عرض مشاركة واحدة
  #394  
قديم 21-12-2025, 06:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر

صـــ 72الى صـــ 81
(394)




ولا يجوز أن يكون الواحد وكيلا للمطلوب في قضائه ووكيلا للطالب في الاقتضاء كما لا يجوز أن يكون المطلوب وكيلا للطالب في قبض الدين من نفسه وهذا لأن في القبض معنى المبادلة من وجه فلا يتولاه الواحد من الجانبين كالبيع والشراء قال والتوكيل بالتقاضي والقبض جائز إن كان الموكل حاضرا أو غائبا صحيحا أو مريضا لأنه تفويض إلى غيره ما هو من خالص حقه ولا ضرر فيه على الغير فإن القبض معلوم بجنس حقه لا يتفاوت فيه الناس وعلى المطلوب أن يقضي الدين ولا يخرج الوكيل ولا الطالب إلى التقاضي مع أن للتقاضي حقا معلوما إذا جاوزه منع منه بخلاف الوكيل بالخصومة عند أبي حنيفة رحمه الله فإن مات المطلوب فالوكيل على وكالته في تقاضي ذلك من مال الميت فإن الدين لم يسقط بموت [ ص: 73 ] المطلوب بل قضاؤه من تركته مستحق وابتداء التوكيل بالتقاضي بعد موته صحيح فبقاؤه أولى ولو كان الموكل هو الميت بطلت الوكالة لأن المال صار ميراثا لورثته ولم يوجد التوكيل منهم بقبضه فإن قال قد كنت قبضته في حياة الموكل ودفعته إليه لم يصدق في ذلك لأنه أخبر بما لا يملك إنشاءه فكان متهما في الإخبار وقد انعزل بموت الموكل والدين قائم ظاهرا فلا يقبل قوله في إبطال ملك قائم للوارث وإن لم يمت الطالب ولكنه احتال بالمال على آخر وأبرأ المطلوب منه لم يكن للوكيل أن يقبضه من المحتال عليه ولا من الأول لأنه لم يبق في ذمة الأول شيء والتوكيل كان مقيدا بالتقاضي والقبض منه فلا يملك به القبض من غيره وهو المحتال عليه فإن نوى ما على المحتال عليه ورجع على الأول فالوكيل على وكالته لأن الحوالة لم تبطل الوكالة ولكن تعذر على الوكيل مطالبة المحيل كما كان فبقي الوكيل على وكالته
وكذلك لو اشترى الموكل بالمال عبدا من المطلوب فاستحق العبد من يده أو رده بسبب هو فسخ من الأصل فقد عاد دينه كما كان فبقيت الوكالة وكذلك لو كان قبض الدراهم فوجدها زيوفا لأن بالرد بعيب الزيافة انتقض القبض من الأصل فبقي الوكيل على وكالته ولو أخذ الطالب منه كفيلا لم يكن للوكيل أن يتقاضى من الكفيل لأن التوكيل مقيد بالتقاضي من الأصيل فلا يملك به التقاضي من غيره فلو قال الطالب لرجل إذا حل مالي على فلان فتقاض أو قال إذا قدم فتقاضاه أو اقبض ما عليه كان جائزا لأن التوكيل إطلاق وهو يحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى وقت وكذلك لو قال إذا أديته شيئا فأنت وكيلي في قبض ما عليه فقد أضاف التوكيل بالقبض إلى حال وجوب الدين كالمستثنى للوكيل في ذلك الوقت
ولو قال أنت وكيلي في قبض كل دين لي وليس له دين يومئذ ثم حدث له دين كان وكيلا في قبضه أما على طريقة الاستحسان فغير مشكل لما بينا وعلى طريقة القياس فكذلك لأن الدين اسم للواجب في الحال حقيقة ولما استجيب مجاز ولم تكن الحقيقة مرادة هنا فتعين المجاز وفيما تقدم كانت الحقيقة مرادة فانتفى المجاز
ولو قال اذهب فتقاض ديني على فلان فله أن يقبضه لأن المقصود من التقاضي القبض والمأمور بالشيء يكون مأمورا بتحصيل المقصود به ولا يكون وكيلا في الخصومة لأن قوله اذهب فتقاض ديني بمنزلة قوله اذهب واقبضه وهذا اللفظ بمنزلة الرسالة بالقبض فلا يصير به وكيلا بالخصومة إلا أن يصرح بلفظة التوكيل قال ولو كتب في ذكر الحق ومن قام بهذا الذكر فهو ولي ما فيه أو وكيل بقبضه لم تكن هذه الوكالة شيئا لأنه توكيل لمجهول [ ص: 74 ] بالقبض وهو باطل قال ولو كتب فيه أن فلانا وكلني وكيلا في قبض هذا الحق كان جائزا لأنه توكيل المعلوم وذلك صحيح يتم للموكل في حقه ولا يتوقف على حضرة الوكيل قال ولو وكله بقبض دينه على رجل فقبضه كان بمنزلة الوديعة عند الوكيل لأنه في القبض عامل للموكل فكأن الموكل قبضه بنفسه ثم دفعه إليه ليحفظه فإن وجده الوكيل زيوفا أو ستوقا فرده فإنه ينبغي في القياس أن يضمن ولكن استحسن أن لا يضمنه فقد جمع في السؤال بين الفصلين والمراد بالجواب أحدهما وهو الزيوف فأما في الستوق فلا يضمن بالرد قياسا واستحسانا لأنه وكيل بقبض دينه والستوق ليست من جنس دينه فلا يصير به قابضا دينه حتى لو تجوز به في الصرف والسلم لا يجوز فرد المقبوض لأنه باق على ملك من قبضه منه وهو على وكالته في قبض دينه وجه القياس في الزيوف أنه من جنس دينه فصار به قابضا ويجعل في الحكم كأن الموكل قبضه بنفسه ثم دفعه إليه ليحفظه فإذا رده على غيره صار ضامنا وهذا لأن الوكالة انتهت بالقبض فهو في الرد كأجنبي آخر ووجه الاستحسان أنه مأمور بقبض أصل حقه بصفته وقد تبين أنه لم يقبض الصفة ولا يتوصل إلى قبض الصفة إلا برد الزيوف فصار مأمورا به من جهة الموكل دلالة توضيحه أن قبض الدين فيه معنى التمليك من وجه والزيافة عيب في الدراهم والوكيل بالتمليك بعوض يملك الرد بالعيب كالوكيل بالبيع والشراء
قال وإن وكله بتقاضي حنطة له على رجل فقبضها ووجد بها عيبا فردها فهو جائز لأنه تبين أنه مما قبض حقه فيرد المقبوض ليقبض الحق بصفته وفيه منفعة للآمر لأنه لو هلك المقبوض قبل الرد بطل حقه من الصفة فكان في الرد إحياء حقه وإن لم يكن بها عيب فاستأجر لها من يحملها لم يجب الأجر على الآمر لأنه متبرع بالحمل فأداء الكراء عليه فإن الآمر لم يأمره بذلك قال إلا أن يكون في المصر فأستحسن أن أجعله عليه وفي القياس هو متبرع هنا كما في الأول وفي الاستحسان قال الظاهر هنا أنه يأمره بالقبض في المصر ليحمله إلى منزله لأنه إن أراد الأكل جملة إلى منزله وإن أراد البيع فكذلك لأن قيمة الحنطة في المصر لا تختلف بالسوق وغيره فأما خارج المصر فإن كان مراده البيع فربما يبيعه هناك ولا يحمله إلى المصر إذا كان أنفع له من التزام الكراء فلا يكون أمره بالقبض أمرا بالحمل إلى منزله ولأن المؤنة في الحمل إلى المصر تقل فلا يكون على الآمر فيه كثير ضرر لو عدينا حكم الآمر إلى الحمل فأما خارج المصر فالمؤنة تكثر فربما يتضرر به الآمر فهذا لا يتعدى حكم الوكالة إلى الحمل وعلى هذا لو [ ص: 75 ] وكله بقبض رقيق أو غنم فقبضها وأنفق عليها في رعيها أو في كسوة الرقيق وطعامهم فهو متطوع في ذلك لأن الأمر بالقبض لا يتعدى إلى هذه الأشياء فهو متبرع فيها كسائر الأشياء
قال ولو وكله بقبض دين له على أبي الوكيل أو ولده أو مكاتبه أو عبده فقال الوكيل قد قبضته وهلك في يدي وكذبه الآمر فالقول قول الوكيل لأن الوكالة لما صحت بالقبض من هؤلاء صار هو مسلطا من جهة الآمر على الإقرار بالقبض لأن من ملك مباشرة الشيء يملك الإقرار به وتأويله في حق العبد إذا كان مديونا أما إذا لم يكن مديونا فتوكيله بالقبض يصح كتوكيله بالقبض من نفسه ولا يصح إقراره بالقبض لأن وجوب الدين فيما هو ملك المولى وفي بعض النسخ قال أو مكاتب ولده أو عبده يعني عبد الولد وهذا الجواب واضح وإن كان الوكيل عبدا فقال قد قبضت من مولاي أو من عبد مولاي وهلك مني فهو مصدق أيضا لأنه صح التوكيل وملك إبراء الغريم بمباشرة القبض منه فكذلك بإقراره بالقبض منه قال وإن كان الوكيل أبا الطالب أو المطلوب فكذلك لأنه لا تهمة في إقرار الوكيل بالقبض منه وقد صح توكيله إياه بالقبض ولو وكل غيره أن يلزم رجلا بمال له عليه لم يكن وكيلا بالقبض بخلاف الوكيل بالتقاضي فإن هناك التوكيل مضاف إلى المطلوب دون الدين لأنه يقول وكلتك بأن تلازم فلانا فلا يتعدى ذلك إلى قبض الدين ولهذا يختار للملازمة أسفه الناس ومن يتأذى المطلوب بملازمته ومصاحبته ويختار للقبض الأمناء فلهذا لا يتعدى التوكيل بالملازمة إلى القبض
قال ولو وكل المسلم مرتدا بقبض دينه فقبضه أو أقر بقبضه وهلاكه منه ثم قتل على ردته جاز قبضه لأن قبول الوكالة صحيح فإنه يتصرف به في منافعه لا فيما يتعلق به حق ورثته وكذلك إن كان الوكيل حربيا فقبضه ثم لحق بدار الحرب لأنه قبض بحكم وكالة صحيحة فبرئ الغريم وصار كأن الموكل قبضه بنفسه ثم دفعه إليه ليحفظه
قال ولو وكل رجل رجلا بقبض دينه من فلان وأمره أن لا يقبضه إلا جميعا فقبضه كله إلا درهما لم يجز قبضه على الآمر لأنه قيد الأمر بوصف مرغوب فيه فإن التجار يرغبون في قبض الحق جملة واحدة ويمتنعون من القبض متفرقا فإذا لم يقبض الكل جملة لم يكن هذا القبض هو المأمور به فلا يستفيد الغريم به البراءة وللطالب أن يرجع عليه بجميع حقه وكذلك لو قال له لا تقبض درهما دون درهم فإن معنى هذا لا تقبضه متفرقا فإذا قبض شيئا دون شيء لم يبرأ الغريم من شيء

قال وإذا ادعى الرجل أن فلانا وكله بقبض دين له على هذا فلم يقر الغريم به ودفع المال إليه على الإنكار ثم أراد أن [ ص: 76 ] يسترده منه لم يكن له ذلك لأنه دفع إليه على وجه القضاء فما لم يتبين الأمر بخلافه لا يكون له حق الاسترداد فإن قاضي الدين ينقطع حقه عن المقضي به من كل وجه ألا ترى أنه لو قضى الطالب دينا على دعواه لم يسترده ما لم يتبين أنه لا دين له عليه فكذلك إذا قضاه الوكيل بدعواه الوكالة وإن أقر بالوكالة ثم أراد أن لا يدفع المال إليه فإن القاضي يقضي عليه بالمال للوكيل على ما بينا أن المديون يقضي الدين بملك نفسه وهو إنما أقر بثبوت حق القبض له في ملكه وذلك جحد عليه إلا على قول ابن أبي ليلى رحمه الله فإنه يقول لا يجبره القاضي على الدفع إليه ولكن يقول له أنت أعلم إن شئت فأعطه وإن شئت فاتركه لأنه لم يثبت كونه نائبا عن الطالب في حق القاضي وولاية الإجبار بعد ثبوت كونه ثابتا عنده ولكنا نقول قد ثبت ذلك بجبر الوكيل وتصديق المطلوب إذ ليس هنا مكذب لهما وكل خبر عند القاضي محمول على الصدق ما لم يأت له معارض ولكن إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة رجع على الغريم بماله لأن الوكالة لا تثبت في حق الطالب لإنكاره ولم يحكم ببراءة الغريم في حق الطالب أيضا لأن حجة الإجبار قاصرة على المطلوب والوكيل وثبوت الحكم بحسب الحجة قال وإن أنكر المطلوب الوكالة فقال الوكيل استحلفه أنه ما وكلني ليستحلفه على ذلك فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين قضيت عليه بالمال للوكيل لأن نكوله كإقراره ولم يصدق على الطالب حتى إذا أنكر الطالب ونكل عن اليمين وحلف ذلك كان له أن يأخذ ماله من الغريم وذكر الخصاف رحمه الله هذا الفصل في كتابه وقال لا يحلف المطلوب على الوكالة في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما يحلف على العلم وجه قولهما ظاهر وذلك لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه فإذا أنكر حلفه ولكنه استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم وأبو حنيفة رحمه الله يقول الاستحلاف يبنى على صحة الدعوى وما لم يثبت كونه نائبا عن الآمر لا تصح دعواه على المطلوب فلا يكون له أن يحلفه

وهذا نظير الاختلاف فيما إذا ادعى المشتري عيب الإباق في العبد للحال وجحده البائع أن عندهما يحلف البائع على العلم وعند أبي حنيفة رحمه الله لأن الخصومة في العيب لا تكون إلا بعد ثبوته في الحال وبدون سبب الخصومة لا يستحلف وإن أقر المطلوب بالوكالة وأنكر الدين فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يستحلف المطلوب وعندهما لا يستحلف لأن الوكيل بقبض الدين عنده يملك الخصومة وقد تثبت الوكالة في حقه بإقراره

قال وإذا دفع لرجل ألف درهم وقال ادفعها إلى فلان قضاء عني فدفع الوكيل غيرها واحتبسها عنده كان القياس أن [ ص: 77 ] يدفع الألف التي احتبست عنده إلى الموكل ويكون متطوعا فيما أمره لأن أمره بالدفع كان مقيدا بالمال المدفوع ففي دفع مال الآمر هو كأجنبي آخر فيكون متبرعا في القضاء بمال نفسه لدين الغير ويرد على المطلوب ماله لأنه ملكه دفعه إليه لمقصوده وقد استغنى عنه ، وجه الاستحسان أن مقصود الآمر أن يحصل البراءة لنفسه ولا فرق في هذا المقصود بين الألف المدفوعة إلى الوكيل وبين مثلها من مال الوكيل والتقييد إذا لم يكن مقيدا لا يعتبر ثم الوكيل قد يبتلى بهذا بأن يجد الطالب في موضع وليس معه مال المطلوب فيحتاج إلى أن يدفع مثله من مال نفسه ليرجع به في المدفوع إليه وقد بينا أن هذا توكيل بالمبادلة من وجه وهذا القدر يصح من الوكيل بالمبادلة ولا يكون هو متبرعا فيما يدفع على ما سبق بيانه
قال وإذا دفع رجل إلى رجلين ألف درهم يدفعها بها إلى رجل فدفعها أحدهما فهو ضامن للنصف في القياس لأن كل واحد أمين في النصف مأمور بدفعه إلى الطالب فإذا دفع أحدهما الكل كان متعديا في نصيب صاحبه فيكون ضامنا ولكنه استحسن فقال لا ضمان عليه لأن دفع المال إلى الغير لا يحتاج فيه إلى الرأي فينفرد كل واحد من الوكيلين ولأن صاحب الحق إذا ظفر به كان له أن يأخذه من غير دفع أحدهما والذي دفع كأنه يعينه على حقه وصاحب الحق هو القابض في الحقيقة وهو قبض في الحقيقة لحق فلا يوجب الضمان على أحد فإن قال خذ أنت يا فلان هذا الألف فاقضها فلانا أو أنت يا فلان فادفعها إلى فلان فأيهما قضى جاز لأنه رضي بدفع كل واحد منهما على الانفراد حين خيرهما
ولو قال لرجل اقض عني هذه الألف درهم فلانا أو فلانا فأيهما قضى جاز لأنه رضي بدفعه إلى أيهما شاء والحاصل أن الوكالة حكمها إباحة التصرف للوكيل وفي المباحات حرف أو يتناول كل واحد من المذكورين على سبيل التخيير بينهما كقول الرجل لغيره كل هذا الطعام أو هذا والله أعلم بالصواب
باب الوكالة في الرهن قال رحمه الله وإذا دفع الرجل إلى رجل متاعا فقال بعه أو ارهن به لي ففعل فهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله سواء كان الرهن مثل الثمن أو أقل بما لا يتغابن الناس فيه لأن الأمر بالارتهان مطلق فيجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد وعندهما لا يجوز إلا أن يرتهن رهنا هو مثل الثمن أو أقل بما يتغابن الناس فيه بناء على أصلهما أن التقييد [ ص: 78 ] يحصل بدلالة العرف ولو باعه ولم يرتهن به رهنا لم يجز البيع لأن الآمر قيد التوكيل بما فيه منفعة له وهو الارتهان بالثمن ليكون حقه مضمونا وليندفع عنه ضرر الثواء عند موت المشتري مفلسا فإذا باعه ولم يرتهن به لم يحصل مقصوده الذي صرح به فلا ينفذ تصرفه فيه .

كما لو قال بعه واشترط الخيار ثلاثة أيام فإن قيل قوله وارتهن أمر مبتدأ معطوف على الأول فلا يتقيد به الأمر الأول .

كما لو قال بع وأشهد قلنا لا كذلك فإن هذه الواو بمعنى الحال أي بعه في حال ما ترتهن بالثمن مع أنا نقول قوله وارتهن يقتضي الأمر بما يستبد به وذلك برهن مشروط في البيع ليصير ذلك حقا له فكأنه قال بعه بشرط أن ترتهن بالثمن رهنا وما قلنا في قوله واشترط الخيار بخلاف الإشهاد فإن ذلك لا يكون شرطا لازما في البيع وإن ذكر فلا يتقيد به الأمر بالبيع ولو قال بعه برهن ثقة فارتهن رهنا أقل منه بما يتغابن الناس فيه جاز وإن كان أقل منه بما لا يتغابن الناس فيه لم يجز لأنه قيد الارتهان هنا بأن يكون ثقة وهو عبارة عما يكون في ماليته وفاء بالدين فيتقيد به إلا أن قدر ما يتغابن الناس فيه لا يمكن التحرز عنه فكان عفوا

قال وإن ارتهن رهنا ثقة وقبضه ثم رده على صاحبه جاز رده في حق نفسه لأنه بمنزلة العاقد لنفسه والارتهان لاستيفاء الثمن وحق القبض إلى الوكيل حتى لو أبرأ المشتري منه كان صحيحا فإذا رده عليه الراهن بسبب كان صحيحا أيضا ولكنه يصير ضامنا ولم يذكر خلاف أبي يوسف رحمه الله هنا قيل على قوله لا يصح رد الرهن بناء على الأصل الذي ذكرنا وقيل لا يصح هنا لأنه ليس فيه إبطال شيء من الثمن وهو من صنع التجار فيملكه قال وإن وضعه على يدي عدل فهو جائز لأن كون الرهن على يدي عدل أو على يدي الوكيل سواء في حق الموكل وهو اختصاصه الرهن عند تعذر استيفاء دينه من محل آخر ولم يقيد الآمر بيد الوكيل فلا يتقيد به وليس للموكل قبض الرهن لأن المشتري ما رضي بقبضه إنما رضي بقبض العدل أو قبض الوكيل ورضاه معتبر في ملكه وكذلك الجواب في القرض برهن في جميع ما ذكرنا

قال وإذا دفع إلى رجل مائة درهم فقال له ائت بها فلانا وقل له إن فلانا أقرضك هذه على أن تعطيه بها رهنا وأمرني أن أقبض الرهن منك فآتيه به ففعل وقبض الرهن فهو جائز والرهن مقبوض وللآمر أن يقبضه من الوكيل لأنه جعله رسولا حين أمره أن يضيف ما يقول له إلى الآمر وقد بلغ الرسالة وليس على الرسول إلا تبليغ الرسالة فأما شيء من الحقوق لا يتعلق بالرسول فكان للآمر أن يقبض الرهن من [ ص: 79 ] الوكيل وأن يطالب المستقرض بدينه إلا أن الرهن يتم بقبض الرسول لأنه نائب عن المرسل في قبضه لنائبه فتم الرهن بقبضه وإذا هلك في يده هلك من مال الآمر وإن قال اقرض أنت وخذ بها رهنا لم يكن للآمر أن يأخذ الرهن من الوكيل لأنه بمباشرة العقد كان وكيلا لا رسولا فقد أضاف العقد إلى نفسه فتتعلق حقوقه به وإنما رضي المستقرض بكون الرهن في يده دون غيره فلهذا لا يكون للآمر أن يأخذه بخلاف ما سبق وإن هلك في يد الوكيل هلك من مال نفس الآمر أيضا لأنه عامل له فيما صنع فقبضه كقبض الآمر
قال وإن دفع إليه ثوبا يساوي عشرة دراهم ووكله أن يرهنه بعشرة ففعل وقبض العشرة فإن كان قال للذي أعطاه المال إن فلانا أرسلني إليك بهذا الرهن لتقرضه عشرة دراهم وترتهن هذا الثوب منه بدراهم فالدراهم للآمر والوكيل فيها أمين لأنه أخرج الكلام مخرج الرسالة حين أضافه إلى الآمر فانعقد العقد للمرتهن مع الآمر حتى لا يكون للرسول أن يسترد هذا الثوب ولا يكون هذا مطالبا بالعشرة وإن كان قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم وارتهن هذا الثوب مني فالعشرة للوكيل لأنه أضاف العقد إلى نفسه فلم يكن رسولا ولا يمكن أن يجعل وكيلا لأن التوكيل بالاستقراض لا يجوز فإن المستقرض يلتزم بدل القرض في ذمته ولو قال بع شيئا من مالك على أن يكون ثمنه لي لا يصلح فكذلك إذا قال التزم العشرة في ذمتك على أن يكون عوضه لي وكان التوكيل بالاستقراض قياس التوكيل فكان باطلا والعشرة للوكيل وله أن يمنعها من الآمر وإن هلكت من ماله وليس هذا الخلاف منه للآمر وإن كان قال استقرض لي ما بينا أن التوكيل لما لم يصلح فاستقراضه لنفسه ولغيره في الحكم سواء وهذا تقييد غير مفيد فلا يكون معتبرا قال وإن كان قال له صاحب الثوب قل لفلان يقرضني وأعطه هذا الثوب برسالتي رهنا عني فأضاف الوكيل العقد إلى نفسه كان مخالفا ضامنا للثوب ولا يجوز رهنه لأن صاحب الثوب جعله رسولا وكيلا هنا فيكون ذلك إذنا منه له في إضافة العقد إلى نفسه
قال ولو دفع إليه عبدا فقال له ائت فلانا وقل له إن فلانا يستقرضك ألف درهم ويرهنك هذا العبد ففعل ذلك وأخذ الألف وأعطاها الآمر ثم جاءه بالمال فأمر الراهن فقضاه لم يكن له أن يقبض العبد إلا أن يوكله رب العبد بقبضه لأنه فيما صنع كان رسولا وقد انتهت الرسالة بالتبليغ فيكون هو في استرداد العبد كأجنبي آخر فلا يملكه إلا بأمر جديد وإرساله بالمال على يده لا يتضمن الأمر له بقبض العبد فإن قبض العبد فعطب [ ص: 80 ] عنده فهو ضامن كما لو قبضه أجنبي آخر قال فإن كان المرتهن هو الذي دفعه إليه فللمالك الخيار يضمن أيهما شاء قيمته بالغة ما بلغت لأن كل واحد منهما غاصب في حقه وإن أخذه بغير أمره فالمرتهن لا يصير ضامنا بهذا شيئا ولكن صاحبه بالخيار إن شاء ضمن القيمة القابض وإن شاء رجع على المرتهن بما قضاه وجعل الرهن تأديا فيسقط الدين به ويسترد منه ما قضاه وهذا بمنزلة ما لو غصب المرهون من المرتهن غاصب فللراهن الخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته وإن شاء جعله تأديا فلا يرجع المرتهن عليه بشيء إذا كان في قيمته وفاء بالدين وإن قضاه دينه استرده منه فهذا مثله
قال ولو وكله أن يرتهن ثوبا له بدراهم قرضا فذهب الوكيل فقال إن فلانا يقول لك اقبض هذا الثوب رهنا وأعطه كذا وكذا درهما فزاد على ما سمى له أو نقص ففعل ذلك المقرض لم يكن الثوب رهنا في الوجهين لأن الوكيل خالف أمره على وجه هو أضر على الموكل لأنه إن نقص عما سمى له فمقصود الموكل لم يحصل ولم يرض هو أن يكون ثوبه مضمونا بأقل مما سمى له وإن زاد على ما سمى له فالموكل لم يرض بأن يكون ثوبه محبوسا عنده بأكثر مما سمى فعرفنا أنه مخالف في الوجهين قال فإن جاء الوكيل إلى الموكل بدراهم مثل ما سمى له فأعطاها إياه فهو دين له عليه لأنه لما خالف صار مستقرضا لنفسه وإن أضاف العقد إلى غيره ثم أعطاه الموكل على سبيل القرض فيكون ذلك دينا للوكيل على الموكل ولا يكون الثوب رهنا بها وإنما يصير رهنا عند الوكيل والموكل لم يرض بذلك والوكيل في أصل العقد كان مخالفا فلهذا لم يكن الثوب رهنا وللمرتهن أن يرجع على الوكيل بما قبض منه والوكيل ضامن له لما بينا أنه صار كالمستقرض لنفسه أو كالقابض لما له بغير حق فإن كان المرتهن صدقه في الرسالة فالوكيل مؤتمن إن هلكت الدراهم في يده لم يضمن للمرتهن شيئا لأنهما تصادقا على أنه غير مخالف بل هو مؤد للرسالة على وجهها أمين في المقبوض وإن قال دفعتها إلى رب الثوب فالقول قوله في براءة نفسه عن الضمان ولا يصدق في إيجاب الضمان على رب الثوب لأنهما لا يصدقان في حق رب الثوب بزعم أن الرسول خالف ما أمره به وإن لم يدفع إليه شيئا فلهذا لا ضمان عليه وإن قال الوكيل إنما أمرتني أن أرهنه بخمسة عشر وقال رب الثوب أمرتك بعشرة أو بعشرين ففي الوجهين القول قول رب الثوب لأنه لو أنكر الإرسال كان القول قوله فكذلك إذا أقر به مقيدا بصفة فالقول قوله مع يمينه فإذا حلف كان هذا والفصل الأول سواء
قال وإذا وكله أن يرهن له ثوبا بشيء ولم يسم ما يرهنه فما [ ص: 81 ] رهنه به من شيء فهو جائز لأن التوكيل مطلق فيجري على إطلاقه إذا لم يقم دليل التقييد فيه ودليله عندهما في غير هذا الموضع العرف ولا عرف هنا فالرهن قد يكون بالقليل والكثير عادة قال وليس للوكيل بالرهن أن يوكل غيره به لأن هذا عقد يحتاج فيه إلى الرأي والموكل رضي برأيه دون غيره وليس للوكيل المرتهن بيعه لأن ذلك ليس من موجبات عقد الرهن ألا ترى أنه لا يملكه بمطلق عقد الرهن والتوكيل بالرهن لا يعدو ما هو من موجبات العقد ففيما وراء موجب العقد الوكيل كأجنبي آخر قال ولو وضعه على يدي عدل جاز لأن يد العدل كيد المرتهن في إتمام الراهن به والتوكيل بالعقد يتضمن التوكيل بما هو من إتمامه وربما يكون كونه في يد العدل أنفع للراهن من كونه في يد المرتهن فلهذا يملكه بمطلق التوكيل فإن كان قال له الموكل ما صنعت من شيء فهو جائز فإن للوكيل أن يوكل غيره بأن يرهنه وأن يرهنه بنفسه وأن يسلط المرتهن على بيعه عند حلول المال لأنه أجاز بيعه على العموم وهذا مما يقصد بعقد الرهن لإتمام المقصود فإن المقصود استيفاء الدين منه وإذا تعذر استيفاؤه من محل جاز استيفاؤه من محل آخر وذلك يكون بالبيع عند قيام العين قال وإن وكل الوكيل وكيلا فرهنه فليس للثاني أن يسلط المرتهن على البيع لأن الثاني وكيل بالرهن مطلقا وتوكيل الأول إياه بذلك عند تفويض الأمر إليه على العموم بمنزلة توكيل المالك إياه بذلك قال إلا أن يفوض رب الثوب ذلك إليه ومراده أن تفويض الوكيل الأول الأمر إلى الثاني عاملا لا يطلق له لأن هذا يسوي غيره بنفسه في حق الغير وذلك لا يجوز فيحتاج إلى تفويض الموكل ذلك إليه

قال وإذا وكل الرجل رجلا أن يتعين له دراهم في شراء شيء معلوم وأعطاه رهنا يرهنه وقال له ما صنعت من شيء فهو جائز فتعين لرجل ورهن لرجل فإن العينة للموكل وبيع العينة ما ورد الأثر بالذم فيه إذا اتبعتم أذناب البقر وقعدتم عن الجهاد ذللتم حتى يطمع فيكم وتفسير ما ذكر في الجامع الصغير أن الرجل إذا استقرض من آخر شيئا فأبى أن يقرضه إلا بربح وعلم أن ذلك ربا فيبيع المقرض من المستقرض شيئا يساوي عشرة بخمسة عشر فيبيعه المقترض بعشرة فسلم له مقصوده وهو عشرة ويكون للمقرض عليه خمسة عشر فإنما أراد بما ذكر في الكتاب التوكيل بهذا النوع من الشراء والرهن وفعل الوكيل كفعل الموكل بنفسه فلهذا العينة للموكل فإن كان قال للوكيل ما صنعت من شيء فهو جائز كان له أن يبيع ما اشترى ليحصل الدراهم التي هي مقصود الموكل لأنه أجاز صنعه على العموم والبيع من صنعه [ ص: 82 ] وإن لم يكن قال ذلك فليس له أن يبيع ما اشترى لأنه وكيل بالشراء فلا يملك بعد الشراء البيع بمطلق التوكيل وهو نظير المستصنع ذلك وإن حل الثمن فالمأخوذ به هو الوكيل لأنه مباشر لعقد الشراء قابض للمشتري فيكون مطالبا بثمنه فإذا قضى الثمن من مال نفسه كان له أن يقبض الرهن ويكون أمينا فيه إن هلك قبل رده على الآمر ويرجع بما قضى به على الآمر لأن شراءه أوجب الثمن للبائع على الوكيل وللوكيل على الآمر وقد قضى ما وجب للبائع عليه فيرجع على الآمر بما استوجبه عليه ولو قال ائت فلانا وقل له إن فلانا يقول لك بعني خادمك فلانا إلى سنة بألف درهم فأبلغه الوكيل ذلك فقال قد فعلت فرجع الوكيل إلى الآمر فأبلغه ذلك فقال قد قبلت فرجع الوكيل إلى البائع فأخبره بذلك فقال قد أجزت فقد وقع البيع بينهما لأن عبارة الرسول كعبارة المرسل وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن قوله فرجع الوكيل إلى البائع فأخبره فقال قد أجزت فصل غير محتاج إليه بل يتم البيع بقول البائع بعد تبليغ الرسالة فعلت وقول المرسل قبلت لأن انعقاد البيع بلفظين هما عبارة عن الماضي وقد وجد ذلك كما لو كانا حاضرين فلا حاجة إلى إجازته بعد ذلك

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]