عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 22-12-2025, 04:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون

صـــ 42الى صـــ 51
(410)


وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه رجلان على أن بعضهم كفيل عن بعض ثم إن الطالب لزم أحد الكفيلين فأعطاه كفيلا بالمال ثم لزم الآخر فأعطاه هذا أيضا كفيلا بالمال ثم أدى الكفيل الآخر فإنه يرجع به على أيهما شاء ; لأن الكفالة عن الكفيلين بمنزلة الكفالة عن الأصيلين وهنا كل واحد من الكفيلين مطالب بجميع المال وقد بينا أن هناك - لتفرق العقد في كفالته عنهما - له أن يرجع على أيهما شاء بجميع المال فهذا مثله . وليس له أن يرجع على الأصيل بشيء ; لأنه ما أمره بالكفالة عنه . ولا يقال : أصل المال على الأصيل . حتى لو برئ هو برئ الكفيل الآخر وهذا لأن الرجوع عليه عند الأداء ليس باعتبار أن أصل المال عليه ، بل بأمره إياه بالكفالة فإذا لم يأمره بالكفالة لم يكن له حق الرجوع عليه بشيء ولو لم يؤد شيئا حتى أخذ الطالب الكفلاء فجعل بعضهم كفيلا عن بعض ثم أدى الآخر المال ; كان له أن يرجع على أحد الكفيلين بثلاثة أرباع المال لما بينا أن هذه الكفالة تنقض الكفالة الأولى فيكون الحكم لهذه . فإن قيل : هذه الكفالة ينبغي لأحدهما أن يكون رجوعه على الآخر بنصف ما أدى ; لأن واحدا من الثلاثة ليس بأصيل بالمال فيكون بمنزلة ما لو كفل ثلاثة نفر عن الأصيل . على أن بعضهم كفلاء عن بعض - قلنا : هذا أن لو صار الآخر كفيلا عن الأصيل مع الأولين بمنزلة ما لو كفلوا عنه في الابتداء ولم يصر كذلك هنا .

بل بقي كفيلا عن الأولين وإنما انتقض حكم الكفالة الأولى فيما بينهما وبين الكفيل الآخر ; لأنه قبل هذا كان كفيلا عن واحد منهما بجميع المال وحده ، والآن صار كفيلا عن كل واحد منهما بالنصف وهو مع صاحبه في الكفالة عن الآخر بالنصف سواء ; فلهذا كان رجوعه عليه بثلاثة أرباع ما أدى ولو لم يؤد حتى لقي الكفلاء الثلاثة والذي عليه الأصل فجعل بعضهم كفلاء عن بعض بالمال ثم أدى الكفيل الآخر المال فإنه يرجع على صاحبه بالثلثين ، وإن لقي أحدهما رجع عليه بالنصف ; لأن بهذه الكفالة انتقض ما كان قبلها في حق الكل وقد صار الكفيل الأول والآخر كفيلين عن الأصيل بهذه الكفالة كالأولين فكان هذا بمنزلة ما لو كفل عنه ثلاثة في الابتداء على أن بعضهم كفلاء عن بعض فهناك إذا أدى أحدهم رجع على صاحبيه بثلثي ما أدى ، وإن لقي أحدهما رجع عليه بنصف [ ص: 43 ] ما أدى فكذلك هنا ، وكذلك لو أدى المال أحد الكفيلين الأولين رجع على كل واحد منهما بالثلث وعلى أحدهما إن لقيه بالنصف ; لأن الأولين والآخر في هذه الكفالة - التي هي ثابتة بينهم الآن - سواء . وإنما كان الاختلاف بينهم في الكفالة المقدمة وتلك قد انتقضت .
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه ثلاثة رهط وبعضهم كفلاء عن بعض بجميع الألف فأدى أحد الكفلاء المال ثم لقي أحدهم فأخذ منه نصف ما أدى ، ثم إن الأول لقي الذي لم يؤد شيئا وأخذ منه خمسين ومائتين ; فإنهما يؤديان إلى الأوسط مائة وستة وستين وثلثين ; لأنهم في غرم الكفالة سواء فينبغي أن يكون الغرم على كل واحد منهم بقدر ثلث الألف والأوسط قد غرم خمسمائة فيرد عليه مائة وستة وستين وثلثين حتى يبقى عليه غرم ثلث الألف ولم يتبين كيفية أدائهما هذا المقدار وهو الألف وإنما يؤديان نصفين كل واحد منهما ثلاثة وثمانين وثلثا ; لأن الآخر قد غرم مائتين وخمسين للأول فيدفع إلى الأوسط ثلاثة وثمانين وثلثا حتى يكون الغرم عليه بقدر ثلث الألف . والأول قد أوصل إليه سبعمائة وخمسين فيدفع إلى الأوسط ثلاثة وثمانين وثلثا حتى يبقى العائد إليه ثلثا ما أدى ويكون الغرم عليه بقدر ثلث الألف فإذا فعلوا ذلك رجعوا جميعا على الأصيل بالألف بينهم أثلاثا .

وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها رجل ، ثم إن الكفيل طلب الرجل فضمنها عنه للطالب ، ثم إن الطالب أخذهم جميعا حتى جعل بعضهم كفلاء عن بعض ، ثم إن الكفيل الأول أدى المال فإنه يرجع على الكفيل الآخر بنصف المال ; لأن الكفالة الأخيرة نقضت الكفالة الأولى فإن موجب الكفالة الأولى : الأخير كفيل عن الكفيل الأول دون الأصيل . وهو في الكفالة الثانية يصير كفيلا عن الأصيل وعن الكفيل الأول ، وكذلك موجب الكفالة الأولى : أن الكفيل الأول لا يكون كفيلا عن الآخر . وفي هذه الكفالة الأخيرة : الكفيل الأول يصير كفيلا عن الأخير وإذا انتقضت الكفالة الأولى كان الحكم للأخيرة وهما فيها مستويان في الكفالة عن الأصيل فيرجع المؤدي على صاحبه بنصف ما أدى ; ليستويا في الغرم بسبب الكفالة .
ولو كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما ضامن بذلك ثم أعطاه أحدهما كفيلا بالمال ثم أخذ الآخر فأعطاه أيضا ذلك الكفيل كفيلا بالمال ثم أدى الكفيل الألف ; رجع بها على أيهما شاء ; لأنه كفل كل واحد منهما بجميع المال بعقد على حدة ، وإن لم يؤد شيئا حتى أخذهم الطالب فجعل بعضهم كفلاء عن بعض بالمال . ثم إن الكفيل أدى الألف فإنه يرجع على أيهما شاء بثلاثة [ ص: 44 ] أرباع الألف ; لأن هذه الكفالة الأخيرة تنقض الكفالة الأولى . وفي هذه الكفالة الأخيرة الكفيل يصير متحملا عن كل واحد منهما نصف المال ، ويكون هو مع الآخر في الكفالة عن الثالث بنصف المال سواء . فلهذا رجع عند الأداء على أحدهما بثلاثة أرباع الألف . فإن لقي الآخر بعد ذلك فأخذ منه مائتين وخمسين كان للذي أدى الثلاثة الأرباع أن يرجع عليه بنصف ما أخذ من هذا الآخر ; لأنهما قد كانا استويا في غرم الكفالة مع الآخر فينبغي أن يستويا في الغنم وهو المأخوذ من الباقي وإنما تتحقق المساواة في أن يؤدي إليه نصف ذلك ولو لم يؤد الكفيل شيئا ولكن أدى أحد الأولين المال فله أن يرجع على الكفيل بمائتين وخمسين ; لأنه في نصف المال أصيل مؤد عن نفسه فلا يرجع به على أحد ، وفي النصف الآخر هو مع الكفيل في الكفالة عن الثالث ; فيرجع عليه بنصف ذلك ليستويا في غرم الكفالة . فإن لقي الأول صاحبه الذي كان معه في الألف فأخذ منه مائتين وخمسين أخرى ; رد على الكفيل نصفها ليستويا في الغنم ثم يتبع هو الكفيل الآخر الأول بمائتين وخمسين أخرى ويقتسمان ذلك نصفين
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه رجلان أحدهما مكاتب أو عبد فإنه يجوز على الحر وحده النصف ; لأنهما لما كفلا جميعا عنه بالمال فقد صار كل واحد منهما كفيلا بالنصف . وكفالة المكاتب والعبد غير صحيحة في حال الرق كما لو تفرد بها فتبقى كفالته في نصيبه وهو النصف ولا يقال : لما لم تتحقق المزاحمة فينبغي أن يجعل الحر كفيلا بجميع المال ; لأنا نقول : المزاحمة في أصل الكفالة متحققة . فإن كفالة العبد والمكاتب صحيحة في حق أنفسهما حتى يطالبان بذلك بعد العتق وإنما لا يصح في حق المولى فلهذا كان على الحر نصف المال وعلى العبد والمكاتب النصف بعد العتق . ولو كان اشترط أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فعتق العبد وأدى المال كله ; كان له أن يرجع على الحر بالنصف ، ثم يتبعان الذي عليه الأصل ، فما أدى إلى واحد منهما شركه فيه الآخر ; لأن العبد حين عتق فقد سقط حق المولى والمانع من كفالته قيام حق المولى في ماليته فإذا سقط ذلك كان هذا بمنزلة الكفالة من حرين عن ثالث بهذه الصفة .
ولو أن ثلاثة نفر كفلوا عن رجل بألف درهم وبعشرة أكرار حنطة ومائة دينار ، وبعضهم كفلاء ضامنون في ذلك فلقي الطالب أحد الكفلاء فأخذ منه خمسمائة درهم ، ثم لقي آخر فأخذ منه خمسة أكرار حنطة ثم غاب الطالب والمطلوب ولقي الكفيلان المؤديان الكفيل الثالث وأرادا أخذه بما أديا وأراد كل واحد منهما أخذ صاحبه فالذي أدى [ ص: 45 ] خمسمائة يرجع على صاحبيه بثلثيها ; لأنهم في الكفالة بالألف مستوون فينبغي أن يستووا في الغرم بسببها وذلك في أن يرجع بثلثي ما أدى عن صاحبيه على كل واحد منهما بمائة وستة وستين وثلثين وللذي أدى الطعام أن يرجع على صاحبيه بثلثي الطعام لهذا المعنى أيضا ولا يصير البعض قصاصا ; لأن الجنس مختلف . والمقاصة بين الدينين : عند اتحاد جنسهما وصفتهما ، لا عند الاختلاف . ولو التقى هذان المؤديان ولم يلقيا الثالث ; فلكل واحد منهما أن يرجع على صاحبه بنصف ما أدى ليستويا في الغرم بسبب الكفالة ، وكذلك لو التقوا جميعا كان لكل واحد منهما أن يأخذ صاحبه بنصف ما أدى ليستويا في الغرم ثم يتبعان جميعا الذي لم يؤد شيئا بثلث ما أداه كل واحد منهما فإن لقيه أحدهما كان له أن يأخذه بنصف الغرم الذي حصل عليه يوم يلقاه ليستويا في الغرم بسبب الكفالة فإن لقي الثالث أحد هذين رجع عليه بنصف الفضل بثلث ما أدى كل واحد منهما فيرجع أكثرهما أداء على أقلهما أداء بنصف الفضل للحرف الذي قلنا وعليه يدور تخريج هذه المسائل في أنهما لما استويا في الكفالة ينبغي أن يستويا في الغرم بسببها .
وإذا كفل رجل لرجل عن رجل بمال عليه فأداه الكفيل ثم لقي المكفول عنه فجحد أن يكون أمره بالكفالة أو أن يكون لفلان الطالب عليه شيء فأقام الكفيل البينة أن لفلان على فلان ألف درهم وأن فلانا هذا قد أمره فضمنها لفلان ، وأنه قد أداها لفلان إلى فلان فإن القاضي يقبل ذلك منه ويقضي بالمال على المكفول عنه ; لأنه يدعي لنفسه عليه مالا بسبب وهو لا يتوصل إلى إتيان ذلك إلا بإثبات سبب بينه وبين الغائب وهو أداء المال إليه ، فينصب الحاضر خصما عن الغائب كمن ادعى عينا في يد إنسان أنها له اشتراها مع فلان الغائب وأقام البينة على ذلك فإن يقضي ببينته على ذلك بهذا الطريق حتى إذا حضر الغائب فجحد أن يكون باعه لم يكلف المدعي إعادة البينة عليه فكذلك هنا إذا حضر المكفول له ; جحد أن يكون قبض شيئا من الكفيل لم يكلف الكفيل إعادة البينة وكان الحكم عليه بوصول حقه إليه ماضيا وهذا لأن الأسباب مطلوبة لأحكامها فمن يكون خصما في إثبات الحكم عليه يكون خصما في إثبات سبب الحكم عليه أيضا ورجوع الكفيل على الأصيل لا يكون إلا بأمره إياه بالكفالة وأدائه إلى الطالب بعد الكفالة فما يكون المكفول عنه خصما لكفيل في إثبات الأمر عليه يكون خصما في إثبات الأداء إلى الطالب عليه . والقضاء بالبينة على الحاضر يكون نافذا عليه وعلى الغائب جميعا .

وذكر في اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله [ ص: 46 ] أن الرجل إذا غاب عن امرأته فأتاها رجل وأخبرها أن زوجها قد أبانها ووكله أن يزوجها منه ويضمن المهر ففعلت ذلك ثم رجع الزوج وأنكر أن يكون طلقها وأن يكون أمر هذا الرجل بشيء فالقول قوله وليس للمرأة على الكفيل شيء في قول أبي يوسف - رحمه الله - ; لأن الطلاق لما لم يثبت ; كان العقد الثاني باطلا والكفالة المثبتة عليه كذلك بمنزلة أحد الوارثين . وإذا أقر لمعروف نسب أنه أخوه ; لم يشاركه في الميراث .

وعلى قول زفر - رحمه الله - ترجع هي على الكفيل بالمال ; لأن الكفيل مقر بصحة العقد الثاني ووجوب المال عليه بسبب الكفالة ، وإقراره حجة في حقه فلو أقام الكفيل البينة على الزوج بما أدى من الطلاق وتوكيله إياه بالعقد الثاني والكفالة ; قبلت بينته بذلك ، وكان لها أن ترجع بالمال على الكفيل ثم يرجع الكفيل على الزوج ، وإن شاءت رجعت على الزوج للمعنى الذي قلنا أن الكفيل لا يتمكن من الرجوع على الزوج إلا بإثبات هذه الأشياء عليه فصار خصما في ذلك كله . والله أعلم وأحكم .

باب الكفالة على أن المكفول عنه بريء ( قال - رحمه الله - ) : وإذا كان لرجل على رجل مال فضمنه له على إبراء الذي عليه الأصل فهو جائز والكفيل ضامن للمال ولا يأخذ الطالب المكفول عنه بشيء ; لأنهما أتيا بمعنى الحوالة ، وإن لم يصرحا بلفظها ، والألفاظ قوالب المعاني . والمقصود هو المعنى دون اللفظ كان العقد الذي جرى بينهما حوالة لتصريحهما بموجب الحوالة كمن يقول لغيره ملكتك هذا الشيء بألف درهم فيكون بيعا ، وإن لم يصرح بلفظ البيع . والكفالة والحوالة يتقاربان من حيث إن كل واحد منهما إقراض للذمة والتزام على قصد التوثق فكما أنه لو شرط في الحوالة أن يطالب بالمال أيهما شاء ; كانت الكفالة فإذا شرط في الكفالة أن يكون الأصيل بريئا ; كانت الحوالة وقوله : ضمنت وإلي وعلي بمنزلة قوله كفلت . إذا شرط براءة الأصيل في ذلك كله ; كانت حوالة بناء على أصلنا أن الحوالة توجب براءة المحيل وقد بينا هذه المسألة . ولو توى المال على المحتال عليه عاد حق الطالب إلى المحيل وللتوى أسباب فمن ذلك : أن يجحد المحتال عليه ويحلف على ذلك وليس للطالب بينة ; لأنه يتعذر على الطالب الوصول إلى حقه من جهة المحتال عليه على التأبيد وهذا أبلغ أسباب التوى كالدرة الواقعة في البحر والعبد الآبق ونحو ذلك ومن ذلك : أن يموت المحتال عليه مفلسا فيتحقق به التوى عندنا وعلى قول الشافعي - رحمه الله - : لا يعود المال إلى ذمة [ ص: 47 ] المحيل . وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يقول : بأن الحوالة تبرئ المحيل براءة مطلقة فلا يعود المال إليه بحال كما لو برئ بالإبراء .

( وبيان الوصف ) أنه لا يطالب بالمال ولا بشيء يشبهه وهذا موجب البراءة المطلقة . وتقريره من وجهين ( أحدهما ) أن الحوالة ليست بمعاوضة ; لأن معاوضة الذمة بالذمة والدين بالدين باطلة . فإذا لم يكن ما وجب في ذمة المحتال عليه عوضا عما في ذمة المحيل لم يكن تعذر الوصول إليه مبنيا على حق الرجوع له على المحيل بل بالحوالة يصير كالقابض من المحيل والمقرض من المحتال عليه ; لأنه لا يتحقق إسقاط المال على المحيل وإيجابه على المحتال عليه معاوضة إلا بهذا الطريق أو يجعل ما في ذمة المحتال عليه كأنه عين ما كان في ذمة المحيل تحول من ذلك المحل إلى هذا المحل حكما هو قضية لفظة الحوالة وفوات الشيء من المحل الذي تحول إليه لا يكون سببا لعوده إلى المحل الأول بل فواته عن المحل الذي تحول إليه كفواته في المحل الأول وذلك يكون على الطالب لا غير . وعند الحوالة المحتال له بالخيار بين أن يقبل فيثبت حقه في ذمة المحتال عليه وبين أن يأتي فيكون حقه في ذمة المحيل . والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما يتعين ذلك عليه وهو لا يعود إلى المحل الأول بعد ذلك قط كالغاصب الأول مع الثاني إذا اختار المغصوب منه تضمين أحدهما ثم توى عليه لم يرجع على الآخر بشيء

والمولى إذا عتق عبده المديون واختار الغرماء استسعاء العبد ثم توى ذلك عليه لم يرجعوا على المولى بشيء من الضمان . وحجتنا في ذلك حديث عثمان رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا في المحتال عليه يموت مفلسا { قال : يعود الدين إلى ذمة المحيل لا توى على مال امرئ مسلم } والمعنى فيه أن هذه براءة بالنقل فإذا لم يسلم له حقه من المحيل الذي انتقل إليه يعود حقه إلى المحل الذي انتقل حقه عنه كما لو اشترى بالدين شيئا أو صالح من الدين على عين ( وبيان الوصف ) أن حق الطالب كان في ذمة المحيل ، فنقله إلى ذمة المحتال عليه بالحق الذي له كما له أن ينقله إلى العين بالشراء ثم هناك إذا هلكت العين قبل القبض عاد حقه في الدين كما كان فكذلك هنا وكما أن ذلك السبب محتمل الفسخ فهذا السبب محتمل للفسخ حتى لو تراضيا على فسخ الحوالة انفسخت ( وتقريره ) أن ما في ذمة المحتال عليه ليس بعوض كما كان في ذمة المحيل كما قاله الخصم ولا هو واجب بطريق الإقراض كما زعم هو ; لأن القبض يكون بالمال لا بالذمة والحوالة التزام في الذمة فلا يمكن أن يجعل به قابضا ولأنه يثبت في ذمة المحتال عليه على الوجه الذي كان في ذمة المحيل حتى لو كان بدل صرف أو سلم لا يجوز الاستبدال [ ص: 48 ] به مع المحتال عليه كما لا يجوز مع المحيل ويبطل عقد الصرف والسلم بافتراق المتعاقدين قبل القبض من المحتال عليه ولو صار بالحوالة قابضا ثم مقرضا ; لا تثبت فيه هذه الأحكام ولا يمكن أن يجعل كأن عين ذلك المال تحولت من ذمة إلى ذمة ; لأن الشيء إنما يقدر حكما إذا تصور حقيقة .

وليس في الذمة شيء يحتمل التحول فلم يبق الطريق فيه إلا جعل الذمة الثانية خلفا عن الذمة الأولى في ثبوت الحق فيها كما في حوالة الفراش ، المكان الثاني يكون خلفا عن المكان الأول ، ويكون الثابت في المكان الثاني عين ما كان في المكان الأول فإذا كان الطريق هذا ; فنقول إنما رضي الطالب بهذه الخلافة على قصد التوثق لحقه فيكون رضاه بشرط أن يسلم له في ماله في الذمة الثانية فإذا لم يسلم فقد انعدم رضاه فيعود المال إلى المحل الأول كما كان بمنزلة ما لو اشترى به عينا إلا أن هناك المحل الذي هو خلف في يد الغريم فكان مطالبا بتسليمه وهنا المحل الذي هو حق ليس في يد الغريم فلم يكن هو مطالبا بشيء ولكنه ليس في يد الطالب أيضا فلم يصر قابضا لحقه ولا يدخل في ضمانه فلا يكون التواء عليه وبه فارق الغاصب الأول مع الثاني والمولى مع العبد . فإن إحدى الذمتين هناك ليست بخلف عن الأخرى ولكن صاحب الحق كان مخيرا ابتداء .

والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك عليه وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - إذا فلسه الحاكم عاد الدين إلى ذمة المحيل ; لأن رضاه بالخلافة كان بشرط السلامة . فإذا لم يسلم عاد الحق إلى المحل الأول ولا معتبر ببقاء المحل الثاني حقيقة كالعبد المشترى بالدين إذا أبق واختار الطالب فسخ العقد ; عاد حقه كما كان . توضيحه أن الذمة تتعيب بالإفلاس . أما عندهما حكما فمن حيث إن التفليس والحجر يتحقق من حيث العادة وهذا ظاهر فإن الناس يعدون الذمة المفلسة معيبة حتى يعدون الحق فيها ثاويا . وكما أن فوات المحل موجب انفساخ السبب فتعيبه مثبت حق الفسخ كما إذا تعيب المشترى بالدين قبل القبض والأصل فيه قوله : صلى الله عليه وسلم { من أحيل على مليء فليتبع } فقد قيد الأمر بالاتباع بشرط ملاء المحتال عليه فلا يكون مأمورا بالاتباع بدون هذا الشرط . وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : الإفلاس لا يتحقق ; لأن المال غاد ورائح فقد يصبح الرجل فقيرا ويمسي غنيا ثم عود المال إلى المحيل التوى لا يتعذر به الاستيفاء .

( ألا ترى ) أنه لو تعذر استيفاؤه من المحتال عليه لعيبه لم يرجع على المحيل بشيء ولا تصور للتوى في الدين حقيقة وإنما يكون ذلك حكما بخروج محله من أن يكون صالحا للالتزام وبعد الإفلاس الذمة في صلاحيتها للالتزام [ ص: 49 ] كما كانت من قبل فلا يتحقق التوى ولا العيب بهذا السبب بخلاف ما لو كان بعد الموت مفلسا ; لأن الذمة خرجت من أن تكون محلا صالحا للالتزام فيثبت التوى بهذا الطريق حكما وأما ذات المحتال عليه فقال الطالب : لم يترك شيئا وقال المطلوب : قد ترك وفاء فالقول قول الطالب مع يمينه على علمه ; لأنه متمسك بالأصل وهو العسرة ولأنه بالحوالة لم يدخل في ملك المحتال عليه ولو كان وهو حي يزعم أنه مفلس فالقول قوله فكذلك بعد موته إذا زعم الطالب أنه مفلس فالقول قوله مع يمينه على علمه .

توضيحه أن ذمته بالموت خرجت من أن تكون محلا صالحا للالتزام وبه يتحقق التوى إلا أن يكون هناك مال يخلف الذمة في ثبوت حق الطالب فيه فالمطلوب يدعي هذا الخلف ، والطالب منكر لذلك فجعلنا القول قوله لهذا
ولو كفل بالمال من غير شرط البراءة ثم إن الطالب أبرأ الذي عليه الأصل من المال بعد الكفالة ; برئا جميعا ; لأن إبراء الكفيل إسقاط لأصل الدين وذلك موجب لبراءة الكفيل ضرورة . فكما أن الكفالة لا تصح إلا باعتبار مال واجب في ذمة الأصيل فكذلك لا تبقى بعد سقوط المال عن ذمة الأصيل بالإبراء ، وهذا بخلاف ما لو كانت الكفالة بشرط الأصل ; لأن ذلك صار عبارة عن الحوالة واللفظ إذا جعل عبارة عن غيره مجازا سقط اعتبار حقيقته في نفسه توضيح الفرق أن الكفالة بشرط براءة الأصيل لا تكون إسقاطا ; لأن أصل الدين يكون تحويلا إلى ذمة الكفيل بالطريق الذي قلنا . فأما إبراء الأصيل بعد الكفالة فيكون إسقاطا لأصل الدين والمطالبة تنبني على وجوب أصل الدين فكما لا يبقى على الأصيل مطالبة بعد الإسقاط فكذلك على الكفيل . والدليل على الفرق : ما أشار إليه ، وهو أن الصبي التاجر إذا كان له على رجل مال فضمنه له آخر على أن أبرأ الأول ، أو كان عليه مال لرجل فضمنه لآخر بأمر صاحبه على أن أبرأ المكفول له فهو جائز .

ولو كان هذا إسقاطا لأصل الحق عن الأصيل ; ما ملك الصبي التاجر فيما له على غيره . كإبراء الأصيل بعد الكفالة ولو كان هذا من المحتال عليه التزاما للمال في ذمته ابتداء ما ملكه الصبي التاجر فيما عليه وبهذا الفصل يتبين الفرق ، وكذلك في الصرف ورأس مال السلم : الحوالة تصح . والكفالة بشرط براءة الأصيل تصح ولا يبطل به عقد السلم بخلاف ما إذا أبرأ الأصيل بعد الكفالة فقبله الأصيل حيث يبطل به عقد السلم

ولو قال لرجل آخر : ما أقر لك به فلان من شيء فهو علي فقامت عليه بينة أنه أقر بعد الكفالة بألف درهم ; لزم الكفيل الألف ; لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة ، وإن شهدوا أنه أقر بذلك قبل [ ص: 50 ] الكفالة لم يلزم الكفيل شيء ; لأن هذا اللفظ ، وإن كان في صورة الماضي فالمراد به المستقبل عادة فلا يصير به ملتزما لما سبق الإقرار به على العقد وإنما يكون ملتزما لما يقر به بعد العقد بمنزلة قوله ما يقر لك كما أن قوله ما ذاب لك في معنى ما يذوب فهذا قياسه والله أعلم
باب ضمان ما يبايع به الرجل

( قال - رحمه الله - ) وإذا قال الرجل لرجل : بايع فلانا فما بايعته به من شيء فهو علي ; فهو جائز على ما قال ; لأنه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب المال على الأصيل وقد بينا أن ذلك صحيح والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة لكونها مبنية على التوسع ولأن جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود .

وإنما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التي تؤثر في العقود . وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة ; لأن توجه المطالبة على الكفيل بعد المبايعة وعند ذلك ما بايعه به معلوم ، ويستوي إن وقت لذلك وقتا أو لم يوقت إلا أن في الموقت يراعى وجود المبايعة في ذلك الوقت حتى إذا قال : ما بايعته به اليوم فباعه غدا ; لا يجب على الكفيل شيء من ذلك ; لأن هذا التقييد مفيد في حق الكفيل ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم فذلك كله على الكفيل ; لأن حرف ما يوجب العموم .

وإذا لم يوقت فذلك على جميع العمر وإذا بايعته مرة بعد مرة فذلك كله على الكفيل ولا يخرج نفسه من الكفالة لوجود الحرف الموجب للتعميم في كلامه ويستوي إن بايعه بالنقود أو بغير النقود ; لأنه قال ما بايعته به من شيء وهو يجمع كل ذلك فإن قال الطالب : بعته شيئا بألف درهم وقبضه مني فأقر به المطلوب وجحد الكفيل ففي القياس لا يؤخذ الكفيل بشيء حتى تقوم البينة على أنه بايعه بعد الكفالة وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه أخذ بالقياس . ووجه ذلك أن وجوب المال على الكفيل ناشئ عن مبايعته بعد الكفالة وذلك لا يظهر في حقه بإقرار المطلوب ; لأن قوله حجة عليه لا على الكفيل ولو أنكرا جميعا يعني : المطلوب والكفيل لم يكن على كل واحد منهما شيء فإذا أقر به المطلوب لزمه دون الكفيل ; لأن الثبوت بحسب الحجة فإذا قامت البينة ثبت في حقهما ; لأن البينة حجة عليهما ولكن استحسن ، فقال : الكفيل ضامن للمال ; لأن المطلوب مع الطالب تصادقا على المبايعة في حال يملكان إنشاءها فإنهما لو أنشآ المبايعة لزم ذلك الكفيل ومن أقر بما لا يملك إنشاءه يكون مقبول الإقرار في حق الغير لانتفاء التهمة بمنزلة التوكيل قبل العزل إذا أقر بالبيع .

والمطلق قبل انقضاء [ ص: 51 ] العدة إذا أقر بالرجعة . توضيحه أنهما إن كانا صادقين فيما أقرا به من المبايعة ; فقد تحقق السبب في حق الكفيل وإن كانا كاذبين فتصادقا بمنزلة إنشاء المبايعة فيلزم الكفيل أيضا . ( ألا ترى ) أنه لو كان قال : ما لزمه لك من شيء فأنا ضامن به لزمه ما أقر به المكفول عنه بهذا الطريق . وعلى هذا لو قال : بعه ما بينك وبين ألف درهم وما بعته من شيء فهو علي إلى ألف درهم فباعه متاعا بخمسمائة ثم باعه حنطة بخمسمائة لزم الكفيل المالان جميعا ، وإن باعه متاعا آخر بعد ذلك لم يلزم الكفيل من ذلك شيء ; لأنه قيد الكفالة بمقدار الألف فلا تلزمه الزيادة على ذلك .

ولو قال : إذا بعته شيئا فهو علي . فباعه متاعا بألف درهم ثم باعه بعد ذلك خادما بألف درهم لزم الكفيل الأول دون الثاني ; لأن كلمة إذا لا تقتضي العموم ولا التكرار ، وإنما تتناول المبايعة مرة فبوجود ذلك تنتهي الكفالة بخلاف ما لو قال : كلما بايعته بيعا فأنا ضامن بثمنه ; لأن كلمة كلما تقتضي التكرار فيصير هو بهذا اللفظ ملتزما يجب بمبايعته مرة بعد مرة ولو قال : بعه ولم يزد على هذا فباعه لم يلزم الآمر شيء ; لأنه مشير عليه وليس بضامن وكذلك لو قال : أقرضه .

ولو قال : متى بعته بيعا فأنا ضامن لثمنه أو إن بعته بيعا فباعه متاعا في صفقتين كل صفقة بخمسمائة ; ضمن الكفيل الأول منهما لما بينا أنه ليس في لفظه ما يقتضي التكرار ; لأن كلمة إن للشرط وكلمة متى للوقت بمنزلة كلمة إذا

. ولو قال ما بايعته من زطي فهو علي فباعه ثوبا هرويا أو حنطة ; لم يلزم الكفيل من ذلك شيء ; لأنه قيد الكفالة بمبايعته من الزطي خاصة فلا يتناول غيرها وكذلك لو قال : ما أقرضته فهو علي ، فباعه متاعا أو قال : ما بايعته فهو علي ، فأقرضه شيئا لم يلزم الكفيل من ذلك شيء ; لأنه قيد الكفالة بسبب فلا تتناول شيئا آخر والمبايعة غير الإقراض . ( ألا ترى ) أن المبايعة تصح ممن لا يصح منه الإقراض كالأب والوصي .
ولو قال : ما داينته اليوم من شيء فهو علي لزمه القرض وثمن المبيع ; لأن اسم المداينة يتناول الكل فإنه عبارة عن سبب وجوب الدين .

( ألا ترى ) أن الآمر بالكتابة والشهود جاء به اسم المداينة وعلم الكل . فلو رجع الكفيل عن هذا الضمان قبل أن يبايعه ونهاه عن مبايعته ثم بايعه بعد ذلك لم يلزم الكفيل شيء ; لأن لزوم الكفالة بعد وجوب المبايعة وتوجه المطالبة على الكفيل . فأما قبل ذلك فهو غير مطلوب بشيء ولا ملتزم في ذمته شيئا فيصح رجوعه . توضيحه أن بعد المبايعة إنما أوجبنا المال على الكفيل دفعا للغرر عن الطالب ; لأنه يقول : إنما عقدت في المبايعة معه كفالة هذا الرجل وقد اندفع هذا الغرور حين نهاه عن المبايعة .

ولو قال : ما بايعته اليوم من شيء فهو [ ص: 52 ] لك علي ثم جحد الكفيل والمكفول له المبايعة ، وأقام الطالب البينة على أحدهما أنه قد باع المكفول له ذلك اليوم متاعا بألف درهم ; لزمهما جميعا ذلك المال أيهما كان حضر ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة . والمال الذي يطالبان به واحد فينصب الحاضر منهما خصما فيكون حضور أحدهما كحضورهما فلا يكلف إعادة البينة عند حضور الآخر إذا كان القاضي هو الأول ; لأنه عالم بسبب وجوب المال على الذي حضر إذ هو باشر القضاء به على الأول ، وعلمه يغني الطالب عن إعادة البينة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.61%)]