
21-12-2025, 06:11 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر
صـــ 82الى صـــ 91
(395)
قال رضي الله عنه والصحيح عندي أن الصواب ما ذكره محمد رحمه الله لأن البائع وإن قال قد فعلت ما لم يجعل هذا المبلغ رسولا يقبضه والمرسل الأول ليبلغه فإذا بلغه فقال قد قبلت يوقف هذا التبليغ على إجازة البائع وما لم يتم ذلك التبليغ بإجازته لم يتم البيع بقول المشتري قبلت فلهذا ذكر هذه الزيادة قال فإن قبض الآمر الخادم فالمال عليه إلى سنة ولا شيء على الوكيل من ذلك وليس للوكيل أن يقبض الخادم لأنه كان رسولا فبتبليغ الرسالة يخرج من الوسط فصار كأن المرسل عبر بنفسه أو كتب
قال وإذا وكل رجلين أن يرهنا له شيئا بكذا فرهنه أحدهما بذلك لم يجز لأنه عقد يحتاج فيه إلى الرأي في تعيين من يرهن عنده والوضع على يدي مرتهن أو على يدي عدل وقد رضي الآمر أيهما فلا ينفرد به أحدهما وإن رهناه جميعا وشرط له أحدهما بيع الرهن جاز الرهن لاجتماع رأيهما فيه ولم يجز ما ينفرد به أحدهما وهو التسليط على البيع حتى إذا باعه المرتهن لا يجوز قال وإن كان الموكل قد أمرهما بذلك فإن كانا قالا إن فلانا يستقرضك كذا فأقرضه وقال أحدهما إنه قد أمرنا أن يجعلك مسلطا على بيعه إذا بدا لك وسكت الآخر فللمقرض أن يبيعه لأنهما كانا رسولين والرسول معبر عن المرسل وينفرد كل واحد منهما بتبليغ الرسالة فلهذا صح ما بلغه أحدهما من التسليط على البيع وإن [ ص: 83 ] كانا استقرضا له المال وقال أحدهما هذه المقالة لم يجز للمرتهن أن يبيعه لما بينا أنهما يكونان مستقرضين لأنفسهما فإن التوكيل بالاستقراض لا يجوز وإذا عملا لأنفسهما لم يصح تسليط أحدهما المرتهن على البيع من جهة نفسه لأن صاحبه لم يساعده على ذلك وعندهما مباشرتهما العقد لا ينفرد أحدهما بالتسليط على البيع ولا يصح ذلك من جهة الآمر لأن الرهن لم يثبت من جهة الآمر وهو ما رضي بالتسليط على البيع إذا لم يكن الرهن من جهته
قال فإن وكله أن يرهن له ثوبا بدراهم مسماة فرهنه عند نفسه ودفع الدراهم إلى الآمر ولم يبين له الأمر لم يكن الثوب رهنا لأنه أمره بأن يرهنه لا بأن يرتهنه وإذا رهنه عند نفسه كان مرتهنا لا راهنا وهو أمين في هذا الثوب والقبض بحكم الرهن قبض ضمان فلا يصلح أن يجعل يده التي هي أمانة يد ضمان بحكم العقد ولكنه يبقى أمينا في الثوب وإن هلك لم يضمنه لأنه لم يصنع في الثوب شيئا هو مخالف لما أمره به بل هو حافظ للثوب وبذلك أمر والدراهم قرض له على الآمر وكذلك إن رهنه عند ابن له صغير لأنه هو القابض لهذا الرهن فهو وما لو رهنه عند نفسه سواء وكذلك إن رهنه عند عبده ولا دين عليه لأن كسب العبد مملوك للمولى فهذا وما لو رهنه عند نفسه سواء قال ولو كان رهنه عند ابنه وهو كبير أو عند مكاتبه أو عند عبد له تاجر وعليه دين كان جائزا لأنه لا ضرر فيه على رب الثوب معناه أن حكم الرهن واحد وهو أنه مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين سواء رهنه من أجنبي أو من هؤلاء ولا تتمكن تهمة الإضرار بالآمر في تصرفه مع هؤلاء فلهذا صح فإن كان الوكيل في ذلك عبدا تاجرا أو غير تاجر أو مكاتبا أو صبيا فإن كان قال إن فلانا يقول لك أقرضني كذا وامسك هذا رهنا فهو جائز لأنه أخرج الكلام مخرج الرسالة وهو أهل للعبادة فيكون صالحا لتبليغ الرسالة وإن كان قال أقرضني وامسك هذا رهنا لم يجز في حق الصبي والعبد المحجور لأنهما يكونان مستقرضين لأنفسهما والإقراض من الصبي والعبد المحجور لا يصح لأنه التزم الضمان بالعقد وليس من أهله وجاز في حق غيرهما لأن المكاتب والعبد التاجر يملكان الاستقراض وإن كانا لا يملكان الإقراض
قال ولو كان تاجرا وعليه دين فرهنه فإن قال له اقرض فلانا فهو جائز لأن العبد يصلح أن يكون معبرا بين مولاه وبين الآمر وقد أخرج الكلام مخرج الرسالة وإن قال أقرضني وامسك هذا رهنا لم يكن رهنا لأن المولى لا يستوجب على عبده شيئا إذا لم يكن العبد مديونا فإذا لم يجب الدين لم يثبت حكم الرهن في الثوب
قال وإذا [ ص: 84 ] وكل الذمي المسلم أن يرهن له عبدا ذميا بخمر أو يرهن له خمرا بدراهم فإن أضافه الوكيل إلى الآمر وأخبر به على وجه الرسالة صح لأن صحة تبليغ الرسالة ينبني على صحة العبادة ولا يصير الرسول عاقدا وكان هذا وما لو بلغه كتابا كتب به الآمر سواء وإن قال أقرضني لم يكن رهنا لأنه عاقد لنفسه والمسلم لا يعقد على الآمر بالخمر استقراضا ولا رهنا بها بالدين لأن الرهن يكون مضمونا للراهن على المرتهن ولا يجوز أن تكون الخمر مضمونة للمسلم على الذمي
وإذا قال لرجل ائت فلانا وقل له أقرضني ألف درهم وامسك هذا العبد عندك رهنا بها فلما خرج من عنده أشهد أنه قد أخرجه من الوكالة فلم يبلغ ذلك الوكيل حتى رهن العبد فإن الرهن جائز لما بينا أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب حتى يبلغه وهو خاطبه بالعزل والنهي عن تبليغ الرسالة فلما لم يبلغه لم يثبت ذلك في حقه فلهذا جاز رهنه وإن أرسل إليه بذلك رسولا أو كتب إليه كتابا فرهنه بذلك لم يجز يعني إذا وصل إليه لأن حكمه يثبت في حقه بالوصول إليه فإن لم يصدقهما المرتهن بذلك فالقول قوله لأنه متمسك بما هو الأصل وهو ثبوت الوكالة حتى يظهر العزل إلا أن يقيم البينة على أن الرسول قد أبلغه إخراجه من الوكالة قبل أن يرهنه فحينئذ يجعل الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة قال وإن كان رب العبد باعه أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو رهنه أو سلمه ولم يعلم به الوكيل حتى رهنه فالرهن باطل لأنه بما أحدث من التصرف خرج المحل من أن يكون محلا للرهن أو أخرج نفسه من أن يكون مالكا فيه التصرف الذي فوضه إلى الوكيل فيتضمن عزل الوكيل حكما والعزل الحكمي لا يتوقف على العلم بل ثبوته لضرورة ثبوت ذلك الحكم قال وإن كان الموكل رهنه ثم افتكه ولم يعلم به الوكيل حتى رهنه لم يجز رهنه لأن مقصود الموكل قد تم بما باشره بنفسه وبالانفكاك لا ينفسخ رهنه من الأصل بل يتقرر حكمه لأن الرهن إنما يعقد إلى وقت الفكاك فكان الفكاك تقديرا لا فسخا فلهذا لا يملك أن يرهنه بعد ذلك بخلاف ما إذا وكل ببيعه ثم باعه بنفسه ثم انفسخ بيعه من الأصل بسبب فالوكيل على وكالته لأن مقصود الآمر لم يتم بما صنع ولأن بانفساخه من الأصل صار ذلك العقد كأن لم يكن وكذلك إذا وكل الآمر آخر برهنه فرهنه فقد خرج الأول من الوكالة لأن فعل وكيله له كفعله بنفسه
وإن كان الأول رهنه ثم وكل المولى برهنه رجلا ثم افتكه المولى ثم رهنه الثاني فهو جائز لأن التوكيل لما حصل في حال لا يملك مباشرة الرهن بنفسه عرفنا أن مقصوده إضافة التوكيل إلى حال [ ص: 85 ] الفكاك من الرهن الأول بخلاف الفصل الأول فإن هناك حضر الوكيل في وقت هو متمكن من أن يرهنه فإذا زال تمكنه من ذلك تضمن عزل الوكيل وهو بمنزلة من وكل وكيلا أن يزوجه امرأة وتحته أربع نسوة صارت هذه الوكالة مضافة إلى ما بعد مفارقة إحداهن إذا فارق إحداهن ثم زوجها الوكيل صح ومثله لو تزوج بنفسه بعد التوكيل أربع نسوة انعزل الوكيل والذي يوضح الفرق ما بينا أنه إذا كان التوكيل بعد ما رهنه فقد علمنا أن مقصود الآمر بما صنعه بعد التوكيل عزل الوكيل به
قال وإذا رهن الوكيل عبدا للموكل ثم أنه ناقض المرتهن أو أجره إياه أو باعه فالإجارة والبيع باطل لأنه أنشأ تصرفا سوى المأمور به أما مناقضة الرهن فإن كان قال إن فلانا يستقرضك وقد رهنك هذا فمناقضته باطلة لأنه بتبليغ الرسالة خرج من الوسط وليس هو من العقد في شيء فمناقضته كمناقضة أجنبي آخر فيكون باطلا ويكون ضامنا للعبد إن قبضه على هذا وإن كان المستقرض هو أو الراهن فالمناقضة جائزة لأنه هو المباشر للعقد والحاجة في المناقضة إلى رضا المرتهن وقد رضي به ألا ترى أنه لو أراد رد الرهن لم يكن للراهن أن يأتي ذلك فإذا صحت مناقضته كان هو مؤتمنا في العقد لأنه قبضه بحق وعادت يده فيه كما كانت وليس له أن يرهنه ثانية لأن المأمور بالشيء لا يملك أن يكرره فإن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ومناقضة الرهن مقصورة على الحال فلا يتبين أن الرهن الأول لم يكن حكما قال وإن وكله أن يرهنه فرهنه ثم كتب عليه الشراء فأقر الوكيل والمشتري أنه رهنه وأنه إنما كتب الشراء سمعة ففي القياس هذا لا يكون رهنا وهو ضامن لأنه خالف أمره فيما أظهر وجعل ملكه في العين بعرض الهلاك بما كتب به من حجة الشراء أو لأنه مأمور بتصرف باطنه كظاهره وقد أبى بتصرف باطنه بخلاف ظاهره فصار ضامنا ولكنه استحسن فقال هذا ظاهرا فيما بين الناس أنهم يعقدون الرهن بهذه الصفة وقد أمره بالرهن مطلقا فيملك به ما هو متعارف بين الناس والضرر الموهوم الذي قلنا في وجه القياس قد اندفع بالإشهاد على إقرار المشتري أنه رهن وليس بشراء
قال وإن وكله بأن يرهن عبدا له بألف درهم فقال رهنته عند فلان وقبضت منه المال وهلك ودفعت إليه العبد وإنما قلت له أقرض فلانا فإنه أرسلني إليك بذلك وبذلك أمره الموكل وصدقه المرتهن وقال الموكل لم يقبض هذا القرض ولم يرهن العبد فالقول قول الموكل مع يمينه لأن المال بهذه الطريق يجب للمقرض على الآمر لا على الوكيل كما لو عاينا هذا [ ص: 86 ] التصرف فإنما حصل إقرار الوكيل بوجوب المال للمقرض على الآمر وإقراره ليس بحجة عليه في إلزام المال في ذمته لأنه إنما سلطه على مال عين بقبضه له ولم يحصل ذلك بخبره فلهذا كان القول قوله لإنكاره مع يمينه قالوا ولو كان الوكيل الذي استقرض المال هو الذي أقرض العبد وبذلك أمره رب العبد كان المال دينا عليه دون الموكل لما بينا أن التوكيل بالاستقراض باطل وكان العبد رهنا بالمال لأن صاحب العبد قد رضي بأن يرهنه بما يستقرضه فصار في معنى المعير للعبد منه ليرهنه بدينه وإعارة العبد من غيره ليرهنه بدينه صحيحة
قال وإذا أذن الوكيل للمرتهن في ركوب الرهن واستخدامه ففعل فهو ضامن له لأن الوكيل لا يملك ذلك بالتوكيل بالرهن فإذنه فيه وإذن أجنبي آخر سواء ويكون المرتهن مستعملا ملك غيره بغير إذن صحيح فلهذا كان ضامنا قال وطعام الرهن وعلفه على الموكل وإن كان الوكيل استقرض المال لنفسه لأن النفقة على المالك وهو الموكل ولأن المنفعة له فإنه لو هلك في يد المرتهن حتى صار قاضيا لدينه رجع عليه الموكل بمثله فلهذا كانت النفقة عليه بخلاف المستعار للانتفاع فإن المنفعة هناك للمستعير دون المعير فيقال إما أن تنفق لينتفع به وإما أن ترده على صاحبه لينفق على ملكه وكذلك المكان وأجر رعي الغنم على الموكل لما بينا أنه هو المالك المنتفع به بخلاف أجر الحافظ فإن الحفظ على المرتهن فكان أجر الحافظ عليه والمكان الذي يحفظ فيه عليه أيضا فأما الرعي فليس على المرتهن فلا يكون أجر الراعي عليه أيضا فيكون ذلك على المالك والله أعلم بالصواب
باب الوكالة في قبض الوديعة والعارية قال رحمه الله رجل وكل رجلا بقبض أمانة له في يدي رجل فقال ذو اليد قد دفعتهما إلى الموكل فالقول قوله مع يمينه لأن مطالبة الوكيل إياه بالرد كمطالبة الموكل ودعوى الأمين الرد على الموكل أو على الوكيل مقبولة لأنه سلط على ذلك ولأنه مجبر بأداء الأمانة إلا أنه يقبل قوله في إبرائه عن الضمان إلا في إيجاب الضمان عن الغير حتى إذا ادعى الرد على الوكيل وحلف لم يضمن شيئا وكذلك لا يضمن إذا جحد وحلف
وإن وكل رجلين بقبض عبد له وديعة فقبضه أحدهما بغير أمر الآخر لم يجز وهو ضامن لأنه رضي برأيهما وأمانتهما فلا يكون راضيا بأمانة أحدهما ولو قبضه ثم أودعه أحدهما من [ ص: 87 ] الآخر جاز لأنهما امتثلا أمره في القبض ثم لا يقدران على الاجتماع على حفظه آناء الليل والنهار وهو لا يحتمل التبعيض ليحفظ كل واحد منهما نصفه ولما استحفظهما على علمه بذلك فقد صار راضيا بترك أحدهما عند صاحبه ولكن إنما يعتبر هذا فيما يطول وهو استدامة الحفظ فأما في ابتداء القبض فيتحقق اجتماعهما عليه من غير ضرر فلهذا لا ينفرد به أحدهما وكما يجوز لأحدهما أن يودعه من الآخر يجوز لهما أن يودعاه عيال أحدهما لأن يد عيال المودع في الحفظ كيد المودع كما إذا كان المودع واحدا وهذا لأن المرء إنما يحفظ المال بيد عياله عادة وإن وكل بقبضه رجلا أجنبيا فالذي كان عنده الوديعة ضامن إلا أن يصل إلى الوكيلين لأن الحفظ يتفاوت فيه الناس لتفاوتهم في أداء الأمانة فلا يملك الوكيل بوكيل الأجنبي وصار تسليم المودع إلى الأجنبي بعد هذا التوكيل كتسليمه قبله فكان المودع ضامنا إلى أن يصل إلى الوكيلين فحينئذ وصوله إلى يدهما كوصوله إلى يد الوكيل في براءة الدافع له عن الضمان
ولو وكل رجلا بقبض وديعته فقبض بعضها جاز لأن الوديعة قد تكون بحيث لا يمكن حمل كلها جملة واحدة فيحتاج إلى أن يحملها شيئا فشيئا ولا ضرر على الموكل في قبض الوكيل بعضها إلا أن يكون أمره أن لا يقبضها إلا جميعا فحينئذ لا يجوز له أن يقبض بعضها أو يصير ضامنا له لأن الموكل قيد أمره ونهاه عن القبض إلا بصفة فكل قبض لا يكون بتلك الصفة فهو قبض بغير إذن المالك فكان موجبا للضمان وإن قبض ما بقي قبل أن يهلك الأول جاز القبض عن الموكل لأنه قد اجتمع الكل عند الوكيل واندفع ضرر التفريق عن الموكل فكأنه قبض الكل دفعة واحدة
ولو وكله بعبد له يدفعه إلى فلان وديعة فأتاه فقال إن فلانا استودعك هذا فقبله ثم رده على الوكيل فهلك فلرب العبد أن يضمن أيهما شاء لأن الوكيل حين أضاف الإيداع إلى الآمر فقد جعل نفسه رسولا وتبليغ الرسالة يخرج فكان هو في الاسترداد كأجنبي آخر فيصير المودع بالدفع إليه غاصبا وهو بالقبض كذلك فله أن يضمن أيهما شاء ولو قال له الوكيل قد أمرك فلان أن تستخدمه أو تدفعه إلى فلان ففعل فهلك العبد فالمستودع ضامن إن كان كذب الوكيل لأنه باستعمال ملك الغير بغير إذن المالك أو بدفعه إلى غيره يصير غاصبا ولا يضمن الوكيل شيئا لأنه لم يوجد منه فعل متصل بالعين إنما غره بخبره أو أخبره زورا وذلك غير موجب الضمان عليه كمن قال لغيره هذا الطريق آمن فسلكه فأخذ متاعه لم يضمن المخبر شيئا
ولو وكله بقبض وديعة له عند فلان [ ص: 88 ] أو عارية ثم مات الموكل فقد خرج الوكيل من الوكالة لانتقال الملك إلى الوارث ولم يوجد من الوارث الرضا بقبضه وإن قال الوكيل قد كنت قبضتها في حياته وهلكت عندي أو دفعتها إلى الميت فالقول قوله بخلاف الدين لأن المودع لو ادعى هنا الرد على الوكيل كان القول قوله وإن لم يصدقه الوكيل فإذا صدقه أولى وفي الدين لو ادعى المديون قضاء الدين وجحد الوكيل لم يقبل قوله فكذلك إذا صدقه الوكيل لأن قول الوكيل ليس بحجة في حق الوارث فتصديقه كتكذيبه في الفصلين
قال ولو وكل رجل عبد رجل بقبض وديعة له عند مولاه أو عند غيره فباع المولى العبد أو أعتقه أو كاتب أمة فاستولدها فالوكيل على وكالته لأن ما اعترض لا ينافي ابتداء التوكيل فلا ينافي بقاءه بطريق الأولى
قال وإذا وكل رجلا بقبض عبد له عند رجل فقتل العبد خطأ كان للمستودع أن يأخذ قيمة العبد من عاقلة القاتل لأنه مأمور بالحفظ وحفظ الشيء بإمساك عينه في حال قيامه وبدله بعد هلاكه ولأن يد المودع كانت ثابتة على العبد والقاتل جان على حقه بتفويت يده فكان له أن يأخذ القيمة من عاقلته وهو مذهبنا فأما عند الشافعي رحمه الله فليس للمودع أخذ القيمة لأنه مودع في العين فتتعذر ولايته على العين ولا تتعدى إلى محل آخر فما دامت العين باقية بملك أحد يجوز له استردادها فأما بعد هلاك العين فلا يكون له أن يخاصم في القيمة ثم فرق علماؤنا رحمهم الله بين المودع والوكيل قالوا ليس للوكيل بالقبض أن يقبض القيمة لأنه نائب في القبض وإنما أنابه الموكل في قبض العبد دون القيمة وقد يختار المرء بقبض شيء دون شيء لأدائه في الأعيان دون النقود فأما المودع فقد كانت له يد ثابتة على العين فأزالها القاتل بجنايته فله أن يسترد القيمة من عاقلته بحكم يده المعتبرة شرعا حتى لو كان الوكيل قبض العبد ثم قتل عنده كان له أن يأخذ القيمة أيضا لأنه بعد القبض صار مودعا فيه ولو جنى على العبد قبل أن يقبضه الوكيل فأخذ المستودع الأرش فللوكيل أن يقبض العبد ولا سبيل له على الأرش لأنه أمين من جهة المالك في قبض العبد وذلك لا يتعدى إلى قبض الأرش اعتبارا للجزء بالكل وكذلك لو كان المستودع أجره بإذن مولاه لم يكن للوكيل أن يقبض الأجر ولو كانت أمة فوطئت بالشبهة لم يكن للوكيل أن يقبض المهر لما بينا أن المالك إنما أنابه مناب نفسه في قبض العبد فلا يصير به نائبا في قبض ما انقلب من العين دراهم
قال ولو وكله بقبض أمة أو شاة فولدت كان للوكيل أن يقبض الولد مع الأم لأن الولد جزء من عينها وقد ثبت له حق القبض في جميع أجزائها بالوكالة فلا يسقط [ ص: 89 ] عن هذا الجزء بالانفصال بخلاف ما إذا ولدت قبل الوكالة لأن حق القبض يثبت له بالتوكيل وعنده ذلك الولد شخص وليس بجزء ثم نقول الولد من جنس الأصل ولا يبقى محفوظا إلا مع الأم ومقصود الموكل من هذا التوكيل صيانة ماله فلهذا يتعدى أمره إلى ما يلد بعد ذلك ولا يتعدى إلى الأرش والعقد لأنه ليس من جنس الأصل ويبقى محفوظا منفصلا من الأصل فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن يقبض المنفصل قبل الوكالة قلنا نعم ولكن هناك لو كان مقصوده قبض الولد مع الأصل أمكنه أن ينص في التوكيل عليها لكون الولد موجودا عند التوكيل فأما ما ينفصل بعد ذلك فما كان الموكل يعلم به لينص في التوكيل على قبضه فلهذا يتعدى حكم الآمر إليه وثمرة البستان بمنزلة الولد لأنه متولد من الأصل ولو كان المستودع باع الثمرة في رءوس النخيل بأمر رب الأرض لم يكن له أن يقبض الثمن لأن ائتمانه إياه في قبض البستان لا يكون ائتمانا في قبض الدراهم بخلاف الثمار فإن ائتمانه إياه في قبض البستان يكون ائتمانا في قبض الثمار التي تتولد من الأشجار عادة ألا ترى أن ما يحدث بعد قبضه من الثمار يكون أمانة عنده باعتبار رضا المالك به وكما لا يقبض ثمن الثمار لا يقبض ثمن ولد الجارية ولا قيمته إذا أتلفه متلف
قال وإذا كانت الوديعة مما يكال أو يوزن فوكله بقبضه فاستهلكها رجل وقبض المستودع مثلها من المستهلك ففي القياس ليس للوكيل أن يقبض المثل لأن المثل في ذوات الأمثال كالقيمة فيما لا مثل له وهذا لأنه أذن له في قبض العين فلا يتعدى إذنه إلى عين أخرى ومثل الشيء غيره ولكنه استحسن فقال له أن يقبض المثل لأن رضاه بأمانته لا يختلف باختلاف العين وإنما يختلف باختلاف الجنس فقد يؤدي الإنسان الأمانة من الجنس والقيمة ليست من جنس العين فائتمانه إياه في العين لا يتعدى إلى ما ليس من جنسه فأما المثل من جنس المتلف فائتمانه إياه في تلك العين يقتضي الائتمان في المثل الذي هو من جنسه وهذا لأن التعيين معتبر فيما يفيد دون ما لا يفيد ألا ترى أن تعيين النقود في العقود معتبر في تعيين جنس النقد ولا يعتبر في استحقاق تلك العين حتى كان للمشتري أن ينقد مثله ولم يكن له أن ينقده من جنس آخر فهذا مثله قال أرأيت لو أكلها المستودع أما للوكيل أن يأخذ منه مثلها والجواب فيما استشهد به وفيما استشهد له سواء
قال وإذا وكله بقبض وديعة له عند رجل ثم قبضها الموكل ثم استودعها إياه ثانية لم يكن وكيلا بقبضها علم بذلك أو لم يعلم لأن بقبض الموكل تم مقصوده فانعزل الوكيل ولأن إيداعه ثانيا عقد جديد والتوكيل باسترداد وديعة بحكم عقد لا يتعدى [ ص: 90 ] إلى استرداد وديعة بعقد آخر كما لا يتعدى من عين إلى عين أخرى وكذلك لو قبضها الوكيل أولا ودفعها إلى الموكل ثم استودعها الأول لم يكن للوكيل أن يقبضها منه لأن الوكالة قد انتهت باسترداد الوكيل إياها فكان هو في استردادها في المرة الثانية كأجنبي آخر فلرب الوديعة أن يضمن أيهما شاء فإن ضمن الوكيل لم يرجع على المستودع لأنه في قبضها ما كان عاملا للمستودع وإن ضمن المستودع رجع على الوكيل لأنه مكنها بالضمان وما رضي بقبض الوكيل له وحالهما كحال غاصب الغاصب مع الأول وهذا إذا لم يصدقه على أنه وكيل في المرة الثانية وقد بينا وجوه هذه المسألة فيما سبق
ولو وكله بقبض الوديعة وقال اقبضها اليوم ففي القياس ليس له أن يقبضها غدا لأن الوكالة تتوقت بالتوقيت فإذا وقتها باليوم انتهت الوكالة بمضي اليوم .
كما لو جعل أمر امرأته بيدها اليوم لم يكن لها أن تختار نفسها غدا ولكنه استحسن فقال ذكر اليوم ليس لتوقيت الوكالة بل للتعجيل في قبضه بمنزلة قوله اقبضها الساعة ولو قال ذلك كان له أن يقبضها بعد تلك الساعة فكذلك هنا توضيحه أنه لو قال اقبضها كان له أن يقبضها متى شاء فقوله اليوم سكوت عما بعده وذلك لا يكون عزلا عما كان ثابتا له بمطلق الأمر بخلاف قوله لامرأته أمرك اليوم بيدك لأنه لو قال أمرك بيدك اليوم كان مقصورا على المجلس فقوله اليوم لمد حكم الأمر إلى آخر اليوم فإذا مضى اليوم خرج الأمر من يدها لأنه ليس في الغد أمر ثابت لها ولو قال اقبضها بمحضر من فلان فقبضها وهو غير حاضر جاز لما قلنا أنه لو قال اقبضها كان له أن يقبضها سواء كان فلان حاضرا أو لم يكن فقوله بمحضر من فلان سكوت في غير هذه الحال فيبقى ما كان على ما كان ألا ترى أنه لو قال اقبضها بشهود كان له أن يقبضها بغير شهود بخلاف ما لو قال لا تقبضها إلا بمحضر من فلان فإنه هناك نهاه عن القبض واستثنى قبضا بمحضر من فلان وكل قبض لا يكون بمحضر من فلان فهو مما يتناوله النهي لعمومه دون الإذن
قال وإذا قبض رجل وديعة رجل فقال رب الوديعة ما وكلتك وحلف على ذلك وضمن المستودع رجع بالمال على القابض إن كان عنده بعينه لأنه ملكه بأداء الضمان وإن قال هلك مني أو دفعته إلى الموكل فهو على التقسيم الذي قلنا إن صدقه المستودع بالوكالة لم يرجع عليه بشيء وإن كذبه أو لم يصدقه ولم يكذبه أو صدقه وضمنه كان له أن يضمنه لما قلنا
ولو وكل رجلا بقبض دابة استعارها من رجل فقبضها الوكيل وركبها فهو ضامن لها لأن المالك إنما رضي بركوب المستعير دون الوكيل والركوب يتفاوت [ ص: 91 ] فيه الناس فرب راكب يروض الدابة ركوبه والآخر يتلف الدابة ركوبه فلهذا كان الوكيل ضامنا ولا يرجع به على الموكل لأنه في الركوب ما كان عاملا له ولا كان مأمورا به من جهته قالوا وهذا إذا كانت الدابة بحيث تنقاد للسوق من غير ركوب فإن كانت لا تنقاد فلا ضمان على الوكيل لأن صاحب الدابة لما دفعها إلى الوكيل ليأتي بها المستعير مع علمه أنها لا تنقاد إلا بالركوب فقد صار راضيا بركوبه
قال وإذا وكل المكاتب وكيلا بقبض وديعة أو دين له على رجل ثم رد المكاتب في الرق فقبضها الوكيل جاز وكذلك لو كان الموكل عبدا تاجرا فحجر عليه مولاه لأنه فيما باشر الإيداع بنفسه أو المعاملة حق القبض إليه بعد الحجر حتى لو قبضه بنفسه جاز فكذلك يبقى الوكيل على وكالته
ولو أن رجلا وكل رجلا بقبض وديعة له وجعل له أجرا مسمى على أن يقبضها فيأتيه بها فهو جائز لأنه استأجره لعمل غير مستحق عليه وهو حمل الوديعة إليه وذلك عمل معلوم في نفسه فيجوز الاستئجار عليه فإن كان دينا يتقاضاه لم يجز إلا أن يوقت له أياما لأن عمل التقاضي ليس بمعلوم المقدار في نفسه فلا يجوز الاستئجار عليه إلا ببيان المدة كالبيع والشراء ولو وكله بالخصومة وجعل له أجرا كان فاسدا إلا أن يوقت أياما لأنه استأجره لعمل غير معلوم في نفسه فلا يصح إلا ببيان المدة
وإن وكل الوصي وكيلا بدفع وديعة أو دين أو بقبضهما كان جائزا لأن الوصي في التوكيل قائم مقام الموصي والله أعلم
باب الوكالة في الهبة قال رحمه الله ويجوز للواهب أن يوكل وكيلا بالتسليم لأنه عمل تجزي فيه النيابة وإذا وقع فيه الغلط يمكن تداركه فيقوم فعل الوكيل فيه مقام فعل الموكل وكذلك يجوز للموهوب له أن يوكل بالقبض والصدقة نظير الهبة في ذلك فإن التسليم والقبض في ذلك بمنزلة الإيجاب والقبول في البيع والشراء والتوكيل به يصح وإذا وكل الواهب بالتسليم والموهوب بالقبض وقاما جميعا فامتنع وكيل الواهب من التسليم فخاصمه وكيل الموهوب له وأقام البينة أن صاحب العين وكله بدفعها إليه قبلت البينة وأجبر الوكيل على دفعه لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم فمراده من هذا الإخبار أنه لا يمكنه أن يمنع العين لا أن يجبره على مباشرة فعل فإن وكيل الموهوب له أن يقبضه بأمر الواهب إذا لم يمنعه أحد من ذلك فهو بهذه البينة يثبت عليه [ ص: 92 ] أنه ليس له حق المنع فإذا ثبت ذلك قبضه وكيل الموهوب له بنفسه وإذا ادعى مدع في ذلك دعوى لم يكن واحد من هذين الوكيلين خصما في خصومته لأن كل واحد منهما أمين في هذه العين والأمين لا يكون خصما لمدعي الأمانة ما لم يحضر صاحبها

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|