
21-12-2025, 09:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر
صـــ 172الى صـــ 181
(404)
ولو قال علي أن أوفيك به أو إلي أن أوفيك به ; فهو كفيل لأن الموافاة به إحضاره للتسليم وذلك موجب الكفالة وقد التزمه بقوله : علي أو إلي وكذلك لو قال علي أن أكفلك به يعني : علي أن أحضره وأسلمه إليك إذا التقينا وذلك موجب الكفالة وكذلك لو قال هو علي حتى تجتمعا أو تلتقيا لأنه التزام إلى غاية وهو اجتماعهما وذلك موجب الكفالة والتصريح بموجب العقد ينعقد به العقد
وإن قال أنا ضامن لمعرفته فهو باطل ; لأن موجب الكفالة التزام التسليم وهو إنما ضمن المعرفة فهذا بمعنى قوله : أنا ضامن لأن أدخلك عليه أو أوقفك عليه بخلاف ما لو قال أنا ضامن بوجهه لأن الوجه إنما يعبر به عن النفس فكأنه قال أنا ضامن بنفسه
ولو قال أنا ضامن لك أن تجتمعا أو تلتقيا فهو باطل لأن اجتماعهما أو ملاقاتهما فعلهما ولا يكون الإنسان ضامنا لفعل الغير بخلاف قوله : هو علي حتى تجتمعا أو تلتقيا ; لأن قوله هو علي إشارة إلى نفسه فإنه التزم تسليم نفسه إلى هذه الغاية وذلك التزام منه لفعله دون فعل الغير .
وإذا كفل وصي الميت غريما للميت بنفسه من رجل فدفعه الكفيل إلى ورثة الميت أو غريم من غرمائه لم يجز لأنه التزم تسليم النفس إلى الوصي وبالتسليم إلى غيره لا يكون موفيا ما التزمه والمقصود لا يحصل بالتسليم إلى الغرماء وهم لا يتمكنون من إثبات الدين للميت عليه وكذلك الورثة لأن أيديهم لا تنبسط في التركة عند قيام الدين على الميت وإنما الوصي هو الذي يتمكن من إثبات الدين عليه واستيفائه فلهذا لا يبرأ بالتسليم إلى غيره
والكفالة جائزة بالنفس فيما بين الأولاد والأزواج والزوجات وفيما بين الأقارب كجوازها بين الأختين بمنزلة سائر العقود من التبرعات والمعارضات . والكفالة بالنفس أو المال إلى الحصاد والدياس أو إلى الجذاذ أو إلى المهرجان أو إلى النيروز جائزة إلى الأجل الذي سمي لأن ما ذكر من الأجل وإن كان فيه نوع جهالة فهي جهالة مستدركة متقاربة فإن الدياس والحصاد يتقدمان الحر وتأخرهما بامتداد البرد فتكون متقاربة . ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة الكفالة لأنها مبنية على التوسع .
( ألا ترى ) أن الجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة مع أنه هو المقصود بها المعقود عليه ففيما ليس بمعقود عليه - وهو الأجل - أولى وبه فارق البيع فإن الجهالة في المعقود عليه هناك تمنع صحة العقد فكذلك في الأجل المشروط فيه ; لأنه إذن شرط في نفس العقد ولهذا روى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - أنه إذا أجله في الثمن بعد البيع إلى الحصاد أو إلى الدياس يجوز لأنه إذا لم يكن [ ص: 173 ] الأجل مشروطا في العقد لا يصير من العقد ولكن تأثيره في تأخير المطالبة ويجوز تأخير المطالبة إلى هذه كما في الكفالة فإن قيل ما يقولون فيما إذا تزوج امرأة بصداق مؤجل إلى هذا الأجل فإن الصداق يحتمل الجهالة المتقاربة ثم لا يصح اشتراط هذه الآجال فيه ؟ قلنا : جواب هذا الفصل غير مذكور في الكتب وبين مشايخنا - رحمهم الله - فيه خلاف والأصح عندي أنه تثبت هذه الآجال في الصداق لأنه لا شك أن اشتراط هذه الآجال لا يؤثر في أصل النكاح بخلاف البيع فيبقى هذا أجلا في الدين المستحق بالعقد ; لأن في العقد والمهر تحتمل جهالة الصفة فجهالة الأجل أولى ومن يقول لا يثبت تحول ما هو المعقود عليه في النكاح وهو المرأة لا يحتمل الجهالة فكذلك الأجل المشروط فيه بخلاف الكفالة
وكذلك لو قال الكفالة إلى العطاء أو إلى الرزق أو إلى صوم النصارى أو فطرهم فهذا كله جائز بأجل وإن كانت فيه جهالة مستدركة ولو قال إلى أن يقدم المكفول به من سفره ; لأن قدوم المكفول به من سفره منتشر لتسليم نفسه إلى خصمه والتأجيل إلى أن ينتشر التسليم صحيح بخلاف ما لو قال إلى قدوم فلان غير المكفول به ; لأن ذلك غير منتشر لتسليم ما التزمه ; فيكون تعليقا للكفالة بالشرط المحض وذلك باطل كما لو علقه بدخول الدار أو كلام زيد وهذا لأنه إنما يحتمل التعليق ما يجوز أن يحلف به كالطلاق والعتاق ونعني بقولنا باطل أن الشرط باطل فأما الكفالة فصحيحة لأن الكفالة لا تبطل بالشروط الفاسدة كالنكاح ونحوه
وعلى هذا لو كفل به إلى أن تمطر السماء أو إلى أن يمس السماء فالكفالة جائزة والأجل باطل ; لأن ما ذكره ليس من الآجال المعروفة بين التجار ولأن الأجل بذكر الزمان في المستقبل ولا يحصل ذلك بهذا اللفظ لجواز أن يتصل هبوب الريح وإمطار السماء بالكفالة فيبقى شرطا فاسدا فلا تبطل به الكفالة فأما ما ذكر من الحصاد والدياس فذكر زمان في المستقبل لا بالعلم إذ زمان الدياس ليس زمان الحصاد فيصح ذلك على وجه التأجيل
ولو قال أنا كفيل بنفس هذا إلى قدوم فلان وذلك معه في الدين عليهما جازت الكفالة إلى هذا الأجل ; لأن اشتراط قدومه لينتشر الأمر عليه يمكن الطالب من استيفاء الدين منه فكان هذا وما لو شرط قدوم المكفول بنفسه سواء
ولو قال رجل لقوم : اشهدوا أني كفيل لفلان بنفس فلان والطالب غائب فقد بينا أن إنشاء الكفالة بهذه الصفة لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وسواء أجازه الطالب أو لم يجزه فإن قال الطالب حين حضر : قد كنت كفلت لي به قبل ذلك وأنا حاضر وإنما كان هذا اللفظ إقرارا منك بالكفالة وقال [ ص: 174 ] الكفيل : أنشأت الكفالة بهذا اللفظ فلم يصح ; فالقول قول الطالب لأن صيغة كلامه إقرار ولأنا لو حملنا كلامه على الإقرار كان صحيحا ولو حملناه على الإنشاء لم يصح . وكلام العاقل مهما أمكن حمله على وجه صحيح ; يحمل عليه . وكان الظاهر شاهدا للطالب من هذا الوجه
وإذا كفل رجل بنفس رجل على أنه إن لم يوثق به غدا فهو كفيل بنفس فلان لرجل آخر وللطالب قبله حق فذلك جائز إن لم يواف بالأول كان عليه الثاني وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - الآخر فأما على قول أبي يوسف الأول - وهو قول محمد رحمهما الله فالكفالة بنفس الأول صحيحة وبنفس الثاني باطلة نص على الخلاف بعد هذا في الكفالة بالمال . والكفالة بالنفس والكفالة بالمال في هذا سواء . وجه قول محمد - رحمه الله - أن هذه مخاطرة لأنه علق الكفالة بالشرط وتعليقها لا يجوز كما لو قال : إن دخلت الدار فأنا كفيل لك بنفس فلان وهذا بخلاف ما لو كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به فعليه المال الذي له عليه لأن القياس هناك أن لا تصح الكفالة الثانية لكونها مخاطرة وكنا استحسنا للتعامل الجاري بين التجار وهذا ليس في معنى ذلك ; لأن ذلك المال كان سببا للكفالة بالنفس فكان بينهما اتصالا من هذا الوجه فأما الكفالة بنفس عمرو فليست بسبب للكفالة بنفس زيد فلا اتصال بين الكفالتين هنا فوجب اعتبار كل واحدة منهما على حدة والثانية منهما متعلقة بالخطر وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - قالا : تعليق الكفالة بخطر عدم الموافاة صحيح كما لو قال : إن لم أوافك به غدا فعلي ما لك عليه وهذا لأن الكفالتين حصلتا لشخص واحد فكان في تصحيح الثانية تأكيد يوجب الأولى لأن موجبها الموافاة فإذا علم أنه لم يواف به لزمته الكفالة الثانية جد في طلبه ليوافي به حتى يدفع عن نفسه ضرر التزام الكفالة الثانية
ولو قال : أنا كفيل لفلان أو لفلان كان جائزا بدفع أيهما شاء الكفيل إلى المكفول له فيبرأ من الكفالة ; لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحة الكفالة على ما بينه في قوله : ما ثبت لك على فلان فهو علي إن شاء الله تعالى . ثم الكفيل بهذا اللفظ يكون ملتزما تسليم أحدهما إلى الطالب لإقحامه حرف أو بينهما فيكون الخيار في بيان ما التزمه إليه وأيهما سلم فقد وفى بما شرط
وإذا قال رجل لرجل : لفلان على فلان مال فاكفل له بنفسه فقال : قد فعلت ثم بلغ الطالب فقال أجزت فإنه يجوز لأنه عقد جرى بين اثنين ولو كان الملتزم وكيل الطالب كانت الكفالة صحيحة فإذا كان فضوليا توقفت على إجازته فإذا أجاز صار ملتزما وللكفيل أن يخرج من الكفالة قبل قدوم الطالب لأنه يدفع اللزوم عن نفسه عند إجازة [ ص: 175 ] الطالب وللعاقد هذه الولاية في العقد الموقوف إذا فسخه المشتري قبل إجازة المالك وليس للمخاطب أن يبطل هذه الكفالة قبل إجازة الطالب ; لأنه لا يدفع به عن نفسه شيئا فإن عند الإجازة لا يجب على المخاطب شيء بخلاف البائع في البيع الموقوف فإنه يجوز فسخه قبل أن يجيزه المالك لأنه يدفع به عن نفسه ضرر لزوم العهدة إذا أجازه المالك
وإذا وكل رجل رجلا أن يأخذ له من فلان كفيلا بنفسه فأخذ كفيلا بنفسه فإن كان الكفيل كفل للوكيل ; فإن الوكيل يأخذه بذلك دون الموكل لأنه أضاف العقد إلى نفسه بقوله : أكفل لي والتزام الكفيل تسليم نفس المطلوب إليه ; فعليه الوفاء بما التزم وإن كفل به للموكل أخذه الموكل دون الوكيل لأن الوكيل أضاف الكفالة إلى الموكل وجعل نفسه رسولا من جهته والكفيل التزم تسليم نفسه إلى الموكل فإن دفعه في الوجهين جميعا إلى الموكل ; فهو بريء من الكفالة أما في الفصل الثاني : فلا يشكل وأما في الفصل الأول : فالوكيل وإن كان هو الذي يطالب للموكل فإذا سلمه إلى الموكل فقد وفى الحق المستحق عليه إلى مستحقه وهو كالمشتري من الوكيل إذا دفع الثمن إلى الموكل
وإذا ادعى رجل من رجل كفالة بنفس وأراد يمينه فإنه يستحلفه له لأنه يدعي عليه حقا مستحقا لو أقر به لزمه فإذا أنكره يستحلف عليه حتى إذا نكل عن اليمين ; يقام نكوله مقام إقراره فيؤخذ بذلك فإن أخذ به فاستعدى ; على المكفول به أن يحضر فيبرئه عن الكفالة فإن كان المكفول به مقرا بأنه أمره بالكفالة أمر بأن يحضر معه لأنه هو الذي أدخله في هذه الورطة فعليه إخراجه منها ولا طريق للإخراج سوى أن يحضر معه ليسلمه فإن تسليم نفسه لا يتصور بدون نفسه وإن قال : كفل لي ولم آمره وحلف على ذلك لم يجبر على الحضور معه لأنه تبرع بهذا الالتزام ولم يكن مأمورا به من جهة أحد فيقتصر وبال ما التزمه عليه إلا أن يقيم البينة أنه كفل له بأمره فحينئذ : الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم فيؤمر بالحضور معه
وإذا كفل رجل بنفس رجل فمات الطالب فلوصيه أن يأخذه بها لأن الوصي قائم مقام الموصي في حقوقه وكما يطالب الوصي المطلوب بالحق الذي كان عليه للموصي فكذلك يطالب الكفيل ، وإن لم يكن له وصي ; أخذه الورثة ; لأنهم خلفاؤه ، يقومون مقامه في حقوقه وأي الورثة أخذه به فله ذلك ولكن يبرأ الكفيل بدفعه إليه من جهته لا من جهة سائر الورثة حتى أن لهم أن يطالبوه بالتسليم لأن كل واحد منهم يقوم مقام الميت فيما هو من حقه ولا يقوم مقام شركائه في حقوقهم .
( ألا ترى ) أنه لا يقبض من المطلوب إلا مقدار [ ص: 176 ] حصته من المال ، ولو دفع إليه جميع المال لم يبرأ من نصيب سائر الورثة ولو كان على الميت دين يحيط بماله ولم يوص إلى أحد فدفعه الوكيل إلى غرمائه أو إلى الورثة ; لا يبرأ لأن المقصود لا يحصل بالدفع إليهم فإن الغرماء لا يتمكنون من الخصومة معه والورثة كالأجانب إذا كانت التركة مستغرقة بالدين . ولو كان في ماله فضل على الدين وقد أوصى الميت بالثلث فدفع الكفيل المكفول به إلى الغرماء أو إلى الموصي له ; يبرأ إلا أن يدفعه إلى الوصي ; لأنه هو القائم مقام الميت للمطالبة بحقوقه حتى يوصل إلى كل مستحق حقه فأما الموصي له والورثة فحقهم مؤخر عن حق الغرماء والخلافة لكل منهم بقدر حقه فلهذا لا يبرأ إلا بدفعه إلى الوصي ولم يذكر في الكتاب ما إذا دفعه إلى الثلاثة جميعا .
قيل : يبرأ بالدفع إليهم ; لأن الحق لهم لا يعدوهم والأصح أنه لا يبرأ ; لأن الغرماء لا يتمكنون من الخصومة معه فلا يعتبر دفعه إليهم ولا حق للورثة والموصى له ما لم يصل إلى الغرماء حقهم فإذا أدى الورثة الدين والوصية ; جاز الدفع إلى الورثة ، وبرئ الكفيل من كفالته ; لأن المانع من صحة الدفع إليهم قيام حق الموصى له والغريم ، وقد زال ذلك بوصول حقهم إليهم فبقي الحق للورثة فلهذا جاز دفعه إليهم
وإذا كفل رجل لرجلين بنفس رجل ثم دفعه إلى أحدهما برئ من كفالة هذا وكان للآخر أن يأخذه لأنه التزم تسليمه إليهما ، وواحد منهما ليس بنائب عن الآخر في استيفاء حقه ، فلا يبرأ عن حقه بالتسليم إلى الآخر ، ولكن في حق من سلم إليه المقصود لم يحصل بهذا التسليم ; لأنه يتمكن من خصومته وإثبات حقه عليه
وكذلك : وصيان لميت كفلا رجلا بنفسه ، للميت عليه دين فدفعه الكفيل إلى أحد الوصيين برئ منه وكان للآخر أن يأخذه به سواء كانت الكفالة في صفقة واحدة أو في صفقتين ; لأن كل واحد منهما ينفرد بالخصومة فيحصل المقصود بالتسليم إليه فلهذا برئ من حقه . والله أعلم .
باب الكفالة بالنفس فإن لم يواف به فعليه المال
( قال رحمه الله ) : وإذا كان لرجل على رجل مال فكفل رجل بنفس المطلوب فإن لم يواف به إلى وقت كذا فعليه ماله عليه ، وهو كذا . فمضى الأجل قبل أن يوافيه به ; فالمال لازم له عندنا استحسانا وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول لا يلزمه المال ، وهو القياس ; لأنه علق التزام المال بالخطر . وتعلق التزام المال بالخطر باطل ، كالإقرار لأنه إنما يعلق بالأخطار ما يجوز أن يحلف به ولهذا لا يجوز تعليق الكفالة بسائر الشروط فكذلك بخطر عدم الموافاة وللاستحسان [ ص: 177 ] وجهان : أحدهما أنه يحمل على التقديم والتأخير ، فيجعل كأنه كفل بالمال في الحال ثم علق البراءة على الكفالة بالموافاة بنفسه والموافاة تصلح سببا للبراءة عما التزمه بالكفالة .
والتقديم والتأخير في الكلام صحيح . فإذا أمكن في هذا الوجه تصحيح كلامه حمل عليه وللتحرز عن الغاية . والثاني : أن هذا متعارف فيما بين الناس ; فإن رغبة الناس في الكفالة بالنفس أكثر منه بالكفالة بالمال ، فللطالب أن يرضى بأن يكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به يكون كفيلا بالمال حينئذ . وفيه يحصل مقصوده فإنه يجد في طلبه ليسلمه إلى خصمه ، فيتمكن من استيفاء الحق منه وإن لم يفعل يصير كفيلا بالمال فقد بينا أن سبب كفالته بالنفس هو المال الذي ادعاه قبله ، ويكون للحقين اتصال من هذا الوجه فإذا عين الكفالة بأحدهما وأخر الكفالة الثانية إلى وقت عدم الموافاة ; كان صحيحا وإذا لم يواف بنفسه حتى لزمه المال ; لا يبرأ من الكفالة بالنفس ; لأنه لا منافاة بين الكفالتين .
( ألا ترى ) أنه لو كفل بهما معا كان صحيحا . وبعد ما صحت الكفالة بالنفس لا يستفيد البراءة عنها إلا بالموافاة بالنفس ولم يوجد ذلك
وكذلك إن كان قال : فعلي ما لك عليه ولم يسم كم هو ; جاز لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحة الكفالة فإنها مبنية على التوسع مع أن عين الجهالة لا تؤثر في العقد ، وإنما المؤثر جهالة تفضي إلى المنازعة .
( ألا ترى ) أن بيع القفيز من الصبرة جائز ، فإن جهالة القفيز لا تقتضي المنازعة . وهنا الجهالة لا تفضي إلى المنازعة ; لأن الحق الذي له عليه معلوم في نفسه وإن لم يكن معلوما فإعلامه بطريق ممكن فلهذا صحت الكفالة .
( ألا ترى ) أنه لو قال كفلت لك ما أدركك في هذه الجارية التي اشتريت من درك كان جائزا وأصل لحوق الدرك ، وقدر ما يلحقه فيه من الدرك مجهول . وقد اعتاد الناس الكفالة بهذه الصفة
وكذلك لو قال كفلت لك بما أصابك من هذه الشجة التي شجك فلان وهي خطأ كان جائزا . بلغت النفس أو لم تبلغ ومقدار ما التزمه بهذه الكفالة مجهول ; لأنه لا يدري قدر ما يبقى من الشجة وأنه هل يسري إلى النفس أو لا يسري فدل أن مثل هذه الجهالة لا تمنع الكفالة
وكذلك لو قال كفلت بالمال الذي لك عليه إن وافيتك به غدا فإن برئ منه كان جائزا عن المال إذا أسلم نفسه إليه في الغد ; لأن إبراء الكفيل إسقاط محض ، والإسقاط بالتعليق بالشرط كالطلاق والعتاق ولأن الموافاة بنفسه ممكنة للطالب من الوصول إلى حقه فيجعل ذلك قائما مقام وصول حق الطالب إليه في إبراء الكفيل ولكن هذه الإقامة تكون عند الشرط ، فلا تثبت بدون الشرط
وإذا كفل رجل رجلا وقال إن لم أوافيك به غدا ; فعلي ألف درهم ولم يقل [ ص: 178 ] التي لك فمضى الغد ولم يواف به وفلان ينكر أن يكون عليه شيء والطالب يدعي عليه ألف درهم والكفيل ينكر أن يكون له عليه شيء فالمال لازم على الكفيل . في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وفي قوله الأول وهو قول محمد - رحمه الله - لا شيء عليه لأن بمجرد دعوى الطالب لا يثبت المال على واحد منهما ; فكانت هذه رشوة التزمها الكفيل له عند عدم الموافاة . والرشوة حرام ولو جعلناه كأنه قال : فعلي الألف التي لك عليه لزمه المال ، ولو جعلناه كأنه قال فلك علي ألف درهم ابتداء من جهتي ; لم يلزمه شيء والمال لا يجب بالشك ; لعلمنا ببراءة ذمته في الأصل ووقوع الشك في اشتغالها . وحجتهما ما بينا أن الصحة مقصود كل متكلم ، فمهما أمكن حمل كلامه على وجه صحيح ; يجب حمله عليه . ولو حملناه على الالتزام بطريق الرشوة ; لم يصح ، ولو حملناه على الالتزام بطريق الكفالة عن فلان ; كان صحيحا . فعلي ما لك عليه - وهو ألف درهم - موجب حمله على هذا الوجه .
( ألا ترى ) أن من قال لغيره : لك علي ألف درهم ، حمل كلامه على الإقرار ; فيصح ولا يحمل على الالتزام ابتداء ; لأنه إذا حمل عليه لم يصح .
توضيحه : أن أول كلامه كفالة صحيحة عن فلان والأصل : أن ما مبناه على كلام صحيح ; يكون صحيحا على ما بينا هذا في الفرق بين الوجه واليد - إن شاء الله تعالى - وإذا حملنا آخر كلامه على الكفالة ; كان ذلك إقرارا منه بوجوب المال على فلان وإقراره صحيح في حق نفسه ، فلا ينفعه الإنكار بعد ذلك
ولو ادعى الطالب المال وجحد المطلوب وكفل رجل بنفسه فإن لم يواف به غدا ; فعليه الذي ادعى على المطلوب فلو مضى الغد ولم يواف به لزم الكفيل المال عندهم جميعا ; لأنه صرح بالالتزام بطريق الكفالة عن فلان ، وذلك إقرار بوجوب المال على فلان لأن الكفالة لا تصح إلا به . وإقراره حجة على نفسه فإذا أداه رجع به على المطلوب إن كان أمره أن يكفل عنه بالمال وإن لم يأمره بذلك وأمره أن يكفل بالنفس لم يرجع عليه بالمال لأنه متبرع بالكفالة بالمال وهذا عندنا وقال مالك - رحمه الله - الكفيل بالمال إذا أدى يرجع على الأصيل سواء أمره بالكفالة عنه ، أو لم يأمره ; لأن الطالب بالاستيفاء منه يصير كالمملك لذلك المال من الكفيل ، أو كالمقيم له مقام نفسه في استيفاء المال من الأصيل ، ولكنا نقول : تمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز ، وإذا كفل بأمره فبنفس الكفالة يجب المال للطالب على الكفيل كما يجب للكفيل على الأصيل ، ولكن يؤخر إلى أدائه وهذا لا يكون عند كفالته بغير أمره .
والثاني أن عند الكفالة بالأمر يجعل أصل المال كالثابت في ذمة الكفيل عند الأداء يتملكه بالأداء وذلك يصح [ ص: 179 ] عند وجود الرضا من الطالب والمطلوب . وإذا كانت الكفالة بغير أمره لا يمكن إثبات أصل المال في ذمته حتى يتملكه بالأداء ; لانعدام الرضا من المطلوب بذلك ، فلهذا لا يرجع عليه قال وكذلك لو كان المطلوب عبدا تاجرا ; لأنه تبرع عليه والعبد في التبرع عليه كالحر
ولو كفل بنفس المطلوب على أن يوافيه به إذا ادعى به فإن لم يفعل ; فعليه الألف التي له عليه فلو سأله الرجل أن يدفعه إليه فدفعه إليه مكانه فهو بريء من المال لأن شرط التزام المال عدم الموافاة حين يطلبه منه فإذا وافاه به في المجلس الذي طلب منه ; فقد انعدم شرط وجوب المال ، وإن لم يدفعه إليه فقد تقرر شرط وجوب المال فيلزمه وكذلك إن قال : ائتني به العشاء أو الغداء فلم يوافه به على ما قال ; فالمال لازم عليه ; لوجود شرطه
وإن قال الطالب : ائتني به غدوة وقال الكفيل : آتيك به بعد غدوة فأبى الطالب أن يفعل فلم يواف به الكفيل غدوة فالمال عليه ; لأن الكفيل استمهله وله أن يأبى الإمهال فإذا أباه ; بطل ذلك الاستمهال فيبقى عدم الوفاء إلى الوقت الذي طلب منه فيلزمه المال وإن أخره الطالب إلى بعد غد كما قال فقد أجابه إلى ما التمس من الإمهال وصار في التقدير كأنه أمره بالموافاة بعد غد فإذا أوفاه به ; فقد برئ عن المال وإن مضى بعد غد ولم يوافه به ; فعليه المال ،
وإن كان شرط أن يوافيه به عند مكان القاضي فدفعه إليه في السوق أو الكناسة ; فهو بريء من المال ; لأنه أتاه بالموافاة المستحقة عليه فإن التقييد بمكان القاضي غير معتبر لأن المقصود أن يتوصل إلى الخصومة معه وذلك حاصل بالتسليم في المصر . وقد بينا هذه الفصول في الباب المتقدم .
وإن شرط عليه أن يدفعه إليه عند الأمير فدفعه إليه عند القاضي ، أو شرط عليه عند القاضي فدفعه إليه عند الأمير ، أو شرط له عند القاضي فاستعمل قاض غيره فدفعه إليه عنده ; فهو بريء لأنه ليس المقصود بهذا التقييد عين القاضي والأمير . وإنما المقصود : تمكنه من إثبات الحق عليه بالحجة والاستيفاء منه بقوة الوالي ، وفي هذا المقصود : الأمير والقاضي الأول والثاني سواء . وقد بينا أن ما لا يكون مفيدا من التقييد لا يعتبر .
ولو كفل بوجهه على أنه إن لم يواف به غدا ; فعليه ما عليه وهو الألف درهم فهو جائز لا على ما شرط ، ولو كفل بيده أو برجله على هذا الشرط ، كان باطلا لا يلزمه المال فيه . والفرق بينهما أن الكفالة الثابتة بالمال مبنية على الكفالة الأولى بالنفس والكفالة بالنفس بالإضافة إلى الوجه تصح . فإذا صح ما هو الأصل ; صح ما جعل بناء عليه لمعنى وهو أن الكفالة بالمال لا يمكن إثباتها بهذه الصفة مقصودا لأنه علقها بالشرط ، وتعليق الكفالة بالشرط لا يصح وإنما [ ص: 180 ] يصححها اعتبار التبعية للكفالة الأولى وثبوت التبع بثبوت المتبوع ففي الفصل الأول لما صح المتبوع ; صح التبع وفي الفصل الثاني لم يصح المتبوع فلا يمكن تصحيحه التبع ولا يمكن تصحيح الكفالة بالمال مقصودا بهذه الصفة فتعينت جهة البطلان فيه
وإذا كفل رجل بنفس رجل فإن لم يوافه به غدا ; فالمال الذي للطالب على فلان رجل آخر وهو ألف درهم على الكفيل ; فهو جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - الآخر . وفي قول محمد وأبي يوسف - رحمهما الله - الأول : الكفالة بالمال باطلة . ( وهذه الفصول أحدها ) أن يكون الطالب والمطلوب واحدا في الكفالتين فتجوز الكفالتان استحسانا كما بينا ( والثاني ) أن يكون الطالب مختلفا : فتبطل الكفالة بالمال . سواء كان المطلوب واحدا ، أو اثنين . نحو أن يكفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدا فالمال الذي لرجل آخر على هذا المطلوب على الكفيل ، أو المال الذي لرجل آخر سوى الطالب على رجل آخر سوى المطلوب على الكفيل ; فهذا باطل بالاتفاق ; لأن عند اختلاف الطالب الكفالة الثانية لا تكون تابعة للكفالة الأولى ولا يكون تصحيحها مقصودا لأنه تعليق للالتزام بالشرط ; ولأنا عند اتحاد الطالب والمطلوب صححنا الكفالة الثانية حملا لكلامه على معنى التقديم والتأخير ولا يتأتى ذلك عند اختلاف الطالب فأما إذا كان الطالب واحدا والمطلوب اثنين ; فهو على الخلاف كما بينا فمحمد - رحمه الله - يقول : الكفالة الثانية هنا لا يمكن تصحيحها تبعا للكفالة الأولى لأن الكفالة الأولى بنفس غير نفس المطلوب بالمال ولا يمكن أن تجعل الموافاة بنفسه مبرئة له عما التزمه عن آخر فبقيت هذه كفالة مقصودة متعلقة بالشرط ، وهي مخاطرة فلا يصح كما قال في الفصل الثاني . وكذلك لا يمكن تصحيح الكفالة هنا بحمل كلامه على التقديم والتأخير بخلاف ما إذا اتحد المطلوب
فأما أبو يوسف - رحمه الله - فإنه يقول : الكفالة الثانية هنا توقن بحق من وقعت الكفالة الأولى له فيصح كما إذا اتحد المطلوب وهذا لأن الكفالة إنما تقع للطالب . حتى يحتاج إليه قبول الطالب وإذا كان الطالب واحدا أمكن جعل الكفالتين في المعنى ككفالة واحدة وإتباع الثانية للأولى فيحكم بصحتها ، بخلاف ما إذا اختلف الطالب
ولو قال فإن لم أوافك به ; فالمال الذي لك عليه وهو مائة درهم والمال الذي لك على فلان وهو عشرة دنانير : علي فإن ذلك كله عليه عند عدم الموافاة ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وعند محمد - رحمه الله - : عليه المال الذي كان على المطلوب دون الذي على غيره اعتبارا لحالة الجمع بينهما بحال إفراد كل واحد منهما واستشهد لهما بما لو كان عليهما مال واحد [ ص: 181 ] وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فكفل بنفس أحدهما على أنه إن لم يواف به غدا فالمال الذي على فلان وهو كذا علي إن لم أواف به أن ذلك عليه وعذر محمد - رحمه الله - واضح ; لأن المال هنا واحد سواء أضافه إلى المكفول بنفسه أو إلى صاحبه
ولو كفل بنفس رجل للطالب عليه مال فلزم الطالب الكفيل فأخذ منه كفيلا بنفسه على أنه إن لم يواف ; فالمال الذي له على فلان المكفول به الأول عليه ; فهو جائز وهذا عندهم جميعا وعذر محمد - رحمه الله - أن الكفالة بالنفس هنا باعتبار ذلك المال .
( ألا ترى ) أن المطلوب إذا برئ من ذلك المال برئ الكفيل الأول والثاني ; فأمكن تصحيح الكفالة بالمال تبعا للكفالة بالنفس
وإذا كفل رجل بنفس رجل أو بما عليه وهو مائة درهم كان جائزا ; لأنه ردد الالتزام بين شيئين وقد ذكرنا أن مثل هذه الجهالة لا تمنع صحة الالتزام بحكم الكفالة ، والخيار إلى الكفيل وأيهما سلم المال أو النفس برئ ; لأن حرف أو للتخيير ، وعزيمة الكلام في أحدهما
وإذا كفل بنفس فلان أو بما عليه أو بنفس فلان آخر أو بما عليه فهو جائز وأي ذلك دفع الكفيل فهو بريء ; لأن الجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة عند عدم التنصيص فعند التنصيص عليه أولى وأي ذلك دفع فقد وفى بما لزمه
ولو ادعى رجل قبل رجل ألف درهم فأنكرها ثم قال : إن لم أوافك به غدا فهو علي فإن لم يوافه به غدا لا يلزمه شيء ; لأنه تعليق للالتزام بالخطر بمنزلة قوله : إن دخلت دارك فهو علي وهذا بخلاف ما لو كفل رجل بنفس جاحد وقال إن لم أوافك به غدا فالذي تدعي عليه لك علي ; لأن الكفالة بالنفس والمال جائزة ويلزم الكفيل المال إن لم يواف ; لأنه جعل التزام المال تبعا للكفالة بالنفس وقد صحت الكفالة بالنفس فكذلك بالمال . وحقيقة المعنى في الفرق أنه ليس من شرط توجه المطالبة على الكفيل ; وجوب أصل المال في ذمته على ما بينا أن موجب الكفالة المطالبة بما هو في ذمة غيره وهو لما قدم على الكفالة صار كالمقر بوجوب المال في ذمة المطلوب ، وإقراره بذلك ملزم إياه ، - وإن لم يثبت المال له في ذمة المطلوب - بخلاف المطلوب إذا علق الالتزام بعدم موافاته ; لأنه لا يمكن توجه المطالبة عليه إلا بعد وجوب المال في ذمته ولم يوجد منه الإقرار بوجوب المال عليه صريحا ولا دلالة فكانت هذه مخاطرة . حتى لو كان المطلوب أمر الكفيل بالكفالة بهذا الشرط يجب المال به على المطلوب كما يجب على الكفيل
ولو كفل رجلا بنفسه فإن لم يواف به غدا ; فالألف درهم التي لك عليه على فلان آخر سوى الكفيل بالنفس وإقرار الكفيل بالمال بذلك فهو جائز على هذا الشرط ; لأن معنى الاستحسان الذي [ ص: 182 ] ذكرنا في الفصل الأول إذا أضاف الكفالة بالمال إلى نفسه يأتي هنا أيضا وهو أن يحمل كلامه على التقديم والتأخير ، ويجعل كأن أحدهما كفيل بنفس المطلوب ، والآخر بالمال بشرط أن الكفيل بنفسه إن وفى بالنفس برئ الكفيلان جميعا فأيهما صرح بهذا كان جائزا مستقيما ; لأن عند الموافاة بالنفس الطالب يستغني عن الكفالتين ; فلذا تعينت البراءة عن الكفالتين بسبب بعينه عنهما . ولا فرق في ذلك بين أن يكون الكفيل رجلا أو رجلين

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|