
22-12-2025, 04:07 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,783
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون
صـــ 22الى صـــ 31
(408)
وكذلك لو كفل بنفسه وضمن ما ذاب عليه أو جعله كفيلا بنفسه وكيلا في خصومته وهذا بخلاف كفالة المولى عن المكاتب ; لأن دين المولى على مكاتبه لا يقوى حتى يملك المكاتب إسقاطه بالتعجيز فأما دين المكاتب على مولاه فقوي فإن المولى لا يملك إسقاطه إلا بالأداء فلهذا صحت الكفالة به ، وكذلك لو كفل عن المولى بدين لابن المكاتب أو أبعد من ذلك . وابن المكاتب بمنزلة المكاتب ; لأن من دخل في كتابته فهو مكاتب للمولى والمستسعى في بعض قيمته بعد ما عتق بعضه بمنزلة المكاتب . وفي قول أبي حنيفة - رحمه الله - لا يجوز كفالة أحد عنه بالسعاية لمولاه ولا بنفسه . فإن قيل : المعنى الذي لأجله لا تجوز الكفالة ببدل الكتابة عن المكاتب للمولى ; لأنه ضعيف يملك المكاتب إسقاطه بالتعجيز وهذا لا يوجد في السعاية فإنه لا يملك إسقاطه بالتعجيز إذ ليس له أن يعجز نفسه فينبغي أن تصح الكفالة .
قلنا بل المعنى أن المكاتب عبد ولا يقوى دين المولى في ذمته ; لأنه ليس للعبد ذمة قوية في حق مولاه وهذا موجود هنا فالمستسعى عنده بمنزلة المكاتب ; لأن الرق يتجزأ عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يعتق نصيبه ما لم يؤد حق السعاية وكذلك العتق عند الموت إذا لم يخرج من الثلث فلزمته السعاية فهذه السعاية بمنزلة بدل الكتابة على معنى أنه لا يعتق إلا بأدائها فلا تصح الكفالة بها عند المولى وهذا بخلاف ما إذا أعتق عبده على مال فكفل كفيل للمولى بذلك المال صحت الكفالة ; لأنه عتق هناك بنفس القبول فكان المال دينا قويا في ذمته كسائر الديون والمستسعى لا يعتق إلا بالأداء فلا يكون [ ص: 23 ] المال لازما في ذمته بصفة القوة وهذا ; لأن العتق في الأصل صلة . وكل مال يحصل بأدائه العتق أو يتم بأدائه العتق : يكون في معنى الصلة فلا تصح الكفالة به فأما الواجب بعد تمام العتق فليس فيه معنى الصلة فتصح الكفالة به .
وإذا كان العبد التاجر بين رجلين فأدانه أحدهما دينا وأخذ منه كفيلا به أو بنفسه فهو جائز غير أنه لا يلزم الكفيل إلا نصف المال ; لأنه إنما يجب على الكفيل بالكفالة ما هو واجب على الأصيل وهو العبد نصف المال ; لأن حصة المولى المدينة لا تجب عليه فإن المولى لا يستوجب الدين على عبده وإنما ثبت بحصة نصيب الآخر ، وذلك نصف المال فوجب على الكفيل ذلك أيضا ، وكذلك لو كان العبد هو الذي ادان أحد مولييه وأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالمال فهو جائز يؤخذ إن كان على العبد دين ; لأن جميع الدين هنا ثابت للعبد على المولى الذي له النصف ; لأنه غير مملوك والنصف الآخر لقيام الدين عليه ، وإن لم يكن عليه دين ثبت نصف الدين عليه وهو نصيب المولى الآخر فأما نصيبه من كسب العبد في خالص حقه فتصح الكفالة عنه للعبد بالنصف هنا دون النصف الآخر
وكذلك شريك المولى شركة مفاوضة لو ادان العبد دينا فأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالدين فهو جائز غير أنه يبطل من حصة المولى من الدين نصفها بقدر ملكه وما سقط عن الأصيل سقط عن الكفيل بقدره .
ولو كان للمولى شريك شركة عنان فادان العبد وأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالدين فهو جائز ; لأن شريكي العنان فيما ليس من شركتهما كسائر الأجانب فكان جميع دينه مستحقا على العبد فتصح الكفالة
ولو أن الموليين جميعا ادانا العبد دينا واحدا بعقد واحد وفي صفقة واحدة فأخذا منه كفيلا بالمال أو بنفسه فهو جائز غير أنه يبطل منه مقدار حصته ; لأنه لا يستوجب الدين على ملكه وبقدر ما يبطل عن الأصيل يبطل عن الكفيل
ولو أن العبد ادان مولييه دينا وأخذ منهما كفيلا به فهو جائز غير أنه يبطل من كل واحد منهما نصف الدين ; لأن نصف كسب العبد خالص كل واحد منهما إذا لم يكن على العبد دين
ولو كان للعبد دين على رجل فكفل به أحد مولييه أو كفل بنفسه فهو جائز يؤخذ به كله إن كان عليه دين ; لأن كسبه حق غرمائه فالموليان منه كسائر الأجانب ، وإن لم يكن عليه دين أخذ بنصفه ; لأن نصف كسبه للمولى الذي كفل ولا يجب له بالكفالة على نفسه فلهذا كان له عليه الكفالة بقدر نصيب شريكه
وإن كفل له الموليان جميعا بمال وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فإن كان على العبد دين فهو جائز ; لأنه إن كفل به أحدهما ; جاز فكذلك إذا كفلا [ ص: 24 ] به ; لأنهما كسائر الأجانب في كسبه وأيهما أدى إليه المال رجع على صاحبه بنصفه ليستويا في غرم الكفالة كما استويا في أصل الكفالة ، وإن لم يكن عليه دين بطل عنهما نصف هذا الدين ; لأن كل واحد منهما مالك لنصف كسبه ولا يملك لنفسه فلهذا بطل عنهما نصف هذا الدين ; لأن كل واحد منهما مالك لنصف كسبه ولا يملك لنفسه بنفسه فلهذا بطل عنهما نصف هذا الدين ولا يكون كل واحد منهما كفيلا من قبل صاحبه ; لأن كل واحد منهما إنما يضمن بأصل الكفالة صاحبه فلا يجوز أن يصير صاحبه كفيلا عنه بذلك إذ يكون كفيلا بنفسه وذلك باطل ولو كفل ما جازت فيه كفالة المسلم عن المسلم والذمي عن الذمي جاز ; لأن الكفالة من المعاملات وأهل الذمة يستوون مع المسلمين في المعاملات
ولو كفل الذمي عن الذمي للذمي بالخمر من قرض أو غصب أو استهلاك صحت الكفالة ; لأن الخمر مال متقوم عندهم فإن أسلم الطالب سقطت الخمر عن الأصيل والكفيل جميعا لا إلى بدل ; لأنه لا يستوجب الخمر ولا قيمتها ابتداء بهذا السبب على أحد فكذلك لا يبقى ما كان واجبا له ويجعل بإسلامه له كمبرئ الأصيل والكفيل جميعا ، وإن أسلم المطلوب فكذلك الجواب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - : وعند محمد - رحمه الله - يجب على المطلوب قيمة الخمر ويبقى الكفيل على كفالته وهي رواية زفر - رحمه الله - وخالفه أبو حنيفة - رحمه الله - ; لأن إسلام المطلوب لا يمنع وجوب قيمة الخمر عليه للذمي ابتداء .
( ألا ترى ) أنه لو استهلك المسلم خمر ذمي أو استقرض من ذمي خمرا فأتلفها كانت مضمونة عليه بالقيمة فكذلك تبقى القيمة على المسلم للذمي وقد جعلنا الطالب بإسلامه كالمبرئ والمطلوب لا يمكن أن يجعل بإسلامه كالمبرئ ; لأنه لا يبرئ نفسه ، وإن لم يبرأ الأصيل لا يبرأ الكفيل فيكون للطالب الخيار إن شاء رجع على الأصيل بقيمة الخمر ، وإن شاء رجع على الكفيل بالخمر ثم الكفيل يرجع على الأصيل بقيمة الخمر إن كان كفل بأمره ووجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - أن الخمر التي هي بدل القرض إذا سقطت بالإسلام تسقط لا إلى بدل كما إذا سقطت بإسلام الطالب وكان المعنى فيه أن الطالب لو استوفى القيمة لكان به مملكا من المطلوب الخمر التي في ذمته ولا يجوز تمليك الخمر من المسلم ببدل فتسقط أصلا ; لأن حق إسقاط البدل متى كان متعلقا بشرط تمليك المبدل . فإذا امتنع ذلك يسقط أصلا كمن هشم قلب فضة لإنسان فلصاحب القلب أن يضمنه قيمته من خلاف جنسه بشرط أن يملكه المهشوم فإذا امتنع من ذلك ; لا يرجع عليه بشيء بخلاف ما إذا كان المطلوب مسلما وقت الاستقراض والاستهلاك فإن أصل الخمر لا تجب في ذمته ابتداء وإنما تجب القيمة ولا [ ص: 25 ] يشترط لوجوب القيمة ملك ما يقابله كمن غصب مدبرا أو أتلفه يضمن قيمته من غير أن يملك المدبر به .
فإذا سقطت عندهما الخمر عن المطلوب لا إلى بدل برئ الكفيل ; لأن إبراء الأصيل يوجب براءة الكفيل ولو أسلم الكفيل خاصة سقطت الخمر عن الكفيل لا إلى بدل في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وأبي يوسف - رحمه الله - ولكن براءة الكفيل لا توجب براءة الأصيل وكانت الخمر للطالب على المطلوب على حالها وعند محمد - رحمه الله - الطالب بالخيار إن شاء رجع على الكفيل بقيمة الخمر ; لأنه مطلوب وإن شاء رجع على الأصيل بالخمر فإن أخذ من الكفيل قيمة الخمر لم يرجع الكفيل على الأصيل بشيء ; لأنه مطالب في حق الأصيل . وإسلام الطالب يسقط الخمر لا إلى بدل وإن أسلموا جميعا يسقط الخمر لا إلى بدل ; لأن في إسلامهم إسلام الطالب وزيادة ، وكذلك إن أسلم الطالب والكفيل أو الطالب والأصيل فإن أسلم الكفيل والأصيل سقطت الخمر لا إلى بدل عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ويتحول إلى القيمة عند محمد - رحمه الله - فإذا استوفاه من الكفيل لم يرجع الكفيل على الأصيل ; لأنه طالب في حقه ولو كانت الخمر من ثمن بيع والمسألة بحالها فإن أسلم الطالب أو المطلوب سقطت الخمر لا إلى بدل بالاتفاق لانفساخ البيع بينهما بإسلام أحدهما قبل قبض الخمر وإن أسلم الكفيل خاصة ; فالبيع يبقى على حاله ويسقط الخمر لا إلى بدل من الكفيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وعند محمد - رحمه الله - يتحول إلى القيمة ; لأن ما في ذمة الكفيل بمنزلة القرض ولو كانت الخمر سلما - والمسألة بحالها - فإن أسلم الطالب والمطلوب سقطت لا إلى بدل لانفساخ العقد بينهما .
وإن أسلم الكفيل يبقى العقد بين رب السلم والمسلم إليه ولكن يبرأ الكفيل بالاتفاق ; لأنه لا يجوز أن يتحول حق رب السلم إلى القيمة دينا في ذمته فإن الاستبدال بالمسلم فيه قبل القبض لا يجوز ولو كانت الخمر صداقا - والمسألة بحالها - فنقول : أما بيان قول أبي حنيفة - رحمه الله - فالصداق إما أن يكون خمرا أو خنزيرا بعينه أو بغير عينه . فإن كان بعينه وقد كفل به كفيل فهو صحيح ; لأن الصداق مضمون بنفسه في يد الزوج . والكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها صحيحة كالمغصوب . وسواء أسلم الزوج والمرأة أو أحدهما أو أسلما جميعا فبقي حقها في العين - كما بيناه في كتاب النكاح - فيكون لها أن تأخذ العين من الزوج ، وإن شاءت طالبت الكفيل بالتسليم ; لأن الزوج لما بقي بالتسليم بعد إسلامه ; يبقى الكفيل مطالبا به أيضا ، وإن كان بغير عينه فإن كان خمرا وأسلمت المرأة فحقها في ذمة الزوج في قيمة الخمر ويبرأ الكفيل من [ ص: 26 ] الكفالة ; لأنها طالبته . وما في ذمة الكفيل بمنزلة بدل القرض فإنه غير واجب بالنكاح بل إنما وجب بالكفالة فيسقط بإسلام الطالب لا إلى بدل فأما في ذمة الزوج فصداق .
وإسلامها يحول الحق إلى قيمة الخمر في صداق بغير عينه عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن أسلم الزوج فحقها عليه في قيمة الخمر ، وإن شاءت طالبت الكفيل بالخمر ; لأن الأصيل ما برئ بإسلامه بل تحول إلى القيمة في حقه لتعذر تسليم عين الخمر عليه ولم يتعذر ذلك على الكفيل فإن استوفت الخمر من الكفيل لم يكن للكفيل أن يرجع على الزوج بشيء ; لأنه بمنزلة المقرض من الأصيل وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إسلام المستقرض يسقط الخمر لا إلى بدل وإن أسلم الكفيل فإنها ترجع على الزوج بالخمر وقد برئ الكفيل ; لأن ما في ذمته بمنزلة القرض وإسلام المطلوب عنده يسقط الخمر لا إلى بدل ، وإن كان خنزيرا بغير عينه فإن أسلمت المرأة فلها مهر مثلها على الزوج ولا شيء على الكفيل من ذلك ; لأن الخنزير قد سقط ومهر المثل دين حادث على الزوج والكفيل لم يكفل به ، وإن أسلم الزوج فكذلك الجواب ; لأن الزوج قد برئ عن الخنزير أصلا فيبرأ الكفيل ببراءته ومهر المثل دين حادث على الزوج فليس على الكفيل منه شيء وإن أسلم الكفيل سقط عنه الخنزير لا إلى بدل ولها على الزوج الخنزير أو قيمته على حاله فأما على قول أبي يوسف - رحمه الله - فالجواب في الفصول كلها كما هو قول أبي حنيفة - رحمه الله - في الخنزير بعينه وعلى قول محمد - رحمه الله - الجواب في الفصول كلها كجواب أبي حنيفة - رحمه الله - في الخمر بغير عينها إلا في فصلين : ( أحدهما ) فيما إذا أسلم الزوج وأدى الكفيل عين الخمر فعند محمد رحمه الله يرجع الكفيل على الزوج بقيمة الخمر ; لأنه مطلوب في حقه وإسلام المطلوب عند محمد رحمه الله يسقط الخمر إلى القيمة ( والثاني ) فيما إذا أسلم الكفيل عند محمد - رحمه الله - فلها الخيار : إن شاءت ; رجعت على الزوج بالخمر ، وإن شاءت ; على الكفيل بقيمة الخمر ; لأن الكفيل مطلوب في حقها وإسلام المطلوب عنده يسقط الخمر إلى القيمة .
ولو كفل الذمي بالخمر عن الذمي لمسلم فهو باطل ; لأن المسلم لا يستوجب الخمر دينا على أحد ولا يكون له الخمر أيضا عينا مضمونة على أحد فلا تصح الكفالة بها له ، وكذلك إن كفل عن مسلم لذمي بخمر ; لأن الخمر لا يكون دينا في ذمة المسلم لأحد . والكفالة بما ليس بواجب في ذمة الأصيل باطلة ، وكذلك لوكفل مسلم لذمي عن ذمي بخمر فهو باطل ; لأن المسلم لا يلتزم الخمر بشيء من العقود لأحد فكذلك بالكفالة ; لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم .
وكفالة الذمي بالخمر للعبد التاجر الذمي [ ص: 27 ] والمكاتب الذمي جائزة ، وإن كان مولاهما مسلما ; لأنهما يتصرفان لأنفسهما . والمعتبر في التصرف في الخمر في حقهما : دينهما لا دين مولاهما . فإن كانا ذميين ; جازت الكفالة لهما بالخمر كما لو كانا حربيين
وإذا كاتب الذمي عبدين له ذميين على خمر مسماة وكل واحد منهما كفيل عن الآخر فأسلم أحدهما ; صارت كلها قيمة ; لأن جواز العقد كان باعتبار أنهما في هذا العقد كشخص واحد ولولا ذلك ; لم يصح لاعتبار معنى الكفالة فإذا كانا كشخص واحد يجعل إسلام أحدهما في حكم التحول من الخمر إلى القيمة كإسلامهما .
توضيحه : أنه لا يعتق واحد منهما إلا إذا أدى جميع البدل إلى المولى ولو تحول نصيب المسلم منهما إلى القيمة وبقي نصيب النصراني منهما خمرا لتميز ما على أحدهما مما على الآخر فيعتق أحدهما بأداء ما عليه وذلك خلاف شرط المولى فإما أن يبقى الكل خمرا أو يتحول قيمة . وإبقاؤه خمرا بعد إسلام أحدهما لا يصح فيتحول الكل إلى القيمة ، وكذلك إذا كان عبد واحد مكاتب لذميين على خمر فأسلم أحدهما لما بينا أنه لا يتميز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر وقد صح تحول نصيب المسلم منهما إلى القيمة فيتحول نصيب الآخر - أيضا - ضرورة
ولو كاتب النصراني عبدا مسلما وعبدا نصرانيا على خمر وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه لم يجز ; لأنهما كشخص واحد في هذا العقد وقد بطل نصيب المسلم فكذلك النصراني إذ لو جوزنا العقد في نصيب النصراني لا يبقى جعل المسلم كفيلا به والمولى ما رضي إلا بذلك ،
ولو غصب ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا فكفل به عنه مسلم لم يجز إن كانا قائمين ; لأن المسلم كما لا يلتزم الخمر والخنزير في ذمته دينا بالعقد ; فكذلك لا يلتزم تسليم عيني الخمر والخنزير بالعقد ، وإن كانا قد هلكا قبل الكفالة صارت الكفالة بما عليه من ضمان الخنزير ولم يجز في الخمر ; لأن الخمر مضمونة على الغاصب بالمثل فالكفيل المسلم إنما يلتزم الخمر في ذمته بالكفالة وذلك لا يجوز .
فأما الخنزير فمضمون بالقيمة والقيمة دراهم فصح التزام ذلك بالكفالة ولو كان الغاصب مسلما جازت كفالته عنه في الخمر أيضا بعد هلاكها ; لأن خمر الذمي مضمونة على المسلم بالقيمة كالخنزير . والقيمة دراهم فإذا كانت الكفالة تكون بالقيمة بعد هلاكها ; فهذا مسلم التزم دراهم هي دين على الأصيل بالكفالة وذلك صحيح
باب الكفالة بالمال
( قال - رحمه الله - ) : وفيه حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 28 ] يقول : { العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم . } والمنحة نوع من العارية ، ولكن فيها معنى العطية فإن من أعار غيره شاة أو ناقة ليشرب لبنها ; يسمي ذلك منحة ولهذا قلنا إن من منح غيره شيئا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدار والدابة والثوب يكون عارية ولا يكون منحة ، وإن منحه شيئا لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ; يكون هبة لا عارية ، والإعارة في مثله تكون قرضا . وفيه دليل أن رد العارية على المستعير ، ورد المنحة على الممنوح له ; لأن منفعة النقل حصلت له وقضاء الدين يستحق على المديون بقوله : والدين مقضي . ومقصوده آخر الحديث - وهو قوله : والزعيم غارم - : معناه الكفيل ضامن أي ضامن لما التزمه من مال أو تسليم نفس على معنى أنه مطالب به . وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فقال له رجل : إذا حل أجل مالك على فلان فلم يوفك مالك ; فهو علي ، أو قال : إن حل فهو علي ; فهو جائز على ما قال ; لأن حلول المال على الأصيل سبب لتوجه المطالبة عليه . والكفالة التزام المطالبة فيجوز إضافتها إلى وقت توجد المطالبة به على الأصيل وتعليقها به ، وكذلك لو قال إن مات فلان قبل أن يوفيك مالك فهو علي ; لأن موت المديون سبب لحلول الأجل وتوجه المطالبة بقضاء الدين .
فيجوز تعليق الكفالة به بخلاف ما إذا علقه بموت رجل آخر وإذا ادعى الكفيل بعد موته أو بعد حلول المال أن المطلوب قد كان قضاه قبل ذلك لم يصدق ; لأن السبب الموجب لتوجه المطالبة على الكفيل قد تقرر وقد يدعي مانعا ما لم يظهر وهو قضاء المطلوب حقه ولو ادعى المطلوب ذلك بنفسه لم يصدق إلا بحجة فكذلك إذا ادعاه الكفيل ولو كان حالا فقال : إن لم يعطك فلان مالك ; فهو علي فتقاضى الطالب المطلوب فلم يعطه ساعة تقاضاه فهو لازم الكفيل ; لأن الشرط امتناع المطلوب من الإعطاء .
وإنما يتحقق بعد ذلك التقاضي فكما تقاضاه وامتنع من الأداء فقد وجد شرط وجوب المال على الكفيل ولأن مقصود الكفيل من هذا دفع مؤنة كثرة التقاضي عن الطالب فإنه يتأدى بذلك وإنما يحصل ذلك إذا صار الكفيل ملتزما عند امتناع المطلوب بعد التقاضي وذكر عن شريح رحمه الله أنه قضى بكفالة وقال : إن الكفيل غارم . وفيه دليل جواز الكفالة مطلقا . لكن لا يكون مستحق التسليم حتى يتحقق أن الكفيل غارم له .
وإذا كفل الرجل عن رجل بمال فللطالب أن يأخذ به أيهما شاء وبمطالبة أحدهما لا يسقط حقه في مطالبة الآخر بخلاف الغاصب مع غاصب الغاصب وقد بينا نوع فرق بينهما . ونوع آخر وهو أن هناك الحق قبل أحدهما فيعين من عليه الحق [ ص: 29 ] باختياره وهنا أصل الدين بعد الكفالة على الأصيل كما كان قبله .
( ألا ترى ) أنه يكتب في الصكوك : لفلان على فلان كذا وفلان به كفيل وموجب الكفالة : زيادة الحق للطالب في المطالبة . وإنما يتحقق ذلك إذا توجهت المطالبة له عليهما ، فلا تكون مطالبة أحدهما مسقطة حقه في مطالبته الآخر فإذا أخذ الكفيل به كان للكفيل أن يأخذ المكفول به فيعامله بحسب ما يعامل ، وليس له أن يأخذ المال من الأصيل حتى يؤديه ; لأنه قبل الأداء مقرض للذمة فلا يرجع بالمال حتى يؤديه فحينئذ يصير به متملكا ما في ذمة الأصيل ولكن إن قضاه الأصيل فهو جائز ; لأن أصل الوجوب ثبت للكفيل على الأصيل ، وإن كان حق الاستيفاء متأخرا إلى أدائه - وتعجل الدين المؤجل صحيح - فإذا قبضه الكفيل وتصرف فيه ; كان ما ربح حلالا له ; لأنه ملك المقبوض ملكا صحيحا فالربح الحاصل لديه يكون له ولو هلك منه كان ضامنا ; لأنه قبضه على وجه اقتضاء الدين الذي له على الأصيل ، وعلى وجه الاقتضاء يكون مضمونا على المقتضي ولو اقتضاه الطالب من الذي عليه وهو الأصيل ; فله أن يرجع على الكفيل بما أعطاه لأنه إنما أعطاه ذلك ليسلم له به ما في ذمته بأن يؤديه الكفيل عنه فإذا لم يسلم له ; كان له أن يرجع عليه بما أعطاه ، ولو لم يكن دفعه إلى الكفيل في الابتداء على طريق القضاء ، ولكن قال : أنت رسولي بها إلى فلان الطالب فهلك من الكفيل ; كان مؤتمنا في ذلك ; لأنه استعمله حين بعث بالمال على يده إلى الطالب ولو استعمل في ذلك غيره كان أمينا فيه فكذلك إذا استعمل الكفيل حتى إذا أداه المطلوب إلى الطالب بعد ذلك ; لا يرجع على الكفيل بشيء ، وإن أدى الكفيل إلى الطالب رجع به على الأصيل . فهلاك الأمانة في يده كهلاكها في يد صاحبها . ولو لم يهلك منه ولكنه عمل به وربح أو وضع كانت الوضيعة عليه ; لأنه مخالف بما صنع . والربح له يتصدق به في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - . وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - يطيب له بمنزلة المودع إذا تصرف في الوديعة وربح .
ولو كان الدين طعاما فأرسل به الأصيل مع الكفيل إلى الطالب فتصرف فيه الكفيل فربح ; فهذا والأول سواء . ولو أعطاه الطعام اقتضاء عما كفل به فباعه وربح فيه فإن أبا حنيفة - رحمه الله - يقول : الربح له ولو تصدق به كان أحب إلي وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يطيب له الربح . فالحاصل أن الكفيل إن قضى الطالب طعامه ; فالربح يطيب له ; لأنه استربح على ملك صحيح له . وإن قضى المطلوب طعامه حتى رجع على الكفيل بالطعام الذي أعطاه فالربح يطيب للكفيل في رواية كتاب البيوع ; لأن أصل ملكه كان صحيحا فبأن وجب عليه الرد بعد [ ص: 30 ] ذلك لا يمكن خبث في الربح ، وفي الجامع الصغير يقول : يرد الأصل ، والربح على الأصيل عند أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأنه إنما رضي بتسليمه إليه بشرط ولم يسلم له ذلك الشرط ولكن مراده : أن يفتي برد الربح عليه من غير أن يجبر عليه في الحكم . وهنا قال : يتصدق بالربح ; لأنه يمكن فيه نوع خبث حين كان قبضه بشرط ولم يسلم ذلك الشرط للمعطي فيؤمر بالتصدق به على سبيل الفتوى بخلاف ما تقدم من الدراهم ; فإنها لا تتعين في العقد فلم يكن ربحه حاصلا على عين المال المقبوض . فأما الطعام يتعين ; فإنما ربح على غير المقبوض فيتمكن فيه الخبث من هذا الوجه .
وإذا قال الرجل للرجل : اكفل عني لفلان بكذا وكذا ; فهذا إقرار منه بالمال إن كفل به أو لم يكفل ; لأنه أمره بالكفالة عنه ولا تكون إلا بعد وجوب المال على الأصيل فإن الكفيل إما أن يلتزم المطالبة بما هو واجب على الأصيل ، أو يقرض ذمته على أن يثبت فيها ما هو واجب في ذمة الأصيل فيقتضي أمره بذلك الإقرار وجوب المال عليه . والثابت بمقتضى النص كالثابت بالنص . فكأنه قال : لفلان علي ألف درهم فاكفل بها عني .
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فكفل بها عنه رجل ولم يسمه في الكفالة إلى أجل فالكفيل بها ضامن للأصيل ، وإن لم يسمه ; لأنه يلتزم المطالبة التي هي على الأصيل . والمطالبة على الأصيل بهذا المال بعد حلول الأجل فكذلك على الكفيل أو يلتزم في ذمته ما هو ثابت في ذمة الأصيل . والثابت في ذمة الأصيل مؤجل إلى سنة . فكذلك لو كان في ذمة الأصيل زيوف تثبت في ذمة الكفيل بتلك الصفة . وهذا بخلاف الشفيع إذا أخذ الدار بالشفعة ، والثمن مؤجل على المشتري لا يثبت الأجل في حق الشفيع ; لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء وهو سبب مبتدأ لوجوب الثمن به على الشفيع ، فلا يثبت الأجل فيه إلا بالشرط .
فأما الكفالة فليست بسبب لوجوب المال بها ابتداء ولكنها التزام لما هو ثابت فلا يثبت إلا بتلك الصفة . فإن مات الكفيل قبل الأجل ; فهو عليه حال يؤخذ من تركته ; لأنه بالموت استغنى عن الأجل ولأنه يتصور لإبقاء الأجل بعد موته ; لأن يد وارثه لا تنبسط في التركة لقيام الدين وربما يهلك قبل حلول الأجل والأجل كان لمنفعة من عليه الدين فإذا أدى إلى الضرر سقط ولكن لا يرجع ورثته على الذي عليه الأصيل حتى يحل الأجل ; لأن الأجل باق في حق الأصيل لبقاء حاجته حتى لا يطالبه الطالب بشيء فكذلك ورثة الكفيل ولو مات الأصيل قبل الأجل حلت عليه ; لاستغنائه عن الأجل ولم يحل على الكفيل لبقاء حاجته إلى الأجل وليس من ضرورة حلوله على الأصيل [ ص: 31 ] سقوط الأجل في حق الكفيل .
( ألا ترى ) أنه لو كان أصل المال حالا ثم أجل الكفيل فيما عليه صح وبقي المال على الأصيل حالا . والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة .
ولو كان لرجل على رجل ألف درهم حالة فكفل بها رجل إلى سنة فهو جائز إلى ذلك الأجل وهذا تأخير عن الذي عليه الأصل قال : ( ألا ترى ) أنه لو كان عليه ذكر حق بألف درهم وفلان كفيل بها إلى سنة كانت عليهما جميعا إلى سنة وعن زفر - رحمه الله - أن المال على الأصيل حال ; لأنه أجل الكفيل خاصة . والتأجيل إسقاط للمطالبة إلى غاية فإذا كان إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل فالتأجيل في حق الكفيل لا يمنع كون المال حالا على الأصيل . ولكنا نقول : إنما أجل الطالب هنا أصل الدين ; لأن الهاء - في قوله : فكفل بها إلى سنة - كناية عن أصل المال . وإضافة التأجيل إلى أصل المال يثبت الأجل في حق الأصيل والكفيل جميعا ، حتى لو أجل الكفيل بما التزم بالكفالة ; يبقى المال حالا على الأصيل .
وهكذا يقول في الإبراء : إذا أضافه إلى أصل المال ; يكون إبراء لهما وإذا أضافه إلى الكفيل خاصة ; يكون موجبا براءة الأصيل .
وإذا كفل له بألف درهم لفلان على أن يعطيها إياه من وديعة لفلان عنده فهو جائز ; لأنه قبل الالتزام بمحل مخصوص وهو أن يؤديه بما في يده ، وذلك صحيح في الكفالة والحوالة جميعا . فإن هلكت الوديعة ; فلا ضمان على الكفيل لانعدام الجناية ولا فرق في حقه بين التزام أداء الوديعة إلى صاحبها أو غريم صاحبها بأمر صاحبها . فإذا لم يضمن الوديعة فقد فات المحل الذي التزم فيه التسليم للطالب . وقد بينا أن فوات المحل مبطل للكفالة .
ولو كان لرجل عند رجل ألف درهم وديعة وعلى رب الوديعة ألف درهم دين وطلب من الذي عنده الوديعة التزام أداء ذمته بمحل مخصوص وهو تقييد مفيد في حقه حتى لا يكون ضامنا في ذمته شيئا بعد هلاك ذلك المال ثم ليس لصاحب الوديعة أن يأخذها من الكفيل لا عن حق الغريم وقد تعلق بها ; ولأنه التزم أداء دينه منها بأمره ولا يتمكن من ذلك إلا بعد كونها في يده . فإذا هلكت برئ الكفيل منها لما بينا والقول قوله في أنها هلكت ; لأنه بقي أمينا في العين بعد هذه الكفالة كما كان قبلها فيكون مقبول القول في هلاكها ، وإن اغتصبها إياه رب الوديعة أو اغتصبها إياه إنسان آخر فاستهلكها ; برئ الكفيل لما بينا أن وجوب الأداء عليه كان مقصورا على العين ما بقيت في يده فإنه ما التزم في ذمته شيئا ، فإذا لم تبق العين في يده لا يكون ضامنا شيئا
وكذلك لو ضمن له ألف درهم على أن يعطيها إياه من ثمن هذه الدار فلم يبعها ; لم يكن عليه ضمان ; لأنه التزم الأداء من محل مخصوص [ ص: 32 ] وهو ثمن الدار ولا يحصل ثمن الدار في يده ما لم يبع الدار وهو لم يلتزم بيعها على ذلك ; فلهذا لا يطالب بشيء ما لم يبع الدار ويقبض الثمن .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|