
23-12-2025, 06:42 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 132الى صـــ 141
(437)
وإذا أقام رجل البينة أنه استودع ذا اليد هذا الثوب ، وأقام ذو اليد البينة أنه ارتهنه منهما فإنه يؤخذ ببينة المرتهن لإثباته حقا لازما لنفسه ببينة أو يجعل كأن الأمرين كانا ، ويجوز أن يكون الثوب - أولا - وديعة عنده ثم يرهنه منه ، ولو كان الراهن أقام بينة أنه باعه إياه ، وأقام المرتهن البينة على الراهن جعلته بيعا ; لأن البيع يرد على الرهن والرهن لا يرد على البيع ، ولأن البيع يوجب الملك في البدلية ، والرهن لا يوجب ذلك فكان في بينة البيع زيادة إثبات .
ولو ادعى الراهن الرهن ، وأقام البينة ، وادعى المرتهن أنه ، وهبه له وقبضه أخذت ببينة الهبة ; لأن الهبة ترد على الرهن ، والرهن لا يرد على الهبة ، ولأن الهبة توجب الملك في العين ، والرهن لا يوجب ذلك .
ولو ادعى رجل الشراء ، والقبض ، وآخر الرهن والقبض ، وأقام كل واحد منهما البينة ، وهو في يدي الراهن أخذت ببينة المشتري لما فيها من الزيادة ، وهو إثبات اليد في البدلين ، ولأنه لا يكون الشراء دون الرهن لا محالة فلا بد من القضاء بالشراء في النصف ولا يمكنه القضاء مع ذلك بالرهن في النصف الآخر لأجل الشيوع فلهذا قضي [ ص: 133 ] ببينة المشتري بالكل إلا أن يعلم أن الرهن كان قبله ، ولو كان في يدي المرتهن جعلته رهنا إلا أن يقيم صاحب الشراء البينة أن الشراء كان أولا ; لأن قبض المرتهن دليل سبق عقده ، ولأن صاحب الشراء يحتاج إلى استحقاق اليد على ذي اليد ، وبينته لا توجب ذلك .
ولو كان في يد الراهن فادعى المرتهن الرهن ، والهبة فالصدقة لا تتم إلا بالقبض ثم الرهن عقد ضمان ، والهبة ، والصدقة عقد تبرع ، وعقد الضمان أقوى من عقد التبرع فكان صاحب الرهن أولى إلا أن يقيم الآخر البينة أن القبض بعلم البينة ، والصدقة كانت منه قبل الرهن .
وإذا استودع رجلا ثوبا ثم رهنه إياه فهلك قبل أن يقبض المرتهن الرهن فهو فيه مؤتمن ; لأن يد المودع كيد المودع فما لم يقبضه المرتهن لا يثبت حكم يد الرهن له ولأن اليد بحكم الوديعة دون اليد بحكم الرهن ، والأضعف لا ينوب عن الأقوى فإذا لم يصر قابضا له بحكم الرهن بقي مؤتمنا فيه ، والقول فيه قوله بغير بينة ; لأنه ينكر القبض بحكم الرهن فإن أقام الراهن البينة أنه قبضه بالرهن ، وهلك بعد ذلك ، وأقام المرتهن البينة أنه هلك عنده الوديعة قبل أن يقبضه للرهن فإنه يؤخذ ببينة الراهن ; لأنه يثبت إيفاء الدين ، ولأن المودع ببينة يبقى قبضه بحكم الرهن ، ولا يثبت شيئا والبينات للإثبات دون النفي ، وإذا اختلف الراهن ، والمرتهن فقال : الراهن هلك في يدك ، وقال : المرتهن بل قبضته أنت مني بعد الرهن فهلك في يدك فالقول قول الراهن ; لأن المرتهن يدعي عليه استردادا عارضا وهو ينكر ، والبينة أيضا بينة الراهن ; لأنه يثبت إيفاء الدين ببينة والعمل بالبينتين ممكن فمن الجائز أنه استرده منه ثم رده عليه فهلك في يده ، وإن قال : المرتهن هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه فالقول قوله لإنكار القبض ، والبينة بينة الراهن لإثباته إيفاء الدين ببينة .
وإن قال المرتهن : ارتهنته بمائة ، وقال الراهن : بمائتين ، وقد قبضته فالقول قول المرتهن لإنكاره الزيادة مما ثبتت له فيه يد الاستيفاء والبينة بينة الراهن لإثباته زيادة في الإيفاء .
وإن قال المرتهن : رهنتني هذين الثوبين ، وقبضتهما ، وقال الراهن : رهنتك أحدهما بعبد فالقول قول الراهن عبدا والدين ألف فذهبت عين العبد وهو يساوي ألفا فالقول قول الراهن لإنكاره حقا للمرتهن في أحدهما ، والبينة بينة المرتهن لإثباته الزيادة في حقه .
وإن كان الرهن عبدا ، والدين ألفا فذهبت عين العبد ، وهو يساوي ألفا فقال الراهن : كانت هذه قيمته يوم رهنتك فقد ذهب نصف حقك ، وقال المرتهن : بل كانت قيمته خمسمائة يومئذ ، وإنما زاد بعد ذلك فذهب ربع حقي فالقول قول الراهن مع يمينه ; لأن الظاهر شاهد له [ ص: 134 ] فقيمته في الحال دليل على قيمته فيما مضى والبينة بينة الراهن ; لأنه ثبت ببينته زيادة فيما أوفاه المرتهن فبينة نفي ملك الزيادة بالميت أولى ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) المكاتب بمنزلة الحر في الرهن ، والارتهان ; لأنه وثيقة لجانب الاستيفاء ، والمكاتب في إيفاء الدين باستيفائه كالحر ، فكذلك فيما هو وثيقة به فإن رهن المكاتب عبدا فيه وفاء قبضه المولى فهو جائز ; لأن المكاتبة دين يستوفى ، والرهن في هذا ليس كالكفالة فالكفالة له ببدل الكتابة لا تصح ; لأن الكفالة وثيقة بجانب اللزوم ، والكفيل يلتزم في ذمته المطالبة التي هي على الأصيل ; لأن الفائت بحقيقة الالتزام أصل الدين ، والمطالب فيما هو وثيقة بجانب بعضه فبهذا تبين أنه لا يمكن إلزام الكفيل مطالبة أقوى مما على الأصيل ، والمطالبة ببدل الكتابة على المكاتب ضعيفة لتمكنه من أن يعجز بنفسه ، وتعذر إثبات مثله في ذمة الكفيل فإن هلك في يدي المولى فهو بما فيه ، ويعتق المكاتب ; لأن استيفاء المولى بدل الكتابة تم بهلاك الرهن ، وإن اعور ذهب نصف المكاتب ; لأن العين من الآدمي نصفه ولا يعتق شيء منه ، كما لو استوفى نصف المكاتب حقيقة
فإن خاصم المكاتب المولى فيه ، وأراد دفع المال ، وأخذ رهنه فقال المولى : قد أبق فإنه يحلف على ذلك بعد أن يتأنى به ، وينتظر لجواز أن يكون المولى قد عينه قصدا منه للإضرار بالمكاتب ، وهو نظير المغصوب إذا زعم أنه قد أبق فإن القاضي يعجل بالقضاء بالقيمة ، ويحلف الغاصب على ذلك فهنا أيضا يحلف المولى فإذا حلف بطلت المكاتبة عن المكاتب ; لأن الآبق يتوى فهو كالهالك حقيقة فإذا قضى القاضي بذلك ثم ، وجد العبد بعد ذلك رد على المكاتب ، ورجع عليه المولى بالمال ، كما كان قبل الإباق ، وهو حر بالعتق الأول الماضي فيه ; لأنه ناقض للعتق بعد ما نفذ بقضاء القاضي ، وهو نظير ما لو استوفى البدل فاستحق من يده كان العتق ماضيا ولو لم يكن قضى القاضي بعتقه حتى رجع العبد فهو مكاتب على حاله حتى يؤدي البدل ، وهو بمنزلة المغصوب إذا أبق فإن رجع قبل أن يقضي القاضي بالقيمة فهو ملك للمغصوب منه ، وصار الإباق كأن لم يكن ، وإن رجع بعد القضاء بالقيمة كان القضاء ماضيا ، وكان العبد للغاصب كذا هنا يفترقان في حكم العتق فأما العبد فعلى ملك المكاتب في الوجهين جميعا
وقال : زفر ( رحمه الله ) إذا عاد بعد قضاء [ ص: 135 ] القاضي فهو على ملك المولى لتقرير الضمان عليه بقضاء القاضي ، وقاس ضمان الرهن بضمان الغصب ، ولكنا نقول ضمان الرهن ضمان استيفاء ، والاستيفاء حالة الرهن دون العين ; لأن الاستيفاء بجنس الحق يتحقق ، ولا محاسبة باعتبار العين ، فيصير المرتهن مالكا للعين ، وإن جعل مستوفيا بقضاء القاضي فلهذا يعود العبد إلى ملك المكاتب ، وأشبه هذا الغصب في المدبرة ، وروى الحسن عن أبي حنيفة ( رحمهما الله ) قال : إن كان هذا أول ما أبق فإنه يسقط من الكتابة حصة نقصان العيب ; لأن هذا عيب حدث فيه عند المرتهن فيسقط بحصته من الدين ، كما لو تعيب بعيب محسوس .
ولو رهن رجل عبدا عن المكاتب لمكاتبته ، وفيه وفاء ، وقبضه المولى جاز كما لو تبرع بأداء الكتابة عن المكاتب ، فإن هلك بطلت الكتابة وعتق المكاتب ; لأن الاستيفاء قد تم ، ولا يرجع الراهن على المكاتب بشيء ; لأنه لم يأمره به فكان هو متبرعا فيما صنع ، ولو تبرع بمثله عن حر لم يرجع عليه ، فكذلك عن المكاتب ، وإذا كان المكاتبان كتابة واحدة ، وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بالمال فرهن أحدهما بالمكاتبة رهنا قيمته مثلها فهلك عند المولى عتقا ، ويرجع الراهن على المكاتب الآخر بحصته من الكتابة بمنزلة ما لو أوفى بدل الكتابة حقيقة ، وهذا لأنه مطالب بجميع الكتابة متحمل عن الشريك حصته بأمره فيرجع عليه إذا أدى ، وهما كشخص واحد في حكم هذا العقد فيبقى أن يستويا في الغرم بسبب ، ولو كان الرهن بينهما نصفين فرهناه جميعا فهلك عند المولى عتقا ثم إن كانت قيمتهما مختلفة تراجعا فيما بينهما بالفضل ; لأن بدل الكتابة يتوزع عليهما بقدر قيمتهما فإن كانت قيمة أحدهما ألفا ، وقيمة الآخر ألفين كان بدل الكتابة عليهما أثلاثا ، وما زاد على الثلث إلى تمام النصف أوفاه العبد الأوكس من كسبه عن صاحبه بأمره ، فيرجع بذلك عليه .
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فرهنه بها عبدا يساوي خمسمائة ثم أعتقه الراهن فعتقه نافذ عندنا - موسرا كان أو معسرا - وفي قول آخر يقول : إن كان موسرا ينفذ عتقه ، ويضمن قيمته للمرتهن ، وإن كان معسرا لا ينفذ عتقه ، واحتج فقال : الإعتاق إزالة ملك اليمين بالقول فلا ينفذ من الراهن في المرهون كالبيع ، وهذا ; لأن امتناع نفوذ بيعه لمراعاة حق المرتهن فإن حقه إما البيع في الدين أو استيفاء الدين من المالية وإبطال هذا الحق عليه بالإعتاق أظهر منه بالبيع ، والبيع أسرع نفوذا من العتق حتى ينفذ البيع من المكاتب ، ولا ينفذ العتق فإذا لم ينفذ بيع الرهن لمراعاة حق المرتهن فلأن [ ص: 136 ] لا ينفذ عتقه أولا .
والدليل عليه أن المرهون كالخارج عن ملك الراهن بدليل أنه لو أتلفه ضمن قيمته كالجنين ، ولو جنى عليه ضمن الأرش ، ولو وطئها ، وهي بكر ضمن النقص ، ولو كان زائلا عن ملكه حقيقة لم ينفذ عتقه فيه ، فكذلك إذا كان كالزائل عن ملكه
والدليل عليه أن حق المرتهن في المرهون أقوى من حق الغرماء في مال المريض بدليل أن هناك لا يمتنع البيع على المولى ، وهنا يمتنع ثم حق الغرماء في العبد يمنع نفوذ عتق المريض إذا مات من مرضه فحق المرتهن أولى ، وعلى القول الآخر نقول الراهن مالك حقيقة ، وهو كالزائل عن ملكه حكما لحق المرتهن فإن كان في إعتاقه إبطال حق المرتهن لم ينفذ عتقه ، وإن لم يكن فيه إبطال حق المرتهن نفذ عتقه فإذا كان الراهن موسرا فليس في الإعتاق إبطال حق المرتهن أصلا ; لأن إيجاب الضمان عليه ممكن ، ولو ألغينا العتق بطل حق العبد أصلا فلمراعاة حق العبد أنفذنا العتق ، ولمراعاة حق المرتهن أوجبنا الضمان ترجيحا لأهون الضررين ، وإذا كان معسرا لو أنفذنا العتق كان فيه إبطال حق المرتهن أصلا ; لأن السعاية عندي لا تجب على العبد ، والسعاية في ذمة مفلس يكون تاويا فإذا كان في كل واحد من الجانبين صور الإبطال رجحنا جانب المرتهن ; لأن ثبوت حقه أسبق ، وهو نظير مذهبه في إعتاق أحد الشريكين نصيبه ، فإنه لا يتجزأ إذا كان المعتق موسرا لإمكان إيجاب الضمان ، ويتجزأ إذا كان المعتق معسرا ، ويستدام الرق فيما يبقى مراعاة لحق الساكت فهذا مثله .
وجه قولنا أنه مخاطب أعتق ملك نفسه فلا يلغى إعتاقه كالمشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض ، وبيان الوصف : أن موجب عقد الرهن إما ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن كما قلنا أو حق البيع ، كما هو مذهبه ، وشيء من ذلك لا يزيل ملك العين فتبقى العين على ملك الراهن ، كما كانت ثم حق المرتهن إنما يثبت في المالية ، والإعتاق تصرف في الرق بالإزالة ، والرق غير المالية ألا ترى أنه ثبت حق الرق بدون المالية في الحبس ، وتبقى صفة الرق في أم الولد بدون المالية ، والمالية تنفصل عن الرق في غير بني آدم .
والدليل عليه : أنه لو حلف بعتق عبده إن دخل الدار ثم باعه ثم اشتراه فدخل الدار يعتق ، وبقيت اليمين بعد البيع لبقاء الرق ، وإن زال الملك ، والمالية عنه ، والإعتاق تصرف في الرق ، ولا حق للمرتهن فيه فلا بد من تنفيذه باعتبار أنه صادف محلا هو خالص حق الراهن إلا أن المالية المشغولة بحق المرتهن تتلف بهذا التصرف ، وقوام تلك المالية كان ببقاء الرق فيصير المعتق ضامنا لهذا ، ولهذا نفذ العتق في المبيع قبل القبض ، وذلك في معنى المرهون ; لأنه محبوس بالدين إلا أن الحبس [ ص: 137 ] ويلاقي العين ، والمالية دون الرق وبه فارق البيع فإنه تمليك يمنع للعين نصف المالية ، وهو مشغول بحق المرتهن فقيام حقه يمنع نفوذه ، كما أن حق الحبس للبائع يمنع نفوذ بيع المشتري ، وهذا ; لأن البيع كما يستدعي الملك في المحل يستدعي القدرة على التسليم ، ولهذا لا ينفذ في الآبق والجنين في البطن ، فكذلك لا ينفذ في المرهون لعجز الراهن عن تسليمه بخلاف المعتق توضيحه : أن نفوذ البيع يعتمد تمام الرضا ، ولهذا لا ينفذ مع الهزل وشرط الخيار والكره ، فكذلك عدم الرضا من صاحب الحق ، وهو المرتهن يمنع نفوذه فأما العتق ، فلا يعتمد نفوذه تمام الرضا حتى ينفذ مع الهزل وشرط الخيار ، فإذا كان عدم الرضا من صاحب الملك لا يمنع نفوذ العتق فمن صاحب الحق أولى ، ولأن البيع يراد به ما ينتفع به ، وهو العين فكذلك لا يرد منه ما يتصور به ، وعتق المريض عندنا لا يلغو لقيام حق الغرماء ولكن يخرج إلى الحرية بالسعاية لا محالة فهنا أيضا ينبغي ألا يلغو إلا أن هناك هو بمنزلة المكاتب ما دام يسعى ، وهنا يكون حرا ، ومراده : إن لزمته السعاية عند اعتبار الرهن - لأن العتق في المرض وصية والوصية تتأخر عن الدين إلا أن العتق لا يمكن رده - فيجب عليه السعاية في قيمته لرد الوصية ، وبهذا تبين أن الواجب عليه بدل رقبته ، ولا يسلم له المبدل ما لم يرد البدل ، وهنا : السعاية على العبد ليست في بدل رقبته بل في الدين الذي في ذمة الراهن ; لأن من حق المرتهن ذلك .
فوجوب السعاية عليه لا يكون مانعا من نفوذ عتقه في الحال ، ولهذا قلنا : إن أيسر الراهن هنا رجع العبد عليه بما أدى من السعاية ، وهناك : لا يرجع العبد على أحد بما ينبغي فيه من قيمته ، ولا معنى لمن قال : إن المرهون في حكم الزائل عن ملك الراهن ; لأن عقد الرهن لا يزيل الموت في الحال ، ولا في ثاني حال ، ووجوب الضمان على الراهن لإتلافه المالية المشغولة بحق المرتهن كالمولى يتلف المأذون فيكون ضامنا قيمته للغرماء لا باعتبار أن لحوق الدين للعبد يزيل ملك المولى ثم أكثر ما في الباب أن حق المرتهن نصا هو الملك ، وللراهن ملك حقيقة فيكون كالشراء بكفيل ، وعتق المالك في ملكه لا يمتنع بحق الشريك فلأن لا يمتنع بحق المرتهن أولى .
ولو دبر الراهن صح تدبيره بالاتفاق أما عندنا فلأن التدبير يوجب حق العتق له ، وإذا كان لا يمتنع حقيقة العتق بحق المرتهن فحق العتق أولى ، وعند الشافعي كذلك ; لأن التدبير لا يمنع البيع فلا يكون مبطلا لحق المرتهن بحق العتق أولى ، ولو كانت أمة فاستولدها صح استيلاده عندنا وهو الصحيح من مذهب الشافعي ; لأن الاستيلاد لما كان ينفذ بحق الملك للأب في جارية ولده عنده فلأن ينفذ بحقيقة الملك للراهن فيها أولى ، فإن كان الراهن موسرا [ ص: 138 ] فهو ضامن قيمتها ، فيكون رهنا مكانها لما بينا : أنه متلف لحق المرتهن في المالية بما صنع فيكون ضامنا بدله ، وحكم البدل حكم المبدل فيكون رهنا ، كما لو أتلف الرهن أجنبي ضمن قيمته فإن كان المال قد حل قبضه المرتهن بحقه ; لأنه ظفر بجنس حقه من مال المديون فيأخذ قضاء من دينه ، ويرجع بالفضل ، وإن كان الراهن معسرا كان للمرتهن أن يستسعي أم الولد والمدبر في الدين كله ; لأن كسبهما مملوك للمولى فالراهن موسر قادر على أداء الدين بكسبهما .
ولو كان قادرا على ذلك بمال آخر لأمر بقضاء الدين ، فكذلك إذا كان قادرا عليه بكسبهما ، ويستسعى المعتق ألبتة في قيمة خمسمائة ; لأن كسب المعتق خالص حقه فلا يجبر على أن يقتضي به دين غيره ، ولكن قد سلمت له مالية رقبته ، وكان مشغولا بحق المرتهن فيلزمه السعاية في ذلك القدر لاحتباسه عنده ، كما تجب السعاية على معتق البعض للشريك الساكت إذا كان المعتق معسرا ثم يرجع المعتق بذلك على الراهن ; لأنه غير متبرع في قضاء دينه بخالص ملكه بل كان مجبرا على ذلك بسبب باشره الراهن ورضي به فيرجع به عليه كالكفيل عنه بأمره إذا أدى ، ويرجع المرتهن بفضل دينه على الراهن فإن ولدت المدبرة ولدا بعد ما قضى عليها بالسعاية ثم ماتت استسعى ولدها في جميع الدين ; لأن ولدها بمنزلتها ، فإذا التدبير يسري إلى الولد فولدها مدبر للمولى ، وكسبه له ، وهو قادر على قضاء الدين بسعايته ، فيستسعي الولد في جميع الدين ، كما كان يستسعي الأم ، وهذا ; لأن كسب المملوك لما كان للمالك فحكمه حكم المالك فيما يلزمه من قضاء الدين ، والراهن كان مجبرا على قضاء جميع الدين بملكه ، فكذلك المدبرة ، وولدها يؤمر كل واحد منهما بالسعاية في جميع الدين ، وإن كان الولد من المولى قد ادعاه قبل الولادة لم يكن عليه سعاية ; لأن الولد انفصل حرا فكسبه يكون مملوكا دون المولى ، ولا يكون المولى قادرا على قضاء دين يكسبه .
توضيحه : أن الولد الذي انفصل من الأم حرا لا يثبت فيه حكم الرهن ; لأنه ليس بمحل له ووجوب السعاية عليه باعتبار حكم الرهن فأما الولد الذي انفصل مدبرا فهو جزء منها انفصل بصفتها ، وله حكم الرهن من حيث الاستسعاء في الدين ; لأن هذا الولد جزء منها ، وقد انفصل بصفتها فيلزمه السعاية لحكم الرهن ، كما لزمها .
ولو كان الرهن عبدا يساوي خمسمائة بألف فأعتقه الراهن ، وهو معسر ثم مات الراهن ، وترك خمسمائة فإن المرتهن يأخذها ، ويسعى له العبد في مائتين ، وخمسين ; لأن الواجب على العبد السعاية في مقدار قيمته ، وذلك نصف الدين شائع في الكل ، والخمسمائة التي استوفاها المرتهن من تركة الراهن نصفه مما [ ص: 139 ] وجب على العبد السعاية فيه ، وهو في ذلك كالكفيل عن المولى ، والاستيفاء عن الأصل يوجب براءة الكفيل ; فلهذا استسعى في نصف ما يبقى ، وهو مائتان وخمسون .
ولو كان العبد سعى له في قيمته قبل موته ثم مات الراهن وترك خمسمائة كانت بين المرتهن والعبد نصفين ; لأن الباقي من دين المرتهن خمسمائة ، والعبد قد استوجب الرجوع على الراهن بالخمسمائة فتقسم تركته بينهما على مقدار دينهما
وإذا رهن رجلان عبدا بألف درهم فأعتقه أحدهما وهو موسر وقيمة العبد ألف فهو ضامن لخمسمائة حصته من الدين وعلى شريكه مثلها ; لأن العبد صار خارجا من الرهن عندهما ; لأن العتق لا يتجزأ وعند أبي حنيفة ; لأن معتق البعض لا يستدام فيه الرق فهو كالمكاتب لا يكون محلا للبيع وعلى كل واحد منهما قضاء نصيبه من الدين وهو خمسمائة ثم الحكم بين شريكين في تضمين المعتق أو الاستيفاء وما فيه من الخلاف قد بيناه في ( كتاب العتاق ) وإن كان المعتق معسرا فللمرتهن أن يستسعي العبد في الألف كلها ; لأن حقه كان ثابتا في جميع المالية وقد احتبس ذلك عند العبد بما انتفع هو به وهو الإعتاق ثم يرجع العبد على المعتق بخمسمائة لأنه قضى دينه بذلك القدر على وجه لم يكن متبرعا فيه ولا يرجع على الآخر بشيء ; لأن الآخر قد استوجب عليه السعاية في نصف القيمة لاحتباس نصيبه عنده ، وهب : أنه قضى دينه واستوجب الرجوع عليه ولكن له على العبد مثلها ; فيصير قصاصا به ولو أعتقه أحدهما ثم دبره الآخر فإن كانا معسرين فهو كما وصفنا لك في الأول وإن كانا موسرين ضمنا الألف للمرتهن وسعى المدبر للذي دبره في نصف قيمته مدبرا إلا أنه بتدبير نصيبه صار مختارا سعاية العبد في نصيبه فإنه يصير مستوفيا ملكه في نصيبه ويمنعه ذلك من تضمين المعتق فعرفنا أنه صار مختارا للسعاية فنستسعيه في نصف قيمته مدبرا ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء ; لأن الأول هو المتلف لنصيبه والثاني قد أبرأ الأول عن الضمان ولم يتلف عليه شيئا فلا رجوع لواحد منهما على صاحبه .
وإذا استعار الرجل من الرجل عبدا قيمته ألف درهم ليرهنه فرهنه بألف درهم ثم إن مولاه أعتقه وهو موسر ضمن المال للمرتهن ; لأنه كان رضي بتعلق حق المرتهن بمالية الرهن حين أعاره الرهن ثم أتلف على المرتهن ذلك بالإعتاق فيضمن له مثله ويرجع على الراهن ; لأنه قضى بما أدى دين الراهن وكان مجبرا على ذلك ( ألا ترى ) أنه لو قضى الدين ليسترد الرهن رجع به على الراهن ، فكذلك إذا استرده بالإعتاق وضمنه للمرتهن وهذا ; لأن الراهن رضي برجوعه عليه متى صار دينه مقضيا بملكه .
( ألا ترى ) أنه لو هلك الرهن في يد المرتهن [ ص: 140 ] رجع المعير على المستعير بمقدار الدين ; لهذا المعنى فكذلك إذا قضاه بمال آخر وإن كان المعتق معسرا والراهن موسرا ضمن الراهن المال ولم يرجع على أحد بشيء ; لأنه قضى دين نفسه بماله وإن كانا موسرين فللمرتهن أن يضمن أيهما شاء إن شاء الراهن باعتبار قيام دينه عليه وإن شاء المعتق لإتلافه محل حقه وإن كانا معسرين سعى العبد في جميع ذلك ; لأن المالية سلمت له وقد كانت مشغولة بحق المرتهن ثم يرجع العبد على أيهما شاء إن شاء على الراهن - لأنه كان مجبرا على قضاء دينه بملك نفسه بسبب رضي به الراهن وهو عقد الرهن - وإن شاء على مولاه ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك بإعتاقه إياه فإن رجع به على المولى رجع به مولاه على الراهن كما لو كان المرتهن هو الذي رجع به على المولى فأداه ، وهذه لأن أصل الدين على الراهن .
وإذا رهن الرجل أمة بألف درهم هي قيمتها فجاءت بولد يساوي ألفا فادعاه بعد ما ولدته ، وهو موسر ضمن المال وإن كان معسرا سعت الأمة في نصف المال والولد في نصفه ; لأن الدين انقسم عليهما نصفين بشرط بقاء الولد على هذه القيمة إلى وقت الفكاك ثم الراهن بالدعوة صار مستردا لهما ; لأنه أوجب في الولد حقيقة العتق وفي الأم حق العتق فيكون ذلك بمنزلة الفكاك المقر به في كل واحد منهما نصف الدين ويسعى كل واحد منهما في نصف الدين لسلامة محل ذلك له بالعتق وهو المالية فإن لم يؤد الولد شيئا حتى ماتت الأم قبل أن يفرغ من السعاية سعى ولدها في الأقل من نصف قيمته ومن نصف الدين على حاله لا يزاد عليه شيء بموت الأم ; لأنه صار مقصودا بالاستسعاء حين صار مقصودا بالفكاك فبموت الأم لا يتحول إليه شيء مما كان عليها ; لأنه في حكم السعاية لم يكن تبعا لها ( ألا ترى ) أنه كان لزمه السعاية في حصته قبل موتها ولو مات الولد بعد هذا لم يتحول من سعايته إليها كذلك إذا ماتت هي ويرجع الولد بما سعى فيه على الأب وإن قضى دينه بكسب هو خالص ملكه على وجه كان مجبرا عليه .
وإذا رهن الرجل عبدا يساوي ألف درهم بألف درهم مؤجلة أو قبضه المرتهن ثم أقر الراهن بالعبد لرجل لم يصدق على ذلك في حق المرتهن ; لأنه متهم في حقه من حيث إنه لا يقدر على تمليك العبد ابتداء لحق المرتهن فيخرج كلامه مخرج الإقرار ولكن المقر له إن شاء أدى المال وقبض الرهن ; لأن إقرار المقر حجة في حقه فالمقر له يقوم مقام المقر ، فكما أن للمقر أن يؤدي المال ويقبض الرهن فللمقر له ذلك فإن أداه حالا لم يرجع به على الراهن حتى يحل عليه ; لأن أكثر ما فيه أنه كالمتحمل عنه دينا هو مؤجل عليه والكفيل بالدين المؤجل إذا [ ص: 141 ] عجل لم يرجع على الأصل حتى يحل الأجل فإذا حل رجع عليه فكذلك المقر له هنا وهذا ; لأنه كان يضطر لأداء هذا المال لتخليص ملكه فلا يكون متبرعا فيه ولأن الراهن أقر أنه أعتق رقبة عبده بذلك فيكون له أن يرجع عليه بما أدى كالمعير للرهن إذا قضى الدين وللمقر له أن يستحلف المرتهن على علمه ; لأنه لو أقر بما أقر به الراهن لزمه رد العين عليه فإذا أنكر يستحلف ولكن يمينه على العلم ; لأنه استحلاف على فعل الغير .
فإن لم يؤد المال وأعتق العبد جاز عتقه ; لأن الراهن بإقراره بالملك للمقر له سلطه على إعتاقه ولو أعتقه بنفسه نفذ عتقه ، فكذلك إذا أعتق غيره بتسليطه وكان المرتهن بالخيار إن شاء أخذ الراهن بقيمة العبد ; لأنه صار جانيا على حقه لتسببه بتنفيذ عتق المعتق فيه وهو إقراره بالملك له - وإن شاء ضمن المعتق ذلك ; لأنه بإعتاقه تسبب لإتلاف محل حقه وهو المالية فإن أخذها المعتق رجع بها على الراهن ; لأنه مقر أنه أغلق رقبة عبده وباعتبار ذلك لزمه هذا الضمان فيستوجب الرجوع عليه وإن كانا معسرين استسعى المرتهن العبد في قيمته ; لأن المالية التي هي محل حقه سلمت له ويرجع العبد بها على الراهن دون المعتق ; لأن العبد مقر بأن المعتق لم يؤذن له في رهنه وإن الراهن كان في حكم الغاصب له وإقراره في حق نفسه صحيح فلا يستوجب الرجوع على المعتق بشيء لهذا ويكون له أن يرجع بها على الراهن ; لأنه هو الذي ألزمه هذه القيمة بما أوجب من حق المرتهن في ماليته فعند الأداء يرجع عليه ولو كان العبد معروفا للمعتق وقد كان أعاره الراهن ليرهنه فأعتقه وهو والراهن موسران فللمرتهن أن يرجع بقيمته على المعتق دون الراهن ; لأن المعتق هو المتسبب لإتلاف محل حق المرتهن ولم يوجد من الراهن صنع يكون ذلك سببا منه لإتلاف محل حقه فلهذا كان رجوعه بالقيمة على المعتق دون الراهن بخلاف الأول فهناك قد وجد من الراهن تسبب لما به تلف محل حقه وهو إقراره بالملك وتسليطه المقر له على إعتاقه .
وإن كان المعتق معسرا فللمرتهن أن يستسعي العبد في قيمته فيكون رهنا مكانه ، ويرجع بها العبد على المعير دون المستعير ; لأن المعير هو الذي ألزمه ذلك بإعتاقه بعد ما رضي بتعلق حق المرتهن بماليته بالإعادة ولم يوجد من المستعير تسبب في إيجاب القيمة عليه بعد ما تعلق حق المرتهن بماليته فإذا حل الدين أخذ المرتهن دينه من الراهن ورجعت القيمة إلى المعير بضمانه ; لأن العبد لما رجع على المعير فقد استقر الضمان عليه فيجعل كأنه هو الذي ضمن القيمة وهذا ; لأن القيمة تقوم مقام العين ، ولو كانت العين باقية واستوفى المرتهن [ ص: 142 ] دينه من الراهن رجع العبد إلى المعير فكذلك القيمة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|