
22-12-2025, 01:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون
صـــ 162الى صـــ 171
(422)
ولو كان ادعى في أرض حقا فصالحه منها على أرض أخرى بإقرار فغرقت الأرض التي وقع الصلح عليها فإن شاء المدعي رضي بها ، وإن شاء تركها إن كان قد نقصها الغرق ; لأن ما وقع عليه الصلح بمنزلة المبيع وقد تعيب قبل التسليم فإن غرقت الأرض التي كان ادعى فيها قبل أن يصل إليها المصالح ونقصها الغرق فهو بالخيار أيضا ; لأن الصلح على الإقرار محض معاوضة فكان المدعى عليه مشتر للمدعى به وقد تعيب قبل القبض فله الخيار ، وإن كان الصلح وقع على الإنكار لم يكن له فيها خيار ; لأن في زعم المدعي أن المدعى عليه غاصب بجحوده وإنه بالصلح كالمشتري فصار قابضا بنفس الشراء وإنما تعيب بعد ذلك .
ولو ادعى سكنى في دار وصية من رب الدار فجحده أو أقر به ثم صالحه منه على شيء جاز ، وإن كان الموصى له بالسكنى لا يؤاجر ; لأن تصحيح الصلح بطريق إسقاط الحق بعوض ممكن والأصل فيه أن الصلح صحيح بطريق المعاوضة إن أمكن وإن تعذر ذلك تصحح بطريق الإسقاط كما لو صالح من الألف على خمسمائة ، وكذلك لو صالحه على سكنى دار أخرى فإنه يصح هذا الصلح بطريق الإسقاط لما تعذر تصحيحه بطريق التمليك فإن مبادلة السكنى لا تجوز
ولو ادعى دارا في يد رجل فصالحه منها على دراهم مسماة أو على شيء من الحيوان على أن يزيد الآخر كر حنطة لمدة وليس عنده طعام لم يجز ; لأن ما يقع عليه الصلح مبيع وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز قال : ( ألا ترى ) أنه لو باع عبدا بدراهم واشترط للمشتري مع العبد طعاما يعطيه إياه وليس عنده كان البيع فاسدا لهذا المعنى .
ولو ادعى في دار رجل طريقا فصالحه منها على دراهم أو على طريق في دار أخرى كان جائزا بعد أن يبين أن الطريق بمنزلة البيع
ولو كان له باب في غرفة أو كوة وآذاه جاره وخاصمه فافتدى من خصومته بدراهم وصالحه عليها فالصلح باطل وله أن يترك بابه وكوته على حالهما قال : لأنهما في غير ملك أحد ومعنى هذا أن الباب والكوة يكون برفع بعض الحائط والحائط خالص ملكه ولو رفعه كله لم يكن لجاره أن يمنعه من ذلك فكذلك إذا رفع بعضه ، وبهذا يتبين أن الجار ظالم له مدع بالباطل وأنه أخذ منه مالا ليكف عن ظلمه وذلك حرام فلهذا لزمه [ ص: 163 ] رده والله أعلم بالصواب .
( قال : رحمه الله ) قد ذكرنا في كتاب الشفعة أن صلح الشفيع مع المشتري على ثلاثة أوجه في وجه يصح على أخذ نصف الدار بنصف الثمن وفي وجه لا يصح ولا تبطل شفعته وهو أن يصالح على أخذ بيت بعينه من الدار بحصته من الثمن ; لأن حصته مجهولة ولا تبطل شفعته ; لأنه لم يوجد منه الإعراض عن الأخذ بالشفعة بهذا الصلح وفي وجه تبطل شفعته ولا يجب المال وهو أن يصالح على أن يترك الشفعة بمال يأخذه من المشتري فهنا تبطل شفعته لوجود الإعراض منه عن الأخذ بالشفعة ولا يجب المال ; لأن ملك المشتري في الدار لا يتغير بهذا الصلح بل يبقى على ما كان قبل الصلح وترك الشفعة ليس بمال ولا يئول مالا بحال فالاعتياض عنه بالمال لا يجوز بخلاف القصاص فإن نفس القاتل كانت مباحة في حق من له القصاص وبالصلح تحدث له العصمة في حقه فيجوز أن يلزمه بمقابله
ولو صالح المشتري الشفيع على أن أعطاه الدار وزاده الشفيع على الثمن شيئا معلوما فهو جائز ; لأن تسليم الدار بالشفعة بثمن بغير قضاء يكون بيعا مبتدأ والثمن الذي وقع عليه التراضي معلوم فكأنه باعه منه مرابحة بما سميا من الثمن
وإذا اختصم في الشفعة شريك وجار فاصطلحا على أن أخذاها نصفين وسلمهما المشتري جاز كما لو باعها منهما ابتداء
وإذا اشترى الرجل دارا فخاصمه رجل في شقص منها وطلب الشفعة فيما بقي ، ثم صالحه المشتري على نصف الدار بنصف الثمن على أن يبرأ من الدعوى فهو جائز بمنزلة البيع المبتدإ فإن بيع نصف الدار منه بالثمن ابتداء صحيح وشرط البراءة من الدعوى لا يبطل البيع أما إذا لم يكن مشروطا فتصحيح هذا بعقد ممكن بأن كان للمدعي جزء من هذا النصف فيكون المدعي تاركا للدعوى فيه بإقدامه على الشراء ابتداء وقابضا لذلك الشقص بحقه مشتريا لما زاد عليه بما سمى من الثمن أو مصالحا في ذلك الشقص بعوض يؤديه مشتريا فيما زاد عليه
ولو ادعى في دار في يد رجل حقا أو ادعاها كلها فصالحه على دارهم فلا شفعة للشفيع فيها ; لأن المدعى عليه يزعم أن الدار له على قدم ملكه وزعمه فيما في يده معتبر فكما لا يتمكن المدعي من أخذ ما في يده باعتبار زعمه فكذلك الشفيع وقد بينا أن بإقدامه على الصلح لا يصير مقرا للمدعي بالدار وإنما التزم البدل فداء [ ص: 164 ] ليمينه .
وإن خاصمه في الشفعة فسلم له نصف الدار بنصف الثمن الذي صالح عليهما المدعي جاز كما لو باعه منه ابتداء
ولو اشترى أرضا فسلم الشفيع الشفعة ، ثم جحد التسليم وخاصمه فصالحه على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن جاز وهذا والبيع المبتدأ منه سواء
وكذلك لو مات الشفيع ، ثم صالح الورثة المشتري على نصف الدار بنصف الثمن جاز كالبيع المبتدأ
وإذا ادعى الرجل شفعة في دار فصالحه المشتري على أن يسلم له دارا أخرى بدراهم مسماة على أن يسلم له الشفعة فهذا فاسد لا يجوز ; لأنه بائع الدار الأخرى منه وقد شرط فيه تسليم الشفعة وهو شرط ينتفع به أحد المتعاقدين فإذا شرط في البيع فسد العقد كما لو باعه عبدا بألف درهم على أن يسلم له الشفعة
ولو ادعى شفعة في عبد فصالحه المشتري على أن يسلم نصف العبد بنصف الثمن وهو معلوم عندهما جاز ; لأنه بيع مبتدأ والبيع ينعقد بلفظ التسليم وبفعل التسليم ، وإن لم يكن هناك لفظ كما هو مذهبنا في انعقاد البيع صحيحا بالتعاطي والله أعلم بالصواب .
( قال : رحمه الله ) وإذا ادعى الرجل في دار حقا فصالحه ذو اليد على عبد إلى أجل فالصلح فاسد ; لأن تصحيح الصلح على الإنكار بطريق البناء على زعم المدعي وفي زعمه أنه يتملك العبد بغير عينه بعوض هو مال وذلك فاسد فإن قيل الحيوان يثبت دينا في الذمة في العقود المبنية على التوسع في البدل كالنكاح والخلع والصلح على الإنكار بهذه الصفة قلنا لا كذلك ولكن الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو مال وإنما يثبت بدلا عما ليس بمال .
( ألا ترى ) أن الغرة وجبت شرعا في جنين الحرة دون جنين الأمة وهذا ; لأن مقابلة ما ليس بمال بمال لا يثبت ثبوتا صحيحا بل يردد بين الحيوان والقيمة وبمقابلة ما هو مال لا يمكن إثباته بهذه الصفة ، ثم الصلح على الإنكار في المصالح عليه غير مبني على التوسع .
( ألا ترى ) أنه لا يثبت في الذمة مع جهالة الصفة وأنه يرد بالعيب اليسير والفاحش فكذلك لا يثبت الحيوان فيه دينا فإن كان صالحه من حقه فقد أقر له بالحق ولكن لم يبين مقداره فالقول فيه قول المدعى عليه بعد أن يقر بشيء لإنكاره الزيادة بمنزلة ما لو قال لفلان علي حق ، وإن كان صالحه من دعواه لم يكن ذلك إقرارا ; لأن الدعوى قد تكون حقا وقد تكون باطلا .
( ألا ترى ) أنه لو قال لفلان علي دعوى لا يصير مقرا له بشيء بهذا اللفظ بخلاف قوله : لفلان علي حق فكذلك [ ص: 165 ] لو صالحه على دراهم مسماة إلى الحصاد وما أشبهه ; لأن الصلح فيما يقع عليه الصلح كالبيع واشتراط هذه الآجال المجهولة مفسد للبيع
ولو ادعى رجل في عبد رجل دعوى فصالحه على غلته شهرا فهذا فاسد بخلاف ما إذا صالحه على خدمته شهرا ; لأن الخدمة معلومة ببيان المدة وهي مقدورة التسليم لصاحب العبد فأما الغلة فمجهولة المقدار في نفسها غير مقدورة التسليم لصاحب العبد ; لأنه ما لم يؤاجره من غيره لا تحصل الغلة له وذلك لا يتم به وحده وبعد ما أجره لا تجب الغلة إلا بسلامة العبد في الشهر ولعله يمرض أو يموت فلهذا بطل الصلح ، وكذلك الصلح على غلة الدار وثمرة النخل فاسد ; لأنه مجهول وهو على خطر الوجود بخلاف الوصية فإنها أخت الميراث فمثل هذه الجهالة لا تمنع صحتها أما الصلح فهو بمنزلة البيع والإجارة فيما يقع الصلح عليه ومثل هذه الجهالة تمنع الاستحقاق بالبيع والإجارة
. وعلى هذا لو صالح من دعواه على شرب يوم من هذا النهر في الشهر من غير أن يكون له حق في رقبته فإنه لا يجوز والوصية بمثله تجوز لما قلنا .
ولو ادعى قبل رجل ألف درهم دينا فصالحه منها على عشرة دنانير إلى أجل لم يجز مقرا كان أو جاحدا أما إذا كان مقرا فلأن هذا صرف بالنسيئة ، وكذلك لو صالحه منها على طعام موصوف مؤجل أو غير مؤجل وفارقه قبل القبض فهو باطل ; لأنه دين بدين والدين بعد المجلس حرام لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الكالئ بالكالئ ، وكذلك لو صالحه من غيره فهو في هذا المعنى وصلح المدعى عليه سواء
ولو ادعى عليه ألف درهم سودا فصالحه منها بعد الإنكار على ألف درهم بخية إلى سنة لم يجز ; لأن البخية لها فضل فالبخية الجياد التي هي نقد بيت المال سميت بذلك ; لأنه يقال لمن يتملكها بخ بخ ، ثم جعل هذا الفضل عوضا عن الأجل ومعاوضة المال بالأجل لا يجوز وفي نظيره نزل قوله تعالى {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ولو ادعى عليه بخية فصالحه على سود مثلها أو أقل حالا أو مؤجلا فهو جائز ; لأن صاحب الحق هو المحسن إليه من كل وجه حيث أبرأه عن فضل الجودة ولو أبرأه عن بعض المقدار وأجله فيما بقي جاز أيضا وإذا كان الإحسان كله من جهته لا يتحقق معنى المعاوضة بينهما
ولو باع عبدا بألف درهم سود ثم صالحه على ألف ومائة نبهرجة أو زيوف حالة أو إلى أجل كان ذلك باطلا ; لأن ما شرط من زيادة القدر عوض عن الأجل أو عن صفة الجودة فإن الزيوف دون السود في الجودة ومثل هذه المعاوضة ربا شرعا
وكذلك لو صالحه منها على شيء مما يكال أو يوزن بغير عينه لم يجز ; لأن المكيل [ ص: 166 ] والموزون إذا قابلته الدراهم يكون مبيعا وهو بيع ما ليس عند الإنسان وذلك باطل قبض في المجلس أو لم يقبض ولا يمكن تصحيحه سلما وإن ذكر شرائط السلم ; لأن رأس المال دين وعقد السلم برأس مال هو دين لا يجوز .
ولو كان لرجل قبل رجل ألف درهم غلة فصالحه منها على خمسمائة بخية نقدا ونقدها إياه فهو جائز في قول أبي يوسف رحمه الله الأول باعتبار أنه يجعل كل واحد منهما محسنا إلى صاحبه بطريق الإسقاط فصاحب الحق أبرأه عن خمسمائة والمديون أعطى ما بقي أجود مما عليه وهذا منه إحسان في قضاء الدين وذلك مندوب إليه وإذا كان المقصود بالصلح قطع المنازعة فإذا أمكن تصحيحه لا يجوز إبطاله وهنا تصحيحه بطريق ممكن فلا يحل على المعاوضة وإن تفرقا قبل أن يقبض فله خمسمائة من غلة الكوفة ; لأنه أبرأه عما بقي وإنما تبقى الخمسمائة في ذمته بالصفة التي كانت قبل الإبراء والمجازاة على الإحسان مطلوبة بطريق ولكن غير مستحق دينا ، ثم رجع فقال : الصلح باطل وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنهما صرحا بالمعاوضة فإنه أبرأه عن الخمسمائة بشرط أن يسلم له بصفة الجودة فيما بقي ومعاوضة الدراهم بالجودة لا يجوز ومع التصريح بالمعاوضة لا يمكن حمله على البراءة المبتدأة كما إذا باع درهما بدرهمين لا يجعل أحد الدرهمين هبة ليحصل مقصودهما
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم على أن يبيعه بها هذا الثوب أو على أن يؤاجره بها هذه الدار أو صالحه منها على عبد بعينه على أن يشتريه منه فهذا فاسد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة وقد بينا أن الصلح في معنى البيع واشتراط بيع أو إجارة في البيع يكون مفسدا له ، وكذلك لو صالحه منها على دار وشرط أن يسكنها الذي عليه الدين سنة أو على عبد وشرط خدمته سنة فهو فاسد ; لأنه شرط الأجل في تسليم العين ، أو شرط أحد المتعاقدين منفعة لنفسه من ملك صاحبه وذلك مفسد للبيع والإجارة فكذلك يفسد الصلح .
ولو ادعى رجل في غنم رجل دعوى فصالحه منها على صوفها الذي على ظهرها أن يجزه من ساعته فهو جائز في قول أبي يوسف رحمه الله ولا يجوز في قول محمد رحمه الله ; لأن المصالح عليه إذا كان معينا فهو كالمبيع وبيع الصوف على ظهر الغنم باطل فكذلك الصلح .
( ألا ترى ) أنه لو صالحه على صوف على ظهر شاة أخرى بعينها لم يجز لهذا المعنى وأبو يوسف رحمه الله يقول : تصحيح هذا الصلح باعتبار زعم المدعي ممكن ; لأنه يزعم أن الصوف والشاة ملكه وإنه يترك للمدعى عليه بعض ملكه ويبقى في الصوف لا إن تملكه ابتداء وذلك [ ص: 167 ] جائز وقد بينا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وأن من أصل أبي يوسف رحمه الله أنه إذا أمكن تصحيح الصلح بوجه ما يجب تصحيحه لقطع المنازعة بخلاف ما إذا صالحه على صوف على ظهر شاة أخرى ولو صالحه على ألبانها التي في ضروعها أو على ما في بطونها من الولد فهو باطل أما عند محمد رحمه الله فلأن هذا بمنزلة البيع وأما عند أبي يوسف رحمه الله فلأنه إنما يمكن تصحيح هذا الصلح بطريق إبقاء ملكه في بعض العين واللبن في الضرع والولد في البطن ليس بعين مال متقوم ووجوده على خطر فربما يكون انتفاخ البطن والضرع بالريح بخلاف الصوف على ظهر الغنم فهو مال متعين متقوم مملوك فتصحيح الصلح بطريق إبقاء الملك فيه ممكن
ولو ادعى في أجمة في يدي رجل حقا فصالحه على أن يسلم صيدها للمدعي سنة فهذا فاسد ; لأنه مجهول ووجوده على خطر ، وكذلك لو صالحه على ما فيها من الصيد إذا كان ذلك لا يوجد إلا بصيد ، وإن كان محظورا ; لأنه غير مملوك لأحد وبيعه لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ضربة القانص ونهى عمر وابن مسعود رضي الله عنهما عن بيع السمك في الماء وإذا كان الصيد محظورا وهو يؤخذ بغير صيد كان الصلح جائزا وله الخيار إذا رآه بمنزلة البيع وقيل تأويله إذا أخذتم السمك في الماء أو دخل الأجمة مع الماء ، ثم منع من الخروج بسد فوهة الأجمة فيكون ذلك بمنزلة الأخذ الموجب للملك ولكنه غير مرئي فأما إذا دخل الأجمة مع الماء ولم يسد فوهة الأجمة فلا يجوز بيعه ; لأنه لم يصر مملوكا لصاحب الأجمة بالدخول في أجمته ما لم يأخذه .
ولو ادعى في عبد دعوى فصالحه من ذلك على مخاتيم دقيق معلومة من دقيق هذه الحنطة أو على أرطال من لحم شاة حية لم يجز ; لأنه لا يجوز بيع شيء من ذلك إما ; لأنه معدوم في الحال أو ; لأنه يحتاج في تسليمه إلى بضع البنية وذلك مانع من جواز العقد ، وكذلك لو صالحه على عبد آبق فإن الآبق لا يجوز بيعه ; لأن ماليته تاوية بالإباق وهو غير مقدور التسليم فكذلك الصلح عليه
ولو ادعى قبل رجل مائة درهم وكر حنطة سلما فصالحه من ذلك على عشرين دينارا لم يجز إذا كان رأس المال دراهم ; لأن في حصة الحنطة هنا استبدال بالمسلم فيه فيبطل لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك } والعقد صفقة واحدة فإذا بطل بعضه بطل كله عند أبي حنيفة رحمه الله ظاهر وأما عندهما فالصلح كذلك وقد بيناه في الكتاب وهذا ; لأن مبنى الصلح على الحط والإغماض والتجوز بدون الحق وربما يكون ذلك في البعض دون البعض فبعد ما بطل في البعض لا يمكن تصحيحه [ ص: 168 ] فيما بقي
وإن كان رأس المال خمسة دنانير فصالحه منها على عشرين دينارا خمسة منها رأس مال السلم جاز ; لأن في حق السلم هذا صلح على رأس المال وما وراء ذلك بمقابلة المائة وهو صرف مقبوض في المجلس فيكون جائزا وذكر عن أبي إسحاق الشيباني رحمه الله قال : سألت عبد الله بن مغفل وفي رواية معقل عن رجل كان لي عليه عشرة أكرار حنطة فاشتريت بها منه أرضا فقال : لي خذ رأس مالك وإنما أورد هذا لبيان أن الاستبدال بالمسلم فيه قبل القبض لا يجوز ، ثم عندنا يبقى عليه طعام السلم بحاله أن الشراء والصلح إذا بطل صار كالمعدوم وكأنه ذهب إلى أنهما قصدا إسقاط طعام المسلم إلى عوض فيعتبر قصدهما بحسب الإمكان ورد رأس المال متعين لذلك ولكن ما ذكرنا أقوى وعن طاوس رحمه الله قال : أسلم رجل إلى رجل في حلل دق فأراد أن يعطيه حلل جل كل حلتين بحلة فسأله ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فكرهه وبه نأخذ فإن هذا استبدال بالمسلم فيه ; لأن الثياب من أنواع مختلفة وأجناس مختلفة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما في بطون الأنعام وعن بيع ما في ضروعها إلا مكيلا يعني إلا مكيلا بعد الحلب وعن بيع العبد الآبق وعن بيع ضربة القانص وعن بيع الصدقة حتى تقبض وعن بيع المغنم حتى يقسم } وبذلك كله نأخذ فإن بيع نصيبه قبل القسمة باطل ; لأنه بيع قبل الملك ، وكذلك بيع الصدقة قبل القبض وبيع ضربة القانص وبيع العبد الآبق باطل للعجز عن التسليم وبيع ما في بطون الأنعام وما في ضروعها للغرر والجهالة وعن محمد بن زيد قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما فقلت إني أسلمت إلى رجل ألف درهم وقال : إن أعطيتني برا فبكذا وإن أعطيتني شعيرا فبكذا فقال : سم في كل نوع وزنا فإن أعطاك فذاك وإلا فخذ رأس مالك وبه نقول إذ مثل هذه الجهالة والتردد يمنع صحة السلم وأنه لا يأخذ بطريق الصلح إلا سلمه أو رأس ماله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع والحمل في البطن
وإن صالحه عن سلمه على رأس ماله ، ثم صالحه من رأس المال على شيء آخر يدا بيد لم يجز ذلك ; لأن حال رب السلم مع المسلم إليه بعد الإقالة كحال المسلم إليه مع رب السلم قبل قبض رأس المال وكما أن الاستبدال برأس المال قبل القبض لا يجوز فكذلك بعد الإقالة قبل الرد إلا أنهما يفترقان من حيث إن قبض رأس المال واجب في المجلس وبعد الإقالة لا يجب قبض رأس المال في المجلس وكان ذلك بمعنى الدينية فإن الدين بالدين حرام أو لمقتضى لفظ السلم فهو أخذ عاجل [ ص: 169 ] بآجل وذلك غير موجود في الإقالة وليس من ضرورة كونه غير مستحق القبض في المجلس جواز الاستبدال به كالمسلم فيه وعن زفر رحمه الله الاستبدال بعد الإقالة جائز ; لأنه دين سبب وجوبه القبض فيجوز الاستبدال به كبدل القرض والغصب وهذا هو القياس ولكنا تركناه لما بينا ولقوله صلى الله عليه وسلم { لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك } فلو جوزنا الاستبدال برأس المال بعد الإقالة كان آخذا غير سلمه وغير رأس ماله وذلك ممتنع شرعا
ولو أسلم رجل إلى رجل دراهم في شيء سلما فاسدا وتفرقا كان له أن يأخذ بدراهمه ما بدا له يدا بيد ; لأنه دين سبب وجوبه القبض وعقد السلم كان باطلا في الأصل وإنما يلزمه رد المقبوض باعتبار القبض والاستبدال ببدل القرض فإن جعله في شيء من الوزن إلى أجل مسمى فهو فاسد ; لأنه دين بدين فالمقبوض صار مملوكا له مع فساد العقد بالقبض ومثله صار دينا في ذمته فالسلم يضاف إلى ذلك الدين
ولو ادعى عبدا في يد رجل ، ثم صالحه منه على دراهم أو دنانير مؤجلة والعبد قائم أو هالك فهو جائز ; لأنه إن كان قائما بعينه فهو بيع العبد بثمن مؤجل في زعم المدعي ، وإن كان هالكا فالواجب هو القيمة والقيمة دراهم أو دنانير فهذا تأجيل في بدل المغصوب وذلك جائز وقد بيناه في الصرف ، وإن صالحه على طعام مؤجل جاز إن كان العبد قائما بعينه ; لأن الطعام متى كان دينا بمقابلة العبد يكون ثمنا ولم يجز إن كان هالكا أما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فظاهر ; لأن الواجب هو القيمة فيكون بائعا ما ليس عنده ; لأن الطعام إذا قوبل بالدراهم والدنانير يكون مبيعا وعند أبي حنيفة رحمه الله ما يقع الصلح عليه يكون بدلا عن العبد على ما بيناه في الصلح عن المغصوب الهالك على أكثر من قيمته أنه جائز عنده ولكن العبد الهالك في معنى الدين ; لأن ما لا يمكن الوقوف على عينه فهو دين فيكون ذلك دينا بدين فلهذا كان فاسدا ولو لم يكن فيه أجل جاز إن كان بعينه أو بغير عينه فدفعه إليه قبل أن يتفرقا عن عين بدين وذلك جائز وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله
فإنه لو كان ما يقع عليه الصلح بدلا عن القيمة لم يجز ، وإن قبض في المجلس إذا كان دينا عند العقد ; لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وإن فارقه قبل أن يقبضه ولم يكن بعينه والعبد هالك بطل ; لأنهما افترقا عن دين بدين ، وكذلك إن صالحه على ثياب مؤجلة والعبد هالك لم يجز ; لأنه دين بدين وهو فاسد شرعا والله أعلم بالصواب .
[ ص: 170 ] قال : رحمه الله ) اعلم بأن القياس يأبى جواز المهايأة ; لأنها مبادلة المنفعة بجنسها وكل واحد من الشريكين في نوبته ينتفع بملك شريكه عوضا عن انتفاع الشريك بملكه في نوبته ولكن تركنا القياس وجوزناه للكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وهذا هو المهايأة وأما السنة فما روي أن الرجل الذي خطب تلك المرأة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم { فقال صلوات الله عليه ماذا تصدقها قال نصف إزاري هذا قال : صلى الله عليه وسلم ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك شيء } وهذا تفسير المهايأة ولأن المنافع يجوز استحقاقها بالعقد بعوض وبغير عوض كالأعيان ثم القسمة في الأعيان المشتركة عند إمكان التعديل جائزة فكذلك في المنافع المشتركة ولهذا يجبر القاضي الشركاء على المهايأة إذا طلب ذلك بعضهم وأبى البعض والذي أبى لم يطلب قسمة العين والأصل أن اختصاص العقد باسم لاختصاصه بحكم يدل عليه معنى ذلك الاسم فقسمة المنافع لما اختصت باسم المهايأة فذلك دليل على اختصاصها بمعنى يدل عليه هذا الاسم وهو أن وصول نصيب أحدهما إليه يسبق وصول نصيب الآخر إليه بخلاف قسمة العين وهذا العقد ليس كالإجارة في جميع الأحكام ; لأن في الإجارة يستحق منفعة العين بالعقد وهنا ما يستوفيه كل واحد منهما بل يجعل في الحكم كأنه منفعة ملكه على ما هو موضوع القسمة من العين وكون معنى المعاوضات فيه بيعا وليس في عين العارية أيضا لهذا المعنى ولأن العارية لا يتعلق بها الاستحقاق ويتعلق بالمهايأة فمن هذا الوجه تشبه الإجارة ولكن الاستحقاق في المهايأة دون الاستحقاق في الإجارة على معنى أن هناك لا ينفرد أحدهما بالفسخ بغير عذر وهنا يملك أحد الشريكين فسخ المهايأة بطلب القسمة ; لأن الأصل فيما هو المقصود وهو تمييز الملك قسمة العين والمهايأة خلو عنه
( ألا ترى ) إن في الابتداء لو طلب أحدهما قسمة العين لم يشتغل القاضي بينهما بالمهايأة فكذلك في الانتهاء إذا طلب ما هو الأصل وهو قسمة العين لا تستدام المهايأة بينهما ثم العارية والإجارة تبطل بموت أحدهما وقسمة الشركة تبطل بموت أحدهما عند محمد وعند أبي يوسف رحمه الله لا تبطل والمهايأة لا تبطل بموت أحد الشريكين ; لأنا لو أبطلناها احتجنا إلى إعادتها فالشريك الحي أو وارث الميت طالب لذلك ولا فائدة في نقض شيء يحتاج إلى إعادته في الحال
ثم المهايأة قد تكون بالمكان وقد تكون بالزمان فصورة [ ص: 171 ] المهايأة بالمكان فيما بدئ الباب به قال : دار بين رجلين تهايآ فيها على أن يسكن كل واحد منهما منزلا معلوما وأن يؤاجر كل حصة منزله فهو جائز ولا حاجة إلى بيان المدة في صحة هذا العقد ; لأن المهايأة قسمة المنفعة المشتركة وفي قسمة العين لا حاجة إلى بيان المدة فكذلك في قسمة المنفعة المشتركة ولأن الحاجة إلى بيان المدة في الإجارة لمعرفة مقدار ما يستحق من المنفعة من تلك العين على وجه به تنقطع المنازعة وكل واحد منهما هنا يستوفي المنفعة باعتبار أنه ملكه والمنازعة تنقطع ببيان منزل لكل منهما ، ثم إن كانا شرطا في المهايأة أن يؤاجر كل واحد منهما منزله فذلك جائز ، وإن لم يشترطا ففي ظاهر المذهب لكل واحد منهما أن يفعل ذلك في نصيبه وما يستوفى من الغلة حلال له وكان أبو علي الشاشي رحمه الله يقول : ليس لكل واحد منهما إلا ما شرط ; لأن كل واحد منهما منتفع بنصيب صاحبه حقيقة فالمنزل الذي في يده مشترك بينهما وليس ذلك بحكم المعاوضة بينهما ; لأن معاوضة المنفعة بجنسها لا يجوز فعرفنا أن ذلك بطريق الإباحة والإعارة والمستعير لا يؤاجر بمطلق العقد ووجه ظاهر الرواية أن المهايأة قسمة المنفعة فما يصيب كل واحد منهما من المنفعة يجعل مستحقا له باعتبار قديم ملكه ; لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة القسمة في المكيل والموزون وهو يملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة له لا من جهة غيره سواء شرط ذلك أو لم يشترط وليس لأحدهما أن يحدث في منزله بناء ولا ينقضه ولا يفتح بابا في حائط ولا كوة إلا برضا صاحبه ; لأن العين تبقى مشتركة بينهما كما كانت قبل المهايأة وأحد الشريكين لا يستبد بشيء من هذه التصرفات في الملك المشترك ما لم يرض به صاحبه وبالمهايأة إنما تثبت القسمة في المنفعة ففيما ليس من المنفعة حالهما بعد المهايأة كما قبلها ، وكذلك لو تهايآ على أن يكون السفل في يد أحدهما والعلو في يد الآخر ; لأن كل واحد منهما مسكن بمنزلة المنزلين في علو أو سفل
وكذلك التهايؤ في الدارين على السكنى والغلة جائز وكان الكرخي رحمه الله يقول : المراد إذا تراضيا عليه فأما عند طلب بعض الشركاء فالقاضي لا يجبر على ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة القسمة للعين وقد بينا في كتاب القسمة أن قسمة الجبر لا تجري في الدور عند أبي حنيفة رحمه الله بهذه الصفة فكذلك التهايؤ وإلا ظهر أن القاضي يجبر عليه عند طلب بعض الشركاء ; لأن القسمة في المهايأة تلاقي المنفعة دون العين ومنفعة السكنى تتقارب ولا تتفاوت إلا يسيرا بخلاف قسمة العين فالمعادلة في المالية هناك معتبرة والدور [ ص: 172 ] تختلف في المالية باختلاف المكان والجيران ولهذا كان لكل واحد منهما أن يؤاجر ما في يده ويأكل غلته ; لأن المنفعة سالمة له بهذه القسمة باعتبار قديم ملكه .
( ألا ترى ) أن في الدارين إذا غلت ما في يد أحدهما أكثر مما غلت ما في يد الآخر فليس لواحد منهما أن يرجع على صاحبه بشيء بخلاف الدار الواحدة فهناك إذا تهايآ فيها على الاستغلال فكانت غلة نصيب أحدهما في نوبته أكثر فذلك الفضل بينهما ; لأن في الدارين معنى القسمة والتميز بالتراجع على معنى أن كل واحد منهما يصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه فما يستوفيه كل واحد منهما عوض عن قديم ملكه يستوجبه بعقده فيسلم له وفي الدار الواحدة كل واحد منهما بمنزلة الوكيل من صاحبه في إجارة نصيبه في نوبته إذا تهايآ على الاستغلال فإنما يكون ذلك بالزمان وأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها وذلك لا يكون قضية القسمة فلا بد أن يجعل كل واحد منهما بمنزلة وكيل عن صاحبه وما يقبضه كل واحد منهما عوض عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه فعند التفاضل يثبت التراجع فيما بينهما ليستويا ويوضح هذا أن الفرق على ما ذهب إليه الكرخي رحمه الله أن في المهايأة في الدارين يعتمد التراضي عند أبي حنيفة رحمه الله ظاهر وعندهما قسمة الجبر في الدارين عند أبي حنيفة رحمه الله لا تجري إلا إذا رأى القاضي المصلحة فيه وعند التراضي يسلم لكل واحد منهما ما رضي به صاحبه وفي الدار الواحدة لا يعتبر التراضي في المهايأة فلا بد من اعتبار المعادلة فيما هو المقصود بالمهايأة فلهذا يتراجعان فضل الغلة

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|