
23-12-2025, 05:50 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,219
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 142الى صـــ 151
(438)
إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فرهنه بها عبدا يساوي ألفين وقبضه المرتهن ثم أقر المرتهن أن الرهن لرجل غصبه الراهن منه لم يصدق المرتهن على الراهن ; لأن العين باقية على ملك الراهن ، وإقرار الإنسان في ملك الغير باطل ، والمرتهن حافظ للعين كالأمين ، وإقرار المودع الوديعة لغير المودع باطل إذا كان الإيداع ظاهرا ، فيؤدي الراهن الدين ويأخذ العبد ولا سبيل للمقر على العبد ، ولا على ما أخذ المرتهن ; لأن المرتهن أخذ دينه ورد العبد على ما أخذ منه فانفسخ به حكم قبضه سواء كان المقبوض منه مالكا أو غير مالك كالمرتهن من الغاصب إذا رده عليه وإقراره ليس بحجة على الراهن ، فلا سبيل للمقر له على العبد الذي في يده بغير حجة وإن مات العبد في يدي المرتهن صار مستوفيا لدينه باعتبار الظاهر ; لأن في قيمة الرهن وفاء بدينه وزيادة فكان ضامنا جميع قيمته للمقر له ; لأن إقرار العبد كان في يده كالمغصوب فإنه كان مملوكا للمقر له ، وقبضه بغير إذنه وإقراره حجة عليه فيضمن جميع قيمته إذا تعذر رده بالهلاك ولو كان المرتهن لم يقر برقبة العبد ، ولكنه أقر أن له عليه دينا ألف درهم استهلكها ، وقد مات في يد المرتهن فإن المقر يرجع على المرتهن بألف درهم ; لأنه أقر أن ماليته كانت مستحقة بدين المقر له وأنه في القبض بغير إذن صاحب الدين على جهة الرهن غاصب في حقه فإذا هلك في يده ضمن له مقدار حقه وهو ألف درهم ، كما لو كان ما أقر به ظاهرا ، ولأنه بالهلاك في يده صار مستوفيا دينه وهو ألف درهم من ماليته والمقر له كان أحق بماليته بزعمه فيغرم له ما صار مستوفيا دينه وهو ألف درهم .
ولو أقر المرتهن برقبته لرجل وقد كان الراهن جعل بينهما عدلا يبيعه واستوفى المرتهن حقه فباعه العدل بألف درهم ، ودفعه وقبض الثمن فنقد المرتهن منه ذلك ألف درهم وأعطى الراهن ألف درهم فإذا أجاز المقر له البيع أخذ الألف التي أخذها المرتهن ; لأن إجازة البيع بالثمن حقه بزعم المرتهن وما استوفى المرتهن جزءا من الثمن وإقراره فيما وصل إليه حجة فيما أخذه الراهن وإن لم يجز البيع فلا سبيل له على ما أخذ المرتهن ; لأن المقر له يزعم أن عين العبد هي ملكه ولم يصل العبد إلى يد المرتهن قط ويزعم أن الثمن مال مشتري العبد ولا سبيل له على مال مشتري العبد في يد من كان وإنما عليه أن يثبت ملكه في المشترى بالحجة ، ولو أثبت ذلك كأن يأخذ العبد ولا سبيل له على الثمن ولكن المشتري هو الذي يرجع بالثمن فقبل الإثبات أولى أن لا يثبت له على الثمن سبيل .
ولو كان المرتهن لم يقر بالرقبة ولكنه [ ص: 143 ] أقر أن العبد قد استهلك لرجل ألفي درهم والمسألة بحالها فإن المرتهن يدفع الألف التي قبض من ثمنه إلى المقر له أجاز البيع أو لم يجزه ; لأن الرقبة لم تكن للمقر له ، فلا يضره أجاز البيع أو لم يجز ، ومعنى هذا : أن حق صاحب الدين في مالية العبد دون عينه ، وعند إجازته البيع تسلم له المالية ، فالتمليك يكون من جهة المالك والذي قبض المرتهن من ثمنه مالية ، فعليه أن يدفع ذلك إلى المقر له باعتبار إقراره أما إذا أجاز البيع فظاهر .
وأما إذا لم يجز فهو يزعم أن المشتري حابس للمالية التي هي حقه ضامن له مثل ذلك وما قبضه المشتري ماله فقد ظفر بجنس حقه من مال غريمه فكان له أن يأخذه منه بخلاف الأول فهناك في زعمه أن العبد باق على ملكه ( ألا ترى ) أنه لو أقام البينة كان يسلم له ملك العبد فلا سبيل له على مال المشتري مع بقاء العبد على ملكه ثم لا يرجع المرتهن على الراهن بما أخذ منه المقر له ; لأنه أخذ ذلك من حكم إقراره وإقراره ليس بحجة على الراهن .
وإذا رهن الرجل عبدا يساوي ألف درهم بألف درهم فحفر العبد عند المرتهن بئرا في الطريق ثم إن الراهن أدى الدين وأخذ عبده فوقعت في البئر دابة تساوي ألفا فإن العبد يباع في الدين إلا أن يفديه الراهن ; لأنه بالحفر تسبب لإتلاف الدابة وهو متعد فيه فيكون كالمباشر في حكم الضمان ولو أتلف العبد دابة بيع في قيمتها إلا أن يفديه المولى ، فإن بيع بألف درهم وأخذها صاحب الدابة رجع الراهن على المرتهن بالدين الذي قضاه ; لأن العبد تلف بفعل كان منه عند المرتهن وهو الحفر فتبين به أن الرد لم يسلم ويجعل هو كالهالك في يد المرتهن فصار هو مستوفيا دينه بالهلاك وقد استوفاه مرة أخرى فعليه رده ( ألا ترى ) أن العبد المغصوب لو فعل مثل هذا في يد الغاصب كان للمغصوب منه أن يرجع عليه بقيمته ويجعل كالهالك قبل الرد
وإن وقعت في البئر دابة أخرى تساوي ألفا فعطبت رجع صاحبها على صاحب الدابة الأولى وأخذ منه نصف ما أخذ ; لأنهما مشتركان في ثمن العبد فإن الجناية على الدائنين تستند إلى سبب واحد وهو الحفر ، وهما من جنس واحد فهو كما لو استهلك الدابتين معا فيكون ثمنه بينهما نصفين فإذا أخذ منه نصف ما أخذ لم يكن لصاحب الدابة الأولى أن يرجع على الراهن بشيء مما قبض من الدين ; لأنه إنما قبض ما كان أعطى المرتهن بطريق أنه استوفى حقه مرتين ، ولم يقبض منه من قيمة العبد شيئا ، وحق صاحب الدابة في مالية العبد لا في مال آخر من ملك مولى العبد فإن وقع في البئر حر أو عبد فمات فدمه هدر بمنزلة العبد إذا حفر بئرا في الطريق ثم استهلك مال إنسان فبيع في قيمته ثم وقع في البئر [ ص: 144 ] إنسان ، وهذا ; لأن نفس الحفر ليس بجناية ، وإنما يصير جناية إذا اتصل الوقوع به والمستحق بجناية على الآدمي نفسه ، فعند الوقوع هو ملك المشتري ، وأصل فعل العبد لم يكن في ملكه فلا تتوجه عليه المطالبة بالدفع بفعل سبق ملكه ، ولا تتوجه المطالبة به على البائع ; لأن فعل العبد موجب سببا في ملكه ، والبيع كان بحق شرعي لا باختياره فلا يضر تعلقه به وهذا بخلاف ما لو كان الواقع دابة أخرى ; لأن المستحق به من العبد كالمستحق بالأول فيمكن جعل الثمن مشتركا بينهما ، وهنا المستحق نفس العبد فلم يكن حق ولي الجناية من جنس حق صاحب الدابة إلا قبض الثمن ، ولما تعذر إثبات حقه في الثمن ، واستحقاق نفس العبد غير ممكن من الوجه الذي قلنا كان دمه هدرا .
وإذا رهن الرجل أمة بألف درهم وقيمتها خمسمائة ثم قبضها وكاتبها فللمرتهن أن يبطل الكتابة ; لأن الكتابة من الراهن تصرف يحتمل الفسخ وفي عوده إضرار بالمرتهن ، وكان له أن يفسخ ذلك لدفع الضرر عن نفسه ، كما يفسخ بيع الراهن ، وكما يفسخ أحد الشريكين ، كدابة شريكه ولو لم يكاتبها ، ولكنه دبرها فسعت في خمسمائة ثم ماتت وقد ولدت بنتا تساوي خمسمائة فعلى ولدها أن يسعى في خمسمائة ; لأن الباقي من دين المرتهن هذا القدر ، وولدها بمنزلتها يدبر للراهن ، وهو أحق بكسبه فكما كان على الأم أن تسعى في دين المرتهن باعتبار أن الراهن موسر بهذا الطريق ، فكذلك ولدها يسعى فيما يوفي دينه فإن سعت البنت في مائة درهم ثم ولدت بنتا ثم ماتت البنت الأولى ، وقيمة الأولى والسفلى سواء فعلى السفلى أن تسعى فيما بقي كله ; لأنها كالأولى مدبرة للراهن ، وهو أحق بكسبها ، والسفلى جزء من الأولى فبقاؤها كبقاء الأولى .
ولو رهن أمتين بألف درهم وقيمة كل واحدة منهما ألف فدبرهما المولى ثم ماتت إحداهما سعت الباقية في نصف الدين ويضمن المولى نصف الدين ; لأن الدين انقسم بينهما بحكم الرهن نصفين ، ووجوب السعاية على كل واحدة منهما بعد التدبير كحكم الرهن ، وإنما يجب على كل واحد منهما بقدر ما كان فيها من الدين والذي في الباقية نصف الدين فتسعى فيه ويضمن المولى نصف الدين ; لأنه بالتدبير مسترد لها فكأنه افتكها ثم ماتت فعليه قضاء ما كان منها من الدين ، فإن قيل فإن ذهب ما قلتم : أن السعاية على المدبرة باعتبار أن المالك لكسبها موسر بهذا الطريق قلنا : نعم ، ولكن السعاية عليها بهذا الطريق كان بحكم الرهن في الدين الذي كانت هي مرهونة به فلهذا لو لم تكن مرهونة لم يكن عليها السعاية في ديون المولى ما دام المولى حيا وكل واحدة [ ص: 145 ] منهما كانت مرهونة بنصف الدين مقصودا بخلاف الأول فالسعاية على الولد هناك باعتبار أنه جزء من أجزاء الأم ; لأن حكم الرهن ثابت فيه بطريق السعاية ، والأم كانت مرهونة بجميع الدين وكان وجب عليها السعاية في جميع الدين بهذا الطريق فيجب ذلك على ولدها الذي هو جزء منها إذا كان مثلها في الصفة ، يقول : فإن ولدت هذه الباقية بنتا ثم ماتت قبل أن تسعى في شيء وقيمتها مثل قيمة أمها أو أقل أو أكثر سعت في خمسمائة تامة ; لأنها جزء من أجزاء الأم ، وقد كانت مرهونة بخمسمائة خرجت بالتدبير من الرهن ، ووجب عليها السعاية في ذلك فتجب على ولدها الذي هو جزء منها السعاية في ذلك القدر أيضا ; لأن هذا الجزء نصفها
ولو كانت ولدتها قبل التدبير ثم دبرهما جميعا ، وقيمتها مثل قيمة أمها سعت في مائتين وخمسين ; لأن حكم الرهن ثبت في الولد حين انفصل قبل التدبير وانقسم ما في الأم من الدين على قيمتها وقيمة الولد بشرط بقاء الدين إلى يوم الفكاك على هذه القيمة وقد بقي فإنه صار مقصودا بالتدبير وذلك بمنزلة الفكاك ; لأنه يخرج به من الرهن فوجبت عليها السعاية فيما كان فيها من الدين وهو مائتان وخمسون وإذا صار مقصودا يوجب السعاية فيما كان على الأم بخلاف الأول فهناك إنما انفصل الولد بعد ما خرجت الأم من الرهن بالتدبير فلم يصر الولد مقصودا بالسعاية في شيء حين لم يصر مقصودا بالفكاك بل هو في حكم جزء من الأم فعليه السعاية فيما وجب عليها وهذا بخلاف ما إذا انفصل الولد حرا ; لأن الذي انفصل حرا ليس على صفة الأم فإن كسبه ليس لمولاه ، بل هو أحق به فلا يمكن أن يجعل تبعا في السعاية الواجبة بحكم الرهن فأما الذي انفصل مدبرا ، فهو نصف الأم فيلزمه من السعاية ما كان على الأم .
ولو رهن أمة تساوي ألفا فولدت بنتا تساوي ألفا ثم دبر المولى الأم ، وهو معسر فعلى الأم أن تسعى في خمسمائة ; لأن نصف الدين تحول منها إلى الولد ، وهو نائب فيه ما بقي الولد ، والمولى بالتدبير صار مستردا للأم فعليها أن تسعى فيما كان فيها من الدين عند التدبير ، وذلك خمسمائة ، فإن ماتت ابنتها سعت في الألف تامة ; لأن الولد لم يصر مقصودا بالفكاك حين لم يدبر الولد وبالفكاك صار كأن لم يكن ، فتبين أن جميع الدين كان في الأم ، وقد أخرجها من الرهن بالتدبير ، فعليها أن تسعى في جميع الألف فإن لم تمت البنت وماتت الأم ثم دبر البنت فعلى البنت أن تسعى في خمسمائة ; لأنها صارت مقصودة بالفكاك حين دبرها فيستقر ما كان فيها من الدين وذلك خمسمائة فعليها أن تسعى في ذلك ، وبعد ما صارت مقصودة [ ص: 146 ] لا تلزمها السعاية في شيء مما كان على أمها فإن ولدت البنت بنتا ، وماتت البنت الأولى سعت السفلى في خمسمائة وإن كان قيمتها مائة ; لأنها جزء من الأولى ، وهي تابعة للأولى في حكم هذه السعاية فإنها صارت مقصودة بحكم الرهن .
ولو ولدت أمة الرهن بنتا ثم ولدت البنت بنتا ، وقيمة كل واحدة منهن ألف درهم ثم دبرهن جميعا ثم ماتت الأم ، والبنت ، الآن كان على السفلى أن تسعى في نصف الدين من أنه لا يحتسب بالوسطى ، وقد طعن عيسى في هذه المسألة وقال : ينبغي أن تسعى في ثلث الدين ; لأنه كالقابض للوسطى بالتدبير ، وكيف لا تحتسب بها وقد صارت مقصودة بالفكاك والسفلى تابعة للأم كالأولى فانقسم الدين عليهن أثلاثا ثم بالتدبير أخرجهن من الرهن ، فيتقرر في كل واحدة منهن ما كان فيها ، وهو ثلث الدين فعلى السفلى السعاية في ذلك القدر خاصة ، ولا تأويل لجواب محمد ( رحمه الله ) سوى أنه ذهب بالدين إلى أنه وضع المسألة فيما إذا دبر الأم والسفلى دون الوسطى ، فلهذا قال : لا يحتسب بالوسطى .
( ألا ترى ) أنه بنى عليه فقال : وكذلك لو ماتت الأم والبنت قبل التدبير ثم دبر السفلى ثم علل ، فقال : لأني لا أحتسب بالوسطى إذا لم يقع عليها التدبير ، فهذا يتعين أن مراده في الفصل الأول ما إذا لم يدبر الوسطى ، فأما إذا دبرهن جميعا فالجواب ، كما قال عيسى ولو ولدت أمة الرهن ولدا يساوي ألفا ثم دبرهما فكل واحدة منهما صارت مقصودة بالسعاية في نصف الألف فبموت الأم لا يتحول شيء من سعايتها إلى الولد ، ولو ماتت البنت سعت الأم بالألف كلها وهذا التفريع غير مذكور في نسخ الأصل وإنما ذكره الحاكم في ( المختصر ) والأظهر أنه غلق ; لأن البنت صارت مقصودة بالفكاك فإذا ماتت بعد ذلك لا يمكن أن يجعل كأن لم يكن ، ولا يتحول ما كان منها من السعاية إلى الأم وإنما عليها السعاية في مقدار الخمسمائة ، وإن صح هذا فوجهه أن الأم في الأصل كانت مرهونة بجميع الدين وتمام الفكاك في الولد لا يحصل بالتدبير ، وإنما تمام الفكاك بوصول حصة الولد من الدين إلى المرتهن ولم يصل إليه شيء فوجب على الأم السعاية في جميع الدين ; لأن حق المرتهن في استسعاء الأم في جميع الدين بعد التدبير كان ثابتا والراهن لا يملك إبطال ذلك الحق بتدبير الولد ; فلهذا سعت له في الألف كلها بخلاف ما إذا ماتت الأم فالبنت ما كانت مرهونة بجميع الألف قط ، فلا تجب على البنت السعاية إلا في مقدار ما كانت مرهونة به .
ولو رهن أمة تساوي ألفا بألف إلى أجل فولدت ولدا يساوي ألفا فدبر المولى الولد وهو موسر ضمن قيمته ; لأنه أتلف حق المرتهن فيه [ ص: 147 ] بالتدبير ، فكأنه أتلفه بالاستهلاك فيضمن قيمته ، ويكون رهنا مع الأم وإن كان معسرا سعى العبد في خمسمائة ، مقدار ما كان مرهونا به فإن مات الولد قبل أن يفرغ من السعاية كانت الأم رهنا بألف لا تفتكها إلا بها ، وإن ماتت أمه كانت بخمسمائة ; لأن المولى ضامن من القيمة الولد وبقاء قيمة الولد ، كبقاء عينه فكانت الخمسمائة من الدين فيه فإنما يسقط بموت الأم خمسمائة ولكن لو مات الولد كانت الأم رهنا بجميع الدين لما بينا : أن حق المرتهن في جنسها بجميع الألف كان ثابتا والمولى بتدبير الولد لا يملك إبطال حق ثابت للمرتهن في الأم ، ولكن موته قبل التدبير وبعد التدبير سواء فيما يرجع إلى إبطال حق المرتهن ; فلهذا لم يكن له أن يفتك الأم إلا بجميع الألف .
ورهن العبد التاجر من الأجنبي وارتهانه جائز ; لأنه منفك الحجر عنه في إيفاء الدين واستيفائه كالمكاتب وكذلك إن رهن ولده أو والده ; لأنه مالك له بخلاف المكاتب فإن الوالدين والمولودين يتكاتبون عليه ، ويتعذر عليه بيعهم إذا ملكهم فلا يجوز له أن يرهنه أيضا وفي الإخوة كذلك الجواب عندهما وعند أبي حنيفة لا يمتنع عليه بيع الإخوة ، فلا يمتنع عليه رهنهم بالدين أيضا .
وإن رهن المأذون من مولاه أو ارتهنه ولا دين عليه لم يجز ; لأن أكسابه ملك لمولاه وفي هذه الحالة هو لا يستوجب الدين على المولى ولا المولى عليه والرهن والارتهان لا يكون إلا بدين واجب وإن كان عليه دين جاز له أن يرهن من مولاه ; لأنه يستوجب على المولى دينا يطالبه به ويستوفيه لحق الغرماء فيجوز أن يرتهن به أيضا ، ولا يجوز لمولاه أن يرتهن منه ; لأن المولى لا يستوجب عليه دينا يطالبه به وأنه مالك لرقبته ، وإن كان عليه دين فلا يجوز له أن يرهن منه .
وإذا أخذ العبد رهنا بشيء يقرضه فهلك الرهن عنده قبل أن يقرضه وقيمته والقرض سواء فهو ضامن لقيمته ; لأن المقبوض على جهة الشيء كالمقبوض على حقيقته ، ولو أقرض مالا وقبض به الرهن فهلك عنده كان هو بالهلاك مستوفيا ، وإن كان أقرضه لا يجوز فكذلك إذا ارتهن على جهة الإقراض يصير مستوفيا بهلاكه ويجب عليه رد ما استوفى حين لم يكن له على مالك الرهن شيء وكذلك لو ارتهن بكفالة بالمال يصير مستوفيا بهلاك الرهن ، وإن لم تصح كفالته في حق المولى وعليه رد ما استوفى ولا يجوز للعبد التاجر أن يرهن عن غيره وإن أذن له مولاه فيه إذا كان عليه دين ، وعليه دين ; لأن رهنه عن غيره بمنزلة قضائه دينه بكسبه ، وهو ينزع منه كالإقراض فلا يصح لحق غرمائه وإن رضي به مولاه ، وكذلك لا يصح من المكاتب كنفس الإقرار ، وإن لم يكن عليه دين جاز بإذن المولى ; لأن كسبه حق [ ص: 148 ] المولى ، ولو باشر المولى ذلك في كسبه جاز فكذلك إذا فعله العبد بإذنه .
وارتهان العبد التاجر من العبد التاجر جائز فيما يجوز من الإقرار ; لأنها من صنع التجار ولا يجوز للعبد التاجر أن يرهن نفسه ، كما لا يجوز له أن يبيع نفسه .
وقد بينا : أنه لو رهن ما لا يملك بيعه لا يجوز ذلك وهو لا يملك بيع نفسه إذ موجبه ضد موجب الإذن فإن موجب الإذن فك الحجر عنه ، وموجب بيع نفسه إثبات الحجر عليه فإن فعل ذلك فأجازه المولى جاز إن لم يكن عليه دين غير ذلك ( ألا ترى ) أنه لو باع نفسه بذلك الدين فأجازه المولى جاز ، فكذلك إذا رهنه ، وهذا لأن المولى يملك مباشرة بيعه في هذه الحالة والإذن له في ذلك ، فإجازته في الانتهاء كالإذن في الابتداء .
وإذا رهن العبد أو ارتهن ثم حجر عليه فالرهن جائز ; لأنه تصرف في حال انفكاك الحجر عنه ، وكذلك المكاتب إذا عجز ، ولا يجوز للعبد المحجور عليه أن يرهن ، ولا يرتهن إلا أن يجبره المولى بمنزلة سائر التصرفات ، ومنها البيع والشراء وبمنزلة الإيفاء والاستيفاء .
وإذا رهن المولى شيئا من متاع العبد المأذون وعليه دين لم يجز ، وإن أجازه العبد ; لأن كسبه حق غرمائه والمولى ضامن لما رهنه بحق الغرماء ، والعبد لا يملك إسقاط حق الغرماء بإجازته رهن المولى إن لم يكن عليه دين جائز ; لأن كسبه خالص حق المولى وكذلك لو أعار العبد سلعة رجلا أو رهنه فرهنه لم يجز ; لأن هذا بمنزلة الإقراض منه لمالية المتاع ، فإن أجازه المولى وعليه دين لم يجز ; لأن المولى ممنوع من هذا التصرف في كسبه لحق غرمائه ، فلا ينفذ بإجازته ، وكذلك إن أجازه الغرماء ; لأن دينهم لا يسقط بالإجازة ، وهو بمنزلة ما لو أقرض العبد شيئا من كسبه لم يجز ذلك ، وإن أجازه الغرماء
ولو رهن الصبي الحر - من غيره - رهنا بأمر أبيه لم يجز ; لأنه بمنزلة الإقراض والأب لا يملك الإقراض في مال الصبي في ظاهر الرواية ، فكذلك الصبي لا يملك الإقراض بأمر أبيه واشتراط الخيار للراهن في الرهن ثلاثة أيام جائز ، كما في البيع ; لأن عقد الرهن يلزم من قبل الراهن وتأثير اشتراط الخيار في منع اللزوم مستفاد ، ذلك بشرط الخيار للراهن ولا معنى لاشتراط الخيار للمرتهن ; لأنه لا يتعلق به اللزوم في حقه ، فإنه متمكن من رده متى شاء بغير خيار ، وكذلك لا معنى لخيار الرؤية فيه ; لأن ذلك لو ثبت إنما يثبت للمرتهن ، وهو متمكن من رده بعد الرؤية متى شاء ، وليس له أن يأخذ مكانه رهنا آخر ، وإن كان ذلك مشروطا ; لأن حكم الرهن لا يثبت بدون القبض ، ولم [ ص: 149 ] يوجد منه القبض في عين أخرى ، فلا يكون له أن يطالب به ، فلهذا لا يثبت للمرتهن خيار الشرط والرؤية والله أعلم .
( باب رهن أهل الكفر ) ( قال رحمه الله ) : الرهن والارتهان جائز بين أهل الذمة فيما يجوز بيعهم فيه بمنزلة الإيفاء والاستيفاء فهو المقصود بالرهن أو بمنزلة سائر المعاملات فالرهن منها ، وهم في المعاملات يسوون بنا ، فإن رهنه خمرا فصارت خلا فإن كانت قيمته مثل قيمتها يوم ارتهنها فهو رهن على حاله ; لأن العين باقية في المالية ، وما لم يتقوم لم يتغير بتغير هذا الوصف ، وضمان الرهن باعتبار المالية ، فبتغير الوصف إذا لم يكن بقضاء باقي المالية لا يعتبر ، وكذلك لو رهنه عصيرا فصار خمرا ; لأن العين بكل واحد من الوصفين مال متقوم في حقهم .
ولو رهنه شاة فماتت سقط الدين لفوات المالية في ضمان المرتهن وفيها وفاء بالدين فإن دبغ المرتهن جلدها فهو رهن ; لأن الجلد بالدبغ صار مالا متقوما وهو مما تناوله الرهن فبقدر ما جنى من المالية يعود من الدين ، وهذا بخلاف الشاة المشتراة إذا ماتت قبل القبض فدبغ البائع جلدها فإن سقط شيء من الثمن لا يعود هناك ; لأن سقوط الثمن بانفساخ البيع ، وبه عاد العبد إلى ملك البائع ، فالجلد المدبوغ ملك البائع ، فلا يعود الملك فيه بعد ما انفسخ فأما سقوط الدين هنا فبطريق الاستيفاء وانتهاء حكم الرهن مع بقاء الدين على ملك الراهن فالجلد المدبوغ يكون ملكا له وقد كان حكم الرهن فيه متقررا بالانتهاء ، فلهذا يعود من الدين حصة ما جنى من مالية الجلد فإن كان الدين عشرة دراهم وكانت الشاة تساوي عشرة والجلد يساوي درهما فهو رهن بدرهم ، وإن كانت الشاة تساوي عشرين يوم ارتهن ، والدين عشرة ، وكان الجلد يساوي درهما يومئذ ، فالجلد رهن بنصف درهم والحاصل أن انقسام الدين على مالية الجلد واللحم وقت عقد الرهن ، وقد علمنا أن بمقابلة كل درهم من الرهن نصف درهم من الدين ; لأن قيمة الشاة ضعف الدين فتعود مالية الجلد بعود نصف ماليته من الدين ، وذلك نصف درهم ، فإن كانت الشاة يوم ارتهنت تساوي خمسة والجلد يساوي درهما فقد ذهب من الدين أربعة والجلد رهن بستة لأن الخمسة من الدين كانت باقية ، وقد عاد من الساقط بقدر مالية الجلد وهو درهم وكل جزء من الرهن محبوس بجميع الدين ; فلهذا كان الجلد مرهونا بما بقي من الدين ، وهو ستة ، وإن هلك هلك [ ص: 150 ] بدرهم .
ولو ارتهن المسلم من مسلم وكافر خمرا فصارت في يده خلا لم يجز الرهن ; لانعدام المالية والتقوم في الخمر بخمر في حق المسلم وموجب الرهن ثبت بالعقد عند القبض والخمر ليس بمحل لذلك في حق المسلم ، فبطل العقد ; لأنه لم يصادف محله ، والعقد الباطل بحدوث الصلاحية في المحل المضاف إليه لا ينقلب صحيحا كما لو اشترى مسلم خمرا فتخللت ، أو صيدا قبل الأخذ ثم أخذه البائع ، وللراهن أن يأخذ الخل ولا يعطيه أجرا ; لأن عين ملكه تغير بطبعه من غير أن زاد المرتهن فيه شيئا من ملكه ، أو أحدث فيه صنعا والدين عليه كما كان إن كان الراهن مسلما ، وإن كان الراهن كافرا ، وكانت قيمته - يوم رهنه - والدين سواء فله أن يدع الخل ويبطل الدين ; لأنه قبض الخمر على وجه الضمان فخمر الكافر يجوز أن تكون مضمونة على المسلم بالقبض وبالتخلل ، فإن مقصود المضمون له بصفة الخمرية كانت مقصودة له ولا وجه لإسقاط شيء من الدين باعتباره فكان له أن يجعل العين في حكم المستهلك ، ويصير المرتهن مستوفيا دينه بطريق المقاصة قيل : هذا قول محمد كما هو أصله في القلب إذا انكسر أنه تعتبر حالة الانكسار بحالة الهلاك ، والأصح أنه قولهم جميعا ; لأن أبا حنيفة وأبا يوسف ( رحمهما الله ) هناك في حال الانكسار يوجبان ضمان القيمة ; لأن تمليك العين بضمان القيمة من الضامن ممكن وهنا ذلك غير ممكن والمضمون بالرهن هو الخمر والمسلم ليس من أهل أن يكتسب بسبب ملك الخمر ببدل فلم يبق إلا أن يكون له أن يدع الخل ويبطل الدين ، وهذا بخلاف ما إذا كان المرتهن ذميا ; لأن هناك العقد صحيح ، فباعتبار صحة العقد يكون المضمون هو المالية والمالية لم تتغير بالتخلل وهنا العقد باطل ، والمضمون بالقبض هو العين ; لأن الراهن ما رضي بقبضه إلا باعتبار العقد فبدونه أشبه قبض الغصب .
ولو غصب المسلم من ذمي خمرا فتخللت عنده كان للمغصوب منه أن يدع الخل ، ويضمنه قيمته فهنا أيضا له أن يدع الخل ويختار تضمين القيمة ثم يصير قصاصا بدينه ، وقيمته يوم الرهن والدين سواء ، وبهذا التحقيق يظهر الاستيفاء عن القدر الذي ذكرنا لأبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) في الفرق بين هذا وبين القلب المستهلك فإنه لا فرق سوى أن القيمة هناك من خلاف جنس الدين فلا يصير قصاصا بالدين وهنا القيمة من جنس الدين فيصير قصاصا بالدين .
ولو ارتهن مسلم عصيرا فصار خمرا ، والراهن مسلم أيضا لم يكن للراهن أن يأخذه وللمرتهن أن يخللها ، ويكون رهنا ، كما كان يبطل منها على حساب ما نقص من الدين ; لأن بحدوث صفة الخمرية تنعدم المالية ، ويتقوم في حق المسلم وذلك مسقط للدين إلا أن [ ص: 151 ] المرتهن متمكن من إعادة المالية بالتخليل ، فلا يكون للراهن أن يبطل عليه ذلك بأخذها فإذا خللها المرتهن وقد عادت المالية وبعودها يعود حكم الرهن ، كما في الشاة الميتة إذا دبغ جلدها إلا أنه إن كانت مالية الخل دون مالية العصير فقد انتقضت المالية بتغير حدث في عين المرهون ، فهو بمنزلة العيب يسقط بحصته من الدين وإن كان الراهن كافرا فله أن يأخذ الرهن فيكون الدين على حاله ، وليس للمسلم أن يخللها ; لأن بحدوث صفة الخمرية لم تنعدم المالية في حق الراهن ، وقد فسد العقد به ; لأن الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود به كالمقترن بالعقد والمسلم لو ارتهن خمرا من كافر لم يصح ، فكذلك إذا ارتهن عصيرا فتخمر يفسد العقد ، كما لو اشترى عصيرا فتخمر قبل القبض وإذا فسد العقد كان للراهن أن يأخذها والدين عليه ، كما كان ; لأن شيئا من المالية لم يفت في ضمان المرتهن وليس للمسلم أن يخللها هنا ; لأن صفة الخمرية مقصودة للكافر ، فليس للمسلم أن يبطلها عليه بالتخلل فإن خللها فهو ضامن لقيمتها يوم خللها ; لأنه صار غاصبا بما صنع فهو ، كما لو غصب خمر ذمي وخللها فيضمن قيمتها ، والخل له ويرجع بدينه ; لأن رد القيمة كرد العين ، فلا يسقط شيء من دينه عن الراهن .
ولو رهن الذمي عند الذمي جلد ميتة فدبغه المرتهن لم يكن رهنا ; لأن الميتة ليست بمال في حقهم ولا يجوز بيعها بينهم فلا يجوز رهنها ، ثم ما لم يكن مرهونا فبحدوث صفة المالية فيه لا يصير مرهونا ، وللراهن أن يأخذه ويعطيه قيمة الدباغة إن كان دبغه شيئا له قيمة بمنزلة من غصب جلد ميتة فدبغه .
وإذا ارتهن الذمي من الذمي خمرا ثم أسلم فقد خرجت من الرهن ; لأن الإسلام الطارئ بعد العقد قبل تمام المقصود به - كالمقارن للعقد بمنزلة التخمر في العصير في حق المسلم ، فإن خللها فهو أن أصل العقد كان صحيحا ثم فسد لانعدام المالية والتقوم بسبب إسلامهما في حقهما ، فإذا خللها المرتهن فقد عاد فيها صفة المالية والتقوم ، فكانت رهنا على حالها وكذلك لو أسلم أحدهما أيهما كان ثم صار خلا فهو رهن وينقص من الدين بحساب ما نقص منها لنقصان المالية بتغير صفة العين .
وإذا ارتهن الكافر من الكافر خمرا ووضعها على يدي مسلم عدل وقبضها فالرهن جائز ; لأن العدل في القبض نائب عن المرتهن ، والمرتهن من أهل العقد على الخمر وحكم فعل النائب يظهر في حق المنوب عنه على أن يجعل فعله كفعل المنوب عنه والمسلم ليس من أهل القبض منهم عند عقد الرهن له ، فأما هو فمن أهل القبض منهم عند عقد الرهن لغيره ، ولكنها تنزع من المسلم ; لأنه مأمور بالإمساك عن الخمر ممنوع عن الاقتراب منها بقوله تعالى : { فاجتنبوه } فينزع من يده [ ص: 152 ] ويوضع على يدي ذمي عدل دين مراعاة للنظر من الجانبين بمنزلة مسلم رهن من مسلم شيئا ووضعه على يدي عدل فمات العدل ، فإنه يوضع على يدي عدل آخر .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|