
22-12-2025, 01:05 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,027
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال
الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (1)
من صـــ 26 الى صـــ 50
الحلقة (2)
ولا يمنعه هذا الأجر إن شاء الله، هل نكتب مثلا:
«سؤالات الدارقطني» تحقيق الحاج حسن تاجر الملابس والخردوات، أو مقاول البناء والتشطيبات؟!
أو «معجم الشيوخ» تحقيق شركة الإسمنت ومواد البناء!
أو «الفقه الإسلامي» من تأليف شركة تسويق الخضار والفاكهة!
أو «الأعمال الكاملة» جمعتها مؤسسة النظافة والصيانة!
وليعذرني قارئي الكريم على هذِه الأمثلة، فقد استشرى الداء، ولم يعد بد من مناقشة هذا الأمر. ولو أخذنا بهذِه الحجة فلننسب أعمال البعثات العلمية التي تتحمل تكاليفها الحكومات إلى رئاسة الجمهورية أو الديوان الملكي أو وزير الخزانة!
٣ - أن الذين عاونوه في العمل قاموا بأعمال ثانوية:
أقول: هذِه الأعمال إما أنها قليلة جدًا فلا بأس بالإشارة فقط إلى فاعليها، أما إذا كانت الأعمال الثانوية مثلا: نسخ المخطوط، ومقابلة النسخ، واستخراج المصادر .. إلى آخره، ثم قام سعادته بالنظر إلى العمل الذي استغرق سنوات ثم تَصَفَّحهُ في ساعات وأبدى ملاحظاته وتوجيهاته، فلا بأس أن يكتب اسمه كإشراف أو اعتنا مع ضرورة كتابة العاملين الحقيقيين لهذا العمل.
٤ - أن الذين عاونوه في العمل مستواهم العلمي لا يليق بأن يضعهم معه، وأنه يصلح الكثير من أخطائهم:
إذا كان الوضع كذلك فلا يستعن بهؤلاء أصلًا أو ليَسْتَغْنِ عنهم بعد معرفة حالهم، أو أن عملهم كان قابلا للتعديل، فليكتب أنه قام بالتصحيح والمراجعة والتعديل. نعم في حالات يكون هناك طلبة علم
تحت التدريب ويعطيهم الشيخ بعض الأعمال ليتمرسوا فيها، ثم إنه قد يراجعها ويفيد منها، وهذِه صورة قليلة بعيدة عن محور كلامي.
٥ - أن بعض الجهات الرسمية لن تدعم هذا العمل إذا وجدت عليه أسماء من جنسيات أخرى.
أقول: وهل من الشرع التدليس على الجهات الرسمية؟ وإن لم يكن من الأمر بد فعلى الجهات الرسمية القيام بالسلوك الصحيح، ولو حاول الجميع في إيصال هذا المعنى لهم لوجدنا استجابة، وهل الجهات الرسمية إلا أنا وأنت أو ابن عمي وابن خالي، وجاري. وإلا فلنترك المجال لمستحقيه من الذين يعملون بأيديهم وتنطبق عليهم شروط هذِه الجهات.
٦ - أنه عمل جماعي هو الذي قام بالإشراف والتوجيه والتمويل وجلب ما يلزم من مخطوطات وكتب وكوادر علمية وفنية (مثل أصحاب المكاتب).
أقول: وما المانع أن يُنسب العمل إلى الجماعة، وقد سبق بيانه.
٧ - أن بعض المشايخ الثقات قد أفتى بذلك:
أقول: وماذا لو أفتى غيرهم بخلاف ذلك؟ ألا يحتاج منا ذلك أن نتبين الحكم الشرعي الراجح؟ أليس واردا أنه قد تم التلبيس على هؤلاء المشايخ؟ أليس واردا عدم إحاطتهم- مع احترامي لهم- بالملابسات الحاصلة، أو أخذهم الأمر وكأن أحد تلاميذهم يقابل معه مؤلَفَهُ المنسوخ من دروسه، أو يصوب له التجارب؟ وهذا أبسط حق للشيخ على تلميذه.
ثم ماذا لو كان الأمر مسألة أخرى متعلقة بحق مادي وأفتاه أحدهم
بأن ليس له حق، وأفتاه غيره بأن له الحق، ألن يدقق في المسألة ويبحث ويجادل ويسأل غير هذا وهذا، وربما يأتي للمخالف بالردود ولهذا بالحجج والبراهين، زاعمًا أنه يحرر المسألة، أليس في ذلك تشبهًا بالمنافقين ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾. إن اختطاف مثل هذِه الفتوى والعمل بها لهو تأسيس بناء على شفا جُرُفٍ هار .. أين تحرير المسألة والوصول لأصلها وبحث فروعها؟ أين تحري الحلال، والبعد عن المشتبهات؟ أين درء المفاسد وسد الذرائع؟ هل هذا فقط متعلق بعوام المسلمين الذين نعظهم ونخاطبهم فننتقد إسرافهم في الحلال، ونرجح وقوعهم في الحرام، ونختار لهم من الأحكام أشدّها، ومن الأعمال أعسرها، حرصا على شدة إيمانهم وقوة عزيمتهم!
* مفاسد هذا العمل بحسب ما رأيتُ:
١ - فيه تدليس وتلبيس على طلبة العلم وعموم المسلمين. واعتياد المفترض فيهم القدوة على الكذب والافتراء.
٢ - احتكار القادرين وأصحاب الأموال وتوجيههم لبعض الأعمال العلمية بحسب ما يرون مع ضعف علمهم.
٣ - إذلال الفقراء من أهل العلم وعدم الإنفاق عليهم ما لم يُشاركوا في هذا التدليس.
٤ - تدهور أحوال مكاتب التحقيق قليلة الحيلة ما لم يُشاركوا في هذا التدليس.
٥ - إسناد الأمور إلى غير أهلها نتيجة الإعتقاد بأنهم أصحاب هذِه الأعمال. ورفع شأنهم العلمي بين عوام المسلمين فيفتونهم بغير علم فيَضلوا ويُضلوا.
٦ - تنافس طلبة العلم الموسرين المبتدئين على إخراج أعمال لا يصل إليها مستواهم العلمي، عن طريق غيرهم، مما يؤدي إلى تصدرهم هذا المجال ودخول العُجب عليهم، وتوقفهم عن طلب العلم، لأنهم طبعا أصبحوا علماء لا يُشق لهم غبار! ولا يصح أن يكونوا في مقام أقل من ذلك.
٧ - دخول أموال لهؤلاء المدلسين لا يستحقونها بما في ذلك التكريم والجوائز والدعوات والندوات والمؤتمرات .. وهذا من أكل الحرام. ويصل الأمر ببعضهم بأن يستحل ما اتفق عليه مع الباحث القائم بالعمل فلا يعطيه حقه رغم أنه يستفيد أضعافًا مضاعفة.
٨ - نشر العداوة والبغضاء والحسد في الأوساط العلمية بين القادرين وغيرهم.
٩ - وأد روح الإبداع والطموح عند المتميزين من طلبة العلم الفقراء ومتوسطي الحال.
١٠ - إقبال الهيئات العلمية الرسمية -والأهلية- وكذلك بعض الجهات التي تحتاج هيئات شرعية، على اتخاذ بعض المزيفين من هؤلاء المدلسين كعلماء أعضاء وكوادر بها، اعتمادا على كم الأعمال وذياع الصيت، ولعَمري إن كثيرًا من علماء المسلمين مات ولم يترك إلا كتابا أو بضعة رسائل، منهم من المتقدمين سيبويه لم يترك إلا «الكتاب»، ومن المتأخرين الشيخ عبد الرزاق عفيفي لم يترك إلا رسائل كانت تدرس في الجامعة.
بالله عليك أخي الكريم هل تُنكر عليَّ خطأً في عبارة واحدة مما
سبق؟ وهل مرت عليك مثل هذِه المفاسد أو سمعت بها قبل ذلك؟
ولست أريد هنا أن أقطع الصلة بين العلماء غير المتفرغين للعمل العلمي وبين طلابهم الذين يستفيدون علميًّا وعمليًّا بمشاركتهم مشايخهم في إنجاز أعمالهم، أو أَنْهى عن معاونة المشايخ والدعاة في تحضير دروسهم ومناظراتهم وخطبهم، بل إن هذا قد يكون واجِبًا في بعض الأحيان، إنما أتحدث عن واقعٍ مرير، وداءٍ انتشر ويزداد انتشارًا بصورةٍ لم نسمع عنها من قبل، ولا يمكن لأحد في مجال البحث والتحقيق والنشر أن يُنكر ذلك، وأظن أن حديثي واضحٌ بما فيه الكفاية فلا تُحَمِّلُّوه ما لا يحتمل. ولا يعني ذلك أن الصورة سوداء، فالحمد لله الخير كثير، وأهل الحق لا زالت لهم الغلبة.
قيل: الكلام السابق يغلب عليه السطحية والبساطة، وليس فيه عُمق وغير مبني على قواعد قوية! قلتُ: نعم فيه شيء من السطحية والبساطة؛ لأن التبحر في الموضوع سيُظهر كثيرًا من الفضائح والطَّامات واللصوصية التي نود أن نضرب عنها -الآن- صفحًا لعل الأمور تسير نحو الأفضل، ونأمل أن ينتشر الوعي بهذا الداء، ليقل خطره وليُعْطَى كل ذي حق حقه، والتعمق في الموضوع قد يؤدي إلى كثير من اللغط والأخذ والرد، وربما اتهام لكثير من الأفاضل بالباطل، فكم من متربصٍ بهم، يتمنى أن يظْهر من عوراتهم ما لا يوجد أصلًا، أو يبالغ في بعض أحوالهم التي لا ترقى لهذا التدليس.
ولا يعني ذلك أيضًا أن هذا هو الداء الوحيد الموجود في الأوساط العلمية، فهناك السرقات العلمية الصريحة ومن آخرها محاولة فردٍ السطو على أعمال لا يقدر عليها إلا فريق كبير، والادعاء بأنه قد أنجز هذا
العمل، ولو قضى عمره كله فيه لما استطاع ذلك، مع ضعفه العلمي وقصور اطلاعه .. لكن مع خبرة كبيرة في الكذب والزور قد ينطلي كلامه على غيرِ أهل النظر والفراسة، «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتبَ عِنْد اللهِ كذابا»، وكما أنَّ هناك أنواعًا مختلفة من اللصوصية ظهرتْ وانتشرف في هذا الحقل تحتاجُ إلى الأخذ على اليد، هناك أمراض أخرى تحتاج إلى نصح ومعالجة، وليس هذا مجال بسطها، وأظن أيضًا أنني قد وضعت نفسي موضعًا لا أُحسد عليه، ربما أتسبب في إغضاب بعض معارفنا، وربما يتخذني البعض غَرَضًا، لكن الحق أحق أن يُتبع، والله أسأل أنْ يُسلمنا وأن يقينا شرور أنفسنا وشرور خَلقه.
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.
فريق العمل على كتاب التوضيح
قد ذكرتهم في واجهة الكتاب، وجميعهم من العاملين بدار الفلاح، وكما أشرف آنفا فهم متفاوتون في المستوى العلمي والفني، إلا أني أود أن أنوه بعمل بعضهم؛ فما كان من تخريجات مطولة فغالبا للأخ أحمد فوزي، وما كان من دقة في تتبع المصادر وتوثيقها فهي للإخوة وائل إمام وحسام كمال وعبد الله فؤاد، ثم ربيع محمد وأحمد عويس، وأكثر المقابلات كانت للأخين خالد مصطفى وعصام حمدي. وأما التعليقات العقدية فأكثرها مني، ومراجعات متن البخاري لي مع الدكتور جمعة فتحي والأخ أحمد روبي، والعمل في مجمله مشترك والأمور السابقة هي للغالب.
وهناك بعض الذين لم أذكرهم لقصر المدة التي قضوها مع الكتاب أو لقلة عملهم فيه، وهم: كمال محمود موسى، ووئام الحوشي، ومحمد رمضان، وأحمد عبد الله محمد علي، وسيد قطب، وشريف عبد اللطيف، ومحمد سعد، وأحمد عبد المجيد، والسيدة/ مها محمود.
شكر وتقدير
أتقدم بوافر الشكر لكل من عاون في إخراج هذا الكتاب ومنهم:
الأخ العزيز محمد طه آل بيوض التميمي بوزارة الأوقاف بقطر، والأخ عبد العزيز الراجحي، بمركز الملك فيصل للمخطوطات بالرياض، الذي يسر لي تصوير ما أحتاجه من نسخ بالمركز، والأخ عبد الرحمن الجميزي الذي تابع لي التصوير من الجامعة الإسلامية، وأخي الشيخ إمام علي إمام، وكذلك الدكتور سليمان العازمي بالكويت. والأخ غنيم عباس صاحب مكتب الكوثر الذي آثر أن نقوم بهذا العمل بعد أن بدأه.
ولا يفوتني أن أشكر الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري على ملاحظاته وتوجيهاته، سواءً المتعلقة مباشرة بالكتاب، أو ما استفدناه من كتبه. والشكر موصول لمشايخنا وأساتذتنا وأصحاب الفضل على:
الدكتور سعد الحميد، والدكتور حمد الشتوي، والشيخ صالح السدلان، نسأل الله أن يبارك فيهم وأن يحفظهم من كل سوء، وأن يغفر لنا ولهم ولكل من له حق علينا.
أما فريق العمل القائم على نشر التراث بوزارة الأوقاف بقطر فقد وجدتُ عندهم من الهمة والدأب والإخلاص ما لم أجده في غيرهم؛ وعلى رأسهم سعادة الوزير، والإخوة: علي المهندي، وعبد الله البكري، وحسن الأصفر وغيرهم ممن لا أعلمهم، ولا يعلمهم آلاف المستفيدين من جهودهم العظيمة، لكن الله يعلمهم، ولا ينفعهم ولا يفيدهم شكري أو ثنائي، والله حسيبهم وهو يجزيهم إن شاء الله بما هو أهله من الثواب الجزيل والأجر العظيم، والآخرة خيرٌ وأبقى.
مقدمة حول السُّنَّة النبوية
* السنه ومكانتها:
إن المتتبع لما كُتب عن السُّنَّة ومكانتها من التشريع، وطرق تدوينها وحفظها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ليجد كمًّا هائلا من المؤلفات القديمة والحديثة التي تفي ببيان هذا الموضوع بما يغني عن التكرار والكتابة فيه، ولكن من العجيب ظهور طوائف معاصرة من المتعالمين الذين يشككون في السُّنة ووجدوا من يناصرهم في السر والعلانية، وأكثرهم -إن لم يكن كلهم- لم يطلع على حجج أهل الإسلام على صحة السنة وسلامة وصولها إلينا، وهذا إما بسبب الإغترار بما يظنون أنهم عليه من علم، أو تسفيههم لأهل الدين، أو أنهم مغرر بهم، أو تأدية بعضهم لدور مطلوب منهم في الحملات المنسقة لمحاربة الإسلام.
وإن كانت هذِه الشبهات ليست بالجديدة فهي أفكار لبعض الفرق الخارجة عن أهل السُّنة والجماعة، ولم تتوقف في وقت من الأوقات؛ إلا أن حدتها تختلف، وكانت قد قلت لفترة طويلة نسبيا، ثم هي منذ سنوات مع تطور وسائل الإعلام تستعر وتثير كثيرًا من الغبار والدخان في محاولة للحد من الصحوة الحديثية الموجودة عند كثير من طلبة العلم في العالم الإسلامي.
وهنا أذكر ما كان يكرره علينا بعض إخواننا في بداية الطلب -تبعا لمنظريهم- من عدم الحاجة للتبحر في علوم الحديث، بحجة أن السابقين قد كفونا مؤونة ذلك ولا حاجة للتدقيق الشديد في روايات السنة والبحث في خباياها، واستبدال ذلك بما هو أكثر نافعا من علوم واقعية -زعموا- تنفع المسلمين ولا تجدد الخلافات المذهبية التي عفا عليها الزمان.
ولك أن تتصور إلى أي مدًى كان سيصل الحال بالمسلمين لو اتبعوا كلام هؤلاء المنظرين وقصَّروا في تعلم سنة نبيهم، ولوجد المشككون مَرْتعا خصبًا لأفكارهم التي هي بداية لإنكار الإسلام بالتشكيك في أصليه العظيمين: الكتاب والسنة.
وأحب أن أشير إلى أمور في هذا السياق:
الأول: أن من بدايات بدعة إنكار السنة في الأوساط المنتسبة للإسلام بالطريقة المنتشرة هذِه الأيام كانت من المعتزلة، فإنهم غلوا في شأن العقل، وجعلوه هو العالِم بحسن الفعل وقبحه، وصار الاستدلال بالقرآن والسُّنة عندهم اعتضادًا لا اعتمادًا، وردُّوا الأحاديث غير الموافقة لأغراضهم ومذاهبهم، وهذا هو عين فكر منكري السُّنة اليوم؛ لذا تجد الفريقين قد اشتركا في التشكيك في منزلة الصحاح، وفي إنكار عذاب القبر والميزان ورؤية الله في الآخرة .. وغير ذلك من البدع المشهورة عنهم. وأنكر حجية السنة أيضًا الخوارج والروافض.
الثانى: أن التسليم بهذا القول يترتب عليه فساد أصل الدين والاعتقاد، بل والرسالة كلها، فلو كان الأمر كما يظنون فكان يكفي أن ينزل القرآن من عند الله بطريقة ما وقد تكفل سبحانه بحفظه، ولا حاجة لرسول أو لتطبيق عملي لهذا الكتاب لأننا سننكر هذا التطبيق لو وصل إلينا، ومفاسد هذا القول أكثر من أن تُحصى، وأقل
ما يُقال أنها فكرة شيطانية لاجتثاث الإسلام وتدميره ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].
الثالث: يمكننا القول أن عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة هو قسيم لبدعة إنكار السنة وقرينها، فحجج منكري السنة تقف عاجزة أمام كثير من شرائع الإسلام كعدد ركعات الصلاة، ومقدار الزكاة ونصابها .. إلخ، فزيَّن لهم الشيطان أن هذِه سنة عملية أو متواترة لا ننكرها، غير أن منكري الاستدلال بأخبار الآحاد في العقيدة يأخذون بها في غير العقيدة، بل إن كثيرًا منهم يستدل بالأخبار الضعيفة والموضوعة لنصرة مذهبه الفقهي وعمل البدع، وهذا من التناقض العجيب، فأحاديث الآحاد الصحيحة لا يأخذون بها في جانب، والموضوعات والواهيات يستدلون بها في جانب آخر!.
وبهذا البيان السابق لا أجد حرجا أن تتضمن مقدمة هذا الكتاب لمحة موجزة ومفيدة عن هذا الموضوع.
فصل فى أهميه علم الحديث
اعلم أنَّ أنف العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دِقّها وجلّها، وأسوة جملة الأحكامِ وأُسَّها، وقاعدة جميع العقائد وأصلها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارِّها وقارها، هو علم الحديث الشريف الذي تُعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأثر، وهو ملاك كل أمر ونهي، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء، فطوبى لمن جدَّ فيه، وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم والنواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من درِّه، ولم يَخُض في بحْرِه، ولم يقتطف من زهْرِهِ، ثم تعرَّض للكلام في المسائل والأحكام، فقد جار في ما حكم، وقال على الله ما لم يعلم، كيف وهو كلام رسول الله - ﷺ -، والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين .. وهو تلو كلام الله تعالى، وثاني أدلة الأحكام، فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأثرها وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذلك الكشفيات العقليات بنقيرها وقطميرها، تتوقف على بيانه - ﷺ - .. فكل قول يصدقه خبر الرسول - ﷺ - فهو الأصح للقبول، وكل ما لا يساعده
الحديث والقرآن، فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان، .. وما الحق إلا فيما قاله - ﷺ - أو عمل به، أو قرره أو أشار إليه، أو تفكَّر فيه، أو خطر بباله، أو هجس بخلده واستقام عليه، .. فياله من علمٍ سيط بدمه الحق والهُدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العُلى (١).
* أهمية الإسناد وفضله، وبيان أنه من خصائص هذه الأمة:
لقد خص الله -سبحانه وتعالى- هذِه الأمة المحمدية بالإسناد، وأن الوقائع كانت تروى بالسند المتصل ساعة حدوثها إلى أن استودعت في بطون الكتب، ينقلها الرواة طبقة بعد طبقة، وهذا الإسناد لا يوجد عند الأمم الأخرى، حيث أغفلته، ولم تتنبه إليه.
قال أبو عليّ الجيّاني ت ٤٩٨ هـ: «خص الله تعالى هذِه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قبلَها: الإسناد، والأنساب، والإعراب» (٢)، وروي هذا أيضًا عن أبي بكر محمد بن أحمد.
وقال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله قد أكرم هذِه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم.
فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات.
وهذِه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم؛ ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط،(١) «الحطة في ذكر الصحاح الستة» ص ٣٥، ٣٦ بتصرف يسير.
(٢) «تدريب الراوي» ٢/ ١٦٠.
والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًّا، فهذا من أفضل نعم الله على هذِه الأمة، فلْيُوزع الله شكر هذِه النعمة.
وقال أبو حاتم الرازي ت ٢٧٧ هـ: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسول إلا في هذِه الأمة (١).
ويقول عبد الله بن طاهر ت ٢٣٠ هـ: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمنى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله -سبحانه وتعالى- لأمة محمد - ﷺ - (٢).
وقال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: مَثَل الذي يطلب العلم بلا حجة- يعني: بلا إسناد- مَثَل حاطب ليل يجمع حزمة حطب فيه أفعى يلدغه وهو لا يدري (٣).
وقال يزيد بن زريع ت ١٨٣ هـ: لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد.
ويقول عبد الله بن المبارك ت ١٨١ هـ: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٤).
وعنه أيضًا: مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم.
(١) «فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٣.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٤.
(٣) «المدخل إلى الصحيح» للحاكم ص ٢، «فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٤.
(٤) مقدمة «صحيح مسلم» باب: بيان أن الإسناد من الدين. «الإلماع إلى معرفة أصول الهداية وتقييد السماع» للقاضي عياض ص ١٩٤، «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٤٠.
ويقول أيضًا: بيننا وبين القوم القوائم، يعني: الإسناد (١).
وسئل عن حديث عن الحجاج بن دينار، عن النبي - ﷺ - فقال: إن بين الحجاج وبين النبي - ﷺ - مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (٢).
وقال حماد بن زيد ت ١٧٩ هـ: وقد ذاكره بقية بن الوليد بأحاديث، فقال حماد: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: أسانيد (٣).
وقال مالك بن أنس ت ١٧٩ هـ: في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال: قول الرجل: أخبرني أبي عن جدي .. إلخ.
يقصد الرواية بالسند المتصل (٤).
وقال سفيان الثوري ت ١٦١ هـ: الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟! (٥).
وقال شعبة بن الحجاج ت ١٦٠ هـ: كل علم ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل. يريد بالعلم هنا: الحديث (٦).
(١) قوائم الحديث: يعني: إسناده، فجعل ابن المبارك الحديث كالبيت لا يستقيم بدون أعمدة أو قوائم فكذا الحديث. والأثر رواه مسلم في المقدمة باب: بيان أن الإسناد من الدين.
(٢) المفاوز: الأرض البعيدة عن العمران والماء ويخشى فيها الهلاك، وهذِه العبارة فيها استعارة جميلة. لأن الحجاج من تابعي التابعين، فأقلُّ ما يمكن أن يكون بينه وبين الرسول - ﷺ - اثنان: التابعي والصحابي، ولذا قال: مفاوز، أي: انقطاع كبير.
(٣) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٤.
(٤) «المدخل» للحاكم ص ٢.
(٥) رواه السمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» ص ٨.
(٦) رواه الخطيب في «الكفاية في علم الرواية» هـ ٢٨٣ باب: ما جاء في عبارة الرواية. والسمعاني في «أدب الإملاء الاستملاء» ص ٧، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص ٥١٧ باب: القول في التحديث والإخبار.
وقال الأوزاعي ت ١٥٧ هـ: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد.
وقال عبد الله بن عون ت ١٥١ هـ: كان الحسن البصري يحدثنا بأحاديث لو كان أسندها كان أحب إلينا.
وقال أبو سعيد الحداد (١) ت ٢٢١ هـ: الإسناد مثل الدرج، ومثل المراقي، فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت (٢).
وقال مطر الوراق ت ١٢٥ هـ: في قوله الله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]. قال: إسناد الحديث.
* مكانة السنة:
القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين، والسُّنة هي الأصل الثاني،
ومنزلة السُّنة من القرآن أنها مبيِّنه وشارحة له تُفصل مُجْمله، وتوضح
مُشْكله، وتقيِّد مُطلقه، وتُخصص عامَّه، وتَبْسُط ما فيه من إيجاز.
* حجيتها:
قال الشوكاني: إن ثبوت حجية السُّنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يُخالِف في ذلك إلا مَنْ لا حظَّ له في الإسلام. (٣)
ولم يُخالف في الاحتجاج بالسنة إلا الخوارج والروافض، وخالف المعتزلة بتحكيم عقلهم في السنة، فتمسك هؤلاء بما بدا لهم من فهم لظاهر القرآن وأهملوا السنن، فضلوا وأضلوا، وحادوا عن الصراط
(١) هو أحمد بن داود الواسطي.
(٢) رواه الخطيب في «الكفاية في علم الرواية» ص ٣٩٣.
(٣) «إرشاد الفحول» ص ٢٩.
المستقيم.
وقد استفاض القرآن والسُّنَّه الصحيحة الثابتة بحجية كل ما ثبت عن الرسول - ﷺ -، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فهل قال أحد أن الأمر باتباع النبي - ﷺ - متعلق بحياته فقط؟ وإذا كان الأمر باق، فهل يأمرنا الله -عز وجل- بشيء مبهم وغير موجود لو اعتبرنا أن السنة الحقيقية غير موجودة!
قد قال -عز وجل- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فإذا كان الأمر كما يظن منكرو السنه فما فائده أمر الله لرسوله ببيان القرآن؟!
الإمام البخاري
وكتابه الصحيح
الإمام البخارى وكتابه الصحيح
* عصر البخاري:
ولد البخاري في أواخر عهد الأمين، وعاش في عهد المأمون والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمستنصر، والمستعين، والمعتز، وبذلك استغرقت حياته النصف الثاني من العصر العباسي الأول، وأوائل العصر العباسي الثاني، وكلاهما كانا من أرقى وأعظم عصور بني العباس.
وقد امتاز العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) بقوة سلطان الخلفاء، وانتشار نفوذهم، فقد كانت لهم الكلمة العليا والسيادة التامة على جميع العالم الإسلامي عدا بلاد الأندلس، وكانت الدولة الإسلامية قوية الشوكة، مهابة الجانب، عزيزة كريمة.
وامتاز هذا العصر أيضًا، بأن أغلب من تولى فيه الخلافة من بني العباس، كانوا من العلماء، يعقدون مجالس العلم ويشاركون فيها بالحوار والمناقشة، كما كانوا يكرمون العلماء ويجلونهم ويقربونهم ويعولون على آرائهم (١) وكان المنصور نفسه من أحسن رواة الحديث، كما ذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» (٢).
(١) «تاريخ آداب اللغة العربية» ٢/ ٢١.
(٢) «البيان والتبيين» ٢/ ١٥٦.
وبلغ الإهتمام بالعلم والعلماء، وانتشار المعرفة والرغبة فيها مداه في عهد المأمون، حيث كثرت مجالس العلماء والحوار والمناظرة، وكان الخليفة نفسه يشارك فيها مما أدى إلى إطلاق الفكر من قيود التقليد، وانتشار الحرية الدينية، فظهرت البدع والفرق، وتأثر المأمون بآراء المعتزلة في القول بخلق القرآن وانتصر لهم (١).
ودعا العلماء والفقهاء إلى القول بذلك، فحصلت الفتنة وأوذي فيها خلق كثير، وعلى رأسهم الإمام ابن حنبل والإمام البخاري فيما بعد.
وقد ظل الناس مفتونين مضطهدين بمقولة خلق القرآن، مدة طويلة حتى عهد المتوكل، فهو الذي أمر برفع هذِه المحنة، وترك الناس أحرارًا فيما يعتقدون.
وامتاز هذا العصر أيضًا بأن المسلمين نقلوا فيه إلى لغتهم، ما كان معروفًا من العلم والطبيعة والطب والرياضيات عن سائر الأمم المتمدنة كاليونان والفرس والهند، حتى قيل بأن ما نقله العرب في قرن لم يستطع نقله الفرس في قرون. وفي هذا العصر أيضًا ازدهر علم الأرصاد وتطور، وبدأت الفلسفة تنتشر وتنمو، وظهر فلاسفة كبار كيعقوب بن إسحاق الكندي وغيره.
ويمكن القول بأنه في العصر العباسي الأول، توطدت دعائم الفقه وازدهر، ونقل إلى العربية أغلب علوم اليونان والفرس والهند، وظهر علم الكلام وأخذ ينتشر.
أما العصر العباسي الثاني (٢٣٢ - ٣٣٤ هـ) فيبتدئ بخلافة المتوكل، ومحاولته كبح جماح الموالي ونفوذ الأتراك، الذي أخذ يطغى أواخر
(١) «تاريخ آداب اللغة العربية» ٢/ ٢٢، ٢٣.
العصر العباسي الأول، لكن المتوكل عجز عن ذلك لقوة نفوذهم في القصر والدواوين، وسيطرتهم على أغلب مواقع الدولة ونشاطها، حتى أصبحت كلمتهم هي العليا، مما أدى إلى انقسامات في الصفوف بسبب الصراع بين الطبقات، وخاصة بين الموالي والعرب الذين أبعدوا عن مناصبهم (١).
ومن الناحية العلمية، فقد أراح المتوكل الأمة من محنة القول بخلق القرآن، فرفعها وأبطل الجدال فيها (٢). وأمر العلماء بالحديث وإظهار السنة.
كما ظلت العلوم في ازدهار وتقدم مطرد. وكثرت مجالس العلم وانتشرف، فازدهرت الفلسفة وعلوم الطبيعيات والمنطق خاصة، وبرزت كثير من الآراء والنظريات العلمية، وتولدت مذاهب فقهية، وتفرع مذهب الاعتزال، وازدهر علم الكلام وعلم التفسير.
وفي هذا العصر بالذات، ازدهر تدوين الحديث وأفرد بالتأليف فيه، خلافًا لما كان عليه الأمر في القرن الثاني، حيث كانت كتب الحديث تجمع بين الصحيح والسقيم، وبين الحديث والفتاوى وأقوال التابعين وغيرها، وكما هو الشأن في «مصنف شعبة بن الحجاج» المتوفى سنة ١٦٠ هـ، و«مصنف الليث بن سعد» المتوفى سنة ١٧٥ هـ، و«موطأ مالك» المتوفى سنة ١٧٩ هـ، و«مصنف سفيان بن عيينة» المتوفى سنة ١٩٨ هـ، وغيرهم (٣).
(١) «تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها» ص ٢٥٢، ٢٥٣.
(٢) «التنبيه والإشراف» ص ٤٠٠.
(٣) «مفتاح السنة» ص ٢٨، ٢٩.
أما في هذا العصر فقد أفرد الحديث بالجمع والتدوين والتأليف وحده دون سواه من فتاوى وأقوال الصحابة والتابعين، وأصبح للحديث كتب يستقل بها وظهر محدثون أئمة كبار، كالإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، حتى يمكننا أن نسمي هذا العصر عهد ازدهار الحديث والمحدثين، وعصر تدوين الحديث وظهور المحدثين وكتبهم كالصحاح والمسانيد والسنن (١).
في هذا العصر الذي تصادمت فيه الملل والنحل، وتكاثرت المذاهب والآراء، وتصارعت الأفكار والمبادئ، وظهر إلى جانب أهل الخير والصلاح في الدين، جماعات من أهل الشر والفساد والإلحاد تحاول الكيد للدين بوضع الأحاديث المختلقة تأكيدًا لمذهب أو انتصارًا لفريق.
وفي كنف أسرة فاضلة متدينة خيرة غنية، قوامها والد عالم ورع محدث، ووالدة فاضلة خيرة صالحة من أصحاب الكرامة والولاية، في هذا العصر وتلك البيئة ولد البخاري وعاش.
(١) «حياة البخاري» ص ٣، ٤.
المترجمون للبخاري
لا تكاد تجد كتابا ترجم لأعلام الإسلام أو الرواة أو العلماء إلا وذَكَر البخاري، بل قد تجد بعض المصنفين يختصر ترجمته اختصارًا كبيرًا لشهرته وكثرة تراجمه وعدم الحاجة إلى تكرارها. ونورد هنا مواضع ترجمته والكتب التي أفردت ترجمته على قدر المستطاع:
«الجرح والتعديل» ٧/ ١٩١ (ت ١٠٨٦)
«تاريخ بغداد» ٢/ ٤
«طبقات الحنابلة» ٢/ ٢٤٢ (ت د. عبد الرحمن العثيمين)
«الأنساب» للسمعاني ٢/ ١٠٠
«اللباب» ١/ ١٢٥
«تهذيب الأسماء واللغات» للنووي ١/ ٦٧، ٧٦
«وفيات الأعيان» ٤/ ١٨٨
«تهذيب الكمال» ٢٤/ ٤٣٠ - ٤٦٨
«العبر» ٢/ ١٢، ١٣
«سير أعلام النبلاء» للذهبي ١٢/ ٣٩١ - ٤٧١.
«تاريخ الإسلام» للذهبي، وفيات سنة ٢٥٦ هـ
«تذكرة الحفاظ» ٢/ ٥٥٥
«الوافي بالوفيات» ٢/ ٢٠٦، ٢٠٩
«مرآة الجنان» ٢/ ١٦٧
«طبقات الشافعية» للسبكي ٢/ ٢١٢
«البداية والنهاية» لابن كثير ١١/ ٢٤
«مقدمة فتح الباري»
«النجوم الزاهرة» ٣/ ٢٥، ٢٦
«طبقات الحفاظ» ٢٤٨، ٢٤٩
«خلاصة تذهيب الكمال» ٣٢٧
«طبقات المفسرين» ٢/ ١٠٠
«شذرات الذهب» لابن العماد ٢/ ١٣٤، ١٣٦
«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زاده ٢/ ١٣٠
«الأعلام» للزركلي
«معجم المؤلفين» لكحالة
وغير هذِه الكتب كثير.
* الكتب التي أفردت البخاري بالترجمة (١):
«أخبار البخاري» للكلاعى (سير ٢٣/ ١٣٦)
«شمائل البخاري» لأبي جعفر بن أبي حاتم الوراق كاتب البخاري
(سير ١٣/ ٣٩٤) لم يطبع، لكن نقل منه كثير ممن ترجم للبخاري، وُيعتبر(١) انظر: «معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي وبيان ما أُلف فيها» تأليف عبد الله بن محمد الحبشي، منشورات المجمع الثقافي -أبو ظبي، الإمارات ١/ ٢٠٥. وفي مواضع من «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٣٩١ - ٤٧١. و«معجم المؤلفين» لكحالة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|