
21-12-2025, 05:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(393)
ولو وكله أن يشتري له طعاما بعشرة دراهم ، ولم يدفعها إليه ، فاشتراه الوكيل نسيئة - فهو جائز ; لأنه مأمور بالشراء مطلقا وقد بينا نظيره في الوكيل بالبيع ، وعن أبي يوسف - رحمه الله - في الفصلين جميعا أنه : إنما يبيع ويشتري للآمر بالنسيئة ، إذا أمره بالتصرف على وجه التجارة ; لأن كل واحد من النوعين من صنع التجار ، فإذا أمره بالبيع لا على وجه التجارة لا يملك البيع بالنسيئة ; وبيان هذا في كتاب الرهن ، ثم للآمر أن يأخذ الطعام قبل أن ينقد الثمن ; لأن مع الوكيل كحال الوكيل مع البائع ، وللوكيل أن يقبض المبيع قبل أن ينقد الثمن إذا كان مؤجلا ، فللآمر ذلك أيضا ، فإن مات الوكيل فحل عليه الثمن - لم يحل على الآمر ; لأن حلول الثمن على الوكيل لوقوع الاستغناء عن الأجل وعدم انتفاعه ببقائه ; أو لأن ما عليه من الدين ، صار كالمستحق في تركته وهو ميت ، وهذا لا يوجد في حق الآمر ما بقي حيا ، وكذلك لو أمره بأن يشتري له إلى أجل ، وهذا أظهر من الأول ، ولو كان أعطاه [ ص: 63 ] دنانير ، وأمره أن يشتري بها ، ثم لم ينقدها ، حتى دفع الطعام إلى الآمر ، وأنفق الدنانير في حاجته ، ونقد الثمن غيرها - فهو جائز ; لأنه امتثل الأمر في الشراء بتلك الدنانير ، وهي لا تتعين في الشراء بالتعيين ، فكانت باقية على ملك الآمر ، وقد وجب الثمن للبائع دينا في ذمة الوكيل ، وللوكيل في ذمة الآمر ، فالوكيل حين أنفق دنانير الآمر في حاجته ، صار مستوفيا دين نفسه فبقي دين الآمر عليه يغرمه في ماله ، وإن اشترى بدنانير غيرها ، ثم نقدها - فالطعام للوكيل ; لأنه كان مأمورا بالشراء بتلك الدنانير ، فإذا اشترى بغيرها ; صار مخالفا فكان مشتريا لنفسه ، ثم نقد دنانير الآمر في قضاء دين نفسه ، فصار ضامنا له ، فإن قيل : الشراء لا يتعلق بتلك الدنانير ، فشراء الوكيل بها وبغيرها سواء
قلنا : لا نقول يتعلق الشراء بتلك الدنانير ، وإنما تتقيد الوكالة بما يتقيد به المال المضاف إليها ، ألا ترى أنه لو هلك المال قبل الشراء به ، بطلت الوكالة ، وإذا تعلقت الوكالة بتلك الدنانير ; لم يكن الشراء بغيرها من موجبات الوكالة ، على أن الشراء قد بطل بتعلق الدنانير المضافة إليها نوع تعلق ، ألا ترى أن من اشترى بالدنانير المغصوبة ، ونقدها - لم يطلب له الفضل ، بخلاف ما إذا اشترى بغيرها ونقدها ، وإن اشترى الوكيل طعاما إلى أجل ، وهو ينوي الشراء بها ، لم يصدق على ذلك ، ولم يلزم الآمر ; لأن تلك الدنانير عين ; وصفة العينية تنافي الأجل ، فبين شرائه بالثمن المؤجل ، وبين شرائه بتلك الدنانير منافاة بينة ، فبينه مخالفة ; لما صرح به ، ودعواه غير مطابقة لما ظهر منه ، فلا يصدق على ذلك ، وكان هذا وما لو اشتراه بدنانير غير تلك الدنانير .
سواء ، وإن كان اشترى طعاما بمال ، فنوى الشراء بتلك - فهو جائز على الآمر ; لأنه ما صرح بخلاف ما أمره به نصا ، فإن إضافة الثمن إلى ذمته ، وإلى ما في يده من الدنانير سواء ، وكان تعيين تلك الدنانير في قلبه كتعينها بإشارته في العقد إليها ; وهذا لأن الوكيل قد يبتلى بهذا : بأن يجد ما يوافق الآمر في السوق ، ولا تكون تلك الدنانير معه ، فلو رجع إلى بيته ; ليحضرها فاته ، فلهذا جوزنا شراءه للآمر بمطلق الدنانير ، وإن نقد بعد ذلك تلك الدنانير نصا .
وكذلك لو أمره أن يشتري له عبدا ، وسمى جنسه وثمنه ووكله آخر بمثل ذلك ، ودفع إليه الثمن فاشتراه على تلك الصفة ; وقال : نويته لفلان فالقول : قوله ; لأن ما في ضميره ، لا يعرفه غيره ، فيوجب قبول قوله في ذلك ، وهو أمين مسلط على ما أخبر به من جهة كل واحد منهما ، وإن مات في يديه ; مات من ماله الذي سمى له ; لأنه بقبضه له يصير من وقع له الشراء قابضا ، ولو وكله أحدهما أن يشتري له نصف عبد معروف بثمن مسمى ، ووكله آخر بأن يشتري له نصف عبد بمثل ذلك الثمن ، [ ص: 64 ] فاشترى الوكيل نصفه ، وقال : نويت أن يكون للآخر - فالقول قوله ; لأن وكالة الثاني صحيحة ، وصار هو مالكا شراء النصف لكل واحد منهما ، فكان قوله مقبولا في تعيين من المشترى له ، وإن كان كل واحد منهما سمى له ثمنا مخالفا لما سمى الآخر ، فاشترى أحد النصفين بذلك الثمن ، وقال : نويته لفلان الآخر - فالقول قوله ; لما بينا : أن ما في ضميره لا يعرفه غيره ، فإذا قبلنا قوله في ذلك صار مخالفا مشتريا لنفسه ; لأنه اشترى بثمن غير الثمن الذي نواه له بالشراء ، ولا يكون هذا النصف للذي أمره بالشراء بهذا الثمن ; لأنه لم ينوه له وفيما ليس بعين لا يصير مشتريا للآمر ، إلا أن ينوي أن ينقد دراهمه .
قال : وإذا وكله أن يشتري له جارية بعينها فقال الوكيل : نعم ، ثم اشتراها لنفسه ، ووطئها ، فحبلت منه - فإنه يدرأ عنه الحد ، وتكون الأمة وولدها للآمر ، ولا يثبت النسب ; لأنه صار مشتريا للآمر ، فإن نيته لنفسه لغو في الجارية المعينة ، إلا أنها في يده بمنزلة الجارية المبيعة في يد البائع على ما بينا : أن الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري ، ووطء البائع للأمة المبيعة لا يوجب عليه الحد لتمكن الشبهة ، ولكن لا يتمكن الغرور بهذا ; لأنه استولدها ، مع العلم بأنها لغيره ، ولهذا كانت مع ولدها للآمر ، ولا يثبت النسب .
قال : ولو وكله بأن يشتري له أمة ، وسمى جنسها ، فاشترى أمة وأرسل إليه بها ، فاستولدها الآمر ثم قال الوكيل : ما اشتريتها لك ، فإن كان حين بعث بها إليه قال : اشتريتها لك أو قال : هي الجارية التي أمرتني بأن أشتريها لك لم يسمع دعواه بعد ذلك ، ولا تقبل بينته على الإشهاد عند الشراء أنه اشتراها لنفسه ; لكونه مناقضا في هذه الدعوى ، وإن لم يذكر شيئا من ذلك ; فالقول قوله مع يمينه ، ويأخذها وعقرها ، وقيمة ولدها لما بيناه فيما سبق .
قال : ولو وكله بأن يشتري له دار فلان بألف درهم ، فاشترى صحراء ليس فيها بناء - فهو جائز ; لأن الدار اسم لما يدار عليه الحائط ، مبنيا كان أو غير مبني ; والعرب يطلقون اسم الدار على الصحراء التي لم يبق فيها إلا أثر ، قال القائل :
يا دار مية بالعلياء فالسند وقال الآخر :
عفت الديار محلها فمقامها وهذا بخلاف ما لو أمره بأن يشتري له بيتا ، فاشترى أرضا لم يكن فيه بناء - لم يجز على الآمر ; لأن البيت اسم لما يبات فيه ، وذلك في المبني خاصة ، ثم الإنسان قد يشتري الدار غير مبنية ; ليبنيها على مراده ، فلم يكن فيما اشتراه الوكيل معنى المخالفة لمقصود الآمر ، بخلاف البيت فإنه يشتريه لينتفع به ، ولا يحتاج إلى تخلق بنائه ، وهذا المعنى لا يحصل في غير المبني ، فإذا صح [ ص: 65 ] شراء الدار للآمر ، وهلك المال عند الوكيل فقال الآمر : هلك قبل أن تشتري ، وقال الوكيل : هلك بعد ما اشتريتها - فالقول قول الآمر لإنكاره بقاء الوكالة عند الشراء بمنزلة ما لو أنكر التوكيل أصلا ; ولأن الوكيل يدعي لنفسه الثمن في ذمة الموكل وهو منكر لذلك ، فالقول قوله مع يمينه ، ويحلف على العلم ; لأنه استحلاف على فعل الغير ، وهو الشراء به قبل الهلاك أو بعده ، ولو لم يهلك ونقده البائع فاستحقه رجل فضمن الوكيل رجع به على الآمر ; لأنه كان عاملا له فيما قبض من الثمن ونقد
وإن ضمن البائع رجع به على الوكيل ; لأن المقبوض من الثمن لم يسلم له - رجع الوكيل على الآمر بكونه عاملا له ، ولو لم يستحق ، ولكن جحد البائع أن يكون القبض قبض الثمن ، فالقول قوله مع يمينه ، فإذا حلف رجع به على الوكيل ، ولم يرجع به الوكيل على الآمر ، لأنه مقر أنه استوفى الثمن من الآمر ، ونقده البائع ، ثم ظلمه البائع بتغريمه الثمن مرة أخرى ، فليس له أن يظلم الآمر إن ظلمه غيره ، ولو لم ينقده البائع ، حتى هلك عند الوكيل فأخذه من الآمر ثانية فهلك عنده ; لم يرجع به على الآمر ويضمن الثمن من عنده للبائع ; لأن بالشراء وجب الثمن للبائع على الوكيل وللوكيل على الآمر ، فإذا قبضه الوكيل بعد الشراء صار به مستوفيا دين نفسه ، فدخل المقبوض في ضمانه وكان هلاكه عليه بخلاف ما لو قبضه قبل الشراء ، فإنه ما استوجب على الآمر شيئا بعد ، وكان في ذلك القبض عاملا للآمر لا لنفسه ، والفرق بين هذا وبين المضاربة قد بيناه فيما أمليناه من شرحه
: قال ولو وكله أن يشتري له سيفا بثمن مسمى ، فاشترى نصلا ، أو سيفا محلى - كان جائزا ; لأن اسم السيف للنصل حقيقة ، وشراؤه معتاد ، فقد يشتري المرء نصلا ليركب عليه الحمايل على مراده .
قال : ولو وكله بأن يشتري له ثوبا يهوديا ; ليقطعه قميصا ، فاشترى له ثوبا لا يكفيه - لم يلزم الآمر ; لأنه بين له مقصوده ، فتقيدت الوكالة بثوب يصلح لمقصوده .
وكذلك لو وكله أن يشتري له دابة يسافر عليها ، ويركبها ، فاشتراها مقطوعة اليد ، أو عمياء ، أو مهرا لا يركب عليه ; لأنه غير صالح لما قيد الآمر التوكيل به .
قال ولو وكله أن يشتري له عشرة أرطال لحم بدرهم ، فاشترى أكثر به - لزم الآمر عشرة منها بنصف درهم ، والباقي للمأمور ; لأنه أمره بشراء قدر مسمى ، فما زاد على ذلك ، لم يتناوله أمره ، فكان مشتريا لنفسه ، وفي القدر الذي تناوله أمره ، قد حصل مقصوده ، وزاده منفعة بالشراء بأقل مما سمى له ، فكان مشتريا للآمر ، ولكن هذا الجواب إنما يستقيم فيما إذا اشترى ما يساوي عشرة أرطال بدرهم ، أما إذا اشترى ، ما يساوي عشرين رطلا بدرهم - فيصير مشتريا الكل [ ص: 66 ] لنفسه ، لأن الآمر تناول اللحم السمين ، الذي يشتري منه عشرة أرطال بدرهم ، وقد اشترى المهزول ; فلم يكن محصلا مقصود الآمر ، فكان مشتريا لنفسه ، والله أعلم بالصواب .
باب الوكالة في الصرف والسلم قال - رحمه الله - : رجل وكل رجلا بأن يشتري له إبريق فضة بعينه ، ولم يسم الثمن ، فاشتراه بقيمته دنانير ، أو بمثل وزنه دراهم . فهو جائز ; لأنه مطلق للتوكيل بالشراء بالنقود ، وكل واحد من الجنسين من النقود ، وشراء الإبريق بكل واحد منهما معتاد ، لو اشتراه الموكل بنفسه يجوز ، فكذلك إذا اشتراه الوكيل له وفي حكم التقابض المعتبر بقاء المتعاقدين في المجلس ، وغيبة الموكل لا تضر ، هذا غير مشكل فيما إذا كان الوكيل ممن تتعلق به حقوق العقد ، لأنه بمنزلة العاقد لنفسه ، وكذلك إن كان ممن لا تتعلق به حقوق العقد ، لأن قبضه وتسليمه صحيح ، وإن كان لا تتوجه عليه المطالبة ، ففي حكم صحة التقابض - هو بمنزلة وكيل يتعلق به حقوق العقد ، فإن قال الموكل : لم تشتره ، وقال الوكيل : اشتريته بكذا وكذا ، فصدقه البائع - فإنه يلزم الموكل بذلك الثمن ، لأن الوكيل أقر بالشراء في حال تملك الإنشاء ، فيكون إقراره صحيحا ، وكذلك لو قال الموكل : أخذته بثمن دون الذي قلت ، لأن تصادق البائع مع الوكيل على الشراء بذلك الثمن ، بمنزلة مباشرتهما العقد ، فيكون لازما للموكل ، فالموكل يدعي عقدا سوى الذي ظهر بتصادقهما ، فلا يقبل قوله ذلك إلا بحجة ، وكذلك هذا في الوكالة بشراء دار بعينها ، أو عبد بعينه ; لأن في المعين الوكيل يملك الشراء للموكل ، ولا يملك الشراء لنفسه ، إذا كان بمثل قيمته ، فمطلق شرائه محمول على ما يملكه دون ما لا يملكه ; فلهذا كان لازما للموكل .
قال : ولو وكله بخاتم ذهب فصه ياقوتة . يبيعه ، فباعه بفضة أو ذهب أكثر مما فيه ، أو بخاتم من ذهب أكثر وزنا منه ; وليس فيه فص فهو جائز ، كما لو باعه الموكل بنفسه ; وهذا لأن المثل من الذهب يصير بإزاء المثل والباقي ، بإزاء الفص ، وإن تفرقا قبل قبض أحدهما ; فسد البيع ; لأن العقد في حصة الذهب صرف ، وإن باعه بخاتم ذهب أكثر مما فيه من الذهب ، أو أقل ، وفيه فص ، وتقابضا جاز .
كما لو باعه الموكل بنفسه ; وهذا لأن الجنس يصرف إلى خلاف الجنس أحيانا ، لا لتصحيح العقد ، وعلى هذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - ظاهر ; لأن عنده الوكيل بالبيع ، يملك البيع بالغبن اليسير والفاحش ، وعندهما : إنما لا يملك البيع بالغبن الفاحش ; لأنه خلاف المعتاد ; ولما فيه من الضرر على الموكل ، وهذا غير موجود هنا ، وإن صرفنا [ ص: 67 ] الجنس لتصحيح العقد ، وإذا وكله بدراهم صرفها له ، وصرفها الوكيل عند أبيه ، أو عند ابنه ، أو عبده ، أو مكاتبه - كان باطلا في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهو جائز عندهما إلا في عبده ، أو مكاتبه ، وقد بينا هذا ثم زاد فقال : فإن باعه بالقيمة دنانير ; جاز ذلك كله ما خلا عبده إذا لم يكن عليه دين ، وهذا إشارة إلى أن الخلاف في البيع بالغبن اليسير دون البيع بمثل القيمة ، وقد بينا اختلاف المشايخ - رحمهم الله - فيما سبق
قال : ولو دفع إليه عبدا ، فقال : بعه بألف درهم وزن سبعة ، فباعه بألفي درهم وزن خمسة - فهذا جائز ; لأنه باعه بأكثر مما سمى له من جنسه ، فإن ألف درهم وزن سبعة تكون سبعمائة مثقال ، وألفي درهم وزن خمسة يكونان ألف مثقال ، فلم يكن هذا مخالفا لما سمى له الآمر .
قال وإن دفع إليه عشرة دراهم يسلمها في ثوب ; ولم يسم جنسه - لم يجز ; لأن اسم الثوب يتناول أجناسا مختلفة ، فلم يصر مقصود الموكل بتسمية الثمن معلوما ، فإن أسلمها الوكيل في ثوب موصوف فالسلم للوكيل ; لأن الوكالة لما بطلت تعذر تنفيذ العقد على الموكل ، فنفذ على الوكيل ، ثم للموكل أن يضمن دراهمه أيهما شاء ; لأنه قضى دين نفسه بدراهم الموكل ، فكان هو ضامنا بالدفع والمسلم إليه بالقبض ، فإن ضمنها الوكيل فقد ملكها بالضمان وتبين أنه نقد دراهمه بعينها فكان السلم له وإن ضمنها المسلم إليه بعد ما افترقا بطل السلم لاستحقاق رأس المال من يد المسلم إليه فإن ذلك يقتضي القبض من الأصل وإن سمى ثوبا يهوديا جاز التوكيل لبيان الجنس والسلم نوع شراء فالتوكيل بشرائه سلما معتبر بتوكيله بشرائه والله أعلم بالصواب
باب الوكالة في الدين قال رحمه الله رجل وكل رجلا بتقاضي دينه وبقبضه لم يكن للوكيل أن يوكل غيره بذلك لأن الناس يتفاوتون في التقاضي فقد يمل الغريم من تقاضي بعض الناس والموكل إنما رضي بتقاضيه بنفسه لا بتوكيله والقبض باعتبار الائتمان والناس يتفاوتون فيه فلا يكون رضا الموكل بقبض الوكيل رضا منه بقبض غيره فإن قبضها الوكيل الثاني لم يبرأ المطلوب لأنه في حق الطالب كأجنبي آخر فلا يبرأ المطلوب بقبضه إلا أن يصل المال إلى الوكيل الأول لأن يد الوكيل كيد الموكل فوصوله إلى يده كوصوله إلى يد الموكل ولأن وصوله إلى يده من جهة وكيله كوصوله إلى يده أن لو قبض بنفسه وكذلك إن كان الآخر مما في عيال الأول فحينئذ يكون قبضه مبرئا للمطلوب لأن يد من في عيال الوكيل كيد الوكيل ألا ترى أنه إن قبضه [ ص: 68 ] بنفسه ثم دفعه إلى من في عياله لم يصر ضامنا وهذا لأن الوكيل أمين في المقبوض والأمين يحفظ الأمانة تارة بيده وتارة بيد من في عياله
قال وإن وكله بتقاضي كل دين له ثم حدث له بعد ذلك دين فهو وكيل في قبضه استحسانا وفي القياس لا يكون وكيلا في قبضه لأنه سمى في الوكالة كل دين له والدين اسم لما هو واجب فإنما يتناول ما كان واجبا عند الموكل دون ما يحدث ولكنه استحسن للعادة فإن الناس بهذا التوكيل لا يقصدون تخصيص الواجب على ما يحدث وجوبه ألا ترى أنه يوكل الغير بقبض غلاته ومراده في ذلك ما هو واجب وما يحدث وجوبه بعد ذلك وهذا لأن مقصوده في هذا التوكيل صيانة هذا النوع من ماله بقبض الوكيل فإنه لا يتفرغ لذلك بنفسه لكثرة اشتغاله وفي هذا المعنى لا فرق بين ما هو واجب وبين ما يحدث وجوبه فإن جحد الغريم الدين فقد بينا أن عند أبي حنيفة رحمه الله الوكيل بالتقاضي والقبض وكيل بالخصومة فيثبت الدين بالبينة وعندهما لا يكون وكيلا بالخصومة فيتوقف الأمر حتى يحضر الطالب
قال ولو وكل رجلين بالقبض فقبض أحدهما لم يبرأ الغريم حتى يصل ذلك إلى الآخر ويقع في أيديهما جميعا لأنه رضي بأمانتهما جميعا فلا يكون راضيا بأمانة أحدهما ولكن إذا وقع في أيديهما تم مقصود الموكل الآن فكأنهما باشرا العقد بالقبض من الغريم
وإذا قال لغيره وكلتك بديني فهو وكيل بقبضه استحسانا وفي القياس لا يكون وكيلا لجهالة ما وكله به من استبدال أو صلح أو قبض أو إبراء وهذه جهالة غير مستدركة ولكنه استحسن للعادة فالمراد بهذا اللفظ في العادة التوكيل بالقبض ومعنى كلامه وكلتك بديني لتعينه وتعينه بالقبض يكون ولأن القبض متيقن به إذ ليس فيه تغيير شيء من حق الموكل وهو موجب الدين باعتبار الأصل فينصرف التوكيل إليه وهذا نظير الاستحسان الذي قال فيما إذا وكله بماله يكون وكيلا بالحفظ لأنه هو المتيقن به
قال وإذا وكله بقبضه فأبى أن يقبل الوكالة ثم ذهب فقبض لم يكن وكيلا ولم يبرأ الغريم من الدين لأن الوكالة قد ارتدت برده فكان هو في القبض كأجنبي آخر فلهذا لا يبرأ الغريم ويرجع الطالب بماله على الغريم ثم إن كان المقبوض قائما في يد الوكيل استرده الغريم منه لأنه عين ماله سلمه إليه ليستفيد منه البراءة من الدين وهو لم يستفد وإن هلك المال في يد الوكيل رجع عليه الغريم فضمنه إن كان كذبه في الوكالة لأنه قبض منه المال بشرط أن يستفيد البراءة عما في ذمته أو يملك ما في ذمته فإذا لم يستفد هذا لم يكن راضيا بقبضه بل هو في حقه كالغاصب وكان له أن يضمنه وكذلك إن لم يصدقه [ ص: 69 ] ولم يكذبه أو صدقه وضمنه لأنه إذا كان ساكتا فإنما دفع المال بزعمه وزعمه أن يستفيد الغريم البراءة بما يدفعه إليه فيفيد رضاه به وإن صدقه وضمنه فقد قال أنت وكيلي لا آمن أن يجحد الطالب إذا تصرف ضمن له ما يقبضه الطالب مني وهذا ضمان صحيح لأنه مضاف إلى سبب الوجوب لأن الطالب في حقهما غاصب فيما يقبضه ثانيا فكأنه قال أنا ضامن لك ما يغصبه فلان منك وهذا إضافة إلى سبب الوجوب فكان صحيحا فإن صدقه في الوكالة ولم يضمنه لم يرجع به عليه لأنهما تصادقا على أنه في المقبوض أمين وأن الطالب في قبضه من الغريم ثانيا غاصب ظالم ومن ظلم ليس له أن يظلم غيره
قال ولو قبل الوكالة ثم أخرجه الموكل من الوكالة ولم يعلمه ذلك فهو على وكالته لما بينا أن العزل حجر عليه في القبض فلا يثبت حكمه في حقه ما لم يعلم به وإن أخبره بذلك حر أو كافر أو مسلم صغيرا أو كبيرا برسالة من الآمر لم يكن له أن يقبض شيئا ولم يبرأ الغريم منه إن أعطاه لأنه كعبارة المرسل وإرسال الصبي والعبد في مثل هذا معتاد بين الناس فإن كل واحد لا يجد عدلا ليرسله في حوائجه قال وإن كان رب الدين وكله بمحضر من المطلوب يبرأ بالدفع حتى يأتيه الخبر أنه قد أخرجه من الوكالة لأن توكيله إياه بمحضر من المطلوب أمر للمطلوب بالدفع إليه ثم الإخراج نهي له عن ذلك فبعد ما علم بالأمر لا يثبت حكم النهي في حقه ما لم يعلم به
قال وإذا ارتد الوكيل ولحق بدار الحرب أو ذهب عقله ثم أسلم أو رجع إليه عقله فهو على وكالته أما عند ذهاب عقله فلأنه لم يوجد ما ينافي الوكالة ولكنه في حال الجنون عاجز عن القبض وأداء الأمانة في المقبوض فإذا زال ذلك صار كأن لم يكن فهو على وكالته أما في الردة فإن لم يكن القاضي قضى بإلحاقه فهو بمنزلة الغيبة وإن كان القاضي قضى بلحاقه فهذا الجواب قول محمد رحمه الله وقد بينا الخلاف فيما سبق
قال والوكيل بقبض الدين إذا وهبه الغريم أو أبرأه منه أو أخره أو أخذ به رهنا لم يجز لأن هذا تصرف غير ما أمر به ألا ترى أن الموكل غير مجبر على شيء من هذا وهو مجبر على القبض إذا أتاه المطلوب بالمال وهذا قول هو الأصل في هذا الجنس أن الوكيل بالقبض إنما يملك القبض على وجه لا يكون للموكل أن يمتنع منه إذا عرضه عليه المطلوب فليس للوكيل بالقبض ذلك كالشراء بالدين والاستبدال وإن قال الوكيل قد برأ إلي منه أو قامت عليه بينة بهذا القول برئ الغريم لأن هذا اللفظ إقرار بالقبض والوكيل بالقبض يصح إقراره في براءة الغريم قال وإن أخذ منه كفيلا بالمال جاز وله أن يأخذ به [ ص: 70 ] أيهما شاء لأن الكفالة بالمال توثق به وأمره إياه بالقبض لتحقيق معنى الصيانة وذلك يزاد بالتوثق به ولا ضرر فيه على الموكل إلا أن يكون أخذ كفيلا على أن أبرأه فحينئذ لا تجوز البراءة عليه لما فيه من الضرر على الآمر وهذا بخلاف الرهن لأنه وإن كان توثقا لجانب الاستيفاء لكن فيه نوع ضرر على الآمر على معنى أنه لا يتصرف في المرهون فهلاكه يصير مستوفيا ويسقط حقه فلهذا لم يصح في حق الآمر
قال وإذا وكله في كل قليل وكثير هو له فهو وكيل بالحفظ وليس بوكيل في تقاض ولا شراء ولا بيع إلا في قول ابن أبي ليلى رحمه الله فإنه يقول ظاهر لفظه يتضمن ذلك كله فإنه من القليل والكثير الذي له أن يباشره بولايته في ماله ولكنا نقول قد عرفنا يقينا أنه لم يرد بهذا اللفظ جميع ماله أن يفعله وإنما يثبت بهذا اللفظ القدر المتيقن والمتيقن به هو الحفظ فلا يملك إلا ذلك بمنزلة قوله وكلتك بمالي
قال وإذا وكله بتقاضي دينه بالشام فليس له أن يتقاضى دينه بالعراق لأن الوكالة تتقيد بتقييد الموكل وتقييده بموضع كتقييده بشخص بأن يوكله بتقاضي دينه على فلان فكما أن هناك الوكالة لا تعدو إلى غيره فكذلك هنا وهذا لأنه إنما يستعين بغيره فيما يعجز عن مباشرته بنفسه وقد يعجز عن مباشرة القبض لديونه في موضع دون موضع
قال وإذا وكل ذمي مسلما بتقاضي خمر له على ذمي كرهت للمسلم أن يقبض ذلك لأن المسلم مأمور بالاجتناب عن الخمر ممنوع من الاقتراب منها وفي القبض اقتراب منها ولأن التوكيل بقبض الدين من وجه توكيل بتمليك الدين لأن الديون تقضى بأمثالها فالوكيل يملك المطلوب ما في ذمته بما يقبضه وتوكيل الذمي المسلم بتملك الخمر لا يجوز إلا أن هنا يجوز أن يقبض في حق براءة الغريم لأنه من وجه تعيين لما كان مملوكا للطالب دينا فكان كالوكيل بقبض العين ومن وجه يتضمن التمليك ولكن لا يتوقف هذا على فعل الوكيل ألا ترى أن المطلوب إذا أتى بالدين فوضعه بين يدي الطالب أو وكيله برئ فلما كان إتيانه لا يستدعي فعلا من الوكيل قلنا يجوز ولما كان أن فيه تمليك الخمر من وجه قلنا يكره توكيل المسلم به
قال وإذا قال الرجل للرجل اقض عني فلانا من مالك ألف درهم ثم أقضيكها فقال المأمور قد دفعتها إلى فلان وصدقه الآمر فإن الطالب يأخذ الآمر بما له لأن دعوى المأمور للقضاء كدعوى الآمر بما له بنفسه وهو غير مصدق فيما يدعي من قضاء الدين إلا بحجة فكذا المأمور لا يصدق ولكن إذا حلف الطالب أخذ ماله من الغريم ولا شيء للمأمور على الآمر لأنه أمره بدفع يكون مبرئا له عن [ ص: 71 ] حق الطالب ولم يوجد ذلك حين لم يستفد البراءة ولأنه وكله بأن يملكه ما في ذمته ببدل يعطيه من مال نفسه ولم يكن ذلك حين رجع عليه الطالب بدينه فهو نظير ما لو وكله بأن يملكه عينا في يده بغيره بشرائه له وهناك لو قال اشتريته ونقدت الثمن من مالي وجحد ذلك صاحب العين وأخذ متاعه لم يكن للمأمور أن يرجع على الآمر بشيء فكذلك هنا
قال وإذا وكل الوصي وكيلا بدفع دين على الميت أو وصية إلى صاحبها فهو جائز لأنه يملك مباشرة الدفع بنفسه فيستعين فيه بغيره أيضا ولو وكل وكيلا وسماه في هذا الكتاب فدفع بغير بينة ولم يكتب براءة فلا ضمان عليه لأنه أمين في المال المدفوع والقول قول الأمين في براءة ذمته مع اليمين إلا أن يكون مما لا يدفع إلا بشهود فحينئذ يضمن إذا دفع بغير شهود لأنه نهاه عن الدفع واستثنى دفعا بصفة وهو أن يكون بشهود فإذا دفع بغير شهود فهذا الدفع لم يكن مأمورا به فصار غاصبا ضامنا وإن قال الوكيل قد أشهدت وجحد الطالب أن يكون قبض ولم يكن للوكيل شهود إلا قوله أشهدت كان الوكيل بريئا من الضمان بعد أن يحلف على ذلك لأنه أخبر بأداء الأمانة فالقول قوله مع يمينه ألا ترى أن فيما تقدم جعل إخباره بأصل الدفع مقبولا براءته لأنه مسلط على ذلك فكذلك خبره بالدفع بالصفة التي أمر بها يكون مقبولا لكنه محتمل فقد يشهد على الدفع ثم يغيب الشهود أو يموتون فلا يقدر على إحضارهم وعلى هذا لو قال لا تدفع إلا بمحضر من فلان فدفع بغير محضر منه كان ضامنا لما قلنا
قال ولو وكله بدفع مال لفلان عليه له فارتد الوكيل ثم دفعه إليه جاز لأن المدفوع مال الموكل والدفع تصرف من الوكيل من متاع نفسه لا في ماله ولا حق لورثته في ذلك فكان دفعه بعد الردة كدفعه قبلها فإن ارتد الموكل قبل ردته أو لحق بدار الحرب فقال الوكيل دفعت المال قبل أن يرتد فالقول قوله لأنه أخبر بما كان مسلطا عليه وكان خبره مقبولا في براءته عن الضمان
وإن دفع الموكل المال إلى صاحبه ثم دفع الوكيل المال الذي أمر بدفعه إليه وهو لا يعلم بدفع الموكل فلا ضمان عليه قال وهذا مثل إخراجه من الوكالة وقد بينا أن إخراجه من الوكالة لا يصح في حقه ما لم يعلم به دفعا للضرر عنه فهذا مثله فإن قيل هذا إخراج حكما لأن الدين لا يبقى بعد قضاء الموكل فيكون قضاؤه تفويتا للمحل وذلك عزل حكمي فلا يتوقف على العلم قلنا لا كذلك فإن دفع الموكل بنفسه ليس موجب العزل حكما ولكن يتضمن منع الوكيل عن الدفع لأنه لا يحصل المقصود بدفعه بعد ذلك ألا ترى أن الطالب لو وجد المقبوض زيوفا [ ص: 72 ] فرده على المطلوب كان الوكيل على وكالته فتبين أن هذا بمنزلة عزله قصدا لا حكما فيتوقف على علمه به وكذلك لو وهب الطالب المال للمطلوب أو أبرأه منه فهذا بمنزلة العزل قصدا فلا يثبت في حق الوكيل إذا لم يعلم به ولا يصير ضامنا للمال بدفعه بل يرجع المطلوب بالمال على الطالب إن بين هو لكونه مالكا وإنشاء الوكيل لكونه دافعا وقد تبين أنه لم يكن للقابض حق القبض منه ولو دفعه إليه الوكيل وهو يعلم بذلك فهو ضامن له لأنه انعزل عن الدفع حين علم بسقوط الدين عن المطلوب ، فإذا دفعه كان ضامنا ويرجع به على الذي قبضه منه لأنه ملك المقبوض بالضمان وقد قبضه منه بغير حق وكان له أن يرجع به عليه
وقد فرق أبو حنيفة رحمه الله بين هذا وبين الوكيل بأداء الزكاة وهذا فرق قد بيناه على أصل الكل في كتاب الزكاة فلو لم يكن شيء من ذلك ولكن الطالب ارتد ثم دفع الوكيل إليه بالمال فإن قتل على ردته أو لحق بدار الحرب فدفع الوكيل إليه باطل في قول أبي حنيفة رحمه الله لأنه تصرف منه في كسب إسلامه وقد تعلق به حق ورثته فكان تصرفه فيه موقوفا عند أبي حنيفة رحمه الله ولكن الوكيل لا يصير ضامنا إلا أن يعلم أن قبضه لا يجوز بعد ردته فإذا علم ذلك فحينئذ يضمن لأن دفع الضرر عن الوكيل واجب وإذا علم اندفع الضرر عنه ودفع المال على وجه لم يحصل مقصود الآمر فصار ضامنا وإذا لم يعلم فهو محتاج إلى دفع الضرر عنه وقد امتثل أمره في الدفع ظاهرا فلا يصير ضامنا كما بينا وهذه المسائل المعدودة التي يضر العلم فيها وهي خمس جمعناها في غير هذا الموضع قال وإذا ضمن الوكيل لعلمه رجع في مال المرتد الذي اكتسبه في الردة لأنه قبضه منه بغير حق حين لم يحصل للمطلوب البراءة بهذا القبض فكان دينا عليه في كسب ردته

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|