عرض مشاركة واحدة
  #392  
قديم 21-12-2025, 05:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,719
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر

صـــ 52الى صـــ 61
(392)






وإذا باع الوكيل العبد ، بيعا فاسدا ، فهلك عند المشتري - فعليه قيمته .

كما لو باعه الموكل بنفسه بيعا فاسدا ; وهذا لأن الضمان الأصلي في المبيع ، هو ضمان القيمة ، وإنما يتحول إلى المسمى عند صحة التسمية ، ولم تصح التسمية للفساد ، فيبقى مضمونا بالقيمة ، والوكيل لا يصير ضامنا شيئا ; لأنه لم يخالف ، وإنما يضمن هو بالخلاف بالفساد ; وهذا لأن أسباب الفساد ، قلما يمكن التحرز عنها عادة ، والناس كلهم لا يكونون كأبي حنيفة - رحمه الله - في معرفة الأسباب المفسدة للبيع ، فلو قلنا : يضمن الوكيل بالفساد ; لتحرز الناس عن قبول الوكالة ، وفيه قطع هذا الرفق عن الناس ، فلا يجوز القول به ، والوكيل هو الذي يقبض القيمة من المشتري ; لأنه وجب بعقده ، والفاسد من العقد ، معتبر بالصحيح ، فإذا كان عقد القبض للوكيل فيما يجب بالعقد الصحيح ، فكذلك فيما يجب بالعقد الفاسد ، فيقبض القيمة ، ويدفعها إلى الموكل ، وليس للموكل أن يطالب المشتري بها ، إلا أن يوكله الوكيل بذلك في البيع الفاسد ، والصحيح جميعا ، وإن دفعه المشتري إلى الآمر ; برئ استحسانا ، وفي القياس لا يبرأ ; لأن الآمر في حقوق العقد كأجنبي ، فقبضه لا يوجب براءة المشتري ، ولكنه استحسن ، فقال : الوكيل يعمل به في القبض ، فليس في قبضه بنفسه تفويت شيء على الوكيل ، بل فيه إسقاط فوته بالقبض والدفع عنه ، توضيحه ; أنه لو لم يبرئ المشتري ; كان له أن يسترده من الموكل ، ولا فائدة في نقض قبضه ; لحاجتنا إلى إعادته في الحال ، فإنه لو نقض قبض الوكيل ودفعه إلى [ ص: 53 ] الآمر - لكان هذا اشتغالا بما لا يفيد ، وإن كتب الوكيل الصك باسم رب العبد ; فليس له أن يطالب المشتري ، إلا أن يوكله الوكيل بذلك ; لأن كتبه الصك باسمه ، إقرار بأن الثمن ملك له ، وإقراره بذلك نصا لا ينافي كون القبض حقا للوكيل ، ولا يتضمن توكيل الوكيل إياه بالقبض ; فلهذا لا يكون له أن يقبضه .

وإذا قال الرجل للرجل : بع عبدي هذا وهذا ، أو بع أحدهما ، فأيهما باع جاز ، وهذا استحسان ، وفي القياس التوكيل بالبيع معتبر ، فإيجاب البيع في أحدهما بغير عينه لا يصلح ، فكذلك التوكيل به ، ولكنه استحسن فقال : مبنى الوكالة على التوسع ; لأنه لا يتعلق اللزوم بنفسها ; لأن هذه جهالة مستدركة ، لا تفضي إلى المنازعة ، فلا يمنع صحة التوكيل ، توضيحه : أن الموكل قد يحتاج إلى هذا ; لأنه لا يدري أي العبدين يروج ، فيوكله ببيع أحدهما ; توسعة للآمر عليه ، وتحصيلا لمقصود نفسه في الثمن .
وإذا باع الوكيل العبد ، ثم قتله المولى - بطل البيع ; لأن الوكيل نائب عنه في البيع ، فكأنه بنفسه باعه ، ثم بقتله بطل البيع ; لفوات القبض المستحق بالعقد ; وهذا لأن القيمة ، لم تجب عليه ; لأنه مضمون عليه بالثمن للمشتري أن يأخذه بنصف الثمن إن شاء ، كما لو باعه بنفسه
قال : ولو وكله ببيع عدل زطي ، فباعه ، وقبضه المشتري ، ثم رده على البائع بخيار الرؤية ، فقال الآمر : ليس هذا عدلي - فالقول قول الوكيل مع يمينه ; لأنه كان أمينا فيه ، وبعد ما رد عليه بخيار الرؤية عاد أمينا ، كما كان فالقول في تعيين الأمانة قوله ، ولو باع الوكيل منه ثوبا ، ولم يبع ما سواه جاز في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ولم يجز عندهما ; إن كان يضر ذلك بالعدل بمنزلة الوكيل ببيع العبد إذا باع نصفه ، وقد بيناه فيما سبق .

ولو وكله ببيع شيء مما يكال . أو يوزن ، فباع بعضه دون بعض ، - جاز ; لأن هذا مما لا يضره التبعيض ، فلا ضرر على الموكل في بيع بعضه ، بخلاف الدار ، والعبد عندهما ، وضمان الوكيل ثمن ما باعه للآمر باطل ; لأن حق القبض في الثمن للوكيل ، فلو صح ضمانه عن المشتري ; كان ضامنا لنفسه ، إذ لا حق للموكل على المشتري ، وضمان المرء لنفسه باطل ; ولأنه أمين فيما يقبض من الثمن فيما بينه وبين الآمر ، فلو صحت كفالته للآمر ; صار ضامنا ، وبين كونه أمينا وبين كونه ضامنا في الشيء الواحد منافاة ، وكذلك المضارب ، وكل مال أصله الأمانة ، وإذا أقام المشتري البينة على الوكيل ، أنه قد أوفاه الثمن والوكيل يجحد ذلك ، ، فقد برئ المشتري من الثمن ، والوكيل ضامن له ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولو عايناه ، قد قبض الثمن ، ثم جحده ; كان ضامنا له .
وإذا وكله ببيع عدل زطي له ، فعمد الوكيل إلى العدل ، وقصره - فهو ضامن لما هلك عند القصار ; لأنه غير مأمور [ ص: 54 ] بالدفع إليه للقصارة ، فيكون بهذا الدفع مخالفا ضامنا ما هلك عند القصار ، فإن رجع إلى يد الوكيل ; برئ من ضمانه ، لأنه أمين خالف ، ثم عاد إلى الوفاق ، فلا يكون ضامنا لما هلك ، وأجرة القصار تكون على الوكيل ; لأنه هو الذي استأجره ، وإن باعه بعد القصارة ; فالثمن كله للموكل ، ولا شيء منه للوكيل ، باعتبار الأجرة للقصارة ; لأن القصارة ليست بعين مال قائم في الثوب ، وإنما هي إزالة الدرن ، والوسخ عن الثوب ، فإن اللون الأصلي للقطن إنما هو البياض ، ويتغير ذلك بالوسخ ، فإذا أزيلت عند القصارة ; عاد اللون الأصلي ، فإذا لم يكن للوكيل عين مال قائم باعتبار القصارة ; لا يكون له من الثمن حصة ، وكذلك إن فتل الثياب ، فأما إذا صبغها بعصفر ، أو زعفران ; فهو مخالف بما صبغ ; لأن صاحب الثوب ، لم يأمره به ، فهو كمودع ، أو غاصب صبغ الثوب ، فلصاحب الثوب أن يضمنه قيمة ثوبه أبيض ، وإن شاء أخذ الثوب منه ، ورد عليه ما زاد العصفر والزعفران فيه ، وإن شاء ; باعه الوكيل ، وضارب الآمر في الثمن بقيمة الثوب أبيض ، وضارب الوكيل ، بما زاد الصبغ فيه ; لأن الصبغ عين مال قائم في الثوب ، فيسلم للوكيل ما يخصه من الثمن ، وكان الخيار للمالك ; لأنه صاحب الأصل ، فإن الصبغ تبع ; لأن قيامه بالثوب ، وقيام البيع يكون بالأصل ; ولأن الثوب قائم من كل وجه ، والصبغ مستهلك من وجه دون وجه ; فلهذا كان الخيار لصاحب الثوب ، ولو صبغه أسود فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله - : السواد نقصان في الثوب لا زيادة ، فللموكل أن يأخذه ، ولا يعطي الوكيل ، فالثمن كله للآمر ، وعندهما السواد بمنزلة العصفر والزعفران ، وقيل : هذا اختلاف عصر وزمان ، فإن لبس السواد ، لم يكن ظاهرا في زمن أبي حنيفة - رحمه الله - فعده نقصانا في الثوب ، وقد ظهر في عهدهما فقالا : زيادة

وقيل : بل هذا يختلف باختلاف الثياب : فمن الثياب ما ينقص السواد من قيمته كالقصب ونحوه ، فيكون ذلك نقصانا فيه كما قال أبو حنيفة - رحمه الله - ومن الثياب ما يزيد السواد في قيمته ، فيكون الجواب فيه كما قالا ، وكان أبو يوسف - رحمه الله - يقول بقول أبي حنيفة ، فلما قلد القضاء ، وكلف السواد ; احتاج فيه إلى مؤنة فرجع وقال : السواد زيادة ، ثم الوكيل في هذا كله على وكالته في بيعه ، لأن ما عرض لا ينافي ابتداء التوكيل ، ولا يخرج المحل من أن يكون صالحا للتصرف .

وإذا دفع إليه جراب هروي ; يبيعه وهو بالكوفة فبأي أسواق الكوفة باعه جاز ، وإن خرج إلى البصرة فباعه هناك - ضمنه استحسانا ، ولم يجز بيعه على الآمر ، وفي القياس يجوز ; لأنه أمره بالبيع مطلقا ، فلا يتقيد بمكان غير تقييد في كلامه ، وأكثر ما فيه أن مقصوده البيع بالكوفة ، والتقييد [ ص: 55 ] بالمقصود لا يحصل ، خصوصا عند أبي حنيفة - رحمه الله - ولكنه استحسن فقال : لو لم تتقيد الوكالة بالكوفة ; كانت مؤنة النقل إلى موضع آخر على الموكل ; لأن الوكيل في النقل ممتثل أمره ، فيرجع عليه بما يلحقه من المؤنة ، فربما تبلغ المؤنة قيمة المتاع أو تزيد ، فيكون في ذلك تفويت مقصود الموكل ، وهذا دليل صالح لتقييد مطلق الوكالة ، فإذا تقيدت بالمصر كان هو بالإخراج مخالفا - فلا ينفذ بيعه ويكون ضامنا ، ولم يذكر في الكتاب ما إذا لم يخرج المتاع مع نفسه ، ولكن باعه بالبصرة ، ومشايخنا - رحمهم الله - يقولون : بيعه يجوز هنا ; لأن التسليم في بيع العين إنما يجب في موضع المبيع ، فلا يلحقه مؤنة النقل ، والأصلح أنه لا يجوز ; لأن التقييد ثبت بالدلالة كما ذكرنا ، فكان كالثابت بالنص ، والوكالة تقبل التقييد بالمكان والزمان ، ولو قال : بعه بالكوفة ففي أي أسواق الكوفة باعه جاز ; لأن مقصوده بهذا التقييد سعر الكوفة ، وفي أي أسواق الكوفة باع ، فإنه إنما باع بسعر الكوفة ، وإن حمله إلى مصر آخر فباعه - لم يجز بيعه ، فكان ضامنا له قياسا واستحسانا لتقييد الأمر بالكوفة نصا .
وإذا كان للرجل عدل زطي فقال لرجلين أيكما باعه فهو جائز ، وإن باعه أحد هذين فهو جائز أو ، وكلت هذا أو هذا ببيعه فباعه أحدهما - ففي القياس لا يجوز ; لجهالة من وكل بالبيع - وفي الاستحسان يجوز ; لأن هذه جهالة مستدركة فيحمل فيما هو مبني على التوسع ، ثم قد نص على القياس والاستحسان هنا ، ولم ينص فيما سبق من توكيل الواحد ببيع أحد العبدين ، حتى تكلف بعضهم كما بينا في الإقرار أن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار ، وجهالة المقر له تمنع من ذلك ، ولكن الأصح : أن القياس والاستحسان في الفصلين ، فإنه قال هنا ، وكذلك لو قال : لواحد بع أحد هذين العبدين ، أو بع ذا وذا - فهذا بيان أن القياس والاستحسان سواء .
وإذا أمره أن يبيعه ، ويشترط الخيار للآمر ثلاثة أيام ، فباعه بغير خيار ، أو بخيار دون الثلاثة ، فدفعه - فبيعه باطل ، وهو له ضامن ; لأنه أتى بعقد هو أضر على الآمر : فإنه أمره بالبيع على وجه يكون الرأي في هذه الثلاثة إلى الموكل ، بين أن يفسخ العقد ، أو يمضيه ، وقد أتى بعقد لا يثبت فيه هذا القدر من الرأي للآمر ، فكان مخالفا كالغاصب ، ولو قال : بعه ، واشترط الخيار لي شهرا ، فباعه ، وشرط الخيار له ثلاثة أيام - جاز في قول أبي حنيفة - رحمه الله - استحسانا ، ولم يجز في قولهما ; لأن من أصلهما : أن الخيار يثبت في مدة الشهر ، ويصح البيع معه ، فإنما أمره بعقد يكون فيه الرأي إلى الآمر في هذه المدة ، وهو لم يأت بذلك فكان ضامنا ، وإن من أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن اشتراط الخيار في البيع ، لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ، فإنما هذا [ ص: 56 ] وكيل بالبيع الفاسد عنده ، والوكيل بالبيع الفاسد إذا باع بيعا جائزا ; نفذ على الآمر استحسانا فهذا مثله .

ولو قال : بعه بيعا فاسدا ، فباعه بيعا جائزا ، كان هذا استحسانا في قول : أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وفي القياس - وهو قول محمد ، وزفر رحمهما الله - لا يجوز ; لأن أمره بالعقد لا يزيل ملكه بنفس العقد ، فكان كالمأمور بالهبة إذا باع ; أو لأنه أمره ببيع لا ينقطع به حق الموكل في الاسترداد ; أو أمره ببيع ، يكون المبيع مضمونا بالقيمة على المشتري إذا قبضه ، فكان كالمأمور بشرط الخيار للآمر إذا باعه بغير خيار .

ووجه الاستحسان : أنه من جنس التصرف الذي أمره به ، وهو خير للآمر مما أمره به ، فلا يكون مخالفا كالوكيل بالبيع بألف ، إذا باع بألفين ، وبيانه : أنه أمره بأن يطعمه الحرام بالتجارة ، وهو أطعمه الحلال ، والتجارة مشروعة لاكتساب الحلال بها دون الحرام ، بخلاف المضمون المأمور بالهبة ، إذا باع ; لأن ما أتى به ليس من جنس ما أمره به ، وبخلاف بيع المأمور بشرط الخيار ، إذا لم يذكر الخيار ; لأن ما أتى به ليس بأنفع للآمر به ، بل هو أضر عليه يوضحه أنه : لو أمره بالبيع الجائز فباع بيعا فاسدا ; لم يكن مخالفا فعرفنا أن الامتثال بأصل العقد ، لا بصفة الجواز والفساد .
وفي الأمالي عن أبي يوسف - رحمه الله - : أنه لو أمره بأن يزوجه امرأة بغير شهود ، فزوجها إياه بشهود - لم يجز عند أبي يوسف - رحمه الله - وهذا ; لأن التوكيل بالنكاح لا يتناول النكاح الفاسد عنده بخلاف البيع ; ولأن النكاح الفاسد لا يوجب الكل أصلا ، وهو غير مأمور من جهته بإثبات الحل له ; فلهذا لا يصح مباشرته العقد الصحيح ، بخلاف البيع ، ولا إشكال على قول محمد - رحمه الله - : إنه لا يجوز ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله فقال : ينبغي أن يجوز ; لأن الإذن في النكاح عنده ، يتناول الجائز والفاسد ، وما أتى به أنفع للموكل مما أمره به .

ولو قال : بعه بعبد إلى أجل ، فباعه بدراهم حالة ، في القياس : لا يجوز وهو قول محمد - رحمه الله - ولم يذكر قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقيل على قولهما ينبغي أن يجوز ; لأنه مأمور بالعقد الفاسد ، وقد أتى بالعقد الصحيح ، والأصح : أنه لا يجوز هنا ; لأنه سمى جنسا خلاف ما أمره به الآمر ، وعند اختلاف الجنس في المسمى يكون مخالفا ، وإن كان ذلك أنفع للآمر ، كالتوكيل بالبيع بألف درهم إذا باعه بألف دينار ، لا ينفذ على الآمر .

ولو قال بعه بألف نسيئة ، فباعه بألف أو أكثر من ألف بالنقد ، فهو جائز ; لأنه حصل مقصود الآمر ، وزاده خيرا بزيادة في قدر المسمى ، أو في صفة الحلول ، وإن باعه بأقل من ألف بالنقد ; لم يجز ; لأنه خالف مقصوده ، وما سمى له ، فإنه أمره بأن يدخل في [ ص: 57 ] ملكه بمقابلة العبد ألفا ، وقد أدخل في ملكه دون ذلك ، وإن باعه بألفين نسيئة ; جاز ; لأنه خالف إلى خير بزيادة الثمن ، وإن باعه بألفين نسيئة شهرين ، والموكل إنما أمره بألف نسيئة شهرا - لم يجز أيضا ; لأنه خالف ما سمى له في مدة الأجل إلى ما هو أضر عليه ، والحاصل أن مقابلة زيادة القدر بالنقصان المتمكن بزيادة الأجل ، إنما يكون بطريق المقايسة ، وليس للوكيل ذلك ، بل عليه مراعاة ما سمى له الآمر ، فإذا خالف إلى ما هو أضر عليه ; لم ينفذ تصرفه عليه ، ولو دفع إليه منطقة فيها مائة درهم فضة ، فقال : بعها بخمسين ، فباعها بمائة درهم وعشرة دراهم نقدا - فهو جائز في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وأبي يوسف - رحمه الله - ; لأنه زاده خيرا من كل وجه ، وفي قول محمد - رحمه الله - : لا يجوز ; لأنه أمره بالعقد الفاسد ، وقد أتى بالعقد الصحيح ، وكذلك لو قال : بعها بخمسين درهما نسيئة ، فباعها بخمسين نقدا فهو على الخلاف الذي ذكرنا ، وإن دفع إليه جراب هروي فقال : بعه نسيئة أو نقدا ، فما باعه من شيء من دراهم ، أو دنانير ، أو شيء مما يكال ، أو يوزن - فهو جائز ، أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يشكل ، وأما عندهما ; فلأنه وسع الآمر عليه بقوله : بعه نسيئة ، أو نقدا ، فينصرف إلى كل ما يثبت دينا في الذمة ثبوتا صحيحا ، وإن باعه بيعا فاسدا ودفعه إليه ; لم يكن مخالفا لما بينا ، ولو قال : بعه نسيئة فباعه إلى الحصاد ، والدياس ، أو إلى العطاء ، أو إلى النيروز - فالبيع فاسد بجهالة هذه الآجال عند المتعاقدين .

كما لو باعه الموكل بنفسه ، إلا أن يقول المشتري : أنا أعجل المال ، وأدع الأجل ، فحينئذ يجوز حذف الشرط المفسد قبل تقرره وهي زفرية معروفة في البيوع .
ولو وكله بطعام فقال : بعه كل كر بخمسين ، فباعه كله ، فهو جائز ; لأن حرف كل جامع لكل ما يضاف إليه ، وقد أضافه إلى الطعام ، فيجمع كل كر منه ، وإن قال : بعه بمثل ما باع به فلان الكر ، فقال فلان : بعت الكر بأربعين ، فباع الوكيل بأربعين ، ثم وجد فلانا باعه بخمسين ، فالبيع مردود ; لأنه تبين أنه باعه بأقل مما سمى له ; وأن فلانا أخبر بالباطل ، والمخبر به إذا كان كذبا ; فبالإخبار به لا يصير صدقا ، وجهل الوكيل لا يبطل حق الموكل ، ولا يجعل الوكيل موافقا ، وإن كان فلان باع كرا بخمسين ، فباع هذا كراره بخمسين خمسين ، ثم باع فلان بعد ذلك بستين - فهو جائز ، ولا ضمان على الوكيل ; لأنه أمره بالبيع ، بمثل ما باع به فلان في الماضي ، لا بمثل ما يبيع في المستقبل ، وقد امتثل أمره في ذلك ، وإن كان فلان باع كرا بأربعين ، وكرا بخمسين ، فباع الوكيل طعامه كل كر بأربع وأربعين ففي القياس لا يجوز بيع الوكيل ; لأن جوازه يعتمد رضا الموكل ، وفي رضاه بأربعين شك ولما كان فلان باع تارة بخمسين ، وتارة [ ص: 58 ] بأربعين ، فالظاهر أن مراد الآمر بهذا : بع على ما باع به فلان لا أدناه ، ولكنه ترك القياس ، واستحسن فقال : يجوز ; لأنه امتثل ما سمى له ، فإنه سمى له البيع بمثل ما باع به فلان ، وإذا كان قد باعه بأربعين ; فهذا قد باع بمثل ما باع به فلان ; وهذا لأن في المنصوصات يعتبر أدنى ما يتناوله الاسم لا نهايته ، ألا ترى أنه إذا شرط صفة الجودة في المبيع يعتبر أدنى الجودة لا أعلاها ، ولأنا لو لم ننفذ بيعه لم نجد بدا من أن نجعل الوكيل ضامنا ، وبالشك لا يجب عليه الضمان .

ولو وكله بشراء عبد بعينه ، فقبل الوكالة ، وخرج من عنده ، فأشهد أنه يشتريه لنفسه ، ثم اشتراه - فهو للموكل ; لأنه قصد عزل نفسه فيما يوافق أمر الآمر ، وعزله يكون بالخلاف ، لا بالموافقة ، فلا يعمل قصده هذا ، وكذلك لو وكله آخر بعد ذلك بشرائه ، فاشتراه - فهو للأول ; لأنه بعد قبول الوكالة منه صار بحيث لا يملك شراءه لنفسه ، فكذلك لا يملك شراءه لغيره .
وإذا وجد الوكيل بالعبد عيبا ; فله أن يرده ، ولا يستأمر فيه ; لأن الرد بالعيب من حقوق العقد ، وهو مستبد بما هو من حقوق العقد ; لأن العبد ما دام في يده فالوكالة قائمة غير منتهية ، فهو متمكن من رده بيده ، فلا حاجة إلى استئمار الآمر ، وإن كان دفعه إلى الآمر ; فليس له أن يخاصم في عيبه ، إلا بأمر الآمر ; لأن الوكالة قد انتهت بالتسليم إلى الآمر ; ولأنه لا يتمكن من رده إلا بإبطال يده ، واليد حقيقة فيه للآمر ، ولا سبيل له إلى إبطال يده إلا برضاه ، والدليل على الفرق : أن الوكيل لا يكون خصما لمن يدعي في هذا العبد شيئا بعد ما سلمه إلى الآمر ، بخلاف ما قبل التسليم ، فإنه خصم باعتبار يده ما لم يثبت أنها لغيره .
وإذا أمره أن يشتري له هذا العبد بصنف المكيل ، أو الموزون ، فاشتراه بغير ذلك الصنف - لم يلزم الآمر ; لأنه لم يحصل مقصود الآمر ، فإن مقصوده تحصيل العبد له بهذا الصنف الذي سماه ، فإذا لم يحصل مقصوده ; كان مشتريا لنفسه ، ولو لم يسم له الثمن ; لم يجز له أن يشتريه للآمر إلا بدراهم ، أو بدنانير ، لما بينا أنه يتعذر اعتبار إطلاق الوكالة في العوض ، فيحمل على أخص الخصوص ، وهذا الشراء بالنقد ، فإن اشتراه بعضه بعينها تبرا وإناء مصوغ أو ذهب أو تبر أو بمكيل أو بموزون أو عرض ، لزم المشتري دون الآمر ; لأن أمره ، لما قيد بالشراء بالنقد - صار كأنه نص عليه ، والتبر والمصوغ ليسا بنقد فكان فيما صنع مخالفا أمره ; فلهذا صار مشتريا لنفسه دون الآمر .
ولو وكله بشراء عبد بعينه بثمن مسمى ، فوكل الوكيل وكيلا آخر ، فاشتراه - لزم الآمر الثاني دون الأول ; لأن الأول إنما رضي برأي وكيله بالشراء ، وما رضي بتوكيله فهو في التوكيل مخالف ، وإن كان قد سمى [ ص: 59 ] الثمن له ; لأن تسمية الثمن تمنع الزيادة دون النقصان ، وإذا صار مخالفا ; نفذ شراء وكيله عليه ، كما لو اشتراه بنفسه على وجه يكون مخالفا فيه ، فيصير مشتريا لنفسه ، ولو اشتراه الوكيل الثاني بمحضر الوكيل الأول ; لزم الآمر الأول ، لأن تمام العقد برأي الوكيل الأول ، فكأنه هو الذي باشر العقد ، وفي هذا خلاف زفر - رحمه الله - وقد بيناه .
وإن قال الوكيل : أمرتني أن أشتريه لك بألف درهم ، وقال الآمر : أمرتك بخمسمائة فالقول قول الآمر ; لأن الإذن مستفاد من جهته ، ولو أنكر أصل الإذن ; كان القول قوله ، فكذلك إذا أنكر الزيادة ; ولأن تصرف كل إنسان يكون لنفسه باعتبار الأصل إلى أن يظهر كونه نائبا عن غيره ، فكان الآمر متمسكا بالأصل ، ولو أقام البينة ; فالبينة بينة الوكيل ، لأنه يثبت لنفسه دينا في ذمة الآمر ، ويثبت خلاف ما يشهد به الظاهر ، وهو وقوع الملك بشرائه للآمر ، وكذلك لو قال الآمر للوكيل : أمرتك بغير هذا العبد ، وقال : اشتر لي عبد فلان بعبدك هذا ، فاشتراه جاز للآمر ، وعليه قيمة عبد الوكيل ; لأنه صار كالمستقرض لعبد الوكيل حين أمره أن يشتري به له عبدا ، واستقراض الحيوان وإن كان فاسدا فإذا تم ; كان مضمونا بالقيمة ; ولأن الشراء يوجب الثمن للبائع على الوكيل ، وللوكيل على الموكل ، فإذا صح التوكيل هنا ، واشترى بعبده - وجب للبائع على الوكيل تسليم العبد إليه ، وللوكيل على الموكل مثله ، ومثل العبد قيمته ، وإنما صح التوكيل ; لأنه أقر بالشراء له بعوض يلتزمه في ذمة نفسه - كان صحيحا ، وكذلك إذا أمره بالشراء له بعوض يلتزمه في مال نفسه .
وإن اختلفا في مقدار القيمة ، فالقول قول الوكيل مع يمينه أو يترادان ، لأن الوكيل مع الموكل بمنزلة البائع مع المشتري ، على معنى أن الموكل يملك السلعة بعقد الوكيل بعوض يستوجبه الوكيل عليه ، والبائع مع المشتري إذا اختلفا في الثمن ; فالحكم ما قاله رسول الله : صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقوله البائع ، أو يترادان } .

ثم حاصل الجواب في هذه المسألة أن يقال : هنا معنيان : أحدهما - ما بينا ، وذلك موجب للتخالف والثاني - أن الوكيل أمين مخبر بما يجعل مسلطا عليه ، وفي مثله القول قوله مع يمينه ، فيكون للموكل الخيار ، إن شاء مال إلى هذا الجانب ، ورضي أن يأخذ بما قال الوكيل ، فحينئذ يحلف الوكيل على ما يدعي من مقدار الثمن ، كما هو الحكم في يمين الأمين ، فإذا حلف ; أخذه بذلك ، وإن شاء مال إلى الآخر ، ولم يرض أن يأخذه بما قال الوكيل ، فحينئذ يتحالفان ، والذي يبتدأ به في اليمين الآمر ; لأنه بمنزلة المشتري ، فكما أن البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن يبدأ بيمين المشتري ; لأن أول التسليمين عليه ، فكذلك هنا يبدأ بيمين الآمر ، ويحلف [ ص: 60 ] على علمه ; لأنه استحلاف على فعل الغير ، وبعد ما تحالفا ، فالعبد المشترى يلزم الوكيل ; لانفساخ السبب بين الوكيل والموكل .

قال : وإذا وكل رجل رجلا أن يشتري له أمة يتخذها أم ولد ويطؤها بألف درهم ، فاشترى له أمة رتقاء لا توطأ ، أو مجوسية ، أو أمة لها زوج - لم يلزم الآمر ; لأنه صرح بمقصوده عند التوكيل بمحل صالح لما صرح به ، وهذا المحل غير صالح لذلك ، وكان الوكيل مشتريا لنفسه ، وكذلك كل ما وصفه بصفة ، فاشتراه بصفة تخالف تلك الصفة كان مشتريا لنفسه ، لما قلنا بخلاف ما إذا أطلق ، فإن ما ليس بمعين يختلف باختلاف الصفة .
قال وإذا وكله أن يشتري له عبدا بعينه بألف درهم ، فاشتراه الوكيل ، وقبضه وطلب الآمر أخذه فأبى الوكيل ، أن يعطيه حتى يستوفي الثمن - فله أن يمنعه عندنا ، سواء نقد الوكيل الثمن أو لم ينقد ، وليس له حق المنع عند زفر - رحمه الله - وهذه معروفة في البيوع بفروعها ، إلا أن هناك لم ينص على الخلاف ، إذا هلك بعد المنع ، وإنما نص عليه هنا فقال : عند أبي يوسف - رحمه الله - يكون مضمونا بالأقل من قيمته ومن الثمن كالمرهون ، وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - يكون مضمونا بالثمن قلت قيمته أو كثرت ، كالمبيع إذا هلك في يد البائع ، فإن الوكيل مع الموكل لبائع مع المشتري ، فإن مات في يد الوكيل ، قبل أن يمنعه - مات من مال الآمر ; لأن الوكيل في القبض عامل للآمر ، فيصير الآمر بقبض الوكيل قابضا حكما ما لم يمنعه منه ، فإذا هلك هلك من مال الآمر ، وللموكل أن يرجع عليه بالثمن ، بخلاف ما إذا منعه ; لأنه صار مستردا ليده ; أو لأن بالمنع تبين أنه كان في القبض عاملا لنفسه لا للآمر ، وإن كان البائع أخر المال عن المشتري ; لم يكن للمشتري أن يأخذه من الآمر ، بمنزلة ما لو اشترى بثمن مؤجل ، فإنه لم يرجع على الآمر قبل حلول الأجل ، وهذا ; لأن الوكيل إنما يستوجب على الآمر مثل ما وجب للبائع عليه بصفته ، وهذا بخلاف الشفيع مع المشتري ، فإن الأجل الثابت في حق المشتري ، لا يثبت في حق الشفيع ; لأن الشفيع إنما يتملك المبيع بعقد جديد سوى عقد المشتري ، والأجل المذكور في عقد لا يثبت في عقد آخر ، وهنا الموكل إنما يتملك بذلك العقد الذي باشره الوكيل ، والأجل ثابت في حق الوكيل بحكم ذلك العقد ، فيثبت في حق الموكل أيضا ،
ولو حط البائع شيئا من الثمن عن الوكيل ; ثبت ذلك للآمر ; لأن حط بعض الثمن يلتحق بأصل العقد ، ويخرج قدر المحطوط من أن يكون ثمنا ، بخلاف ما لو وهب البائع الثمن كله للوكيل ; كان له أن يرجع على الموكل بالثمن ; لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد ، إذ لو التحق بأصل العقد ; فسد البيع ; لأنه يبقى بيعا بغير ثمن ، وهو [ ص: 61 ] فاسد ، فكان ذلك مقصورا على الحال ، وإبراء الوكيل لا يمنع من الرجوع على الآمر ; لأن ثبوت حق الرجوع له بالشراء لا بالولاء ، بخلاف الكفيل إذا برئ حيث لا يرجع على الأصيل ، لأن ثبوت حق الرجوع له بالأداء ، أو بملكه ما في ذمته ، وذلك لا يحصل بالأداء ، ولو أمره أن يشتري له عبدا بعينه بألف درهم ومائة ، ثم حط البائع المائة عن المشتري - كان العبد للمشتري دون الآمر ; لأنه في أصل العقد مخالف فوقع الشراء له ، ثم لا يتحول إلى الآمر بعد ذلك إلا بتجديد سبب ، ولم يوجد ، وبهذا يحتج زفر - رحمه الله - في الوكيل بشراء العبد إذا اشترى نصفه ، فإن عند زفر - رحمه الله - هناك ، وإن اشترى الباقي قبل الخصومة ; كان العبد للوكيل دون الآمر ; لأنه في أصل الشراء مخالف ، ولكنا نقول : هناك عرضت الموافقة بفعل - يكون من الوكيل فيما تناولته الوكالة - قائم فمنع تحقق الخلاف ، وهنا عرضت الموافقة بفعل - يحدثه الوكيل فيما تناولته الوكالة - غير موجود ، فتحقق الخلاف بنفسه .
ولو أن رجلا اشترى عبدا ، وأشهد أنه يشتريه لفلان ، فقال فلان : قد رضيت كان للمشتري أن يمنعه منه ; لأن الشراء نفذ على العاقد ، حين لم يكن مأمورا من جهة غيره ، ورضا الغير إنما يعتبر في عقد موقوف على إجازته ، وهذا العقد غير موقوف على إجازته ، فرضاه فيه وجوده كعدمه ، وإن سلمه له ، وأخذ الثمن كان ذلك بمنزلة بيع مستقبل منهما ، فإن البيع بالتعاطي ينعقد عندنا ; لأن المقصود تمام الرضا ، قال الله - تعالى : { : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وذلك يحصل بالفعل كما يحصل بالقول .
وإذا وكله بأن يشتري له أمة بألف درهم ، فاشتراها بألفين فبعث بها للآمر فاستولدها ، ثم قال الوكيل : اشتريتها بألفين ، فإن كان حين بعث بها إليه ، قال : هذه الجارية التي أمرتني فاشتريتها لك ، لم يصدق في أن ثمنها ألفان ، ولم تقبل بينته على ذلك ; لأنه بالكلام الأول ، صار مقرا أنه اشتراها للآمر ، وإنما يكون مشتريا للآمر ، إذا اشتراها بالثمن الذي سمى الآمر له ، فكان هو في قوله بعد ذلك اشتريتها بألفين مناقضا ، والمناقض لا دعوى له ، ولا تقبل بينته ، وإن لم يكن قال ذلك حين بعث بها إليه ; فالقول قوله لأنه يقول : اشتريتها لنفسي ، وإنما بعثتها إليه وديعة ، أو لينظر أنها تعجبه بالثمن الذي اشتريتها له به أو لا فلم يسبق منه ما يناقض قوله ; فلهذا جعلنا القول قوله ، ثم يأخذ القيمة وعقرها وقيمة ولدها ; لأن الآمر مغرور فيها : فإنه استولدها باعتبار سبب ظاهر لو كان حقيقة ; كانت الجارية له وهو أن الوكيل اشتراها له بما أمره به ، فإذا تبين الأمر بخلافه كان مغرورا .

ولو وكله أن يشتري له كر حنطة من الفرات ، فاشتراها ، واستأجر بعيرا لحمله عليه - لم يكن الكراء [ ص: 62 ] على الآمر في القياس ; لأن وجوب الكراء بعقد آخر سوى العقد الذي أمره به ، فكان متبرعا في حمله بمنزلة أجنبي آخر ، ألا ترى أنه لو أمره بالشراء من السوق فاشتراه ، ثم حمله إلى منزله بكراء كان متبرعا فيه ، فكذلك هذا ، وفي الاستحسان يرجع على الآمر بالكراء ; لأنه مأمور بحمله دلالة ، فإنه أمره بالشراء من الفرات ، ولا يمكنه أن يتركه هناك بعد الشراء ، فإن الحنطة تحمل في السفن إلى بغداد ، فتشترى ثمة ، وتنقل إلى المنازل ; إذ لا يبقى هناك بالليل أحد يحفظها ، وليس هناك حانوت تحفظ فيه ، فلما أمره بالشراء مع علمه بهذا ; صار الآمر آمرا له بالنقل دلالة ، والنقل لا يتأتى إلا بالكراء ، وكأنه أمره بهذا الاستئجار ، بخلاف ما لو أمره بالشراء من السوق .

توضيحه : أن الوكيل مضطر في هذا النقل ، فإنه لو تركه هناك يكون مضيعا له ، فلم يكن متبرعا في هذا النقل ، بخلاف ما إذا اشتراه من السوق ، فإنه غير مضطر إلى نقله ; لتمكنه من الترك في حانوت البائع ، وإن كان الآمر أمره أن يستأجر الكر بدرهم ، فاستأجر له بدرهم ونصف ; لم يكن على الآمر من الكراء شيء ; لأن الوكيل صار مخالفا له ، فكان مستأجرا لنفسه ، فحمله على من استأجره لنفسه كحمله على دابة نفسه ، ولو استأجره بدرهم ; جاز على الآمر ، ولم يكن للوكيل حبس الطعام حتى يستوفي الكراء ; لأن الكراء ليس بعوض عن الطعام ، وإنما يحبس الطعام ببدله ، وبدل الكراء هنا منفعة الدابة في الحمل ، وقد تلاشت وليس للحمل أثر قائم في المحمول ، فلا يحبس المحمول به ، بخلاف الخياطة والقصارة ، فإن أثر فعل الخياط والقصار قائم في الثوب ، فله أن يمنعه حتى يستوفي الأجرة .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.76 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]