
23-12-2025, 04:55 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,760
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون
صـــ 82الى صـــ 91
(432)
وإذا قال العدل : قد بعته بخمسين ، وصدقه المرتهن وقال الراهن : هلك في يدك قبل أن تبيعه ، وأقاما البينة ، فالبينة بينة الراهن أيضا ; لأنه أثبت الزيادة فيما استوفاه المرتهن من الدين .
وعن أبي يوسف ( رحمه الله ) : أن البينة هنا بينة المرتهن والعدل ; لأنهما سبب خروج العين من الرهن ، وهو البيع ، والحاجة إلى البينة لها فكانت منهما أولى بالقبول
ولو وكل العدل في بيع الرهن ، وكيلا فباعه ، والعدل حاضر جاز إلا عند زفر رحمه الله ، وأصله في الوكيل بالبيع ، وقد تقدم بيانه في باب الوكالة فإن كان العدل غائبا عن ذلك البيع لم يجز ; لأن الآمر إنما أوصى أن يتم العقد برأي العدل فإن كان حاضرا كان تمام العقد برأيه بخلاف ما إذا كان غائبا ، وإذا لم ينفذ بيعه كان هذا ، وما لو باعه قبل التوكيل سواء فإذا أجازه العدل جاز ، ويصير كأنه باعه بنفسه ; لأن تمام العقد حصل برأيه ، وكذلك لو ، وقت العدل للوكيل ثمنا فقال بعه بكذا فباعه به كان جائزا أما إذا كان بمحضر من العدل فغير مشكل ، وإن كان بغير محضر منه ، فكذلك في رواية هذا الكتاب ; لأن مقصود الآمر قد حصل حين ، وقت العدل للوكيل [ ص: 83 ] الثمن فإن تمام العقد كان برأيه ، ومقصود الآمر الثمن لا العبادة ، وقد حصل ، وفي غير هذا الموضع قال : لا يجوز ; لأن تسميته مقدار الثمن يمنع النقصان ، ولكن لا يمنع الزيادة ، ولو حضر العدل ربما يبيعه بأكثر من ذلك لجده ، وكثرة هدايته في التزويج ، فلهذا لا يجوز بيع الوكيل الآن بخبرة العدل
، وإذا باع الرهن من ، ولده أو زوجته لم يجز إلا أن يخبره الراهن ، والمرتهن في قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) وفي قولهما بيعه منهم لما يتغابن الناس فيه جائز ; لأن العدل بمنزلة الوكيل بالبيع ، وقد بينا - في كتاب البيوع - الخلاف في بيع الوكيل من مولاه فاللفظ المذكور هنا يدل على أن موضع الخلاف في البيع بالغبن اليسير دون البيع بمثل القيمة ; بخلاف باقي البيوع ، وقد بينا وجه الروايتين هناك فلو أجازه الراهن ، والمرتهن جميعا جاز ; لأن المنع حقهما ، فإذا اتفقا على الإجازة نفذ لزوال المانع ، كما لو باع الرهن فضولي فأجاز الراهن ، والمرتهن ، فإن أجاز ذلك أحدهما دون الآخر لم يجز ، كما لو باشر أحدهما البيع لم يجز بدون نص الآخر
وإذا كان العدل اثنين ، وقد سلطا على البيع فباع أحدهما لم يجز ذلك ; لأن الراهن والمرتهن نصا برأيهما ، والبيع يحتاج فيه إلى الرأي ، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى ، فإن أجاز الآخر جاز لاجتماع رأيهما عليه ، وكذلك إن أجازه الراهن ، والمرتهن ، كما لو باعه فضولي آخر فأجازه الراهن والمرتهن ، وإن أجازه أحدهما دون الآخر لا يجوز لأن للراهن ملكا وللمرتهن حق نصابه في الملك فكما لا ينفرد أحدهما بالبيع بدون رضا الآخر ، فكذلك لا ينفرد بالإجازة ، وكذلك لو باعه أجنبي ، وأجاز الراهن أو المرتهن ، لم يجز ، وإن أجازاه جميعا ، وأبى العدلان ذلك جاز ; لأن الحق لهما ، ونفوذ البيع من العدلين باعتبار رضاهما فإذا ، وجد الرضا منهما في حق الأجنبي نفذ بيعه أيضا ، وقد خرج العدلان من الوكالة ، كما لو باشرا البيع بأنفسهما
وإذا أخرج الراهن ، والمرتهن العدل من التسليط على البيع ، وسلطا غيره أو لم يسلطا ، فقد خرج العدل من ذلك إذا علم ، وإن لم يعلم فهو على وكالته ; لأنه وكيل بالبيع ، والموكل ملك عزل الوكيل بعلمه ، فإذا كان حصول التوكيل برأيهما ، فكذلك العزل يثبت باتفاقهما عليه إذا علم العدل به
قال : وإذا أراد العدل بيع الرهن قبل حل الأجل لم يكن له ذلك ; لأنه سلط على البيع لقضاء الدين عند امتناع الراهن من قضاء الدين من موضع آخر ، وإنما يتحقق ذلك بعد حلول الأجل ; لأن المطالبة بقضاء الدين تتوجه عليه عند ذلك ، وفي النوادر قال محمد ( رحمه الله ) : هذا على ، وجهين : إما أن يكون التسليط مضافا بأن قال : إذا حل الأجل ، فلم أقض ماله فبعه لم يجز بيعه قبل حل الأجل ، ولو قال : بعه [ ص: 84 ] مني متى شئت جاز بيعه قبل حل الأجل ; لأنه صار وكيلا عقب هذا اللفظ فينفذ بيعه بحكم الوكالة ، ولكن الثمن يكون رهنا إلا أن يحل الأجل فيستوفيه المرتهن بحقه
وإن قال المرتهن كان الأجل إلى شهر رمضان فالقول قول الراهن في التسليط على البيع ، والقول في حل الأجل قول المرتهن ; لأن الأجل حق الراهن قبل المرتهن ، فإذا ادعى زيادة فيه ، وجحد المرتهن كان القول قوله فأما التسليط على البيع فمن حق المرتهن ، ويثبت بإيجاب الراهن ، ولو أنكره أصلا كان القول قوله ، فكذلك إذا أنكر حلوله إذ ليس من ضرورة حل المال ثبوت التسليط على البيع لجواز أن يسلطه على البيع بعد مضي شهر من حين يحل المال فإن اتفقا على الأجل أنه شهر واختلفا في مضيه ، فالقول قول الراهن ; لأن الأجل حق الراهن قبل المرتهن ، وقد تصادقا على ثبوته ثم ادعى المرتهن أنه أوفاه ذلك ، وأنكر الراهن الاستيفاء ، فالقول قوله
وإذا باع العدل الرهن بدنانير أو بغيرها من العروض ، وألحق دراهم فله أن يصرفها بدراهم إذا كان مسلطا على بيعه حتى يوفيه في قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) ، وعندهما ليس له أن يبيعه بعرض ; لأن العدل وكيل بالبيع ، وقد بينا الخلاف في الوكيل بالبيع مطلقا أو باع بالعروض ، وإذا باع بالنقود يجوز بالاتفاق ، ولكنه مأمور بإيفاء حق المرتهن ، والإيفاء إنما يكون بجنس الحق ، فكان له أن يصرف الثمن إلى جنس الحق ليقضي الدين به ، وكذلك يبيع العروض به في قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) وذلك لو باعه بمكيل أو موزون فهو كالبيع بالعروض على قياس الوكيل
وذكر الكرخي رحمه الله أن الرهن إذا كان بطعام السلم فباعه العدل بجنس ذلك الطعام يجوز البيع عندهم جميعا ; لأن عندهما إنما يتقيد البيع بالنقد بدلالة العرف ، وذلك غير موجود هنا ثم هذا عرف ، وعارضه نص ; لأنه سلطه على البيع لقضاء الدين ، وذلك بجنس الدين يتحقق ، وإن باعه بالنقد احتاج إلى أن يسوي به طعاما ليقضي به حق رب السلم فلأجل هذا جوزنا بيعه بالطعام
قال : ولو باعه بنسيئة كان البيع جائزا بمنزلة الوكيل بالبيع مطلقا ، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف ( رحمهم الله ) أنه إذا قال لغيره بع هذا المتاع فإني محتاج إلى النفقة أو قال : بعه فإن غرمائي ينازعونني ، فباعه بالنسيئة لا يجوز ; لأنه اقترن بكلامه ما يدل على أن مراده البيع بالنقد ، وعلى قياس تلك الرواية لا يجوز بيع العدل بالنسيئة أيضا ; لأنه أمره بالبيع عند حل الأجل ليوفي حق المرتهن ، وذلك لا يحصل إلا بالبيع بالنقد ، وإن توى الثمن عند المشتري فهو من مال المرتهن لما بينا أن حكم الرهن تحول من العين إلى الثمن ، وإن كان في ذمة المشتري ، [ ص: 85 ] كما لو قبل المرهون تحول حكم الرهن من العين إلى القيمة ، ولو هلكت العين قبل البيع يصير المرتهن به مستوفيا حقه ، فكذلك إذا توى الثمن وفيه وفاء بالدين
وإذا كان الرهن أرض خراج أو عشر ، فأخذ السلطان الخراج أو العشر من الثمرة كان للعدل أن يبيع ما بقي مع الأرض الرهن لما بينا : أن حكم الرهن يثبت في الزيادة المولدة من العين ، ولا يسقط باعتبار ما أخذ السلطان من ذلك شيء من الدين ; لأن ذلك مستحق على الرهن ، ولأن ذلك الجزء كالتاوي بغير صنع المرتهن ، ولو هلك الكل بغير صنعه لم يسقط شيء من دينه فإن قيل : كيف يأخذ السلطان الخراج من الثمرة ، والخراج في ذمة الراهن ؟ قلنا : قد قيل أن المراد خراج المقاسمة وهو جزء من الخارج كالعشر ، وإن كان المراد خراج الوظيفة فله تعلق بالخراج بدليل أنه لو امتنع من أداء الخراج يبيعه الإمام بطريق الاجتهاد ، وإذا أخذ السلطان الخراج أو العشر من الراهن لم يكن للراهن أن يرجع بشيء من الثمرة ، وهو كله رهن يبيعه العدل ، ويوفيه المرتهن ، ولا شك أن للسلطان أن يأخذ منه الخراج ، وكذلك العشر عند حاجة مصارف العشر ، وللسلطان أن يأخذ العشر من مالك الثمرة بعد إدراك الغلة ، وهذا ; لأنه يطالبه بالأداء ، وله أن يؤدي من أي موضع شاء فإذا كان هو الذي رهن العين ، وتعذر عليه أداء العشر أخذه من غير الثمرة لزمه الأداء من محل آخر ، فإذا أخذ منه بقيت الثمار مملوكة للراهن محبوسة عند المرتهن بحقه ، وللعدل أن يبيع الكل ، كما بينا ، ولا يكون للراهن أن يرجع بشيء من الثمرة ما لم يقض الدين ; لأنه بتصرفه قصر يد نفسه عن الثمرة ما لم يؤد الدين ، وقد كانت الثمرة مشغولة بالعشر والخراج ، فإذا زال ذلك بأدائه من محل آخر بقي حكم الرهن فيه على حاله .
قال : ولو كان الرهن إبلا أو بقرا أو غنما سائمة لم يكن فيها زكاة ; لأن على صاحبها من الدين ما يستغرق رقابها ، ووجوب الزكاة من المال النامي باعتبار عناء المالك قال : صلى الله عليه وسلم { لا صدقة إلا عن ظهر غنى } ، وبالدين المستغرق ينعدم الغناء ، والسبب إذا وجب الحكم بواسطة لم يثبت الحكم بدون تلك الواسطة كشراء القريب يوجب العتق بواسطة الملك فإذا اشتراه لغيره لا يكون إعتاقا لانعدام الواسطة .
وإن كان العدل هو الراهن فإن كان المرتهن لم يقبض من يد الراهن فليس برهن ; لأن تمام الرهن بالقبض ، ويد المالك في ماله لا تكون نائبة عن الغير فلا يصير المرتهن قابضا بيد الراهن ، وإن كان المرتهن قبضه ، وجعل الراهن مسلطا على بيعه فهو رهن ، وبيع الراهن فيه جائز ; لأن العين ملكه ، وهو مشغول بحق المرتهن فإذا رضي صاحب الحق بالبيع نفذ بيع المالك فيه .
وإذا ارتهن [ ص: 86 ] الرجل دارا أو سلط الراهن رجلا على بيعها ، ودفع الثمن إلى المرتهن ، ولم يقبضها المرتهن حتى حل المال لم يكن رهنا ; لانعدام القبض المتمم له ، وإن باع العدل الدار جاز بيعه بالوكالة لا بالرهن ; لأن العدل وكيل بالبيع ، وبقاء يد المالك في العين لا يمنع صحة الوكالة بالبيع ، وكذلك التبعيض في الخادم ، والدار ; لأن الشيوع ، وإن كان يمنع موجب الرهن فلا ينافي موجب الوكالة ، وأحد الحكمين ينفصل عن الآخر فالرهن ، وإن لم يصح لعدم القيمة فالتوكيل بالبيع صحيح ، وإذا باع العدل ذلك دفع الثمن إلى الراهن دون المرتهن ; لأن العين ملك الراهن ، ولم يثبت فيه حق المرتهن حين لم يصح الرهن فلهذا يدفع الثمن إلى الرهن ثم يقضي للمرتهن على الراهن بحقه ، وإن دفع العدل المال إلى المرتهن لم يضمن ; لأن الدفع إليه حصل بأمر المالك ، وإن نهاه عن البيع لم يجز بيعه بعد ذلك ، وكذلك إن مات الراهن لم يكن للعدل أن يبيعه بعد موته ; لأن نفوذ بيعه بالوكالة دون الرهن ، والوكالة تبطل بالعزل ، وموت الموكل ، والمرتهن أسوة الغرماء فيه ; لأن اختصاصه به يكون باعتبار الرهن فإذا لم يتم الرهن كان أسوة الغرماء .
وإذا قتل العبد المرهون عبد فدفع به أو أخفى عينه فدفع بالعين كان العدل مسلطا على بيع العبد المدفوع ; لأنه قائم مقام ما دفع به إلا أن يرى أن حكم الرهن يثبت فيه بهذه الطريقة ، فكذلك حكم التسليط على البيع ; لأن ذلك توكيل تعلق به الاستحقاق لكونه في ضمن الرهن فيظهر بظهور حكم الرهن فيه .
وإذا باع العدل الرهن فقال : بعته بتسعين ، والدين مائة ، فأقر بذلك المرتهن فإنه يسأل الراهن عن ذلك فإن أقر أنه باعه ، وادعى أكثر من تسعين ، فالقول قول المرتهن ، والعدل فيه لاتفاقهما على خروج العين من الرهن بالبيع ، وإنكار المرتهن للزيادة فيما تحول إليه حكم الرهن والبينة بينة الراهن لإثباته الزيادة ، وإن لم يقر الراهن بالبيع وقال هلك في يد العدل فالقول قول الراهن إذا كانت قيمته مثل الدين ; لأنه بقبض الرهن تثبت يد الاستيفاء للمرتهن في جميع الدين ثم إذا ادعى ما ينسخه ، وهو البيع في الدين فلا يصدق في ذلك إلا بحجة وإذا أقر بالبيع قال الراهن : بعته بمائة وقال العدل : بعته بتسعين وقال المرتهن : بعته بثمانين ، وقد تقابضا فالقول قول المرتهن ، ويرجع على الراهن بعشرين درهما لتصادقهم على ما ينسخ حكم الرهن في العين ، وهو البيع ، وإنكار المرتهن للزيادة فيما استوفى من حقه ، والبينة بينة الراهن ; لأنه هو المدعي لزيادة إيفاء الدين على المرتهن فإن أقام العدل البينة أنه باعه بتسعين ، وأعطاها للمرتهن ، وقال الراهن : لم يبعه وأقام البينة أنه لم يبع ، وأنه مات في يده قبل أن يبيعه لم تقبل بينة الراهن على [ ص: 87 ] هذا ; لأنهم لم يشهدوا على فصل ماله ، وإنما شهدوا على أنه لم يبع ، وهذا لا تجوز شهادتهم فيه ; لأن البينة للإثبات فلا تقبل على النفي ، ولا بلفظ النفي ، وإن كانت هذه البينة بلفظ الإثبات فقد بينا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) في ترجيح إحدى البينتين على الأخرى فيما سبق .
وإذا ارتد العدل ثم باع الرهن ثم قتل على ردته فبيعه جائز ; لأن نفوذ بيعه باعتبار الوكالة ، وردته لا تنافي ابتداء الوكالة فلا ينافى البقاء بطريق الأولى ، وإنما لا يجوز أبو حنيفة تصرفه في ملك نفسه إذا قتل على الردة ; لأن محل تصرفه حق ورثته ، وذلك غير موجود هنا ، فإنه ليس بمالك للرهن وخلف وارثه فيه إنما هو وكيل ببيعه ، وإن أسلم ، فذلك أجوز لبيعه ، وإن لحق بدار الحرب فلحاقه بمنزلة موته ، ولهذا يقسم القاضي ميراثه فإن رجع مسلما فهو على وكالته ، وقد نص على الخلاف بين أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) في الوكيل إذا ارتد ، ولحق بدار الحرب فقيل : حكم العدل على ذلك الخلاف ، وقيل بل هذا قولهم جميعا وأبو يوسف يفرق بينهما ، فيقول ردته ولحاقه موجب عزله ، بمنزلة ردة الوكيل وعزله نفسه ، وذلك يصح من الوكيل ، ولا يصح من العدل بعد القبول بحق المرتهن ، فكذلك يبقى حكم التسليط على البيع بعد لحاقه فإذا رجع فهو على وكالته ، وهذا ; لأن هذه الوكالة تعلق بها الاستحقاق لكونها في ضمن الرهن على ما بينا
وإذا ارتد الراهن ، والمرتهن فلحقا بدار الحرب أو قتلا على الردة ثم باع العدل الرهن جاز بيعه ; لأن لحاقهما كموتهما ، والقتل موت ، وقد بينا أن موتهما لا يبطل الرهن ، ولا حكم التسليط على البيع ، فكذلك هنا .
قال : وإذا كان العدل عبدا محجورا عليه فإن وضعا الرهن على يديه بإذن مولاه فهو جائز ; لأنه من أهل يد موجبة لتتميم العقد لو كان العقد معه بإذن مولاه ، فكذلك إذا كان العقد مع غيره ، قلنا : يتم العقد بيده على أن تكون يده نائبة عن يد المرتهن ، كما في الحر فإن وضعا على يده بغير إذن مولاه فهو أيضا جائز ; لأن الأهلية للعبد ، يكون آدميا مميزا أو مخاطبا بوجود الإذن من المولى ، وإنما الحاجة إلى الإذن فيما يتضرر المولى به ، ولا ضرر على المولى في جعل يد العبد نائبة عن يد المرتهن ، ولكن عهدة البيع لا تكون عليه ; لأن المولى يتضرر به من حيث إنه يتوي ماليته فيه ، وإنما العهدة على الذي سلطه على البيع ; لأنه لما تعذر إيجاب العهدة على العاقد تعلقت بأقرب الناس إليه ، وهو من سلطه على بيعه ، وكذلك الصبي الحر الذي يعقل إذا جعل عدلا فهو والعدل العبد سواء إن كان أبوه أذن له فالعهدة عليه ويرجع به على الذي أمره ، وإن لم يكن أبوه أذن له فاستحق البيع من يد المشتري [ ص: 88 ] فإن شاء المشتري رجع بالثمن على المرتهن الذي قبض المال ; لأنه هو الذي ينتفع بهذا العقد حين سلم الثمن له ، وإذا رجع عليه رجع المرتهن على الراهن بماله ، وإن شاء على الراهن ; لأن البائع كان مأمورا من جهته ، وإنما حصل بيعه ، وقبض الثمن له فكان له أن يرجع بالعهدة عليه ، ولو ذهب عقل العدل لم يجز بيعه في تلك الحالة ، أما إذا صار بحيث لا يعقل البيع ، فلا إشكال فيه ، وإن كان بحيث يعقل البيع جازت الوكالة ، ونفذ البيع فقياس تلك المسألة هنا يدل على جواز بيعه في هذه الحالة ، والأصح أن يفرق بينهما فيقال : لما وكله وهو صحيح العقل ، فهو ما رضي ببيعه إلا باعتبار رأي كامل ، وقد انعدم ذلك بجنونه .
وأما إذا كان وكله ، وهو بهذه الصفة فقد رضي ببيعه بهذا القدر من الرأي فيكون هو في البيع ممتثلا أمره ، فإن رجع إليه عقله فهو على وكالته ; لأن حكم الرهن ، والتسليط باق بعد ذهاب عقله ، ولكنه عجز عن تحصيل مقصود الراهن بعارض ، وذلك على شرف الزوال ، فإذا زال ذلك صار كأن لم يكن .
وإذا كان العدل صغيرا لا يعقل أو كبيرا لا يعقل فجعل الرهن على يده لم يجز ، ولم يكن رهنا ; لأنه ليس من أهل اليد إذ هو مميز ، وقبض مثله لا يكون معتبرا شرعا ، وما هو المقصود بالقبض لا يحصل بقبضه فلا يمكن تتميم الرهن باعتبار إقامة قبضه مقام قبض المرتهن ، ولو كبر ، وعقل ، وباع الرهن جاز البيع لتسليط الراهن إياه على البيع ; لأن الموكل ينفرد بالتوكيل ، ونفوذ تصرف الوكيل يعتمد علمه به ، فإذا باعه بعد ما عقل فقد وجد شرط نفوذ تصرف الموكل بعد صحة التسليط فهو نظير ما لو وكل غائبا ببيع شيء فبلغه وباعه .
وذكر الخصاف ( رحمه الله ) أن هذا قول أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) أما عند أبي حنيفة فلا يجوز بيعه بعد البلوغ ; لأن التسليط كان لغوا لانعدام الأهلية عنده فلا ينعدم بحدوث الأهلية بخلاف الغائب فهو أهل للتصرف ، فيصح تسليطه ، وعلمه به شرط ، فإذا وجد نفذ تصرفه .
وإذا كان العدل ذميا أو حربيا مستأمنا ، والراهن ، والمرتهن مسلمين أو ذميين فهو جائز ; لأن المستأمن في المعاملات بمنزلة الذمي أو المسلم ، وهو من أهل يد معتبرة شرعا ، وهو من أهل أن ينفذ بيعه بتسليط المالك ، كما ينفذ بيعه باعتبار ملكه ، فإن لحق الحربي بالدار لم يكن له أن يبيع ، وهو في الدار ; لأن المرهون في دار الإسلام رجع إلى دار الحرب ، عاجز عن تسليم ما في دار الإسلام لحاجته في الرجوع إلى أمان جديد فلهذا لا ينفذ بيعه فإن رجع فهو على وكالته بالبيع لما بينا في المرتهن اللاحق بدار الحرب ، وإن كان الحربي الراجع إلى دار الحرب ، هو : الراهن والمرتهن ، أو العدل ذمي أو حربي مقيم في دار [ ص: 89 ] الإسلام بإذن فله أن يبيعه ; لأن لحاق الراهن ، والمرتهن بالدار كموتهما ، وذلك لا يمنع نفوذ بيع العدل ، إن كان قادرا على التسليم لبقاء الرهن ، والتسليط .
وإذا باع العدل الرهن ، وقبض الثمن ، فهلك عنده ثم رد المبيع بعيب ، فمات عنده أو استحق ، أو هو باق في يده ، وقد أخره بالثمن حتى أداه فله أن يرجع على الراهن في ذلك كله ; لأنه في البيع كان عاملا للراهن بأمره ، ولا يكون له أن يرجع على المرتهن ; لأن رجوعه عليه باعتبار قبضه الثمن منه ، ولم يوجد ، وإن كان الراهن مفلسا ، والعبد في يد العدل فله أن يبيعه ، ويستوفي الثمن الذي غرمه ; لأن بالرد بالعيب عليه انفسخ البيع فيبقى التسليط على البيع كما كان ، وإذا باعه فالثمن ملك الراهن ، وقد استوجب الرجوع على الراهن بما غرم فإذا ظهر حبس حقه من ماله كان له أن يأخذه ، وهو أحق بذلك من المرتهن ; لأن دينه وجب بسبب هذا العبد ، ودين المرتهن في ذمة الراهن لا بسبب هذا العبد ، وكان صرف بدل العبد إلى دين ، وجب بسبب العبد أولى ، ولأنه لو كان دفع الثمن إلى المرتهن كان له أن يرجع فإذا لم يكن دفعه إليه فلان يكون هو أحق به ، ولا يلزمه دفعه إليه أولى .
وإذا باع العدل الرهن بيعا فاسدا أو ربا لم يجز بيعه ، كما لو باشره المالك ، ولا يضمن العدل ; لأنه وكيل ، وإنما يضمن الوكيل بالإخلاف لا بالفساد فكل أحد لا يهتدي إلى التحرز عن الأسباب المفسدة للعقد ، كما إذا كان الرهن خمرا أو خنزيرا ، والراهن ، والعدل ذميين ، والمرتهن مسلما ، وباعه فبيعه جائز بالوكالة ، والرهن باطل ; لأن المرتهن مسلم ، والمسلم ليس من أهل العقد على الخمر ، ولكن بطلان الرهن لا يبطل الوكالة بالبيع ، وإن كان مسلما ، والعدل ، والمرتهن ذميين فالرهن باطل لما قلنا ، وبيع العدل ينفذ بالتوكيل في قول أبي حنيفة بمنزلة المسلم يوكل الذمي ببيع الخمر ، والخنزير ، وينبغي له أن يتصدق بالثمن ، فإن قضاه العدل المرتهن ففعله كفعل الراهن بنفسه فينبغي أن يتصدق بمثله ; لأنه قضى دينه بمال يثبت فيه حق الفقراء فعليه أن يتصدق بمثله ، وإن كان العدل مسلما فبيعه باطل ; لأن المسلم ليس من أهل العقد على الخمر وليس له أن يباشره لنفسه أو لغيره ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) : وإذا ارتهن عبدا بألف درهم وقبضه ، وقيمته ألف درهم ثم وهب المرتهن المال للراهن أو أبرأه منه ، ولم يرد عليه الرهن حتى هلك عنده من غير أن يمنعه إياه [ ص: 90 ] فهو ضامن في القياس قيمته للراهن ، وهو قول زفر ، وفي الاستحسان : لا ضمان عليه ، وهو قول علمائنا الثلاثة ( رحمهم الله ) وجه القياس : أن بقبض الرهن ثبتت يد الاستيفاء للمرتهن ، ويتم ذلك بهلاك الرهن ، وصيرورته مستوفيا بهلاك الرهن بعد الإبراء بمنزلة استيفائه حقيقة بعد الإبراء فيلزمه رد المستوفى ، ولا يقال إنما يصير مستوفيا من وقت القبض حتى تعتبر قيمته من ذلك الوقت فيكون بريئا بعد الاستيفاء ، وهذا ; لأن الإبراء بعد الاستيفاء صحيح موجب لرد المستوفى كالبائع إذا قبض الثمن ثم أبرأ المشتري عن الثمن .
وقد قال بعد هذا في الرهن بالصداق : إذا طلقها الزوج قبل الدخول بها ثم هلك الرهن لا يلزمها رد شيء على الزوج بطريق الاستحسان ، ولو كان الطريق فيه هذا للزمها رد النصف ; لأن الطلاق قبل الدخول بعد استيفاء الصداق يلزمها رد نصف المستوفى ، ولا وجه لإسقاط الضمان الفائت في مالية الرهن بسبب الإبراء عن الدين ; لأن ضمان العقد بالقبض فيبقى بعد القبض ، وإن سقط الدين ، كما لو استوفى الدين حقيقة أو اشترى بالدين عينا أو صالح منه على عين أو أحاله على إنسان آخر بقي ضمان الرهن ، وإن برئت ذمة الراهن عن الدين ، وكذلك لو تصادقا على أن لا دين ، بقي ضمان الرهن لبقاء القبض ، وإن انعدم الدين ، ولو تبادلا رهنا برهن بقي ضمان الأول ما لا يرده على الراهن لبقاء القبض ، والمشتري إذا قبض المبيع فهو بالخيار ثم فسخ البيع بقي مضمونا بالثمن لبقاء القبض ، وإن انفسخ البيع ، وإذا كان الخيار للبائع ففسخ البيع يبقى مضمونا بالقيمة على المشترى ; لبقاء القبض ، كما في الابتداء .
ولا يقال لو وجب الضمان على المرتهن إنما يجب بسبب الإبراء ، وهو متبرع فيه فلا يوجب عليه ضمانا ; لأن وجوب الضمان عليه ليس بالإبراء ، بل الاستيفاء بهلاك الرهن إلا أنه قبل الإبراء كانت تقع المقاصة ، وبعد الإبراء لا يمكن إثبات المقاصة فيبقى المستوفي مضمونا عليه ، كما لو استوفاه حقيقة بعد الإبراء ، ويلزمه ضمان المستوفي ، وإن كان لو لم يسبق الإبراء لم يكن عليه شيء ، وللاستحسان وجهان : أحدهما : أن ضمان الرهن يثبت باعتبار القبض ، والدين جميعا ; لأنه ضمان الاستيفاء فلا يتحقق ذلك إلا باعتبار الدين ، وبالإبراء عن الدين انعدم أحد المعنيين ، وهو الدين ، والحكم الثابت بعلة ذات وصفين ينعدم بانعدام أحدهما .
( ألا ترى ) أنه لو رد الرهن سقط الضمان لانعدام القبض مع بقاء الدين ، فكذلك إذا أبرئ من الدين يسقط الضمان لانعدام الدين مع بقاء القبض ، وهذا بخلاف ما لو استوفى حقيقة ; لأن هناك الدين بالاستيفاء لا يسقط بل يتقرر ، فإن ما هو المقصود يحصل بالاستيفاء ، وحصول [ ص: 91 ] المقصود بالشيء ينهيه ويقرره ، ولهذا جاز الإبراء عن الثمن بعد الاستيفاء ، فإذا بقي الدين حكما بقي ضمان الرهن ، وبهلاك الرهن يصير مستوفيا فتبين أنه استوفى مرتين فيلزمه رد أحدهما فأما بالإبراء فيسقط الدين فلا يبقى الضمان بعد انعدام أحد المعنيين ، وكذلك إذا اشترى بالدين أو صالح من الدين على عين فذلك استيفاء الدين بطريق المقاصة ، وكذلك إذا أحال على غيره ; لأن بالحوالة لا يسقط الدين ، ولكن ذمة المحال عليه تقوم مقام ذمة المحيل ، وهو بصدد أن يعود إلى ذمة المحيل إذا كان المحتال عليه مفلسا فلهذا بقي ضمان الرهن وكذلك بعد ما تبادلا رهنا برهن ، الدين والقبض باقيان في حق العين الأول فيبقى الضمان فيه ، وإذا تصادقا على أن لا دين فإنما يسلم هذا فيما إذا كان تصادقهما بعد هلاك الرهن ، والدين كان واجبا ظاهرا حين هلك الرهن ، ووجوب الدين ظاهرا يكفي لضمان الرهن فصار مستوفيا فأما إذا تصادقا على أن لا دين ، والرهن قائم ثم هلك الرهن فإن هناك تهلك أمانته ; لأن بتصادقهما من الأصل ، وضمان الرهن لا يبقى بدون الدين والوجه الآخر وعليه الاعتماد : أن مقصود الراهن بتسليم الرهن إلى المرتهن أن يبرئ ذمته عند هلاك الرهن من غير أن يلزمه شيء آخر ، وقد حصل له هذا المقصود بالإبراء قبل هلاك الدين فلا يستوجب عند هلاك الرهن سببا آخر ، كمن عليه الدين المؤجل إذا عجل الدين ثم حل الأجل ، وصاحب المال إذا عجل الزكاة ثم تم الحول لا يلزمه شيء آخر ; لهذا المعنى بخلاف ما إذا استوفى الدين فهناك مقصوده لم يحصل ; لأن ذمته إنما برئت بما أعطى من المال ، وكذلك إذا اشترى بالدين أو صالح أو أحال أو تبادلا رهنا برهن ، فما هو المقصود له عند هلاك الرهن لم يحصل بهذه الأسباب ، وإذا تصادقا على أن لا دين له ثم هلك الرهن بعد ذلك لا يكون مضمونا ; لأن مقصوده حصل بالتصادق حين لم يلزمه شيء آخر ، ولا يقال : مقصود براءة ذمته عند هلاك الرهن بطريق الإيفاء ، وإنما برئت ذمته بطريق الإسقاط بالإبراء أو الإسقاط عن الإيفاء ، وهذا ; لأن الأسباب غير مطلوبة لأعيانها بل لأحكامها ، فإنما ينظر إلى حصول المقصود ، ولا ينظر إلى اختلاف الطريق ، بمنزلة ما لو قال لفلان : علي ألف درهم قرضا .
وقال المقر له : بل هو غصب يلزمه المال لإيفاء ما هو المقصود ، وإن اختلفا في السبب ، وكذلك لو قال لفلان : علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي بعتها وقال فلان : الجارية جاريتك بعتها ولي ألف درهم يلزمه المال لحصول المقصود ، وهو سلامة الجارية له ، وإن اختلفا في السيد ، فهذا مثله ، وهذا بخلاف البيع بالضمان ، فإنه هناك انعقد بالقبض ، ولكن فسخ البيع يبطل بالهلاك قبل الرد ، كما [ ص: 92 ] يبطل البيع بالهلاك قبل التسليم ، وهنا الإبراء ما يبطل بهلاك الرهن بعده ; لأن هناك ما هو المقصود للبائع لا يحصل بفسخ البيع ما لم يعد المبيع إلى يده ، فلهذا بقي الضمان ، ولو منعه العبد بعد ما أبرأه عن الدين حتى مات في يده ضمن قيمته ; لأنه كان أمينا فيه فبالمنع بعد طلب الحق يصير غاصبا كالمودع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|