
22-12-2025, 03:31 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون
صـــ 62الى صـــ 71
(412)
والإمكان موجود عند اختلاف الجنس فيكون رجوع كل واحد منهما على الأصيل بخمسمائة بمنزلة ما لو أدى صاحبه خمسمائة ، وإن جرى الصلح بينهما على مائة درهم ; فالألف بينهما على عشرة أسهم ; لأن صحة الصلح عنهما هنا بطريق الإسقاط فإن مبادلة الخمسمائة بالمائة ربا فالمؤدي للمائة لا يأخذ إلا مقدارها . وإبراء مؤدي الألف صاحبه عما زاد على المائة لا يكون إبراء الأصيل فيكون له أن يرجع على الأصيل بتسعمائة وللآخر أن يرجع عليه بالمائة فإذا اقتضاه شيئا منها يكون المقبوض بينهما على مقدار حقهما اعتبارا . ولو صالحه على عرض أو حيوان كان مثل الصلح على الدنانير ; لأن تصحيحه بطريق التمليك ممكن . والصلح قبل الأداء وبعد الأداء جائز ; لأن الدين يجب للكفيل عن الأصيل بالكفالة كما يجب للطالب على الكفيل بعين في حق المطالبة .
( ألا ترى ) أن الكفيل يطالب الأصيل بحسب ما تعامله الطالب مع الكفيل ويجوز صلح الكفيل مع الأصيل قبل الأداء وبعده وإذا كان الدين طعاما قرضا أو غصبا فصالح أحد الكفيلين صاحبه على دراهم مسماة على أن أبرأه من خصومته ; فهو مثل الباب الأول ، لما بينا أن تصحيح هذا الصلح بينهما بطريق المبادلة ممكن فإن أدى الذي قبض الدراهم والطعام كله ; كان لهما أن يتبعا الأصيل بذلك نصفين ; لأن المؤدي للدراهم كان أصيلا في حق صاحبه .
وأداء كفيله كأدائه بنفسه . وقد تم ملكه في حصته من الطعام بما أدى من الدراهم إلى صاحبه فيرجع على الأصيل بذلك والمؤدي للطعام كفيل عن الأصيل بالطعام وقد أدى فيرجع عليه بما لم يصل إليه عوضه من صاحبه وذلك نصف الطعام فلهذا رجعنا عليه بالطعام نصفين ، وإن أدى الطعام الذي دفع الدراهم اتبع صاحب الأصل بالجميع ; لأنه كان كفيلا عنه بجميع الطعام وقد أدى فيرجع على الكفيل الذي قبض الدراهم بنصف ما أدى الطعام ; لأنه دفع إليه الدراهم عوضا عن نصف الطعام الذي كان كفل به عنه ليؤديه إلى الطالب ولم يفعل فيرجع عليه بذلك إلا أن يشاء القابض للدراهم أن يرد الدراهم ; لأنه قبضها بطريق الصلح ومبنى الصلح على التجوز بدون الحق فإذا آل الأمر إلى أن يلزمه رد نصف الطعام ويكمله عليه ; كان له أن يلتزم هذا الضرر ويرد عليه المقبوض من الدراهم إن شاء ، وإن شاء الكفيل الذي أدى الطعام اتبع صاحبه في الكفالة بجميع الطعام ليؤديه عنه إلى الطالب فإذا لم يفعل حتى أدى بنفسه كان له أن يرجع عليه بذلك أيضا إلا أن يشاء القابض للطعام [ ص: 63 ] أن يرد عليه دراهمه مكان نصف الطعام فحينئذ يكون له ذلك فيدفع إليه دراهمه مع نصف الطعام فالمقبوض منه يكون مشتركا بينهما على قدر حقيهما .
وإن كانا كفيلين عن رجل بمائة درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بها ثم إن أحد الكفيلين صالح الآخر على عشرة دراهم على أن أبرأه ثم صالح الطالب الذي قبض العشرة على خمسة دراهم وأداها إليه فإنه يرد تسعة ونصفا على الكفيل الذي معه ثم يرجعان جميعا على الأصيل بخمسة ; لأن المؤدي للعشرة إنما أداها إلى صاحبها على أن يؤدي عنه العشرة وهو ما أدى إلى الطالب مما كفل عنه إلا درهمين ونصفا ; لأنه أدى إليه خمسة - وهي شائعة في النصفين - نصف ذلك مما هو فيه متحمل عن صاحبه فعرفنا أنه أدى إلى الطالب مما تحمل عن صاحبه درهمين ونصفا . وصاحبه إنما برئ مما بقي بإبراء الطالب ; لأن عند اتحاد الجنس يتعدد تصحيح الصلح بطريق المبادلة فلهذا رجع المؤدي للعشرة على صاحبه بسبعة ونصف . ثم كل واحد منهما يؤدي عن الأصيل درهمين ونصفا حكما فيرجعان عليه بالخمسة كذلك . ولو لم يكن هكذا ، ولكن الذي عليه الأصل صالح أحد الكفيلين على عشرة دراهم ودفعها إليه ; فهو جائز بطريق الإسقاط لما وراء العشرة مما استوجب الرجوع به عليه عند الأداء . فإن أدى الكفيل الذي أخذ العشرة إلى الطالب المائة درهم لم يرجع على الأصيل ولا على صاحبه بشيء ، وقد صالح الأصيل على ما أخذ منه من العشرة وصار مبرئا له عما زاد على ذلك فلا يرجع عليه بشيء عند الأداء . والكفيل معه إنما استفاد البراءة ببراءة الأصيل لا بأدائه ; لأن براءة الأصيل على أي وجه تكون تتضمن براءة الكفيل .
ولو أدى الكفيل الآخر المائة كان له أن يرجع على الكفيل الذي معه بخمسين درهما وعلى الأصيل بمثل ذلك ; لأنه صار مؤديا عن الكفيل الذي معه مقدار الخمسين . ولو لم يجر بين الكفيل الآخر وبين الأصيل صلح ; كان لهذا المؤدي أن يرجع على الكفيل الآخر بما أدى عنه بالكفالة وهو مقدار الخمسين فبعد صلحه أولى وقد كان كفيلا عن الأصيل بالخمسين الأخرى وأداها عنه ثم يرجع الأصيل على الكفيل الذي صالحه بخمسة دراهم ; لأنه كان صالحه على عشرة دراهم ونصف ذلك مما كان هو الذي كفل به عنه ونصفه مما كفل به صاحبه على أن يكون هو المؤدي عنه . فإذا لم يفعل كان له أن يرجع عليه بنصف تلك العشرة وهو خمسة وتسليم الخمسة الأخرى للمصالح ; لأن الكفيل الآخر لما رجع عليه بخمسين ; كان له أن يرجع بذلك على الأصيل لولا صلحه معه على هذه الخمسة وإبراؤه إياه [ ص: 64 ] عما زاد عليها إلى تمام الخمسين ولو صالح الأصيل الكفيلين جميعا على عشرة دراهم من جميع الكفالة فهو جائز . وأيهما أدى بالكفالة المائة إلى الطالب فإنه لا يرجع على الأصيل بشيء إلا بخمسة ; لأن كل واحد منهما بالصلح قد أبرأه عما زاد على الخمسة إلى تمام ما كفل عنه ، ولو أبرأه عن ذلك بعد الأداء سقط حقه في الرجوع عليه فكذلك قبل الأداء ، وإن شاء رجع على صاحبه بالخمسة التي قبضها من الأصيل ; لأنه إنما كان قبض تلك الخمسة ليؤدي إلى الطالب ما تحمل عن الأصيل ولم يؤد شيئا ، وإنما أداه الآخر فيكون هو أحق بتلك الخمسة ، يقبضها منه ولا يتبعان بشيء لما بينا أو المراد بقوله : لا يرجع المؤدي على الأصيل إلا بخمسة سوى الخمسة التي قبضها صاحبه في الكفالة ; لأن المؤدي أدى تلك الخمسة بحكم الكفالة عن الأصيل وهو ما أبرأه منها فيرجع بها على الأصيل إن شاء ثم يرجع بها الأصيل على القابض منه ، وإن شاء رجع بها على صاحبه لما بينا ، وإن لم يؤد واحد من الكفيلين المال ولكن أدى الأصيل ; رجع على الكفيلين بعشرة دراهم بعينها ; لأنهما استوفيا العشرة منه ليؤديا عنه ما تحملا من الدين ولم يوجد ذلك حين أدى هو المال بنفسه ; فكان له أن يرجع عليهما بتلك العشرة ولا يرجع بما زاد على ذلك ; لأن رجوعه عليهما بحكم استيفائهما منه لا بحكم إسقاطهما عنه .
ولو صالحهما على ثوب ودفعه إليهما ثم إنه أدى المائة إلى الطالب ; رجع على كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه في حكم المستوفي الخمسين بطريق المبادلة وإنما استوفى على أن يؤدي عنه حق الطالب .
فإذا لم يفعل ولكن أداها صاحبه وقد كان كفيلا عنه بها كان له أن يرجع بتلك الخمسين عليه وإن شاء رجع بها على الأصيل ; لأنه يتحمل تلك الخمسين عن الأصيل وقد أداها فإن رجع بها على الأصيل رجع بها الأصيل على الكفيل الذي لم يؤد شيئا إلا أن يشاء الكفيل أن يرد عليه نصف الثوب الذي صالحه عليه ; لأنه استوفاها عنه ليؤديها عنه فإذا لم يفعل حتى أدى هو بنفسه إلى الكفيل المؤدي عنه ; كان ذلك بمنزلة أدائه إلى الطالب فيرجع بها على الذي لم يؤد شيئا إذ الذي لم يؤد شيئا صار مستوفيا بطريق التجوز بدون الحق فيتخير لذلك .
ولو لم يؤد مائة درهم ولكنه أدى عشرة دراهم فصالحه عليها الطالب ; فإنه لا يرجع على شريكه في الكفالة بخمسة دراهم ولكن الأصيل يرجع على الكفيل المؤدي للعشرة إلى الطالب بأربعين درهما وعلى الكفيل الآخر بخمسين ; لأن كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه صار قابضا للخمسين على أن يؤدي عنه ذلك إلى الطالب ولم يفعل ذلك الذي [ ص: 65 ] لم يؤد إلى الطالب شيئا وإنما برئ هو عن تلك الخمسين بإبراء الطالب إياه ، فكان للأصيل أن يرجع عليه بتلك الخمسين إلا أن يشاء هو رد نصف الثوب عليه .
والمؤدي للعشرة كان في حكم القابض للخمسين منه أيضا على أن يؤدي ذلك عنه وإنما أدى إليه عشرة فما زاد على العشرة إنما برئ الأصيل عنه بإبراء الطالب فيكون له أن يرجع على المؤدي للعشرة بقدر الأربعين لذلك . ولا رجوع للمؤدي للعشرة على شريكه بنصف العشرة ; لأنه قد استوفى من الأصيل هذه العشرة وزيادة فكيف يرجع بشيء منها على شريكه ؟ ولو لم يؤد شيئا ولكن الأصيل صالح الطالب على عشرة دراهم فإنه يرجع على كل واحد من الكفيلين بخمسين درهما إلا أن يشاء رد الثوب عليه ; لأن كل واحد منهما في حكم المستوفي للخمسين منه ولكن بطريق التجوز بدون الحق .
ولو كان الأصيل صالح الكفيلين على عشرة دراهم وكان أحد الكفيلين صالح الطالب على أربعة دراهم فإنه لا يرجع على صاحب الدرهمين اللذين أدى عنه لما بينا أنه قبض ذلك من الأصيل وزيادة ولكن يرد درهما على الأصيل ; لأنه قبض من الأصيل خمسة وما أدى عنه إلى الطالب إلا أربعة فإنما برئ عما زاد على الأربعة بإبراء الطالب ويرد صاحبه خمسة دراهم على الأصيل ; لأن صاحبه استوفى من الأصيل خمسة دراهم ، ولم يؤد عنه شيئا وإنما برئ هو من حصة صاحبه بإبراء الطالب ولو كان الأصيل صالحهما على ثوب ثم إن أحدهما صالح الطالب على دراهم على أن أبرأه من جميع المال ; لم يرجع على شريكه بشيء ; لأنه إنما أدى إلى الطالب درهما ، وقد صار مستوفيا من الأصيل مقدار الخمسين بالصلح على الثوب فلهذا لا يرجع على شريكه بشيء ولكن المصالح مع الطالب يرد على الأصيل تسعة وأربعين درهما ، وصاحبه يرد على الأصيل خمسين درهما ; لأن كل واحد منهما صار مستوفيا للخمسين درهما من الأصيل على أن يستفيد الأصيل البراءة من حق الطالب بأدائهما ولم يوجد ذلك ، فالذي صالح الطالب على الدراهم إنما أدى عنه الدراهم فقط فيرد عليه ما زاد على ذلك إلى تمام الخمسين والآخر لم يؤد عنه شيئا إلى الطالب فيرد عليه ما صار مستوفيا منه وذلك خمسون درهما .
وإذا كفل رجل بمال مؤجل ثم فاوض رجلا ، ثم حل الأجل ; لم يلزم شريكه من ذلك شيء . أما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فلأن عقد المفاوضة لا يوجب المساواة بينهما في ضمان الكفالة أن لو كانت الكفالة بعد الشركة ، فإذا كانت قبلها أولى . وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلأن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه فيما يجب على صاحبه بسبب يباشره بعد [ ص: 66 ] الشركة وهذا المال إنما لزمه بسبب باشره قبل الشركة ; لأن وجوب المال عليه بسبب الكفالة لا بحلول الأجل . والأجل الذي كان مانعا من المطالبة يرتفع بمضي المدة فيبقى المال عليه بسبب الكفالة وقد كان قبل الشركة فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم فاوض رجلا .
ولو كفل بالمال مؤجلا وهو معاوضة ثم فارقه أو صار شريكه فإنه يلزم شريكه جميع الكفالة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن المال إنما لزمه بسبب باشره في حال قيام الشركة بينهما وإنما كان زوال المانع بعد انقطاع الشركة وكما وجب المال بمباشرة السبب على الذي باشره وجب على الآخر بحكم الكفالة عنه ; فيفسخ الشركة وانفساخها بالموت لا يسقط عنه ما كان لزمه كما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم تفاسخا الشركة فإن أداها الشريك قبل الفرقة أو بعدها كان له أن يرجع على الذي أمر شريكه بالكفالة ; لأنه كما قام مقام الشريك في وجوب المال عليه والأداء إلى الطالب فكذلك في الرجوع على الأصيل ; وهذا لأن بالكفالة كما وجب المال للطالب على كل واحد من الشريكين وجب أيضا لكل واحد منهما على الأصيل الذي أمر أحدهما بالكفالة ; لأن أمره أحدهما كأمره إياهما فإنهما بعقد المفاوضة صارا كشخص واحد ، وكذلك لو أداه بعد موت الكفيل ; لأنه مطالب بالمال بعد موته كأن مات قبله فإن مات المفاوض الذي لم يكفل قبل حل الأجل ; فالمال يحل عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ولا يحل على الحي منهما ; لأن الأجل كان ثابتا في حق كل واحد منهما إلا أن الميت استغنى عن الأصيل بموته والحي يحتاج إلى ذلك . والميت لا ينتفع ببقاء الأجل بل يتضرر بذلك ; لأن يد الوارث لا تنبسط في التركة والحي ينتفع بالأجل فيبقى الأجل في حق الحي منهما دون الميت .
وحلول المال على الميت منهما بعد الموت لا يوجب حلوله على الآخر ; لأن الشركة قد انقطعت بموته . فأما في شركة العنان والمضاربة إذا كفل أحدهما بمال أو نفس لم يلزم شريكه منه شيء ; لأن الشركة بينهما تتضمن الوكالة في التجارة دون الكفالة فالدين الذي يجب على أحدهما بمباشرة سببه يكون الآخر كالأجنبي فيه فلا يطالب بشيء منه .
وإذا كان لرجل على رجل حنطة سلم وبه كفيل فأداه الكفيل ثم صالح المكفول عنه على دراهم أو عرض أو مكيل أو موزون يدا بيد فهو جائز ; لأن ما يرجع به الكفيل على الأصيل ليس بسلم فإن السلم اسم لما يجب بعقد السلم وهذا إنما يجب للكفيل على الأصيل بعقد الكفالة وهو عقد آخر سوى السلم .
( ألا ترى ) أنه لو كفل ببدل الصرف أو برأس مال السلم وأداه في المجلس ثم فارق الأصيل قبل أن يرجع به عليه جاز ذلك ; لأن ما يرجع به [ ص: 67 ] الكفيل على الأصيل بمنزلة بدل القرض فإن الكفيل يصير مقرضا ذمته من الأصيل بالالتزام للمطالبة بالكفالة ثم يصير مقرضا ماله منه بالأداء عنه فما يرجع به عليه يكون بدل القرض . والاستبدال ببدل القرض صحيح .
ولو كان شيء من ذلك نسيئة لم يجز إلا الطعام ; لأن ذلك يكون دينا بدين فأما إذا صالحه بكر من حنطة إلى أجل ; فهو جائز ; لأنه لا مبادلة هنا بل هو تأجيل في عين ما استوجب الرجوع به عليه . فإن قيل : فأين ذهب قولكم : إنه بمنزلة القرض والأجل في القرض لا يلزم .
قلنا : هو في حكم القرض وأما في الحقيقة فليس بقرض بل هو واجب بعقد مآلا ، وهو الكفالة والأجل في القرض إنما لم يلزم بمنزلة الإعارة ، وهو غير موجود فيما وجب بعقد الكفالة فلهذا صح تأجيله فيه ولو صالحه على شيء قبل أن يؤدي كان جائزا ; لأنه بنفس الكفالة وجب الدين للكفيل على الأصيل كما وجب للطالب على الكفيل ولكنه مؤجل على أن يؤدي عنه .
والصلح عن الدين المؤجل قبل حلول الأجل صحيح . فإن أدى الأصيل الطعام إلى الطالب رجع على الكفيل بطعام مثله في ذلك كله ( ما خلا خصلة واحدة ) وهي ما إذا كان صالحه على طعام أقل من ذلك فإنه لم يرجع إلا بمثل ما أعطاه ; لأن هذا كان منه إسقاطا لبعض حقه واستيفاء للبعض فلا يرجع عليه إلا بقدر ما أوفاه وفيما سواه كان الصلح بينهما مبادلة وكان الكفيل كالمستوفي منه جميع الطعام بما أخذه من عوضه وإنما استوفى ذلك ليقضي عنه ما عليه للطالب فإذا لم يفعل كان للأصيل أن يرجع عليه بما استوفى منه كما إذا أوفاه الطعام حقيقة . ولو أخذ الكفيل الطعام من الأصيل قبل أن يؤديه ثم أداه ; كان التأجيل صحيحا ; لأنه استوجب المال عليه بعقد الكفالة قبل الأداء .
والتأجيل في الدين بعد وجوبه صحيح . ولو صالح الكفيل الأصيل على دراهم ثم افترقا قبل أن يقبضها فالصلح باطل ; لأنه استوجب عليه الطعام دينا ، فإذا صالحه على دراهم كان دينا بدين فلا يكون عفوا بعد المجلس .
والدراهم لا تتعين بالتعيين ما لم تقبض ، وكذلك لو صالحه على شيء بغير عينه مما يكال أو يوزن ما خلا الطعام فإنه إن صالحه على نصف كر حنطة إلى أجل فهو جائز ; لأنه لا مبادلة بينهما في هذا الصلح ، وإنما حط عنه نصف كر وأجله في ذلك النصف وذلك مستقيم . والله أعلم .
باب الكفالة والحوالة إلى أجل
( قال - رحمه الله - ) وإذا كان لرجل على رجل مائة درهم إلى أجل مسمى فضمنها رجل عنه إلى [ ص: 68 ] أجل دون ذلك أو أكثر منه أو مثله ; فهو جائز على ما سمي أما إذا لم يسم الكفيل شيئا ; فالمال عليه إلى ذلك الأجل ; لأنه بالكفالة إنما يلتزم المطالبة التي هي ثابتة على الأصيل .
والمطالبة بهذا المال على الأصيل بعد حل الأجل ، فيثبت ذلك على ذلك الكفيل أيضا . وأما إذا كفل به إلى مثل ذلك فقد صرح بما هو مقتضى مطلق الكفالة ، والتصريح بمقتضى العقد لا يزيده إلا وكادة أما إذا كفل به إلى أجل دون ذلك فلأنه لو كفل به حالا لزمه المال في الحال ; لأن الأصيل لو أسقط الأجل لزمه المال في الحال فكذلك الكفيل وكفالته على أن يؤديه حالا بمنزلة إسقاط الأجل فإذا جاز في جميع الأجل ; جاز في بعضه ، وإن كفل به إلى أجل أكثر من ذلك فلأنه لو كان المال حالا على الأصيل فكفل به الكفيل إلى أجل مسمى ; صح ولم يطالب الكفيل إلا بعد حل الأجل فكذلك إذا كفل به إلى أجل أكثر من الأجل في حق الأصيل ، فإن كان أصل المال حالا فأخذ الطالب المطلوب حتى أقام له به كفيلا إلى سنة ; فهو جائز والتأخير عنهما جميعا ; لأنه أضاف التأجيل إلى أصل المال وأصل المال ثابت في ذمة المطلوب فيثبت الأجل فيه ثم يثبت في حق الكفيل بثبوته في حق الأصيل وهذا بخلاف ما إذا أجل الكفيل سنة ; لأن التأجيل هنا غير مضاف إلى أصل المال بل هو مضاف إلى المطالبة التي التزمها الكفيل بالكفالة فيبقى أصل المال حالا على الأصيل . ولو أن الكفيل أخر المطلوب بعد الحل إلى أجل مسمى كان التأخير عن المطلوب للكفيل دون الطالب ; لأنه أضاف التأخير إلى ما استوجبه على الأصيل بالكفالة وذلك في حكم دين آخر سوى دين الطالب ولأن التأخير تصرف من الكفيل بإسقاط حق المطالبة إلى مدة وذلك صحيح منه على نفسه دون الطالب .
( ألا ترى ) أنه لو صالحه على ثوب أو أبرأه عن بعضه جاز ذلك عليه دون الطالب ولم يرجع به على المكفول عنه حتى يمضي الأجل كما لو أجله بعد الأداء ، ولو أجل المال عليهما ثم أخر الطالب الأصيل سنة فهو تأخير عنهما ولو أخر الكفيل سنة كان له أن يأخذ الأصيل بها حالة اعتبارا للتأجيل بالإبراء فكما أن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل . وإبراء الأصيل يوجب براءة الكفيل فكذلك التأخير وبعد ما أخر الأصيل إذا أدى الكفيل المال قبل الأجل ; لأن إسقاط الكفيل الأجل صحيح منه فيما بينه وبين الطالب ، ودعواه غير صحيحة منه في حق المطلوب ، وإن كان أخر الكفيل سنة ثم أداه الكفيل قبل الأجل ; كان له أن يرجع على الأصيل في الحال ; لأن المال حال على الأصيل .
( ألا ترى ) أن الطالب كان يطالبه به حالا فكذلك الكفيل يطالبه حالا بعد الأداء [ ص: 69 ] بخلاف ما سبق .
والكفالة بالقرض إلى أجل مسمى جائزة ; لأن بدل القرض مضمون تجرى النيابة في أدائه فتصح الكفالة به وهو على الكفيل إلى أجل وعلى المكفول عنه حالا لما بينا أن الكفيل إنما التزم المطالبة بالعقد وذلك يقبل التأخير بالتأجيل .
ولو كفل رجل مالا عن رجل ثم كفل به عن الكفيل كفيل آخر ، وأخر الطالب عن الأصيل سنة فهو تأخير عن الكفيلين ; لأن أصل المال في ذمة الأصيل فإذا صار ما في ذمته مؤجلا ثبت الأجل فيما هو بناء عليه . ( ألا ترى ) أنه لو أبرأ الأصيل منها ; برئ الكفيلان جميعا ، وإن أخر عن الكفيل الأول فهو تأخير عنه وعن الكفيل الآخر والمال على الأصيل حال اعتبار التأجيل بالإبراء وهذا لأن المطالبة التي التزمها الكفيل الثاني بناء على المطالبة التي هي على الكفيل الأول . فالتأجيل في حق الكفيل الأول يكون تأجيلا في حق الثاني دون الأصيل .
ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم إلى سنة ثم إن الكفيل باع الطالب بها عبدا قبل الأجل وسلمه إليه فاستحق العبد ; فالمال على الكفيل إلى أجله بمنزلة ما لو كانت هذه المعاملة للطالب مع الأصيل وهذا ; لأن الأجل إنما سقط حكما للعقد وقد انتقض العقد من الأصيل باستحقاق العبد فكان المال عليه إلى أجله ، وكذلك لو رده المشتري بعيب بقضاء قاض ; لأن الرد بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد من الأصل ولو رد بغير قضاء قاض ولم يسم أجلا فالمال حال على الكفيل ; لأن هذا بمنزلة الإقالة بمنزلة العقد الجديد فإنها تعتمد التراضي إلا أنها جعلت فسخا فيما بين المتعاقدين فيما هو من أحكام العقد الذي جرى بينهما والأجل ليس من ذلك في شيء فكان في حكم الأجل هذا بمنزلة عقد مبتدإ ، فلا يثبت الأجل في بدله إلا بالشرط ولو كان قضاه الألف معجلة نبهرجة فوجدها ستوقة فردها عليه كان المال عليه إلى أجله ; لأنه تبين أنه ما صار قابضا لدينه .
وسقوط الأجل من حكم قبضه فإذا لم يصر قابضا كان المال مؤجلا عليه ، وكذلك إن وجدها زيوفا فردها بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض ; لأن الرد بعيب الزيافة فسخ للقبض من الأصل . بدليل أن الراد ينفرد به وأن يرجع بموجب العقد ، والعقد لا يوجب التسليم مرتين . فلو لم ينتقض القبض من الأصل ; ما كان له أن يرجع بموجب العقد وهذا لأن الزيوف غير الجياد التي هي دين في الذمة فالمقبوض إنما يكون حقا له على أن يتجوز به . فإذا لم يتجوز به ورده عرف أن المقبوض لم يكن حقا له . وسقوط الأجل كان باعتبار أنه قبض حقه فإذا انعدم ذلك بقي الأجل كما كان ، وإن كان حين أعطاه المال أعلمه أنها زيوف فهو جائز ; لأنه تجوز [ ص: 70 ] بدون حقه فيصير الكفيل به قابضا دينه ولا يجعل هذا مبادلة للأجل بالصفة ; لأنه كان من غير شرط بينهما وإنما تتحقق المبادلة إذا كان شرط ، ثم يرجع الكفيل على الأصيل بالجياد ; لأنه بالكفالة استوجب ذلك عليه .
ولو أن الكفيل أحاله بالمال على رجل إلى أجل أو حال ، فمات المحتال عليه مفلسا رجع المال على الكفيل إلى أجله ; لأن الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا على ما بيناه ، فإنما يعود الحكم الذي كان قبل الحوالة ، وهو أن المال عليه إلى أجله .
ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه على أن المال على أحدهما إلى سنة وعلى الآخر إلى سنتين فهو جائز ; لأن هذا هو الشرط لما جاء في الحديث { الشرط أملك } أي يجب الوفاء به إذا أمكن وهو ممكن هنا لما بينا أن ما يلتزمه كل واحد من الكفيلين ينفصل عما يلتزمه الآخر في حكم الأجل فإن حل الأجل على صاحب السنة بأدائه رجع به على الأصيل ; لأن المال عليه حال ، وقد كفل هذا الكفيل عنه بأمره وأداؤه لا يرجع به على الكفيل الآخر حتى تمضي سنة أخرى ; لأن المال عليه مؤجل إلى سنتين وهو كفيل عنه إلى سنة فكما أن الطالب لا يطالبه بذلك إلا بعد سنتين ، فكذلك المؤدي عنه بحكم الكفالة ، لا يطالبه بشيء منه حتى تمضي السنتان . ولو كان الأصيل باع الطالب عبدا بالمال وسلمه إليه ; برئ الكفيل من الكفالة لبراءة الأصيل فإن رد الطالب العبد عليه بعيب بغير قضاء قاض لم يرجع المال على الكفيل ; لأن هذا الرد بمنزلة عقد مبتدأ في حق الكفيل ، وإن رده بقضاء قاض أو استحق العبد من يده رجع المال على الكفيل ; لأن بهذا السبب ينفسخ العقد من الأصل في حق الكل ; فيعود ما كان قبل العقد وهو المال على الأصيل والكفيل جميعا .
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم حالة أو إلى سنة فأحاله بها على رجل إلى سنة ثم مات المحيل ; وهي على المحتال عليه إلى الأجل ; لأن بالحوالة تحول أصل المال إلى ذمة المحتال عليه وثبت الأجل حقا له وهو حي محتاج إلى الأجل فيبقى الأجل في حقه بعد موت المحيل ، وإن مات المحتال حل المال عليه ; لأنه استغنى عن الأجل بموته فإن لم يترك وفاء ; رجع المال إلى المحيل . فإن كان إلى أجل فهو عليه إلى ذلك الأجل وإن لم يكن له أجل فهو حال عليه ; لأن الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا فعاد ما كان من الحكم قبل الحوالة .
ولو كان لرجل على رجل ألف درهم قرض وللمطلوب على آخر ألف درهم قرض فأحال المطلوب الطالب بالألف التي للمطلوب على الآخر إلى سنة ; فهو جائز وهي له إلى سنة ; لأنها إنما تجب للطالب على المحتال عليه بعقد [ ص: 71 ] الحوالة والواجب بعقد الحوالة كالواجب بعقد الكفالة في صحة اشتراط الأجل فيه وليس للمحيل أن يأخذ المحتال عليه بالألف التي كانت له عليه ; لأنه إنما قبل الحوالة مقيدة بذلك المال فصارت مشغولة بحق الطالب ولا يبقى للمحيل سبيل على أخذها لو كانت عينا له في يد المحتال عليه فكذلك إذا كانت دينا في ذمته ، وإن أبرأه منها أو وهبها له لم يجز ; لأن حق الطالب تعلق بها وذلك يوجب الحجر على المحيل عن التصرف فيها ولو صح منه هذا التصرف بطل حق الطالب قبل المحتال عليه ; لأنه ما التزم الحوالة بالمال مطلقة ، وإنما التزمها مقيدة بذلك المال فإذا سقطت عنه بالإبراء أو الهبة ; لم يبق عليه مطالبة بشيء .
( ألا ترى ) أن الحوالة لو كانت مقيدة بوديعة في يد المحتال عليه فهلكت تلك الوديعة بطلت الحوالة فإن مات المحيل وعليه دين فما كان قبض المحتال في حياته فهو له ، وما لم يقبضه فهو بينه وبين الغرماء وعلى قول زفر - رحمه الله - الطالب أحق به من الغرماء ; لأنه بمنزلة المرهون وقد تقدم بيان هذه المسألة فيما أمليناه من شرح الزيادات
ولو أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم إلى سنة ثم إن المحتال عليه ترك الأجل وجعلها حالة ; كان ذلك جائزا ; لأن الأجل حقه فيسقط بإسقاطه كما لو أسقط الأصيل الأجل قبل الحوالة فإن أداها لم يرجع بها على الأصيل المحيل حتى يمضي الأجل ; لأن إسقاط الأجل صحيح في حقه لا في حق المحيل ولو كان دينا للمحيل على المحتال عليه ثم إن المحيل قضى المال من عنده كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وليس هذا بتطوع عنه ; لأن أصل دينه بقي على المحتال عليه إلا أنه كان لا يطالبه به لاشتغاله بحق الطالب فإذا زال ذلك الشغل بأن قضاه المال من عند نفسه كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وإنما لم يجعل هذا تطوعا منه ; لأنه قصد به تخليص ذمته عن حق الغرماء بخلاف ما إذا قضاه عنه غيره فإنه يكون متطوعا في ذلك ; لأنه ما قصد هذا المؤدي تخليص شيء لنفسه وهو نظير المعير للرهن إذا قضى الدين لم يكن متبرعا فيه بخلاف ما إذا قضاه غيره وإذا كان المؤدي متطوعا ; كان المال الذي عليه له ، لا سقوط دين الطالب عنه بإبراء المتطوع كسقوطه بأداء نفسه .
ولو أحال رجل بمال لابنه الصغير على رجل إلى رجل لم يجز ، وكذلك الوصي ; لأن الحوالة إبراء الأصيل والأب والوصي لا يملكان الإبراء في دين الصغير وكذلك الوكيل إذا لم يفوض إليه الموكل ذلك ، والمراد الوكيل بالقبض ; لأنه ثابت في الاستيفاء . وقبول الحوالة إبراء للأصيل وليس باستيفاء .
فأما الوكيل بالعقد إذا أحال رجل بمال إلى أجل ثم إن المحتال عليه أحاله على آخر إلى [ ص: 72 ] أجل مثل ذلك أو أكثر أو أقل لم يكن له أن يرجع على الطالب حتى يقبض الطالب ماله ; لأن بالحوالة لم يصر الطالب مستوفيا شيئا والمال بعرض العود على الأصيل فإنه تنفسخ الحوالتان بموت المحتال عليه عليهما مفلسين .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|