
21-12-2025, 06:30 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,744
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر
صـــ 102الى صـــ 111
(397)
قال ولو وكله أن يكاتبه فقال الوكيل وكلني أمس وكاتبته آخر النهار بعد الوكالة وقال رب العبد إنما وكلتك اليوم فالقول قول رب العبد لأنه لو أنكر التوكيل أصلا كان القول قوله فكذلك إذا أنكر التوكيل أمس وإذا لم يثبت التوكيل في الوقت الذي أضاف الوكيل مباشرة العقد إليه كان العقد باطلا ولو قال أي هذين الرجلين كاتبه فهو جائز فأيهما كاتبه جاز وهذا استحسان وقد تقدم بيانه أن الوكالة مبنية على التوسع والجهالة المستدركة فيها تمنع الجواز وكذلك لو قال وكلت أحد هذين الرجلين أن يكاتبه فهذا والأول سواء وأيهما كاتبه جاز
قال ولو وكل رجلا بأن يكاتب عبده فأبى العبد أن يقبل ثم بدا له في قبول ذلك فكاتبه الوكيل جاز لأن بإباء العبد في الابتداء لا ينعزل الوكيل فإن العبد لا يملك عزل الوكيل عن كتابته وإذا بقيت الوكالة نفذت الكتابة بقبول العبد كما لو قبل في الابتداء والله أعلم بالصواب
قال باب وكالة المضارب والشريك فيه رحمه الله وتوكيل المضارب بالبيع والشراء والقبض والخصومة وغير ذلك من أسباب المضاربة جائز لأن للمضارب إقامة الأعمال كلها بنفسه فيحتاج إلى الاستعانة بغيره في بعض الأعمال ولما دفع رب المال إليه المال مضاربة على علمه بذلك فقد صار آذنا له في الاستعانة بالغير فيما يعجز عن مباشرته بنفسه
قال ولو وكل المضارب رجلا أن يشتري له عبدا بالمضاربة فاشترى له أخا رب المال فالشراء جائز على المضارب دون رب المال لأن شراء وكيل المضارب بمنزلة شراء المضارب بنفسه وهو لو اشترى أخا رب المال كان مشتريا لنفسه لأن رب المال إنما أمره أن يشتري بمال المضاربة ما يمكنه أن يبيعه ليحصل الربح بتصرفه وهو لا يحصل بشراء أخي رب المال لأنه لو جاز شراؤه على رب المال عتق عليه فلهذا جعلناه مشتريا لنفسه ويضمن مال المضاربة إذ هو في يمينه قال وإن اشترى أخا المضارب فإن لم يكن فيه فضل [ ص: 103 ] فهو جائز على المضاربة لأن شراء الوكيل كشراء المضارب بنفسه ولو اشترى أخا نفسه بمال المضاربة جاز على المضاربة إن لم يكن فيه فضل لأنه شريك في الربح فإذا لم يحصل الربح لا يملك المضارب شيئا منه فيتمكن من بيعه بعد الشراء وإن كان فيه فضل كان الشراء على المضارب خاصة لأنه لو جاز على المضاربة عتق عليه حصته من الربح فلا يملك بيعه فلهذا كان مشتريا لنفسه
قال وإذا وكل المضارب وكيلا في الخصومة في دين المضاربة فأقر الوكيل عند القاضي أن المضارب قد قبض ذلك الدين فهو جائز إلا على قول زفر رحمه الله لأن الوكيل بالخصومة مطلقا يملك الإقرار ويكون إقراره كإقرار الموكل بنفسه ولو أقر المضارب بين يدي القاضي بقبض الدين الواجب بإدانته صح إقراره فكذلك إقرار وكيله وإن قال المضارب لم أقبضه منه برئ الغريم ولا ضمان على المضارب لأن إقراره الوكيل إنما يصح باعتبار أنه وكيل بجواب الخصم وذلك فيما بين الوكيل والخصم وليس من ضرورة براءة الغريم وصول المال إلى المضارب فلهذا لا يقبل إقرار الوكيل في إيجاب الضمان على المضارب لأنه ما وكل بذلك قال وهذا بمنزلة قول الوكيل قد أخذته فدفعته إليك وقال المضارب لم تدفعه إلي وكذا إقرار الوكيل بالقبض صحيح في براءة الغريم غير مقبول في إيجاب الضمان على المضارب فكذلك هنا قال ولو وكل المضارب رجلا بقبض مال المضاربة من رب المال أو بدفع شيء من المال إلى رب المال كان جائزا لأنه وكله بما يملك مباشرته بنفسه فيصير الوكيل قائما مقامه في مباشرته
قال وإذا أمر رب المال المضارب أن ينفق على أهله فوكل المضارب وكيلا بالنفقة عليهم فهو جائز لأنه مأمور بإيصال مقدار حاجتهم من المال الذي في يده إليهم فلا فرق بين أن يوصل ذلك بنفسه أو بنائبه وهذا لأن من له النفقة له أن يمد يده إلى هذا المال ويأخذ منه مقدار حاجته إذا ظهر به ولأن أمر رب المال بالدفع إلى أهله بمنزلة أمره بالدفع إليه ولا فرق بين أن يدفع بنفسه أو بوكيله فإن قال الوكيل أنفقت مائة درهم عليهم وقال المضارب أنفقت مائتي درهم في مدة ينفق مثلها على مثلهم وقال رب المال ما أنفقت عليهم شيئا فالقول قول المضارب وقد ذهب من المال مائة درهم كما لو ادعى أنه أنفق بنفسه وهذا لأن المال في يده وهو أمين فيما في يده من المال فلو ادعى الرجل على رب المال كان القول قوله فكذلك إذا ادعى الإنفاق على أهله بأمره ، ولا يضمن الوكيل شيئا لأنه كان أمينا فيما أمره به ولم يوجد منه سبب يوجب الضمان عليه فلهذا لا يصير ضامنا شيئا وكذلك كل وكيل يدفع [ ص: 104 ] إليه المال ويؤمر بالنفقة على شيء من الأشياء فهو جائز وهو مصدق في النفقة على ذلك بالمعروف لأنه أمين أخبر بأداء الأمانة بطريق محتمل
قال وإن وكل المضارب وكيلا ينفق على رقيق من المضاربة ولم يدفع إليه مالا فقال الوكيل أنفقت عليه كذا وكذا وكذبه المضارب فإن الوكيل لا يصدق لأنه يدعي لنفسه دينا في ذمة المضارب فإن المال لم يكن في يده ليكون أمينا فيما يخبر به من الإنفاق ولكنه يزعم أنه أنفق من مال نفسه ليكون ذلك دينا في ذمة من أمره وهو غير مصدق في مثله إلا ببينة وكذلك لو وكله في مال نفسه ينفق على رقيقه فهذا والأول سواء
قال وإن وكل المضارب رجلا يشتري له متاعا بعينه من المضاربة ولم يدفع المال إليه فجاء رب المال وأخذ المال وناقض المضاربة لا يمنع ابتداء التوكيل فلا يمنع بقاء التوكيل أيضا بالطريق الأولى وإذا بقيت الوكالة كان شراء وكيل المضارب كشراء المضارب بنفسه فإنما ينفذ العقد على المضارب خاصة لأن عقد المضاربة قد انفسخ باسترداد رب المال ماله
قال ولو وكل المضارب عبدا من رقيق المضاربة ثم إن رب المال نهى المضارب عن البيع ونقض المضاربة ثم باعه الوكيل وهو لا يعلم أو يعلم فبيعه جائز لأن المال بعد ما صار عروضا بملك رب المال فيه نهي المضارب عن التصرف فكان وجود النهي كعدمه وكذلك لو مات رب المال ثم باعه الوكيل أو وكله المضارب بعد موته فباعه لأنه يملك مباشرة البيع بنفسه بعد موت رب المال فإنه شريك في الربح والربح إنما يظهر ببيع المشتري فكان تصرفه من وجه بنفسه فلهذا لا يمتنع بموت رب المال ولا ببيعه
قال ولو وكله بشراء عبد بألف درهم من المضاربة ثم مات رب المال ثم اشترى العبد لزم المضارب خاصة لأن عقد المضاربة انفسخ بموت رب المال حين كان المال نقدا حتى لا يملك المضارب بعد ذلك التصرف فيه فيكون هذا بمنزلة استرداد رب المال ماله وقد بينا أن هناك الوكالة تبقى ولكن الوكيل يصير مشتريا للمضارب خاصة فكذلك هنا قال وإذا اشترى أحد المتفاوضين عبدا فوجد به عيبا فوكل وكيلا في رده أو كان شريكه هو الذي يخاصم فيه لم يكن بد من أن يحضر الذي اشترى حتى يحلف ما رضي بالعيب وقد بينا فيما سبق أن القاضي لا يقضي بالرد إلا بعد هذه اليمين ولا يمكن استحلاف الوكيل ولا الشريك إذا كان يخاصم بنفسه لأن النيابة لا تجرى في اليمين وإن كان الذي اشترى حاضرا يخاصم فطلب البائع يمين شريكه ما رضي بالعيب لم يكن له عليه يمين لأن الاستحلاف ينبني على توجه الخصومة ولا خصومة للبائع مع الشريك [ ص: 105 ] لأنه لم يعامله بشيء وكذا إن وكل أحدهما وكيلا بالخصومة في عبد باعه وطعن المشتري فيه بعيب ورده لم يكن على الوكيل فيه يمين لأن الوكيل فيه نائب ولا نيابة في اليمين وإن أراد المشتري أن يخاصم الشريك الآخر ويحلفه على علمه لأن كل واحد من الشريكين في المفاوضة قائم مقام صاحبه فيما يدعى عليه فإنهما في الحكم كشخص واحد ولكن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ولا يكون على البتات
قال وإذا وكل أحد المتفاوضين وكيلا بشيء هو بينهما ثم نقضاها واقتسما وأشهدا أنه لا شركة بينهما ثم أمضى الوكيل ما وكل به وهو يعلم أو لا يعلم جاز ذلك عليهما لأن توكيل أحدهما في حال بقاء عقد المفاوضة كتوكيلهما فصار وكيلا من جهتهما جميعا فلا ينعزل بنقضهما الشركة بينهما
قال وإذا وكل أحد شريكي العنان وكيلا ببيع شيء من شركتهما جاز عليه وعلى صاحبه استحسانا وكان ينبغي في القياس أن لا يجوز لأن كل واحد من الشريكين وكيل من جهة صاحبه بالتصرف وليس للوكيل أن يوكل غيره إذا لم يأمره الموكل بذلك ولكنه استحسن فقال كل واحد من الشريكين في حق صاحبه بمنزلة وكيل فوض إليه الأمر على العموم لأن مقصودهما تحصيل الربح وذلك لا يحصل بتصرف واحد فصار مأذونا من جهة صاحبه بالتوكيل فيما يعجز عن مباشرته بنفسه كما بيناه في المضارب وهذا لأن كل واحد منهما رضي بتصرف صاحبه فيما هو بصدده من التجارة والتوكيل من التجارة فلهذا نفذ من كل واحد منهما على صاحبه
قال وإن وكله ببيع أو شراء أو إجارة أو تقاضي دين ثم أخرجه الشريك الآخر من الوكالة فكان له أن يخرجه من الوكالة في جميع ذلك إلا في تقاضي الدين خاصة لأنه كما جعل توكيل أحدهما في التصرف بمنزلة توكيلهما فكذلك عزل أحدهما عن التصرف بمنزلة عزلهما إلا في تقاضي الدين فإن سبب وجوب الدين هو الذي يختص بقبضه على وجه لا يملك شريكه نهيه عن ذلك فكذلك نهي وكيله ; توضيحه : أن الشريك الآخر لما جعل في هذا الدين بالقبض بمنزلة سائر الأجانب فكذلك في عزل الوكيل يجعل بمنزلة سائر الأجانب فلهذا لا يصح منه النهي قال وإن كان الموكل هو الذي أدانه لم يصح إخراج هذا الآخر الوكيل من التقاضي لما بينا وإن كان الذي أدانه هو الشريك الآخر فتوكيل الشريك بقبضه لا يصح لأنه لا يملك مباشرة القبض بنفسه فكذلك لا يوكل به غيره والله أعلم بالصواب
[ ص: 106 ] باب ما لا تجوز فيه الوكالة قال رحمه الله وإذا وكل الرجل وكيلا بطلب قصاص في نفس أو فيما دون النفس لا يجوز فإن وكله بإقامة البينة على ذلك جاز التوكيل في قول أبي حنيفة رحمه الله عند رضا الخصم أو مرضه أو غيبته وعند محمد رحمه الله على كل حال وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا يجوز التوكيل بذلك ، وجه قوله أن الوكيل يقوم مقام الموكل في دعوى القصاص والقصاص لا يثبت بما يقوم مقام الغير كما لا يثبت بالشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال وهذا لأن هذه عقوبة تندرئ بالشبهات وفيما يقوم مقام الغير ضرب شبهة في العادة وهو إنما يوكل ليحتال الوكيل لإثباته وفي القصاص إنما يحتال لإسقاطه لا لإثباته ألا ترى أن التوكيل باستيفاء القصاص لا يجوز باعتبار أنه يندرئ بالشبهات فكذلك بإثباته وقد ذكر في بعض المواضع قول محمد رحمه الله كقول أبي يوسف رحمه الله ; وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه وكل بما يملك مباشرته بنفسه وإذا وقع الغلط أمكن التدارك والتلافي فصح التوكيل كما في الأموال بخلاف استيفاء القصاص فإنه إذا وقع فيه الغلط لا يمكن التدارك والتلافي .
فأما إثبات القصاص فكإثبات سائر الحقوق من حيث إنه إذا وقع فيه الغلط أمكن التدارك والتلافي وعلى هذا الخلاف إذا وكل المطلوب بالقصاص وكيلا بالخصومة في دفع ما يطالب به وكلام أبي حنيفة رحمه الله في هذا الفصل أظهر لأن دفع القصاص جائز بمن يقوم مقام الغير ألا ترى أن الشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال في العفو صحيحة ولكن هذا الوكيل لو أقر في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله لم يصح إقراره استحسانا وفي القياس يصح لأنه قام مقام الموكل بعد صحة التوكيل ألا ترى أن في سائر الحقوق جعل إقراره كإقرار الموكل وكذلك في القصاص وفي الاستحسان يقول إقرار الوكيل قائم مقام إقرار الموكل والقصاص لا يستوفى بحجة قائمة مقام غيرها ، توضيحه : أنا حملنا التوكيل على الجواب لأن جواب الخصم من الخصومة ولكن هذا نوع من المجاز فأما في الحقيقة فالإقرار ضد الخصومة فيصير ذلك شبهة فيما يندرئ بالشبهات دون ما يثبت مع الشبهات وكذلك في التوكيل بإثبات حد القذف أو دفعه من جهة القاذف فأما التوكيل بإثبات المال في السرقة فقد طلب بالإنفاق لأن المقصود إثبات [ ص: 107 ] المال والمال يثبت مع الشبهات ألا ترى أن بالشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال تثبت فأما التوكيل بإثبات الحد فهو على الخلاف الذي بينا
قال وإذا قتل العبد عند المستودع أو عند المستعير فليس لهما أن يستوفيا القصاص وإن وكلهما بذلك صاحبه لأن من الجائز أن صاحب العبد عفا فلو استوفينا القصاص كان استيفاء مع تمكن الشبهة وذلك لا يجوز يدل عليه أن وجوب القصاص باعتبار الدم والمستودع والمستعير ليسا بخصمين في الدم وإنما خصومتهما فيما يتناوله الإيداع والإعارة
وكذلك عبد من المضاربة أو عبدان شريكان شركة عنان أو مفاوضة قتل عمدا وأحدهما غائب فليس للحاضر أن يقتل قاتله وإن وكله الغائب بذلك لتمكن شبهة العفو من رب المال أو من الشريك الغائب
قال وإذا كان للرجل عبد في يدي رجل فقال الرجل انطلق فاشتر عبدي من فلان لنفسك فذهب فاشتراه ولم يكن رب العبد وكل البائع بالبيع فإن هذا البيع يجوز ويكون أمره للمشتري بالشراء وكالة للبائع بالبيع وذكر بعد هذا أنه لا يجوز وقيل إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فالمراد هنا أنه لما أتاه أخبره بما قال له المالك فيصير ذو اليد وكيلا لعلمه بوكالة المالك إياه ومراده بما ذكر بعد هذا أنه لم يخبره بذلك ولكنه قال له بع هذا العبد مني فلا يصير ذو اليد وكيلا ما لم يعلم بتوكيل المالك إياه وإن حملا المسألة على الروايتين فيما إذا لم يخبره فوجه الرواية التي قال لا يجوز البيع أن البائع لم يرض بالتزام العهدة حين لم يعلم بالوكالة ألا ترى أنه لو وكله بالبيع مقصودا لا بحضرته لا يصير وكيلا ما لم يعلم به فكذلك إذا كان التوكيل ضمنا لأمر المشتري بشرائه ووجه هذه الرواية أن رضا المالك قد تم بهذا العقد والمشتري إنما أقدم على الشراء باعتبار تمام الرضا من المالك فلو لم ينفذ البيع صار مغرورا من جهة المالك ويلحقه الضرر فيه والضرر مدفوع في الشرع وما زاد على هذا البيان قد بيناه فيما أمليناه من شرح الزيادات
قال وكذلك إذا قال اقبض ديني من فلان كان جائزا وليس للذي عليه الدين أن يمتنع من دفعه وهذا ظاهر فإنه وكل القابض بالقبض هنا وقد علم القابض بوكالته ولا معتبر بعلم المديون بعد أن يثبت وكالته وكذلك لو وكله بقبض الوديعة والعارية وما أشبههما ، قال : أرأيت لو قال للعبد انطلق إلى فلان حتى يكاتبك فكاتبه فلان أما كان يجوز أو قال انطلق إليه حتى يعتقك فأعتقه أما كان يعتق أو قال لامرأته انطلقي إليه حتى يطلقك وطلقها فلان أما يقع الطلاق عليها والفرق بين هذه الفصول وبين البيع على الرواية الأخرى ظاهر [ ص: 108 ] لأن حقوق العقد لا تتعلق بالعاقد في هذا الموضوع بخلاف البيع
قال ولو أمر رجلا أن يطلق امرأته أو يعتق عبده ثم قال للمرأة والعبد قد نهيت فلانا عن ذلك فلم يعلم الوكيل بالنهي حتى طلق أو أعتق وقع وإن علم بالنهي لم يقع وكذلك في الفصل الأول إن نهاهما بعد ذلك لا يعمل النهي في حق فلان ما لم يعلم به ولا فرق بين أن يثبت التوكيل بخطاب خاطب به الوكيل وبين أن يثبت ضمنا بخطاب خاطب به المرأة والعبد فإنه بعد ما صار وكيلا لا ينعزل ما لم يعلم بالعزل
قال وإذا قال الرجل لرجل اذهب بثوبي هذا إلى فلان حتى يبيعه أو اذهب إلى فلان حتى يبيعك ثوبي الذي عنده فهو جائز في الوجهين وهو إذن منه لفلان في بيع ذلك الثوب إن أعلمه المخاطب بما قاله المالك جاز بيعه رواية واحدة وإن لم يعلمه ففيه روايتان وكذلك لو قال اذهب بهذا الثوب إلى القصار حتى يقصره أو إلى الخياط حتى يخيطه قميصا فهذا إذن منه للقصار والخياط في ذلك العمل حتى لا يصير ضامنا بعلمه بعد ذلك والله أعلم بالصواب
باب وكالة العبد المأذون والمكاتب قال رحمه الله وكل ما جاز لهما أن يفعلاه جاز لهما أن يوكلا به من يفعله لأن الحجر قد انفك عنهما فيما هو من عمل التجارة أو سبب اكتساب المال والتوكيل من هذه الجملة فيصح منهما وبعد صحة الوكالة فعل الوكيل كفعل الموكل بنفسه وكل ما يجوز للموكل أن يفعله جاز لوكيله أن يفعله ; قال : وليس للعبد المأذون أن يتزوج ولا يكاتب عبده لأن هذا من عقود التجارة وانفكاك الحجر في حقه مقصور على التجارة فإذا أذن له المولى في ذلك فوكل به وكيلا لم يجز لأنه نائب عن المولى في هذا العقد بمنزلة الوكيل ألا ترى أنه يعمل بهبة عنه مع بقاء الإذن له في التجارة والوكيل لا يملك أن يوكل غيره بمباشرة ما وكل به فإذا حجره مولاه أو عجز المكاتب عن كتابته انقطعت وكالة وكيله في البيع والشراء ونحوهما لأنه عجز عن مباشرة التصرف في نفسه وصحة التوكيل كانت باعتباره ولو وكله ابتداء بعد الحجر لم يجز فكذلك إذا طرأ الحجر على الوكالة لأن المقصود بنفس التوكيل لا يحصل والطارئ قبل حصول المقصود بالسبب كالمقترن بأصل السبب فأما إذا كان التوكيل بقضاء الدين أو التقاضي لم يبطل ذلك التوكيل بالعجز ولا بالحجر على المأذون لأنه في كل شيء ولاه العبد [ ص: 109 ] لا يسقط المطالبة عنه بالحجر عليه بل يبقى هو مطالبا بإيفائه وله ولاية المطالبة باستيفاء ما وجب له لأن وجوبه كان بعقده فإذا بقي حقه بقي وكيله على الوكالة فيه ; قال : ولو وكله ابتداء بعد الحجر صح أيضا فإن باعه بإذن الغرماء أو مات بطلت وكالة الوكيل في جميع ذلك لأنه حين خرج عن ملكه لم يبق له حق المطالبة بالاستيفاء ولا يبقى هو مطالبا بإيفاء شيء في حالة الرق فتبطل وكالة الوكيل حكما بخروج الموكل من أن يكون مالكا لذلك التصرف ; قال : وليس لمولى العبد أن يتقاضى دينه كان عليه دين أو لم يكن لأنه إن كان عليه دين فكسبه حق غرمائه والمولى منه كسائر الأجانب ما لم يفرغ من الدين وإن لم يكن عليه دين فوجوب المال بعقد العبد ولا يكون هو في هذا دون الوكيل وما وجب من الثمن بعقد الوكيل لا يملك الموكل المطالبة به فهنا أولى وكذلك ليس للمولى أن يوكل بذلك وكيلا لأنه لا يملك المباشرة بنفسه فلا يوكل به غيره أيضا فإن اقتضى هو شيئا أو وكيله جاز إن لم يكن على العبد دين لأنه خالص حق المولى لو قبضه العبد سلمه إلى المولى فإذا قبضه المولى أو من وكله جاز كما في الموكل إذا قبض الثمن بتسليم المشتري إليه وإذا كان على العبد دين لم يجز لأن حق الغرماء متعلق بكسبه فالمولى كأجنبي آخر ألا ترى أنه لو قبض شيئا من أعيان كسبه كان ضامنا بمنزلة أجنبي آخر فلهذا لا يبرأ الغريم بالدفع إليه الوديعة والبضاعة في هذا قياس الدين
قال ولو أذن له المولى في التزويج فوكل العبد وكيلا بذلك فرجع المولى عن الإذن في التزويج فإن علم به الوكيل خرج عن الوكالة وإذا لم يعلم به فهو على وكالته لأن العبد في هذا التوكيل نائب عن المولى حتى لا يملك التوكيل إلا بإذن المولى فهذا الوكيل بمنزلة الوكيل من جهة المولى ثم نهيه العبد عن أن يتزوج عزل لوكيله لأنه يظهر بهذا أنه غير راض بعيب العبد بالنكاح وتعلق المهر والنفقة بماليته وفي هذا لا يفترق الحال بين عقد العبد وعقد الوكيل فعرفنا أنه بمنزلة العزل للوكيل قصدا فإن علم به صار معزولا وإن لم يعلم به لا يصير معزولا
قال ولو وكل العبد بتقاضي دينه وكيلا ثم باعه المولى بإذن الغرماء أو مات العبد خرج وكيله من الوكالة سواء علم به أو لم يعلم كان على العبد دين أو لم يكن لأن العزل هنا ثبت حكما لخروج موكله من أن يكون مالكا لذلك التصرف وفي مثله لا يشترط علم الوكيل ولو لم يكن على العبد دين فالمولى يتقاضاه لأن الحق تخلص له وإن كان عليه دين نصب القاضي وكيلا بتقاضي الدين ليقضي به حق الغرماء لأن الحق للغرماء ولكنهم عاجزون عن التقاضي [ ص: 110 ] بأنفسهم فينصب القاضي عنهم وكيلا بمنزلة التركة إذا كان على الميت دين وله دين على إنسان ; فأما إذا أعتق المولى العبد فالوكيل على وكالته لأن حق العبد في المطالبة والقبض لا يبطل بعتقه بل يتقوى وكذلك لو كاتبه بإذن الغرماء لأن حق القبض إليه بعد الكتابة كما كان قبلها وإذا قال الوكيل قبضته قبل الحجر أو قبل موته لا يصدق لأنه أخبر بما يملك استئنافه وقد صار الحق للمولى بعد الحجر إذا تحقق ذلك ببيعه فهو بهذه الدعوى يريد إبطال حق المولى فلم يكن مصدقا في ذلك
قال ولو أن عبدا تاجرا له دين على رجل وله به كفيل فوكل رجلا بتقاضي دينه ليتقاضى دينه على فلان كان له أن يتقاضاه من الكفيل أيضا لأنه أقامه مقام نفسه في المطالبة بذلك الدين وله أن يطالب الكفيل والأصيل جميعا وكذلك لمن قام مقامه وهذا الأصل معروف في كتاب الكفالة أن أصل الدين في ذمة الأصيل وإنما يطالب الكفيل بما على الأصيل والوكيل صار مالكا المطالبة بالدين على الأصيل سواء طالب الكفيل أو الأصيل فإنما طالب بذلك الدين
قال ولو ادعى دارا في يدي رجل فوكل رجلا بالخصومة فيها وبقبضها فباعها ذو اليد وقبضها المشتري كان للوكيل أن يخاصم المشتري لأن وكالته بالخصومة كانت مقيدة بالدار لا بالبائع ففي يد من وجدت الدار يكون له أن يخاصمه لأنه إنما يخاصم في العين التي وكله بالخصومة فيها قال ولو وكله بخصومة فلان في هذه الدار لم يكن له أن يخاصم المشتري لأنه قيد الوكالة بخصومة البائع وهذا تقييد مفيد فقد يقاوم الإنسان إنسانا في الخصومة ولا يقاوم غيره وهو نظير ما لو وكله بأن يبيع عبده هذا كان له أن يبيعه ممن بينا وإن قال له بعه من فلان لم يكن له أن يبيعه من غيره وهذا بخلاف ما إذا وكل ذو اليد وكيلا بالخصومة معروفا بين الناس فلما وكله بالخصومة مع ذي اليد مع علمه أن ذا اليد قد يوكل بالخصومة فيه كان هذا رضا منه بالخصومة مع وكيله وهذا لأن القضاء إذا توجه على الوكيل يكون على الموكل خاصة والوكيل نائب عنه فلهذا ملك أن يخاصم وكيله وهذا لا يوجد في حق المشتري لأنه بالشراء يصير مالكا فإنما يخاصم عن نفسه ولا يكون نائبا عن البائع فلهذا فرقنا بينهما ; قال : ولو وكله أن يخاصم فلانا في هذه الدار فإذا الدار في يدي غير فلان لم يكن له أن يخاصم غير فلان ولا فلانا لأن الدار ليست في يديه والخصومة في دعوى الملك المطلق إنما تكون مع ذي اليد والوكالة كانت مقيدة بالخصومة مع فلان فلا يملك أن يخاصم في هذه الوكالة غير فلان ، وإن لم يسم له أحدا كان له أن يخاصم من وجد الدار في يده [ ص: 111 ] لأن الوكالة هنا مقيدة بالخصومة في العين فإذا خاصم فيه ذا اليد فإنما يخاصم في تلك العين فلهذا سمعت خصومته
قال ولو كانت الدار في يدي العبد فوكل وكيلا بالخصومة فيها لفلان المدعي فادعاها آخر لم يكن الوكيل وكيلا في خصومة هذا الثاني وهو وكيل في خصومة الأول وخصومة وكيله لأنه قيد الوكالة بالخصومة مع فلان فلهذا يملك ذلك
قال وإذا وكل العبد التاجر وكيلا ببيع أو شراء أو رهن وغير ذلك فأخرج المولى الوكيل من الوكالة فليس ذلك بشيء وهو على وكالته إن كان على العبد دين أو لم يكن لأنه حجر خاص في إذن عام وذلك باطل ألا ترى أن المولى بنفسه لو نهى العبد عن ذلك التصرف ولم يحجر عليه لا يعمل نهيه فكذلك إذا منع وكيله منه ; أو هذا بمنزلة النهي عن التوكيل وكما لا يملك نهيه عن تصرف آخر مع بقاء إذنه فكذلك لا يملك نهيه عن التوكيل لأن ذلك من صنع التجار لا يملك إخراج وكيله قال ولو أن العبد وكل مولاه بشيء من ذلك كان جائزا كما لو وكل غير المولى به وليس للمولى بمطلق التوكيل أن يوكل به غيره ولكن لو وكل به غيره فباشره الوكيل فإن لم يكن على العبد دين جاز لا بالتوكيل السابق من العبد ولكن ما تصرف فيه خالص ملك المولى لأن المولى لو باشره بنفسه صح وإن لم يسبق التوكيل من العبد فكذلك إذا وكل به غيره وإن كان عليه دين لم يجز لأنه لا يملك مباشرة هذا التصرف بنفسه إذا لم يسبق التوكيل من العبد فإن كسبه حق غرمائه والوكيل لا يملك أن يوكل غيره
قال وإذا وكل العبد وكيلا بخصومة في شيء له ثم حجره مولاه بطلت وكالة الوكيل لما بينا فإن أذن له في التجارة لم يكن الوكيل وكيلا في ذلك وكذلك البيع والشراء وما أشبههما لأن هذا إذن حادث غير الأول ووكالته كانت بحكم الإذن الأول فإن لم يعد ذلك لم يعد هذا ألا ترى أنه لو كان تصرف بنفسه قبل الإذن لا ينفذ بالإذن الحادث فكذلك إذا كان الوكيل في الأول لا يملك التصرف به في الإذن الثاني
قال ولو كان العبد التاجر بين رجلين وكل وكيلا بشيء من ذلك ثم حجر عليه أحدهما وعلم به الوكيل كان على وكالته ويجوز ما صنع في حصة الذي لم يحجر عليه [ ص: 112 ] لأنهما لو حجرا عليه لم يجز تصرف الوكيل في حقهما بعد ذلك فكذلك إذا حجر عليه أحدهما جعلا في حقه كأنهما حجرا عليه وفي حق الآخر كأنه لم يحجر عليه واحد منهما ولأن في الابتداء لو كان أذن له أحدهما جاز توكيله بالتصرف في حصة الذي أذن له فكذلك يبقى الوكيل باعتبار بقائه مأذونا له في نفسه فأما في تقاضي الدين فيجوز قبضه في نصيبهما جميعا لأنهما لو حجرا عليه لم يؤثر الحجر في منع الوكيل من قبض الدين بالتقاضي وكذلك إذا حجر عليه أحدهما

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|