا إلى بدل .
وأما الجاني إذا أقيم مقام المجني عليه بالدفع ، فإنه في حق نفسه يصير تاويا ، وإذا كان اعتبار الجناية في حق المرتهن ، وجناية المشغول على المشغول لا يفيد اعتبارها في حقه كان هدرا ، وكذلك جناية المشغول على الفارغ لو اعتبرت إنما تعتبر لحق الراهن ، فالمرتهن يتصور باعتبار هذه الجناية ; لأنها إذا لم تعتبر لم يسقط من دينه ، وإذا اعتبرت سقط بعض دينه فلهذا لا يعتبر .
وأما جناية الفارغ على المشغول فهي معتبرة لحق المرتهن ففيه توفير المنفعة عليه ; لأنها لو لم تكن معتبرة كان المجني عليه فائتا لا إلى بدل فيسقط ما كان فيها من الدين ، وإذا اعتبرت دفع الجاني بالمجني عليه ، فيتحول ما كان في المجني عليه من الدين إلى الجاني ; لفوات المشغول إلى خلف ، فإذا ظهر اعتبار جناية الفارغ على المشغول قام هذا الربع من الجاني مقام ذلك الربع من المجني عليه فيتحول ما كان فيه ، وذلك مائتان وخمسون إلى الجاني وقد كان فيه خمسمائة بحكم العقد ، فتجتمع فيه من الدين سبعمائة وخمسون ، ويسقط مائتان وخمسون حصة جناية المشغول على المشغول فإن ذلك هدر ، فيكون كالهالك من غير صنع أحد
وإذا أردت اختصار هذا الكلام قلت السبيل أن ينظر إلى مقدار الفارغ من الجاني ، فيتحول مما كان من المجني عليه قدر ذلك إلى الجاني إن كان نصفا فالنصف ، وإن كان ثلثا فالثلث وإن كان ربعا فالربع ، وإن كان عشرا فالعشر وأبو يوسف يستدل بهذه المسألة في جواز الزيادة في الدين حكما في هذه المسألة في حق العبد الجاني كذلك يجوز إثباته قصدا ولكن هذا ليس بقوي ; لأنا إنما لم نجوز الزيادة في الدين بحكم الرهن لمعنى الشيوع باعتبار تفرق التسمية ، وذلك لا يتحقق هنا ، ولو لم يقتله ولكن فقأ عينه كان الباقي ستمائة وخمسة وعشرين ، والمفقوء بمائتين وخمسين ; لأن بذهاب العين المفقوءة تلف نصف نصفه ، وبقي النصف ، فإنما يبقى فيه نصف ما كان من الدين وذلك مائتان وخمسون ، والذي كان في العين مائتان وخمسون ، ونصف الجاني فارغ فيتحول بحساب ذلك إلى الجاني باعتبار جناية الفارغ على المشغول ، وذلك مائة وخمسة وعشرون ، ويسقط نصفه بجناية المشغول على المشغول ، فيجمع في الفاقئ ستمائة وخمسة وعشرون ولا يفتكهما إلا جميعا ; لاتحاد العقد فيهما ولو أن المفقوءة عينه فقأ بعد ذلك عين الفاقئ بقي في الفاقئ الأول ثلثمائة واثنا عشر ونصف ; لأن نصفه فات بفقء العين ، وقد كان الدين فيه ستمائة وخمسة وعشرين ، فبعد فوات النصف إنما يبقى فيه نصف [ ص: 169 ] ذلك ، وهو ثلثمائة ، واثنا عشر ونصف ولحق الفاقئ الآخر مائة وستة وخمسون وربع ; لأن الفاقئ الآخر نصفه فارغ باعتباره يتحول نصف ما كان في عين المفقوء إليه بجناية الفارغ على المشغول ، ويسقط نصفه بجناية المشغول على المشغول والذي كان في العين المفقوءة ثلثمائة واثنا عشر ونصف يسقط ويلحق الفاقئ الآخر نصفه ، وذلك مائة وستة وخمسون وربع مع المائتين والخمسين التي كانت بقيت فيه ، ولو كان كل واحد منهما فقأ عين الآخر مما ذهب من الدين ربعه ، وبقي في عنق كل واحد منهما ثلاثة أرباع خمسمائة ; لأن في عيني الفاقئ في كل واحدة منهما : نصف الخمسمائة يتحول نصف ذلك من المجني عليه إلى الجاني باعتبار جناية الفارغ على المشغول ويسقط نصفه حصة جناية المشغول على المشغول ، فإنما يسقط مما في كل واحدة منهما : ربع خمسمائة ، ويكون كل واحد منهما مرهونا من الحاصل بثلاثة أرباع خمسمائة .
وإذا كان الرهن أمتين قيمة كل واحد منهما : ألف درهم فولدت كل واحدة منهما بنتا تساوي ألفا ، والدين ألف ، فقتلت إحدى الاثنتين صاحبتها لم يبطل شيء من الدين ; لأن كل واحدة من البنتين مملوكة للراهن غير مضمونة على المرتهن .
وقد بينا : أن اعتبار الجناية لحق المرتهن لا لحق الراهن ، ولا منفعة للمرتهن في اعتبار هذه الجناية ، فيجعل كأن إحداهما هلكت من غير صنع أحد ، فلا يسقط شيء من الدين ، فإن ماتت أم المقتولة بقيت القاتلة وأمها : بستمائة وسبعة وثمانين ، ونصف الأم من ذلك بمائتين وخمسين والبنت بمائتين وخمسين من الرهن الأول وبمائة وسبعة وثمانين ونصف مما لحقها من الجناية لأن كل واحدة منهما ، لما ولدت انقسم ما كان فيها من الدين على قيمتها ، وعلى قيمة البنت ، فكان في البنت المقتولة مائتان وخمسون ، وفي أمها مثل ذلك وفي البنت القاتلة مائتان وخمسون ، فلما قتلت إحدى الاثنتين الأخرى نظرنا إلى مقدار الفارغ من القاتلة ، وذلك ثلاثة أرباعها ; لأن قيمتها ألف وفيها مائتان وخمسون ، فتحول مقدار ذلك مما كان في المقتولة إلى القاتلة ، والذي كان في المقتولة مائتان وخمسون ، فثلاثة أرباع ذلك مائة وسبعة وثمانون ونصف تحول ذلك إلى القاتلة باعتبار جناية الفارغ على المشغول ، وربع ذلك كان عاد إلى أم المقتولة ; لفوات ذلك الجزء من ولدها لا إلى خلف ، وقد سقط ذلك بموتها مع ما بقي فيها ; فلهذا افتك القاتلة مع أمها بستمائة وسبعة وثمانين ، ونصف ولم يعتبر هذا التوزيع قبل موت أم المقتولة ; لأن ذلك غير مفيد فإن اعتباره إذا جاء أو أن سقوط شيء من الدين قبل موت أم المقتولة ، سواء جعلت المقتولة فائتة لا إلى بدل أو القاتلة لم يسقط [ ص: 170 ] شيء من الدين ; فلهذا لا يعتبر
( قال رضي الله عنه ) : في جواب هذه المسألة بعض إشكال عندي ; لأن الخمسمائة التي في أم المقتولة إنما انقسمت عليها وعلى ولدها نصفين بشرط بقاء الولد على تلك القيمة إلى وقت الفكاك ، ولم يبق فإن بعض المقتولة هلك ، ولم يخلف بدلا وهو ما تلف بجناية المشغول على الفارغ ، وبجناية الفارغ على الفارغ ، وبجناية المشغول على المشغول ، فكيف يستقيم تخريج الجواب على أن المشغول من المقتول ربعها ؟ ( قال رضي الله عنه ) : والذي تخيل لي بعد التأمل في الجواب عن هذا السؤال : أن جناية القاتلة على المقتولة فيما جعل هدرا يكون كجناية الراهن ; لأنه إنما جعل ذلك هدر باعتبار جناية ملكه ، ويستقيم أن يجعل فعل المملوك كفعل المالك ولأجله جعل هدرا ، وفعل الراهن بمنزلة الفكاك فيتم به ذلك الانقسام ، ولا يبطل فإن قال قائل : كما تعتبر جناية الفارغ على المشغول ينبغي أن تعتبر جناية المشغول على الفارغ في أصل الرهن ; لأن المشغول من أصل الرهن مضمون ، فيكون هذا كجناية المغصوب على وديعة المغصوب منه في يد الغاصب ، قلنا : الفرق بينهما ظاهر فإن ضمان الغصب ضمان العين ، وهو يوجب الملك في العين إذا تقرر ، فباعتبار المال المغصوب منه يكون للغاصب إذا تقرر عليه ضمانه ، وتبين أن هذه جناية عند الغاصب على ملك المغصوب منه ، فكان معتبرا ، فأما ضمان الرهن ضمان الاستيفاء والعين ، فكحكم الأمانة . ( ألا ترى ) : أن تقرر هذا الضمان لا يوجب الملك في العين للمرتهن ، فلا يتبين أن جنايته حصلت على عبد غير مالكه ; فلهذا لا تعتبر هذه الجناية إلا لحق المرتهن من الوجه الذي قررنا .
وإذا ارتهن عبدين كل واحد منهما : بخمسمائة وقيمة كل واحد منهما ألف ، وارتهن كل واحد منهما بعقد على حدة ، فقتل أحدهما صاحبه ، فإنه يخير الراهن والمرتهن ، فإن شاء جعلا القاتل مكان المقتول ، وبطل ما كان في القاتل من الدين ، وإن شاء فديا القاتل بقيمة المقتول ، والفداء عليهما نصفين ، فكانت هذه القيمة هنا مكان المقتول ، وكان القاتل رهنا على حاله ; لأن كل واحد من هذين رهن على حدة معناه : أن الصفقة متفرقة والدين مختلف ، وكل واحد منهما محبوس بغير ما كان الآخر محبوسا به ، أما إذا كان جنس الدين مختلفا : بأن كان أحدهما رهنا بخمسمائة ، والآخر بخمسين دينارا ، فهو ظاهر ، وكذلك إذا اتفق جنس المالين .
( ألا ترى ) : أنه لو أدى ما على أحدهما من الدين كان له أن يفتكه فكان هذا بمنزلة ما لو كان كل واحد منهما مرهونا عند رجل آخر ، فاعتبار جناية أحدهما على الآخر مفيد في حق المرتهن ، فوجب اعتباره بمنزلة جناية المرهون على عبد أجنبي ، أو جناية عبد أجنبي [ ص: 171 ] على المرهون بخلاف الأول فالعقد هناك صفقة واحدة وكل واحد منهما محبوس بالدين الذي به الآخر محبوس .
( ألا ترى ) : أنه لو أدى خمسمائة لم يكن له أن يسترد واحدا منهما ، مثل الدين الذي فيه أن جناية أحدهما على الآخر هل تعتبر ؟ فظاهر المذهب : أن ذلك معتبر لتفرق العقد من الوجه الذي قررنا .
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ( رحمهم الله ) : لا تعتبر جناية أحدهما على الآخر إذا كان جنس الدين واحدا ; لأن العبدين لمالك واحد ، ولا فائدة في اعتبار الجناية في حق المرتهن ، فإن لم تعتبر الجناية سقطت الألف التي في المقتول ; لفواته لا إلى خلف ، وإن اعتبرت سقطت الألف التي في القاتل لما أقيم مقام المقتول بالدفع بالجناية ، ولا فائدة للمرتهن يكون الساقط من دينه هذا الألف دون تلك الألف فلهذا لا تعتبر أصلا ، فأما إذا كان في قيمة كل واحد منهما فضل على الدين فاعتبار الجناية مفيد في حق المرتهن ; لأن الفداء في حصة الأمانة على الراهن إذا عرفنا هذا فنقول : إن اختار الدفع قام القاتل مقام المقتول وخلا مكان القاتل ، فيصير هو في معنى الهالك يسقط ما فيه من الدين ويتحول إليه ما كان في المقتول فإن اختار الفداء بقيمة المقتول ونصف القاتل مضمون فحصة ذلك من الفداء على المرتهن ، ونصفه أمانة وحصة ذلك من الفداء على الراهن ، فيغرم كل واحد منهما خمسمائة ثم هذه القيمة قائمة مقام المقتول ، فيكون بما كان رهنا في المقتول ، وقد فرغ القاتل من الجناية ، فيبقى رهنا على حاله ولو كان فقأ أحدهما عين الآخر قيل لهما : ادفعاه أو افدياه بأرش على الآخر لما قلنا فإن دفعاه فقد خلا مكان الجاني فيبطل ما فيه من الدين وهو خمسمائة
وإن فدياه كان الفداء عليهما نصفين ، وكان الجاني رهنا على حاله ; لأنه فرغ من الجناية وكان الفداء رهنا مع المفقوءة عينه بالدين الذي كان فيه ; لأن نصفه فات إلى خلف فيبقى الدين الذي فيه تبعا للخلف فإن قال المرتهن : لا أبقي الجناية وأدع الرهن على حاله ، فله ذلك ; لأن اعتبار هذه الجناية لحق المرتهن ، فإن العبدين كل واحد منهما ملك الراهن ، فإذا لم يطلب المرتهن حقه لم تعتبر الجناية ، ويجعل كأن العين ذهبت من غير صنع أحد فيسقط نصف ما كان في المفقوءة عينه من الدين ، والباقي رهن على حاله بما كان فيه من الدين ، وإن طلب المرتهن الجناية ، فقال الراهن : أنا أفديه ، وقال : المرتهن لا أفدي ولكني أختار الدفع فللراهن أن يفدي بأرش الجناية كلها ; لأن جناية المملوك تثبت الخيار للمالك بين الدفع والفداء ، فلا يمكن للمرتهن إبطال هذا الخيار على المالك ، وليس في اختيار الراهن الفداء ضرر على المرتهن ، فإذا فداه بأرش [ ص: 172 ] الجناية ، فإنه يكون له نصف ذلك غرما على المرتهن في العبد الجاني ; لأن الفداء في النصف الذي هو مضمون على المرتهن ، والراهن غير متطوع في هذا الفداء ; لأنه يطهر به ملكه عن الجناية ، فلهذا كان نصف الفداء غرما له على المرتهن في العبد الجاني فيبطل من حقه في العبد الجاني نصفه بطريق المقاصة ; لأن الراهن استوجب عليه مثل ما كان للمرتهن عليه في هذا النصف ، ويبقى الجاني رهنا بمائتين وخمسين ، والمفقوءة عينه مع الفداء رهنا بما كان فيه وإن أبى الراهن أن يفدي وقال المرتهن : أنا أفدي بجميع الأرش فدى وكان متطوعا فيه لا يلحق الراهن مما فدى منه شيء ; لأنه تبرع بفداء ملك الغير ولم يكن مجبرا عليه ، وإن كان الراهن غائبا ففداه المرتهن كان على الراهن : نصف ذلك الفداء دينا وهو قول أبي حنيفة ، وفي قولهما يكون متطوعا وأصله في جناية المرهون على الأجنبي ، وبيانه يأتي في بابه إن شاء الله تعالى .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|