
23-12-2025, 06:12 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 112الى صـــ 121
(435)
ولو ارتهن دابتين فنفقت إحداهما ذهب من الدين بحسابه ، وكذلك لو كانت الباقية مثلها ، وليس هذا كجناية الرقيق معناه : إذا رهن عبدين بألف كل واحد منهما ألف ، فقتل أحدهما صاحبه كان الباقي منهما رهنا بسبعمائة وخمسين ، ويتحول إلى القاتل بعد ما كان على المقتول من الدين على ما بيناه في ( باب الجنايات ) وفي هذه الصورة من الدابتين كانت الباقية رهنا بخمسمائة ; لأن جناية إحدى الدابتين على الأخرى هدر قال : صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار .
فكان قتل إحداهما الأخرى ، وموتها سواء ، بخلاف بني آدم فإنه من أهل جناية معتبرة في الأحكام فحصة الأمانة من الجاني على المضمون من المجني عليه لا بد أن يقام مقامه في تحويل ما كان على المجني عليه إلى الجاني ، وذلك نصف ما كان على المجني عليه ، ولو استحقت إحداهما لم تنفك الأخرى إلا بجميع المال لما بينا أن كل واحدة منهما محبوسة بجميع المال عند الإجمال ، وإن هلكت إحداهما هلكت بحصتها ; لأن حكم الضمان يتوزع عليهما ، فعند هلاك إحداهما إنما يصير مستوفيا حصتها في الدين بمنزلة العين الواحدة يرهنها من رجلين بدين لهما في أن حكم الحبس يكون مخالفا لحكم استيفاء الدين عند الهلاك حتى يصير كل واحد منهما عند الهلاك مستوفيا نصف دينه ، ولو ولدت إحداهما ولدا ، وقيمتهما سواء ، وقيمة الولد قيمة الأم ثم بيعت التي لم تلد ذهب بنصف الدين ; لأن الولد تابع للأم داخل معها في حصتها ; [ ص: 113 ] فيقسم الدين أولا : على قيمة الدابتين نصفين لاستوائهما ثم يقسم ثمن التي ولدت على قيمتها وقيمة ولدها ، فحصة التي لم تلد نصف الدين ، ولهذا ذهب بموتها نصف الدين .
وإن بيعت التي ولدت ذهب ربع الدين ; لأن نصف الدين انقسم على قيمتها ، وعلى قيمة ولدها فتوسط معها الولد إلى يوم الفكاك على هذه القيمة ، وقد بقي ، فكانت حصة الأم ربع الدين ، وإن لم تتفق هي ، واتفق ولدها لم يذهب من الدين شيء إذا كانت الولادة لم تنقص الأم ; لأن الولد هلك من غير صنع أحد ، وكان تابعا في حكم الرهن ، فصار كأن لم يكن ، فإن كانت الأم ماتت فذهب رب الدين ثم ولدت البنت بنتا مثلها كان الثنتان بثلثي النصف ; لأن السفلى كالعليا في أنها تابعة للأم الأصلية فإن العليا تبع ، ولا تبع للتبع ، فهو نظير ما لو ولدت ولدين قيمة كل واحد منهما مثل قيمتها ، فإنها تقسم ما فيها على قيمتها ، وقيمة الولدين أثلاثا ، ويتبين أن الساقط بموت الأم ثلث نصف الدين .
ولو كانت المسألة بهذه الصورة في البيع كان الساقط بموت الأم ربع الثمن ، وقد قررنا هذا الفرق في آخر البيوع : أن سقوط الثمن هناك بطريق انفساخ البيع ، والبيع بعد ما انفسخ لا يعود بحدوث الزيادة ، وهنا سقوط الدين بطريق انتهاء عقد الرهن ; لحصول المقصود به ، والمنتهي يكون متقررا في تعينه ; فبحدوث الزيادة يعود بعض ما كنا حكمنا بسقوطه بطريق الظاهر ، ولا يفتك الراهن شيئا من ذلك دون شيء ; لأن العقد في الكل واحد باعتبار الإجمال ولو اعورت إحدى العينين ذهب بموت الأم أربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من النصف ، ولو كان هذا في الرقيق بقيت الاثنتان بثلاثة أخماس النصف ، وهذا لما بينا أن العين من الأدنى نصف ، ومن الدية ربعها ففي الرقيق حين اعورت إحدى الاثنتين ذهب نصفها ، فإنما ينقسم ما في الأم من الدين على قيمتها ، وقيمة العليا ، وقيمة نصف السفلى ، فيكون على خمسة في الأم : سهمان ، وفي الصحيحة من الاثنين : كذلك ، وفي العوراء : سهم ، فلهذا سقط بهلاك الأم خمسا النصف ، وبقي ثلاثة أخماس النصف ، وفي الدواب بالاعورار : ذهب بالعور ربعها ، فإنما ينقسم نصف الدين على قيمة الأم والصحيحة من الولدين ، وثلاثة أرباع العوراء ، فكانت الأم أربعة ، والصحيحة كذلك ، والعوراء ثلاثة ; فلهذا قال : يذهب بموت الأم أربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من النصف .
وإذا ارتهن الرجل أرضا ، ونخلا بألف درهم ، وقيمة الأرض خمسمائة ، وقيمة النخل خمسمائة ، فاحترق النخل ، فالأرض رهن بخمسمائة بخلاف البيع ، فإن ضمان البيع ضمان عقد ، والنخل في العقد تبع ، وبهلاكه لا يسقط شيء من الثمن كأطراف [ ص: 114 ] العبد ، فأما ضمان الرهن فضمان قبض ، والأوصاف تفرد بالقبض ، فتفرد بالضمان ، فلهذا سقط بذهاب النخل نصف الدين إذا كانت قيمتهما سواء كان نبت في الأرض نخل يساوي خمسمائة ، والأرض ، والنخل بثلثي جميع المال ; لأن النابت زيادة في الأرض فيصير هو كالموجود في أن حكم الرهن ثبت في كل واحد منهما معا ، وتبين أن الدين ينقسم على قيمة الأرض ، وقيمة النابت ، والذي احترق ، والقيم سواء ، كأنما سقط - بذهاب ما احترق - حصتها ، وهو ثلث الدين .
وعن أبي يوسف ( رحمه الله ) قال : إن كان الثابت منه عروق النخل التي احترق سقط ربع الدين ، وإن كان من غير ذلك من الأرض سقط نصف الدين ; لأن الثابت إذا كان فيه عروق فاحترقت ، فهو زيادة في النخيل خاصة ، فيقسم الدين أولا : على قيمة الأصل ، وقيمة النخيل الموجود عند العقد نصفين ، ثم تقسم حصة النخيل على قيمتها ، وقيمة الثابت نصف ، فسقط باحتراق النخيل الموجودة ربع الدين بمنزلة الجاريتين إذا ولدت إحداهما ثم ماتت الأم ، وإذا نبت النخيل من الأرض كان زيادة في الأرض دون النخيل فباحتراق النخيل سقط ما كان فيها ، وهو نصف الدين ، والنصف الباقي حصة الأرض ينقسم عليها ، وعلى النخيل الثابت .
ولو ارتهن أرضا ليس فيها نخل فنبت فيها نخل ، وقيمة الأرض مثل الدين ، وقيمة النخل كذلك فما رهن بالمال - وإن ذهب النخيل - لم يسقط من الدين شيء ; لأنها زيادة حدثت بعد تمام الرهن ، ولم يضر مقصوده بالتناول حين هلكت قبل الفكاك ، فلا يسقط بهلاكها شيء من الدين كالولد .
ولو ارتهن أرضا وكرما وقيمته ، والدين سواء ، ثم أثمر ثمرا كثيرا ، يكون مثل قيمته ، ثم ذهب الشجر ، وسلم الثمر ، وقيمة الشجر ، والأرض سواء فإنه يذهب ثلث الثمن لما بينا : أن الثمار زيادة في الشجر ، والأرض جميعا ; لأن الشجر تبع للأرض ، ولا تبع للتبع فانقسم الدين على قيمة الثلاثة سواء ، فيذهب الشجر بثلث الدين ، فإن ذهب الثمر بعد ذلك ذهب أيضا سدس جميع المال ، وليس المراد أنه بذهاب الثمر سقط شيء من الدين ; لأن الثمار زيادة حادثة بعد تمام الرهن ، وفاتت من غير صنع أحد ، فكيف يسقط بهلاكها شيء من الدين ؟ ، ولكن الثمار صارت كأن لم تكن ، فتبين : أن الدين انقسم على قيمة الأرض ، وقيمة الأشجار نصفين ، وأنه بذهاب الأشجار سقط نصفه ، وبقيت الأرض رهنا بنصف الدين .
وإذا ساق المرتهن دابة الرهن ، أو قادها فأصابت إنسانا بيدها أو وطئته برجلها فهو على القائد ، والسائق ; لأن القائد ، والسائق متلف بطريق السبب ، فيكون ضامنا - مالكا كان أو غير مالك - ولا يلحق الدابة ، ولا الراهن من ذلك شيء ; لانعدام سبب الإتلاف [ ص: 115 ] من الراهن ، وكون فعل الدابة هدرا شرعا .
وإذا ارتهن ثوبا يساوي خمسة دراهم ، ومثقال ذهب يساوي عشرة دراهم بخمسة ، فهلك الذهب ، ولبس الثوب حتى تخرق ، أو بدأ بالثوب فلبسه قبل هلاك الذهب فقد سقط ثلثا الدين بهلاك الذهب ; لأن الدين انقسم على قيمة الذهب ، وقيمة الثوب ، وحصة الذهب ثلثا الخمسة ، فذهب ذلك بهلاك الذهب ، ويضمن قيمة الثوب ; لأنه باللبس - حتى تخرق - صار غاصبا متلفا ، فيضمن قيمته ، يحسب له من ذلك ما كان منه ، وذلك ثلث الخمسة بطريق المقاصة ، ويؤدي ما زاد على ذلك إلى صاحب الثوب .
ولو ارتهن عمامة تساوي نصف درهم ، ودرهم فضة بدرهم ، فهلكت الفضة ، ولبس العمامة حتى تخرقت فإن الفضة تذهب بثلثي دينه ; لأن حصتها من الدين الثلثان ، ويضمن قيمة العمامة بالإتلاف يحسب له منها ثلث الدرهم : حصة ما كان فيها من الدين ، ويؤدي ما بقي .
قال ( رحمه الله ) : كان شيخنا الإمام ( رحمه الله ) يقول : هذه من أعجب المسائل في الوضع فمن عادة محمد ( رحمه الله ) : أنه يرفع - فيما يذكر منه - قيمة الأشياء حتى يذكر ثوبا يساوي ألفا ، وجارية تساوي عشرين ألفا ، وهنا قال : عمامة تساوي نصف درهم ، ولو كانت هذه العمامة خيشا لكانت قيمتها أكثر من هذا ، وقد كان صحيحا ; لأنه قال : لبس العمامة حتى تخرقت ، فلا تأويل لهذا سوى أنه أراد بهذا تطييب قلوب طلبة العلم ; لأن يثاب - بما منهم يكون - خلقة فيعملون إذا نظروا إلى هذه المسألة أنه قد يكون في الناس من يكون ثوبه دون ثيابهم ، فيكون في ذلك بعض التسلي لهم .
ولا يجوز ارتهان الخمر والخنزير فيما بين المسلم ، والذمي ; لأنه ليس بمال متقوم في حق المسلم منهما فإن هلك عند المرتهن ذهب بما فيه - إن كان الراهن كافرا - لأن خمر الذمي يكون مضمونا على المسلم بالقبض ، كما في الغصب ، وضمان الرهن ضمان القبض ، وإن كان الراهن مسلما ، ذهب بغير شيء ; لأن خمر المسلم لا يكون مضمونا على الذمي بالقبض كما في حال الغصب ، والإتلاف ، والله أعلم .
قال : ( رحمه الله ) وإذا ارتهن الرجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بعشرة دراهم فهذه المسألة على ثلاثة أوجه : إما أن يكون قيمته مثل وزنه عشرة ، أو : قيمته أقل من وزنه ثمانية أو : قيمته أكثر من ، وزنه اثني عشر ، وكل وجه من ذلك على ، وجهين : إما أن يهلك القلب ، أو ينكسر ، أما إذا كانت قيمته مثل وزنه ، فإن هلك القلب سقط حق المرتهن ; لأن في وزنه ، وقيمته وفاء [ ص: 116 ] بالدين فيصير المرتهن مستوفيا كمال حقه بهلاكه ، وإن انكسر ، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) : يضمن المرتهن قيمته إن شاء من جنسه ، وإن شاء من خلاف جنسه ; لأنه لا يمكن فيه الربا ، ويكون ما ضمنه رهنا عنده إلى أن يحل أجل الدين ثم يستوفيه ضامن حقه ، والمكسور مملوك له بالضمان ، وعند محمد ( رحمه الله ) يخير الراهن إن شاء سلم المكسور للمرتهن بدينه ، وإن شاء افتكه ببعض الدين ، وروى أصحاب ( الإملاء ) عن أبي يوسف .
وعن أبي حنيفة ( رحمهما الله ) أن الراهن يجبر على افتكاك اقتضاء جميع الدين ، وليس له أن يضمن المرتهن شيئا ، والأصل عند محمد ( رحمه الله ) أن حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك ، والقلب عند الهلاك في هذا الفصل مضمون بالدين دون القيمة ، فكذلك عند الانكسار ; لأن ضمان القيمة يوجب الملك في المضمون للضامن ، وضمان الدين لا يوجب ذلك ، وسبب كل واحد من الضامنين القبض ، ولا يجوز أن يتعلق بشيء واحد ضمانان من جنسين مختلفين فعند تعذر الجمع بينهما لا بد أن يكون الثابت أحدهما وبالإجماع في حالة الهلاك : القلب مضمون بالدين هنا ، فكذلك في حالة الانكسار .
( ألا ترى ) أن المبيع لما كان مضمونا بالثمن استوى فيه حالة الهلاك ، وحالة الانكسار ، والمغصوب لما كان مضمونا بالقيمة استوى فيه حالة الهلاك ، وحالة الانكسار ، فهذه مثله إلا أن عند الهلاك يتم الاستيفاء حكما بين الوزن ; لأن الاستيفاء يكون من المالية ، والمالية في مال الربا عند المقابلة بالجنس يكون بقدر الوزن ، والكيل فأما عند الانكسار فلا يتم الاستيفاء لبقاء الوزن ، ولكنه يتخير الراهن إن شاء سلم المكسور للمرتهن ، وجعله في حكم الهلاك فيتم الاستيفاء ، وإن شاء افتكه بقضاء الدين ، كما إذا انكسر القلب المبيع يخير المشتري بين أن يأخذه ، ويؤدي جميع الثمن ، وبين أن يفسخ البيع ، ويجعله في حكم المستهلك وأبو حنيفة وأبو يوسف ( رحمهما الله ) قالا : ضمان الرهن ضمان استيفاء ، والاستيفاء يكون من المالية ، ومالية القلب باعتبار ، وزنه ، والوزن قائم بعد الانكسار من كل وجه ، فلا يمكن جعل المرتهن مستوفيا رضي به الراهن أو لم يرض ; لأن عند تسليم الراهن المكسور للمرتهن لا بد من القبول ; لأن المرتهن يمتلك المكسور ، وذلك ليس من حكم ضمان الاستيفاء إذا لم يهلك الرهن ، لا يملك المرتهن المرهون به ، ولهذا لو كان عبدا كان كفنه على الراهن ، وإذا تعذر جعل المرتهن مستوفيا قلنا : الراهن ما رضي بقبضه إلا على وجه يصير مستوفيا عند تعذر رده ، كما قبض فلا يكون راضيا بقبضه بدون هذا الشرط ، فالقلب في هذه الحال ، كالمقبوض بغير رضاه ، وهو المغصوب ، فيكون مضمونا بقيمته ، ويخير المالك بين [ ص: 117 ] أن يشترط المكسور ، ولا يبيعه بشيء ، وبين أن يضمنه قيمته ، ويملك المكسور بضمان القيمة ، وبهذا تبين أنا لا نثبت ضمانين باعتبار قبض واحد ، ولكن باعتبار قبضين معناه : أحدهما : قبض برضا المالك ، والآخر : قبض بغير رضاه ، وكالواحد منهما يعتبر في حالة أخرى ، وعلى الرواية الأخرى عند أبي حنيفة : لا يضمنه المرتهن شيئا ; لأن القبض بحكم الرهن يوجب ضمان الاستيفاء فقط ، والاستيفاء يكون من المالية ، وهو باعتبار الوزن ولم يفت شيء بالانكسار من الوزن ، إنما فاتت الصفة ، ولا قيمة للصفة في مال الربا عند المقابلة بجنسها ، وما لا قيمة له لا يكون مضمونا بحكم الرهن ، وفواته لا يسقط من الدين ، ولا يثبت الخيار للراهن ، كفوات الزيادة إذا لم يتمكن بحدوثها نقصان في الأصل .
وأما إذا كانت قيمة القلب أقل من وزنه فهلك فعند أبي حنيفة ( رحمه الله ) يصير المرتهن مستوفيا دينه ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) يضمن قيمته من خلاف جنسه كي لا يؤدي إلى الربا ، ولا يسقط شيء من الدين ; لأنه لا يمكن أن يجعل مستوفيا قدر قيمته من الدين ، فإن استيفاء العشرة بثمانية ربا ، ولا يمكن أن يجعل مستوفيا لجميع دينه باعتبار الوزن ; لأن فيه اعتبار حق المرتهن في الجودة ، وكما يجب مراعاة حقه في الوزن يجب مراعاة حقه في الجودة ، ألا ترى أن الراهن ، ولو أراد قضاء دينه بما هو دون حقه في الجودة لا يملك ذلك بغير رضا المرتهن فإذا تعذر جعله مستوفيا ، يجعل كالمقبوض بغير إذن المالك ، فيكون مضمونا بالقيمة على القابض إذا هلك وأبو حنيفة يقول : ضمان الرهن ضمان استيفاء ، والاستيفاء يكون بالوزن ، وفي القلب وفاء بالدين ، فيجعل مستوفيا كمال حقه في معنى : أنه لما قبض الرهن مع علمه بهلاك الرهن يصير مستوفيا دينه باعتبار الوزن ، فكأنه رضي بدون حقه في الجودة ، وهذه المسألة نظير مسألة ( الجامع الصغير ) إذا كان له على غيره عشرة جياد وستوق ، فهلك في يده ثم علم أن المستوفى كان زيوفا فعند أبي حنيفة ( رحمه الله ) يسقط حقه ، وعند أبي يوسف ( رحمه الله ) نضمنه مثل المقبوض ، ويرجع بحقه .
ذكر قول محمد في تلك المسألة ، كقول أبي حنيفة قال : عيسى ، وهو قوله الأول ، أما قول الآخر فكقول أبي يوسف ( رحمه الله ) على قياس ما ذكره في ( كتاب الرهن ) إذ لا فرق بين النصيبين فإن الرهن مقبوض فيكون بمنزلة المقبوض بحقيقة الاستيفاء ، وهناك المستوفى إذا تعذر رده للهلاك سقط حقه ، ولا يرجع بشيء عند أبي حنيفة لمكان الجودة ، فكذلك في الرهن - وعندهما - هناك يضمن مثل المستوفي ، ومقام رد المثل مقام رد العين لمراعاة حقه في الجودة ، فكذلك في الرهن ، [ ص: 118 ] فإن قيل : كيف يستقيم هذا البناء ، وهناك عند القبض لو كان عالما بصفة المستوفى سقط حقه عندهم جميعا ، وهنا عند قبض الرهن هو عالم برداءة المقبوض ؟ قلنا : نعم ولكن عند قبض الرهن ما كان يعلم أنه يهلك في يده فيصير مستوفيا به حقه ، وإنما يتم الاستيفاء هنا عند هلاك الرهن فبمجرد قبض الرهن لا يتم رضاه بسقوط حقه عند الجودة وعندهما بمنزلة ما لو قبضه لاستيفاء حقين ، ولا يعلم أنه دون حقه في الجودة ، ولو انكسر القلب هنا ضمنه المرتهن قيمته من خلاف جنسه ، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) فظاهر ، وعند محمد حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك ، وفي حالة الهلاك عنده في هذا الفصل : القلب مضمون بالقيمة دون الدين ، فكذلك عند الانكسار ، وإنما يضمنه قيمته من خلاف جنسه للتحرز عن الربا .
وأما إذا كانت قيمته اثني عشر ، فإنه إن هلك القلب سقط الدين عندهم جميعا ; لأن في الوزن وفاء بالدين ، وفي القيمة كذلك ، وزيادة القيمة على الدين كزيادة الوزن فيلغى ; فتكون تلك الزيادة أمانة ، ويصير مستوفيا كمال حقه بهلاك الرهن .
وذكر ابن سماعة : أن في قياس قول أبي يوسف يضمنه المرتهن قيمة خمسة أسداس القلب من خلاف جنسه ، ولا يسقط شيء من الدين ; لأنه لا يمكن أن يجعل مستوفيا دينه بجميع القلب ، فإن من أصله : أن الجودة لا تفصل عن الأصل في حكم الضمان ، وفي هذا إبطال حق الراهن عن الجودة ، فكما يراعى حق المرتهن في الجودة ، فكذلك يراعى حق الراهن ، ولا يمكن أن يجعل مستوفيا دينه بما يساوي عشرة من القلب ، وهو خمسة أسداسه ; لأن وزن ذلك ثمانية وثلث ، واستيفاء العشرة بثمانية وثلث يكون ربا ، فإذا تغير الاستيفاء قلنا : يضمن خمسة أسداس القلب من خلاف جنسه ، ويكون مرهونا بالدين ، ولكن الأول أصح لما بينا : أن زيادة الجودة لا تكون أعلى من زيادة الوزن ، والمرتهن آمن في تلك الزيادة ، فهلاكها في يده كهلاكها في يد الراهن .
وأما إذا انكسر القلب فعلى قول أبي حنيفة يضمن جميع القلب من خلاف جنسه ، ومن أصله أن المعتبر هو الوزن ، والصيغة تبع للوزن ، وليس للوزن هنا فضل على الدين ، فكان كله مضمونا بالدين ، وثبوت الحكم في التبع ، كثبوته في الأصل فمن ضرورة كون الأصل كله مضمونا ، أن تكون الجودة كلها مضمونة ، وحالة الانكسار ليست بحالة استيفاء الدين عنده ، فيكون ضامنا جميع القيمة من خلاف جنسه ، كما في المغصوب ، وروى بشر عن أبي يوسف ( رحمهما الله ) مثل هذه فأما ظاهر المذهب عند أبي يوسف فهو أن المرتهن يضمن قيمة خمسة أسداس القلب ، ويصير مملوكا له بالضمان ، وإنما نهي عنه للتحرز عن الشيوع في الرهن ، [ ص: 119 ] وقد بينا : أن الشيوع الطارئ في ظاهر الرواية كالشيوع المقارن ، وهذا ; لأن من أصل أبي يوسف أن الضمان ، والأمان تبع في الوزن ، والجودة ; لأن الجودة ، والصنعة لها حكم المالية مع الأصل ، ولهذا يعتبر من القلب في القلب الموصى به ، ولو باع الوصي قلب اليتيم بمثل ، وزنه لا يجوز ، ويجعل محاباته بالجودة ، والصنعة كمحاباته بالوزن ، وكذلك في القلب المغصوب باعتبار فوات الصنعة ، والجودة يصير الغاصب ضامنا ، وإذا تقرر هذا قلنا : خمسة أسداس القلب تصير مضمونة بجودته وصنعته ، وسدسه أمانة فالتغير بالانكسار فيما هو أمانة لا يعتبر فيما هو مضمون معتبر ، وحالة الانكسار ليست بحالة الاستيفاء عنده فيضمن قيمة خمسة أسداس من خلاف جنسه لهذه .
وأما عند محمد إن انتقص بالانكسار من قيمته درهم أو درهمان لجبر الراهن على الفكاك بقضاء جميع الدين ; لأن من أصله أن الضمان في الوزن ، والأمانة في الجودة والصنعة ، باعتبار أن الجودة ، والصنعة تابعة للوزن ، وأن الأمانة في المرهون كذلك فيجعل الأصل بمقابلة الأصل ، والتبع بمقابلة التبع ، وهذه ; لأن الصنعة مال من وجه كما قرره أبو يوسف : أنها مال تبعا للأصل ، ولكن ليس لها حكم المالية ، والتقوم منفردة عن الأصل ، كما أن حكم الرهن فيما هو أمانة ثابت من وجه وهو الحبس بالدين ، وليس بثابت في حكم الضمان فإذا كانت الأمانة هنا في الصنعة ، والجودة قلنا : إذا لم تنقص بالانكسار أكثر من درهمين ، فالثابت ما كان أمانة فيجبر الراهن على الفكاك ، وإن انتقص أكثر من ذلك فقد فات شيء من المضمون ، وحالة الانكسار عند محمد معتبرة بحالة الهلاك ، وفي هذا الفصل : عند الهلاك يصير مستوفيا دينه ، فكذلك عند الانكسار يكون مضمونا بالدين ، ويتخير الراهن ، كما بينا ، وسوى هذا فصلان آخران ، ينقسم الواحد منهما على عشرة أوجه .
وقد بينا ذلك فيما أنشأه من ( شرح الزيادات ) ، ولم يذكر محمد معناهما في هذا الباب فهذا لم يذكره هنا .
ولو ارتهن إبريق فضة قيمته مائة درهم بعشرة دراهم فانكسر عنده فهو ضامنه بعشر قيمته مصوغا من الذهب ، كما قال : في الكتاب ، والصحيح أنه يتخير بين أن يضمنه بعشر من جنسه أو من خلاف جنسه ; لأنه لا يؤدي إلى الربا ، فالقيمة مثل الوزن ، وقيل يؤول ما ذكر : أن قيمته بدون الصنعة دون الوزن ، وهو إنما يملك بالضمان عشر المكسور ، فيضمنه من خلاف جنسه كي لا يؤدي إلى الربا ، وإذا ملك عشر الإبريق ، فالضمان بمعنى ذلك القدر للتحرز عن البيع ، ويكون تسعة أعشاره مع الذهب الذي عزله رهنا بالدين ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) وقد ذكر في [ ص: 120 ] نسخ ابن حفص : أنه قول أبي يوسف فأما عند محمد : فالراهن يجعل عشر المكسور للمرتهن بعينه ، ويرد تسعة أعشاره ; لأنه يعتبر حالة الانكسار بحالة الهلاك ، ولو هلك في هذه المسألة كان المرتهن مستوفيا دينه بعشر الإبريق ، وهذا مثله .
ولو ارتهن قلب فضة فيه عشرة دراهم بدرهم ، فكسر رجل القلب عنده ضمن قيمته من الذهب ، وكان رهنا ، والقلب له ; لأن المرهون فات إلى بدل ، فيقوم البدل مقام الأصل ، ويبقى - باعتباره - جميع الدين فإن أبى الراهن ، والمرتهن أن يدفع إليه القلب ، ورضيا أن يكون رهنا على حاله ، وهو مكسور فهو رهن ولا ضمان على ذلك الرجل لما بينا : أن الفائت بالكسر الصنعة ، وهي لا تتقوم منفردة عن الأصل ، وكما لا يتقوم على الكاسر ; لوجود الرضا من الراهن به حين الانكسار ، فكذلك لا يقوم على المرتهن ( في الكتاب ) ذكرا بأيهما جميعا ، والمعتبر إباء الراهن خاصة .
ولو ارتهن عشرة دراهم بيضا صرفا بعشرة سود فهلكت فهي بالسود ; لأن الفصل في هذا الباب بالرهن ، إذ في الوزن ، والجودة ، وفاء بحق المرتهن ، وزيادة فيجعل عند الهلاك مستوفيا لدينه ، والزيادة أمانة .
ولو ارتهن قلب فضة جيدة بيضاء فيه عشرة دراهم فضة سوداء فهلكت ، فالمرتهن مستوف لجميع دينه بالهلاك ، ولو انكسر ضمن المرتهن قيمته مصوغا من الراهن ، وكان رهنا ، فالدين ، والقلب له عند أبي حنيفة ، وعند محمد ( رحمهم الله ) يخير الراهن بين أن يفتك المكسور بقضاء جميع الدين ، وبين أن يسلمه للمرتهن بالدين ، وفي قول أبي يوسف للراهن أن يضمن المرتهن من القلب ذهبا بقدر قيمة فضة المرتهن السوداء ، ويكون ما بقي من القلب للراهن ، يقسم ذلك فيجمع مع الذهب الذي ضمنه المرتهن ، فيكون رهنا ، وهذه ما ذكرنا قبله في الوجه الثالث إذا انكسر القلب في التخريج سواء .
ولو ارتهن قلب فضة فيه عشرة دراهم بدينار ، فانكسر وقيمته ، والدينار سواء فإن المرتهن يقوم قيمته من الذهب ، فيكون رهنا بالدينار ، والقلب له ; لأنه في وزن القلب فضل على مالية الدين ، وحالة الانكسار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) حال ضمان القيمة ، فيكون ضامنا قيمته عندهما ، ولو هلك هو بما فيه ; لأن الدينار مقوم بالعشرة ففي ماليته ، وفاء بالدين عند الهلاك ، فيصير مستوفيا دينه ، وعند محمد في حال الانكسار أخص الراهن بالخيار إن شاء أخذ القلب مكسورا ، وأعطاه الدينار ، وإن شاء جعل الفضة له بالدينار اعتبارا بهذا الحال بحال الهلاك .
ولو ارتهن قلب فضة فيه خمسون درهما بكر حنطة ، سلم أو قرض ، وقيمته والدين سواء ، فإن هلك ذهب فيما فيه ، وإن انكسر فهو على ما وصفت [ ص: 121 ] لك معناه أن عند أبي يوسف : يكون ضامنا جميع قيمته من خلاف جنسه ، وعند محمد : يخير بين أن يجعله للمرتهن بدينه ، وبين أن يفتكه بقضاء جميع الدين .
ولو ارتهن خاتم فضة فيه من الفضة وزن درهم ، وفيه فص يساوي تسعة دراهم بعشرة فهلك فهو بما فيه ; لأن فيما بقي وفاء بالدين ، ولو ارتهن سيفا محلى قيمة السيف خمسون درهما ، ونصله خمسون بمائة درهم فهلكت فهو كالخاتم ، وإن انكسر الفص ، والحلية بطل من الدين بحساب نقصان النصل ; لأن النصل ليس بمال الربا فالنقصان في عينه يسقط من الدين بقدره .
وأما الفضة ، فمن مال الربا ، فالجواب فيه كالجواب في مسألة القلب عند الانكسار ، وفي الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ( رحمهم الله ) .
ولو ارتهن كر حنطة جيدة بكر رديء فهلك فهو بما فيه ، وإن أصابه ما يفسده فعلى المرتهن كر مثله ; لأن الفساد في الحنطة كالانكسار في القلب ، إلا أن الحنطة مضمونة بالمثل ، والقلب بالقيمة ، وعند محمد إن شاء الراهن سلمه للمرتهن بالدين ، وإن شاء أخذه معيبا ، وأعطاه دينه اعتبارا لحالة الفساد بحال الهلاك ، ولو كان الرهن كرا رديئا ، والدين كرا جيدا فهلك فهو بما فيه عند أبي يوسف ; لأن في القدر وفاء بالدين ، والمعتبر : القدر عنده ، وعندهما جميعا ، وهو نظير ما سبق من رهن القلب الرديء ، والعشرة السود بالعشرة البيض .
ولو رهن قلب فضة بعشرة دراهم وقال : إن جئتك بالعشرة إلى شهر ، وإلا ، فهو بيع لك بالعشرة فالرهن جائز ، والشرط باطل ; لأن البيع لا يحتمل التعليق بالشرط .
وقد بينا في تفسير قوله : صلى الله عليه وسلم { لا يغلق الرهن } أن المراد هذا ، وإذا كان الحكم في سائر الأعيان المرهونة هذا ، ففي القلب أولى ; لأن البيع يدخله معنى الصرف هنا .
وإذا أعطى رجل رجلا قلب فضة ، فقال : ارهنه لي عند رجل بعشرة دراهم وفي القلب عشرون - فأمسكه الوكيل عنده ، وأعطاه عشرة دراهم ، وقال : رهنته لك كما أمرتني ، ولم يقل رهنته عند أحد فهلك القلب عنده فإن تصادقا بالذي كان رجع بالعشرة وكان مؤتمنا في القلب ; لأنه لم يخالف ، فإن قبضه ، ففضل المقبوض في يده أمانة ، وهو كفيل على حفظه إلى أن هلك فهلك أمانة ، ويرجع بدينه ، ولا يكون هو بما صنع عاقدا عقد الرهن في القلب مع نفسه ، فيكون رهنا لا راهنا ، فلهذا لا يصير مستوفيا دينه بهلاك القلب وإن تجاحدا ، فقال : الآمر قد أقررت لي أنك رهنته ، فلا شيء لك علي ، فهو ، كما قال : لأن القابض قد أقر بالرهن ، ومن حكمه بإقراره أنه لا يجب على صاحب القلب شيء من العشرة بعد هلاك القلب ، والمقر بواحد بحكم إقراره ، ولكن يحلف صاحب القلب بالله : ما يعلمه أمسكه ; لأنه لو صدق في ذلك لرهنه إذا بعشرة فيحلف [ ص: 122 ] عند التكذيب لرجاء نكوله ، ولكنه يحلف على فعل الغير فيكون على الفعل فإن قيل : الاستحلاف يترتب على دعوى صحيحة ، ولم تصح الدعوى من المقر للتناقض ، فكيف يحلف الخصم ؟ قلنا : موضوع المسألة أنه قال : رهنته ، ولم يقل عند أحد ، فكان توفيقه بين الكلامين صحيحا أني رهنته عند نفسي ظنا منه أن ذلك صحيح ، وإذا تقدم التناقض ، بهذا التوقيف توجهت اليمين على الخصم ، وإن قال الآخر : قد أقررت أنك رهنته ثم زعمت أنك لم تفعل فأنت ضامن للقلب فله أن يضمنه قيمة القلب مصوغا من الذهب ، ويرجع بالعشرة قال : عيسى هذا غلط ، ولا معنى لإيجاب ضمان القيمة على الوكيل ; لأنه إن كان رهنه فليس عليه ضمان القيمة أيضا ، وليس هنا حالة ثالثة ، فبأي طريق يكون الوكيل ضامنا ؟ للقيمة ، وهذا نظير الظن الذي ذكرناه في ( كتاب الوديعة ) إذا ادعى المودع الهلاك ثم ادعى الرد ، ووجه ظاهر الرواية : أنه من حيث الظاهر قد تناقض كلامه ، ومع التناقض لا يقبل قوله ، فكأنه ساكت حابس للقلب ، فيضمن قيمته .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|