عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 22-12-2025, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون

صـــ 32الى صـــ 41
(409)


ولو كفل رجل عن رجل بمال على أن يجعل له جعلا ; فالجعل باطل هكذا روي عن إبراهيم - رحمه الله - وهذا ; لأنه رشوة والرشوة حرام فإن الطالب ليس يستوجب بهذه الكفالة زيادة مال فلا يجوز أن يجب عليه عوض بمقابلته ، ولكن الضمان جائز إذا لم يشترط الجعل فيه .

وإن كان الجعل مشروطا فيه ; فالضمان باطل أيضا ; لأن الكفيل ملتزم ، والالتزام لا يكون إلا برضاه . ( ألا ترى ) أنه لو كان مكرها على الكفالة ; لم يلزمه شيء . فإذا شرط الجعل في الكفالة فهو ما رضي بالالتزام إذا لم يسلم له الجعل ، وإذا لم يشترطه في الكفالة ; فهو راض بالالتزام مطلقا فيلزمه .
وكفالة المرتد موقوفة عند أبي حنيفة - رحمه الله - بنفس كانت أو بمال كسائر تصرفاته .
وكفالة المرتدة جائزة وإن ماتت على الردة كسائر تصرفاتها فإنها لا تقبل بخلاف الرجل وهذا فرق ظاهر في السير . فإن لحقت بدار الحرب وسبيت ; بطلت الكفالة بالنفس دون المال ; لأنها لما لحقت وسبيت ; فكأنها ماتت .

( ألا ترى ) أن مالها لورثتها . وموت الكفيل يبطل الكفالة بالنفس دون المال وفي الكتاب قال : هي بمنزلة أمة كفلت بنفس ; لأن الكفالة بالنفس لما كانت لا تتحول إلى المال وقد صارت هذه أمة بالاسترقاق ; فكأنها كفلت ابتداء . وهي أمة فلا تطالب بذلك لحق مولاها وأما الكفالة بالمال فقد تحولت إلى ما خلفت من المال ، فكان وارثها مطالبا بقضاء ذلك ولكن التعليل الأول أصح لما ذكر بعد هذا قال : وإن أعتقت يوما من الدهر ; لم تؤخذ بالكفالة بالنفس ولا بالمال وقد أبطل السبي كل كفالة وكل حق قبلها ، ولو كان هذا بمنزلة ابتداء الكفالة منها وهي أمة ; كانت تؤخذ بذلك بعد العتق فعرفنا أنه لما تبدلت نفسها بالرق ; كان ذلك بمنزلة موتها على ما قيل : الحرية حياة والرقبة تلف . فبطلت الكفالة بالنفس أصلا وتحول المال إلى مال فلا يعود شيء من ذلك إليها بعد العتق .

ولو كفل مسلم بنفس مرتد في دين عليه فلحق بدار الحرب أو ارتد بعد الكفالة ولحق كان الكفيل على كفالته وقد بينا هذا الفصل بفروعه في أول الكتاب فإن كانت امرأة فنسيت بطلت الكفالة عنها بالنفس دون المال ; لأنها حين سبيت فقد سقطت عنها المطالبة بالحضور فيسقط عن الكفيل ما التزم من الإحضار . توضيحه أنها لما تبدلت نفسها بالاسترقاق فكأنها ماتت وموت المكفول عنه بنفسه يبطل الكفالة ولكن الكفيل مأخوذ بقضاء ذلك الدين فإذا أداه رجع به فيما تركت في دار الإسلام ; لأنه دين مؤجل كان له عليها بمنزلة سائر ديونها فإن [ ص: 33 ] لم يكن شيء تركت وأدى الكفيل ذلك . ثم إن عتقت يوما لم يتبعها من ذلك بشيء ; لأن السبي أبطل عنها كل دين فإن نفس المسبي تتبدل بالاسترقاق من صفة المالكية إلى المملوكية والدين لا يجب على المملوك إلا شاغلا لماليته ، وهذا الدين حين وجب لم يكن شاغلا لشيء سوى الذمة وقد تعذر إبقاؤه بتلك الصفة فلهذا سقط عنها
وكذلك الذمي والذمية إذا انقضى العهد ولحقا بالدار وقد كفل رجل عنهما بنفس أو مال فإن الكفيل يؤخذ بذلك فإن ماتا أو سبيا بطلت الكفالة بالنفس دون المال فإن أداه ثم عتقا لم يرجع عليهما به لما بينا في المرتدة .
ولا تجوز كفالة المرتد عن الذمي بالخمر والخنزير ; لأن حكم الإسلام باق في حق المرتد فإنه مجبر على العود إلى الإسلام غير مقر على ما اعتقده فكما لا تجوز كفالة المرتد بالخمر فكذلك كفالة المرتد وعلى هذا لو استهلك المرتد خمر الذمي كان عليه قيمتها كما لو استهلكها مسلم . فإن كفل بها عنه مسلم جاز ; لأن القيمة الواجبة عليه دراهم أو دنانير
ولو كفل مسلم لمرتد بنفس أو مال ثم لحق المرتد بدار الحرب كان ورثته على حقه من الكفالة ; لأنهم يخلفونه بعد لحاقه كما يخلفونه في أملاكه ، فإن رجع ثانيا كان له أن يأخذ الكفيل بالنفس والمال ; لأن ما كان قائما من حقوقه يعود إليه إذا رجع ثانيا بمنزلة ما هو قائم من أملاكه ، وإن كان ورثته قد استوفوا بقضاء القاضي ; فالكفيل من ذلك بريء ، بمنزلة ما هلك من ماله . وهذا ; لأن الأداء إلى وارثه بقضاء القاضي بمنزلة الأداء إليه فيبرأ الكفيل به
وكفالة المستأمن والكفالة له بمال أو نفس جائزة ; لأنه من المعاملات وإنما دخل دارنا بأمان ليعاملنا ففي المعاملات يستوي بنا . فإن لحق بداره ثم خرج مستأمنا فالكفالة بحالها ; لأنه باللحاق صار من أهل دار الحرب حقيقة بعد أن كان من أهلها حكما فهو قياس ما بينا في المرتد وإن أسر بطلت الكفالة فيما له ; لأن نفسه قد تبدلت بالأسر وذلك مبطل لحقوقه ، ولم يخلفه ورثته في ذلك بخلاف المرتدة على ما بينا فأما فيما عليه فتبطل الكفالة بالنفس لتبدل نفسه بالأسر كما في المرتدة وبالمال كذلك هنا ; لأن في المرتدة المال يتحول إلى ما خلفت وليس هنا محل هو خلف عنه ; فلهذا بطلت الكفالة بالمال أيضا . ومكاتب الحربي إذا كان مستأمنا في دار الإسلام ; وعبده بمنزلة عبيد أهل الذمة ومكاتبهم في جميع ذلك ; لأن في المعاملات هم بسبب عقد الضمان يكونون بمنزلة أهل الذمة فكذلك عبيدهم ومكاتبوهم . والله أعلم بالصواب .
[ ص: 34 ] باب كفالة الرهط بعضهم عن بعض ( قال - رحمه الله - ) وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه ثلاثة نفر وبعضهم كفيل عن بعض وكلهم ضامنون ذلك فهو جائز ; لأن كل واحد منهم كفيل عن الأصيل بجميع المال وذلك جائز فإن الكفالة للتوثق بالحق وهو يحتمل التعدد . ثم كفل كل واحد منهم عن الآخرين بما لزمهما بالكفالة والكفالة عن الكفيل صحيحة ; لأن الكفيل مطلوب بما التزمه وشرط صحة الكفالة : أن يكون المكفول عنه مطلوبا بما التزمه الكفيل ; لأن موجب الكفالة التزام المطالبة بما على الأصيل فإن أدى أحد الكفلاء المال ; كان له أن يرجع على الأصيل بالمال كله إن شاء ; لأنه أدى ما تحمل عنه بأمره ، وإن شاء رجع على شريكيه فإن الكفالة بثلثي المال ; لأنهم في حكم الالتزام بهذه الكفالة سواء فينبغي أن يستووا في الغرم ، وإن شاء أخذ أحدهما بالنصف ; لأنه إذا لقي أحدهما قال له : أنا وأنت في غرم الكفالة سواء ; لأنا جميعا كفيلان عن الأصيل وعن الثالث أيضا فهات نصف ما أديت ; لنستوي في الغرم ثم إذا رجع عليه بالنصف رجعا على الثالث إذا لقياه بثلث المال فيأخذان ذلك نصفين ; ليستوي هو بهما في عدم الكفالة ثم يرجعون على الأصيل بالمال كله ; لأنهم كفلوا عنه بأمره وأدوه ولو كان ثلاثة نفر عليهم ألف درهم ، وبعضهم كفيل عن بعض فأدى المال أحدهم فإن للمؤدي أن يرجع على كل واحد من الآخرين بالثلث إن شاء ; لأن كل واحد منهم أصيل في ثلث المال والمؤدي قد كفل عن كل واحد منهما في ذلك الثلث بأمره ، وإن شاء رجع على أحدهما بالنصف .

أما الثلث فلأنه كفل عنه وأدى ، وأما السدس فلأن المؤدي مع الذي لقيه كفيلان عن الثالث بما عليه وهو الثلث فينبغي أن يكون غرم هذه الكفالة عليهما على السواء فيرجع عليه بنصف هذا الثلث لتتحقق المساواة بينهما في الغرم ثم يرجعان على الثالث إذا لقياه بالثلث فيأخذان ذلك بينهما نصفين وفي الكتاب ذكر عن عبد الله بن الجلاب أنه باع قوما غنما على أن يأخذ أيهم شاء بحقه فأبى شريح - رحمه الله - ذلك ، وقال : اختر أملاهم فخذه حتى تستوفي منه حقك وإنما أوردنا هذا ; لنبين أنه يجوز أن يكون المال عليهم ويكون بعضهم كفيلا عن بعض بما على كل واحد منهم لما في هذا من زيادة التوثق لحق صاحب الحق فإن بدون هذه الكفالة لم يكن له أن يطالب كل واحد منهم إلا بما عليه - وهو الثلث - وبعد هذه الكفالة له أن يطالب أيهم شاء بجميع المال مع بقاء حقه في المطالبة الأصلية وهو أن يطالب كل واحد منهم بالثلث ولا فرق في هذا الحكم بين [ ص: 35 ] أن يشترط أن يأخذ أيهم شاء بحقه كما ذكر في الحديث وبين أن يشترط أن بعضهم كفيل عن بعض بالمال أو لم يقل بالمال ; لأن ذلك معلوم بدلالة الكلام ، وإن كان قال : مليئهم على معدمهم أو حيهم على ميتهم فليس هذا بشيء ولا يطالب كل واحد منهم إلا بثلث المال ; لأن هذه كفالة بالمجهول على المجهول ولا يدرى من يفلس منهم ; ليكون المليء كفيلا عنه ولا من يموت منهم ليكون الحي كفيلا عنه فإن حرف على في هذه المسائل بمعنى عن كقوله تعالى { إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي : عن الناس . وكفالة المجهول باطلة .

وإذا كان لرجل على أربعة نفر ألف درهم ومائتا درهم ، وكل اثنين منهم كفيلان عن اثنين بجميع المال فإن للطالب أن يأخذ أي اثنين منهم بجميع المال - إن شاء - وأن يأخذ الواحد منهم بسبعمائة وخمسين درهما .

أما أخذه اثنين منهم بجميع المال فظاهر ; لأن الكفالة كانت على هذه الصفة أن كل اثنين كفيلان بجميع المال عن الآخر فأي اثنين منهم شاء فهما كفيلان بجميع المال وأما إذا أخذ الواحد منهم ففي ربع المال - وهو ثلاثمائة - هو أصيل فيطالبه بذلك وفي الباقي - وهو تسعمائة - هو مع واحد من الآخرين كفيل ; لأن الشرط في الكفالة كان هكذا ، وإنما يكون هو مطالبا بالكل إذا التزم الكل بالكفالة فأما إذا التزم الكل بالكفالة مع آخر ; لم يكن هو مطالبا إلا بالنصف وذلك أربعمائة وخمسون .

فإذا ضممت ذلك إلى ثلثمائة يكون سبعمائة وخمسين فلهذا يأخذ الواحد بهذا المقدار فإذا أدى أحدهم نصف المال ستمائة ; ففي هذا النصف هو مؤد عن نفسه فلا يرجع على أحد بشيء منه وفي النصف الآخر - وهو ثلثمائة - هو مؤد عن شركائه بحكم الكفالة عنهم بأمرهم فإن شاء رجع عليهم جميعا ، وإن لقي أحدهم رجع عليه بمائتي درهم ; لأن ثلث هذه الثلثمائة - وهو مائة - أداها عنه فيرجع هو بها عليه بقي مائتا درهم وهو مع هذا الذي لقيه كفيلان عن الآخرين بهما فيرجع عليه بمائة أخرى ليستويا في غرم الكفالة عن الآخرين فلهذا رجع عليه بمائتين ، وإن لقيا آخر ; كان لكل واحد منهما أن يرجع بستة وستين درهما وثلثين إما ليستووا في غرم المائتين أو لأن كل واحد منهما مؤد عنه خمسين فيرجع بذلك عليه بقي مائة أخرى هما مع هذا الثالث كفيلان بذلك عن الرابع وقد أديا فيرجعان عليه بثلث ذلك - وهو ثلاثة وثلث - كل واحد منهما بستة عشر وثلثين فصار حاصل ما يرجع به كل واحد منهما عليه ستة وستين وثلثين فإن لقوا الرابع بعد ذلك رجع كل واحد منهم عليه بثلاثة وثلاثين درهما وثلث درهم ; لأنهم أدوا عن الرابع قدر المائة فيرجع كل واحد منهما بثلثها ولو كان أدى [ ص: 36 ] النصف ولقي أحدهم فأخذ منه مائتي درهم ثم لقي صاحب المائتين أحد الباقين فإنه يأخذ منه خمسة وسبعين درهما ; لأنه يقول له : إنما أديت المائة عن نفسي ومائة أخرى عنك وعن الرابع فإنما أديت نصفها عنك والنصف الآخر الذي أديته عن الرابع أنت معي فيه في الكفالة بذلك على السواء فأرجع عليك بنصف ذلك أيضا فلهذا يأخذ منه خمسة وسبعين فإن لقي الأول الثالث أيضا أخذه باثنين وستين درهما ونصف ; لأنه يقول له : قد أديت عنك وعن الرابع مائة فأرجع عليك بنصف ذلك وذلك خمسون لأني أديتها عنك .

وأما الخمسون التي أديتها عن الرابع فنصف ذلك قد أخذه منك الثاني وهو خمسة وعشرون ، فرجوعنا بذلك عليه بقي خمسة وعشرون فأرجع عليه بنصف ذلك وهو اثنا عشر ونصف ; لنستوي في غرم الكفالة عن الرابع فصار حاصل ما يرجع عليه به اثنين وستين درهما ونصف درهم فإن لقيهما الأوسط رجعا عليه بثمانية وثلث بينهما نصفين ; ليستووا في الغرم في حق الخمسين التي كفلوا بها عن الرابع فإن لقوا الآخر بعد ذلك أخذوه بمائة درهم ; لأنهم في الحاصل كفلاء عنه بالمائة وقد أدوا فيأخذون ذلك منه ويقتسمونه أثلاثا ; لأن حاصل ما غرم كل واحد منهم عنه بعد هذه المراجعات : ثلاثة وثلاثون وثلث .

ولو كان الذي أدى النصف لقي الذي قبض الخمسة والسبعين فإنه يأخذ منه نصفها ; لأنا كنا قد التقينا مرة واستوينا في غرم الكفالة وقد بلغني أنه وصل إليه شيء من الثالث فلا بد من أن يعطيني نصف ذلك لنستوي في الغنم كما استوينا في الغرم فإذا أخذ منه نصفها ثم لقيا الذي أدى الخمسة والسبعين رجعا عليه بثمانية وخمسين وثلث بينهما نصفان ; لأنا قد بينا أنهما لو لقياه معا رجع كل واحد منهما عليه بستة وستين وثلثين فيكون جملة ما يرجعان به مائة وثلاثة وثلاثين وثلثا والآن قد استوفينا منه مرة خمسة وسبعين فيرجعان بما بقي إلى تمام مائة وثلاثة وثلاثين وثلث وذلك ثمانية وخمسون وثلث يأخذان ذلك بينهما نصفين ثم إذا لقوا الرابع اتبعوه بمائة كل واحد منهم بثلاثة وثلاثين وثلث لما بينا
ولو كان لرجل على ثلاثة رهط ألف ومائتا درهم وبعضهم كفلاء عن بعض ضامنون لها فأدى أحدهم المال رجع على كل واحد من شريكيه بثلث ما أدى ; لأنه في مقدار الثلث مؤد عن نفسه وفي الثلثين هو مؤد عن شريكيه بكفالته عنهما بأمرهما فيرجع بذلك عليهما فإن لقي أحدهما ورجع عليه بالثلث لأدائه ما يحمله عنه وبنصف الثلث الآخر أيضا ; لأنهما يستويان في الكفالة عن الثالث بهذا الثلث فيرجع عليه بنصفه ليستويا في غرم الكفالة [ ص: 37 ] فإن لقي أحدهم الغائب بعد ذلك وأخذ منه شيئا كان لصاحبه إذا لقيه أن يأخذ منه نصف ذلك بالمعنى الذي قلنا وهو أنهما حين التقيا قد استويا في غرم الكفالة عن الثالث فينبغي أن يستويا في الغنم أيضا والذي أخذه أحدهما من الثالث غنم بسبب تلك الكفالة فيرجع عليه بنصفه ليستويا في الغنم أو لتبقى المساواة بينهما في الغرم كما هو موجب الكفالة
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه رجل ثم إن آخر كفل بها عن الأصيل أيضا ; فهو جائز يأخذ الطالب أيهما شاء بجميع المال ; لأن كل واحد منهما التزم جميع المال بالكفالة عن الأصيل بعقد على حدة ، وذلك صحيح ; فإن أصل الدين باق على الأصيل بعد الكفالة الأولى كما كان قبلها فإن أخذ أحد الكفيلين فأداه لم يرجع على الآخر بشيء ; لأنه ما كفل عنه بشيء وإنما كفل عن الأصيل بعقد باشره وحده فيكون رجوعه عليه إن كان كفل بأمره ولا يرجع على الكفيل الآخر بشيء ، وإن لم يؤد واحد منهما شيئا حتى قال الكفيلان للطالب : كل واحد منا كفيل عن صاحبه ضامن لهذا المال ثم أدى أحدهما المال ; فله أن يرجع على صاحبه بالنصف ; لأنهما بالعقد الثاني جعلا أنفسهما في غرم الكفالة سواء . فإن كل واحد منهما كفيل بالمال عن الأصيل وقد كفل عن صاحبه أيضا بأمر صاحبه فإذا ثبتت المساواة بينهما في الكفالة فينبغي أن يستويا في الغرم أيضا وذلك في أن يرجع على الآخر بنصف ما أدى ثم يرجعان على الأصيل بجميع المال
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه بأمره رجل ثم إن الطالب أخذ الكفيل بها فأعطاه كفيلا آخر بها ثم أداها الآخر إلى الطالب ; لم يرجع بها على الأصيل لأنه ما تحمل بها عن الأصيل ، ولا أمره الأصيل بهذه الكفالة . وثبوت حق الرجوع للكفيل عند الأداء بسبب الأصيل بالكفالة فإنما يرجع على من أمره به وهو الكفيل الأول ثم الكفيل الأول يرجع على الأصيل ; لأن أداء كفيله بأمره بمنزلة أدائه بنفسه ، ولأنه قد أسقط عن الأصيل مطالبة الطالب بهذا المال بما أداه من مال نفسه إلى الكفيل الآخر فكأنه أسقط ذلك بأدائه إلى الطالب ، وإن كان كفل عن الذي عليه الأصل رجلان ولم يقل كل واحد منهما : كفلت عن صاحبي ; فإن الطالب يطالب كل واحد منهما بالنصف ; لأنهما التزما المال بعقد واحد فيكون كل واحد منهما ملتزما للنصف كالمشتريين أو المقرين لرجل عليهما بالمال وأيهما أدى النصف لم يرجع على صاحبه بشيء ; لأنه ما التزم عن صاحبه شيئا إنما التزم عن الأصيل فيكون رجوعه عليه إن كان كفل عنه بأمره ، فإن لم يؤديا شيئا حتى قالا للطالب : [ ص: 38 ] أينا شئت أخذت بهذا المال أو : كل واحد منا كفيل ضامن بها . فله أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال ; لأن هذه الزيادة ألحقتها بالكفالة الأولى وقد صحت منهما فصارت كالمذكور في أصل الكفالة الأولى ; أخذ أيهما شاء بجميع المال ، وإن أداه أحدهما رجع على صاحبه بالنصف ليستويا في غرم الكفالة كما استويا في كفالة كل واحد منهما عن صاحبه فإن لقي الطالب أحدهما فاشترط ذلك عليه مثل ذلك بأمر صاحبه فهو سواء ; لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه وعن الأصيل .

ولا فرق بين أن يكون كفالة كل واحد منهما عن الأصيل

ولو كتب ذكر حق على رجل بألف درهم وفلان وفلان كفيلان بهما وأيهما شاء أخذ بها وأقر المطلوب والكفيلان بذلك ; فهو جائز ; لأن إضافتهما الإقرار إلى المكتوب في ذكر الحق بمنزلة تصريحهما بالمكتوب . فإن أدى أحد الكفيلين المال رجع على الذي عليه الأصيل بجميع المال إن شاء ، وإن شاء رجع على الكفيل الآخر بنصفه ثم يرجعان على الأصيل بجميع المال ; لأن إقرار كل واحد منهم بالمكتوب في الصك بمنزلة أمر الأصيل لهما بالكفالة عنه وأمر كل واحد منهما لصاحبه بالكفالة عنه فثبتت المساواة بينهما في الكفالة بهذا الطريق .
وإذا كان لرجل على عشرة رهط ألف درهم وجعل كل أربعة كفلاء عن أربعة بجميع المال ; فهو جائز لما قلنا . وله أن يأخذ أي أربعة شاء بالمال كله ; لأنهم هكذا التزموا بالكفالة فإن أخذ واحدا منهم رجع بثلثمائة وخمسة وعشرين ; لأنه في المائة أصيل ، وفي الباقي - وهو سبعمائة - هو مع ثلاثة نفر كفيل عن الباقين ، فحظه ربع ذلك . وذلك مائتان وخمسة وعشرون ، وإن أخذ اثنين أحدهما بستمائة ; لأنهما في المائتين أصيلان وفي الباقي وهو ثمانمائة هما مع آخرين كفيلان عن الباقين فحظهما النصف وهو أربعمائة ، وإن أخذ ثلثمائة منهم ; أخذهم بثمانمائة وخمسة وعشرين .

أما مقدار ثلثمائة بحكم الأصالة فإن كل واحد منهما أصيل في مائة والباقي وهو سبعمائة هم مع آخر كفلاء بذلك عن الباقين فعليهم ثلاثة أرباع ذلك وهو خمسمائة وخمسة وعشرون فإن أخذ واحدا منهم فأدى ربع الألف ; فإن مائة منها حصته ; لأنه أصيل فيها . والأصيل فيما يؤدي عن نفسه لا يرجع على أحد وفي مائة وخمسين هو مؤد عن أصحابه حصة كل واحد منهم من ذلك التسع . فإن لقيهم جميعا ; رجع على كل واحد منهم بقدر ذلك من تسعمائة وخمسين ستة عشر وثلثان ، وإن لقي أحدهم رجع أحدهم بستة عشر وثلثين ; لأنه أدى عنه هذا القدر ويرجع عليه بنصف ما بقي والباقي مائة وثلاثة وثلاثون وثلث نصفه ستة وستون وثلثان يرجع عليه بذلك ليستويا في غرم الكفالة [ ص: 39 ] فإنهما مستويان في الكفالة عن الباقين فينبغي أن يستويا في الغرم بسببه أيضا . فإذا أدى ذلك إليه ثم لقي الآخر منهما أحد الباقين ; أخذه بنصف تسع الخمسين والمائة ; لأنه مع الأول قد أديا عنه التسع فنصفه من ذلك نصف التسع ، فيرجع عليه أيضا بنصف ثلاثة أتساع ونصف ; لأنه مع هذا الذي لقيه مستويان في الكفالة . فينبغي أن يستويا في الغرم عن السبعة الباقين وهذا قد أدى عنهم ثلاثة أتساع ونصفا فيرجع عليه بنصف ذلك ليستويا في غرم الكفالة فإن لقي الأول الأوسط بعد ما قبض هذا ; رجع عليه بنصف ما أخذه كله للمعنى الذي بينا أنهما حين التقيا استويا في غرم الكفالة ثم وصل إلى أحدهما بعد ذلك شيء وأخذ الآخر منه نصفه ليستويا في الغنم أيضا .

فإن لقيا الآخر بعد ذلك وهو الثالث رجعا عليه بتمام ثلاثة أتساع وثلث تسع حصته من ذلك التسع ; لأنهما تحملاه عنه وتسعان وثلث للمساواة في غرم الكفالة ; لأنهم مع آخر كفلاء عن الباقين فينبغي أن يستويا في غرم الكفالة . ( ألا ترى ) أنهما لو لقيا الثالث معا ; كان رجوعهما عليه بتمام ثلاثة أتساع وثلث تسع . فكذلك إذا أخذ أحدهما منه بعض ذلك ثم لقياه رجعا عليه بذلك .

وإذا كان لرجل على ثلاثة رهط ألف درهم وبعضهم كفلاء عن بعض بها فأدى أحدهم مائة درهم لم يرجع على صاحبه بشيء ; لأنه في قدر ثلث المال أصيل ، فما يؤديه يكون أصيلا فيه فلا يرجع على أحد بشيء إذا كان المؤدى بقدر الثلث أو دونه ، وإن قال : إنما أديت هذا عن صاحبي أو عن أحدهما ; لم يكن له ذلك على وجهين : أحدهما أن فيما هو أصيل المال ثابت في ذمته ، وفيما هو كفيل هو مطالب بما في ذمة غيره من المال ، والمؤدى ماله ، فيكون إيقاعه من المال الذي عليه ليسقط عنه به أصل المال أولى ; لأن هذا الطريق أقصر فإنه إذا جعل المؤدي من غيره ; احتاج إلى الرجوع وإذا جعل مؤديا عن نفسه ; لا يحتاج إلى الرجوع على أحد ولأنه إن جعل المؤدي عن صاحبيه كان لهما أن يقولا : أداؤه بالكفالة بأمرنا بمنزلة أدائنا . ولو أدينا ; كان لنا أن نجعل المؤدي عنك ، فلا يزال يدور هكذا فلهذا جعلناه إلى تمام الثلث مؤديا عن نفسه .

وهذا بخلاف ما إذا كاتب عبيدا له على ألف درهم على أن كل واحد منهم كفيل ضامن عن الآخرين ثم أدى أحدهم شيئا لا يكون المؤدي عن نفسه خاصة ، بل يكون عنهم جميعا ; لأن هناك لو جعلنا المؤدى عن المؤدي خاصة ; لكان يعتق إذا أدى مقدار نصيبه ببراءة ذمته عما عليه من البدل والمولى ما رضي بعتق واحد منهم إلا بعد وصول جميع المال إليه ففي جعله عن نفسه يعتبر شرطا مذكورا في العقد نصا وذلك لا يجوز فلهذا جعلنا [ ص: 40 ] المؤدى من نصيبهم . ولا يوجد مثل ذلك هنا وهذا أيضا بخلاف ما إذا كان المال على واحد فكفل به ثلاثة على أن بعضهم كفلاء عن بعض ثم أدى أحدهم شيئا كان له أن يرجع على صاحبيه بثلثي ما أدى ، وإن شاء رجع على أحدهما بنصف ما أدى ; لأن هناك أصل المال على غيرهم وهم يلتزمون له بالكفالة فكان حالهم في ذلك على السواء ولو رجع على شريكيه بثلثي ما أدى لم يؤد ذلك إلى الدور ; لأنهما لا يرجعان في ذلك عليه بشيء من ذلك بخلاف ما نحن فيه على ما قدرنا فإن أدى زيادة على الثلث ; كانت الزيادة على صاحبيه نصفين ; لأنه في الزيادة على الثلث مؤد بحكم الكفالة وهو كفيل عنهما ولو رجع بذلك عليهما لم يكن لهما أن يرجعا عليه بشيء لفراغ ذمته عما عليه بأدائه ، وإن أراد أن يجعل الزيادة عن أحدهما دون صاحبه لم يكن له ذلك ; لأن المال واحد وهو دين في الذمة لا يتحقق فيه التمييز فتلغو نيته عن أحدهما .

فإن لقي أحدهما أخذه بنصيبه من الزيادة وهو النصف ; لأنه أدى عنه ذلك وبنصف ما أدى عن الآخر أيضا ; لأنه مع هذا الذي لقيه كفيل عن الآخر بما عليه فينبغي أن يستويا في غرم الكفالة وذلك في أن يرجع عليه بنصف ما أدى عن الآخر

وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه رجلان على أن يأخذ الطالب أيهما شاء فأدى أحدهما مائة فقال هذه من حصة صاحبي الكفيل معي ; لم يكن على ما قال ولكنها من جميع المال يرجع على صاحبه بنصفها ; لأن بهذا اللفظ يصير كل واحد منهما مطالبا بجميع المال ويصير كل واحد منهما ضامنا للأصيل عن صاحبه ، فإذا جعل المؤدي ما أدى عن صاحبه كان لصاحبه أن يجعل ذلك عنه فيؤدي إلى الدور ولكن الوجه فيه أنهما لما استويا في الغرم وذلك في أن يرجع على صاحبه بنصفها ، وإن شاء على الأصيل بجميعها
وإذا كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فلزم أحدهما فأعطاه بها كفيلا ثم أداها الكفيل ; فله أن يرجع بها على الذي أمره بالكفالة خاصة ; لأن الذي أمره بالكفالة مستقرض لذمته ابتداء بالتزام المطالبة فيها ولما له بأداء ما التزم . وثبوت حق الرجوع للمقرض على المستقرض ، لا على غيره والغريم الذي لم يأمره بالكفالة لم يستقرض منه شيئا ففي حقه يجعل كأنه لم يأمره أحد بالكفالة فلهذا لا يرجع المؤدي عليه ولكن إذا رجع على الذي أمره بالكفالة فأخذها منه كان للآمر أن يرجع على صاحبه بالنصف ; لأنه صار مؤديا المال بطريق الاستقراض الذي قلنا . وقد تم ذلك بأدائه ما استقرض وهو في النصف كان كفيلا بأمره فيرجع عليه بعد الأداء كما لو كان أدى بنفسه إلى الطالب ، وإن كانا طلبا إليه [ ص: 41 ] أن يكفل بها عنهما ففعل ، ولم يشترط عليه أن بعضهم كفلاء عن بعض فأداها الكفيل عنهما ; رجع على كل واحد منهما بالنصف ; لأنه لما التزم بالكفالة المال عنهما جملة ; كان كفيلا عن كل واحد منهما بنصف المال كما هو قصد مطلق الإضافة إلى اثنين وعند الأداء إنما يرجع كل واحد منهما بما كفل عنه . ولأن كل واحد منهما في النصف أصيل وكفالته عنه إنما تكون فيما هو أصيل فيه ولو كان في الشرط حين كفلوا بعضهم كفلاء عن بعض فأدى الآخر الألف فإن شاء رجع على كل واحد منهما بنصف ما أدى إذا لقياهما ، وإن شاء رجع على أحدهما إذا لقيه بثلاثة أرباع ما أدى أما النصف فلأنه كفل به عن هذا الذي لقيه وأداه فيرجع به عليه وأما النصف الآخر فلأن المؤدي مع الذي لقيه كفيلان به عن الآخر ; إذ هو موجب الشرط المذكور في قوله : على أن بعضهم كفلاء عن البعض فينبغي أن يستويا في الغرم بسبب هذه الكفالة وذلك في أن يرجع بنصف ذلك ثم إذا لقيا الثالث رجعا عليه بنصف المال ; لأنهما أديا ذلك عنه بكفالة تلزمه فيكون ذلك بينهما نصفين
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه بها فأخذ الطالب أحدهما فأعطاه كفيلا بالمال كله ثم أخذ الآخر فأعطاه ذلك الكفيل بالمال ثم أدى الكفيل المال ; فله أن يرجع على أيهما شاء بالألف كلها ; لأن كل واحد منهما كان مطلوبا بجميع المال . والكفيل كفيل عن كل واحد منهما بجميع المال بعقد على حدة فعند الأداء كان حق البيان إليه يجعل أداؤه عن أيهما شاء فيرجع عليه بالكل . وهو نظير ما لو كان لرجل على رجل ألف درهم في صك وبه رهن وألف في صك آخر وبه رهن آخر فأدى ألف درهم كان له أن يجعل ذلك عن أي الصكين شاء فيسترد ذلك الرهن فكذلك إذا أدى الكفيل هنا . ( ألا ترى ) أنه بعد كفالته عنه لو أدى كان له أن يرجع بالكل عليه فلا يتغير ذلك الحكم بالكفالة عن الثاني ولكن يثبت في حق الثاني ما هو ثابت في حق الأول لاستوائهما في المعنى .

فإن لم يؤد شيئا حتى لزمهم الطالب فجعل بعضهم كفلاء عن بعض ثم أداها الكفيل ثم أخذ أحدهما ; رجع عليه بثلاثة أرباع المال ; لأن هذه الكفالة الأخيرة تنقض ما كان قبلها ; لأن التي كانت قبلها في عقدين مختلفين والكفيل كفيل عن كل واحد منهما بالكل وهذا الثاني عقد واحد وكل واحد منهم فيه كفيل مع صاحبه عن الآخر فإقدامهم على العقد الثاني يكون نقضا منهم لما كان قبله وتمام ذلك العقد كان بهم وإليهم نقضه أيضا بمنزلة ما لو باعه شيئا بألف درهم ثم جدد بيعا بألفين [ ص: 42 ] ينتقض البيع الأول بالبيع الثاني فإذا ثبت هذا صارت هذه المسألة - بحالها - والمسألة الأولى سواء ; لأن الكفيل الآخر يرجع على أحدهما بنصف ما أدى لكفالته عنه وبنصف النصف الآخر ; لأنهما مستويان في الكفالة عن الثالث بهذا النصف


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.03 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]