عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-12-2025, 05:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع عشر

صـــ 2الى صـــ 11
(387)






[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الوكالة قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء : اعلم أن الوكالة في اللغة عبارة عن الحفظ ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى بمعنى الحفيظ كما قال الله تعالى : { حسبنا الله ونعم الوكيل } ولهذا قال علماؤنا - رحمهم الله - فيمن قال لآخر : " وكلتك بمالي " : إنه يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط ، وقيل معنى الوكالة : التفويض والتسليم ، ومنه التوكل ، قال الله تعالى { على الله توكلنا } ، يعني فوضنا إليه أمورنا وسلمنا ، فالتوكيل تفويض التصرف إلى الغير وتسليم المال إليه ليتصرف فيه ، ثم للناس إلى هذا العقد حاجة ماسة . فقد يعجز الإنسان عن حفظ ماله عند خروجه للسفر ، وقد يعجز عن التصرف في ماله لقلة هدايته وكثرة اشتغاله ، أو لكثرة ماله ، فيحتاج إلى تفويض التصرف إلى الغير بطريق الوكالة ، وقد عرف جواز هذا العقد بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } وهذا كان توكيلا ، وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه وكل حكيم بن حزام رضي الله عنه بشراء الأضحية ، وبه وكل عروة البارقي فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أعطاه علامة ، وقال : ائت وكيلي بخيبر ليعطيك ما سألتني بهذه العلامة } والدليل عليه : الحديث الذي بدأ به محمد - رحمه الله - الكتاب ورواه أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - عن سالم عن الشعبي { عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت : طلقني زوجي ثلاثا ثم خرج إلى اليمن فوكل أخاه بنفقتي فخاصمته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي نفقة ولا سكنى } ففي هذا جواز التوكيل بالاتفاق ، وبظاهر الحديث يستدل ابن أبي ليلى - رحمه الله - فيقول : " ليس للمبتوتة نفقة ولا سكنى " . ولكنا نقول إن صح الحديث فله تأويلان : أحدهما - أنها كانت بذيئة اللسان بذية على أحماء زوجها فأخرجوها ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت أم مكتوم رضي الله عنها تسكينا للفتنة ، فظنت أنه لم يجعل لها نفقة ولا [ ص: 3 ] سكنى ، الثاني - أنه وكل أخاه بأن ينفق عليها خبز الشعير ولم يكن الزوج حاضرا ليقضي عليه بشيء آخر ، فلهذا قالت : " ولم يجعل لي نفقة ولا سكنى " .
وذكر عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال : كان علي - كرم الله - وجهه لا يحضر خصومة أبدا وكان يقول : " إن الشيطان ليحضرها وإن لها قحما " الحديث . وفيه دليل على أن التحرز عن الخصومة واجب ما أمكن لما أشار إليه رضي الله عنه أنه موضع لحضرة الشيطان ، وأن للخصومة قحما أي مهالك .

وقال صلى الله عليه وسلم { كفى بالمرء إثما أن لا يزال مخاصما ، قال : وكان إذا خوصم في شيء من أمواله وكل عقيلا رضي الله عنه } ، وفيه جواز التوكيل بالخصومة ، وبظاهره يستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في جواز التوكيل بغير رضا الخصم ; لأن عليا رضي الله عنه لم يطلب رضا خصومه ، ولكن الظاهر أن خصومه كانوا يرضون بتوكيله ; لأنه كان أهدى إلى طرق الخصومة من غيره لوفور علمه ، وإنما كان يختار عقيلا رضي الله عنه ; لأنه كان ذكيا حاضر الجواب ، حتى حكي أن عليا رضي الله عنه استقبله يوما ومعه عنز له ، فقال له علي رضي الله عنه على سبيل الدعابة : أحد الثلاثة أحمق ، فقال عقيل رضي الله عنه أما أنا وعنزي فعاقلان ، قال فلما كبر سن عقيل وكل عبد الله بن جعفر ، إما أنه وقره لكبره ، أو لأنه انتقص ذهنه فكان يوكل عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ، وكان ذكيا شابا ، وقال : " هو وكيلي فما قضي عليه فهو علي ، وما قضي له فهو لي " .

وفي هذا دليل على أن الوكيل يقوم مقام الموكل ، وأن القضاء عليه بمنزلة القضاء على الموكل ، قال فخاصمني طلحة بن عبد الله رضي الله عنه في ضفير أحدثه علي رضي الله عنه بين أرض طلحة وأرض نفسه ، والضفير : المسناة وفيه دليل على أنهم كانوا يختصمون فيما بينهم ، ولا نظن بواحد منهم سوى الجميل ، لكن كان يستبهم عليهم الحكم فيختصمون إلى الحاكم ليبينه لهم ، ولهذا كانوا يسمون الحاكم فيهم : المفتي ، فوقع عند طلحة رضي الله عنه أن عليا - كرم الله وجهه - أضر به وحمل عليه السيل ، ولم ير علي رضي الله عنه في ذلك ضررا حين أحدثه ، قال : فوعدنا عثمان رضي الله عنه أن يركب معنا فينظر إليه ، وفيه دليل على أن فيما تفاقم من الأمر ينبغي للإمام أن يباشره بنفسه ، وأن يركب إن احتاج إلى ذلك ، فقال : والله إني وطلحة نختصم في المواكب ، وإن معاوية رضي الله عنه على بغلة شهباء أمام الموكب قد قدم قبل ذلك وافدا ، فألقى كلمة عرفت أنه أعانني بها ، قال : أرأيت هذا الضفير كان على عهد عمر رضي الله عنه ؟ ، قال : قلت نعم ، قال : لو كان جورا ما تركه عمر رضي الله عنه ، وفي هذا بيان أنه لم يكن بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في أول [ ص: 4 ] الأمر ، سوى الجميل إلى أن نزغ الشيطان بينهما ، فوقع ما وقع ، قال : فسار عثمان رضي الله عنه حتى رأى الضفير فقال : ما أرى ضررا ، وقد كان على عهد عمر رضي الله عنه ولو كان جورا لم يدعه ، وإنما قال ذلك ; لأن عمر رضي الله عنه كان معروفا بالعدل ودفع الظلم ، على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أينما دار عمر فالحق معه } ، وفيه دليل على أن ما وجد قديما يترك كذلك ولا يغير إلا بحجة ، فإن عثمان رضي الله عنه ترك الضفير على حاله بسبب أنه كان قديما ، وذكر عن شريح رحمه الله أنه يجيز بيع كل مجيز ، الوصي والوكيل ، والمجيز : ما يتم العقد بإجازته ، وفيه بيان أن العقود تتوقف على الإجازة ، وأن من يملك إنشاء العقد يملك إجازته ، وصيا كان ، أو وكيلا ، أو مالكا ; لأن المعتبر أن يكون تمام العقد برأيه ، وذلك ما حصل بإجازته ، وذكر عن شريح - رحمه الله - أنه قال : " من اشترط الخلاص فهو أحمق ، سلم ما بعت ، أو ذر ما أخذت ولا خلاص " وبه أخذ علماؤنا - رحمهم الله - بخلاف ما يقوله إبراهيم النخعي - رحمه الله - أن من باع عبدا يؤاخذ بخلاصه ، يعني : إذا شرط .

( وهذه ثلاثة فصول ) الأول - اشتراط الدرك ، وتفسيره : رد اليمين لاستحقاق المبيع ، وهو شرط صحيح ; لأنه يلائم موجب العقد ، وهو ثابت بدون الشرط ، فلا يزيده الشرط إلا وكادة ، والثاني - شرط العهدة وهو جائز عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - فإنه عبارة عن ضمان الدرك عندهما ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - هو باطل ، وتفسيره : الصك الأصلي الذي كان عند البائع يشترط المشتري عليه أن يسلمه إليه ، وهذا شرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين ، ولا يقتضيه العقد فكان باطلا ، والثالث - شرط الخلاص ، وتفسيره : أن يشترط على البائع أن المبيع إذا استحق من يده يخلصه حتى يسلمه إليه بأي طريق يقدر عليه ، وهذا باطل ; لأنه شرط لا يقدر على الوفاء به ، فالمستحق ربما لا يساعده عليه ، ولهذا ينسبه شريح - رحمه الله - إلى الحماقة ، حيث التزم ما ليس في وسعه الوفاء به ، وإذا وكل الرجل بالخصومة في شيء فهو جائز ; لأنه يملك المباشرة بنفسه ، فيملك هو صكه إلى غيره ليقوم فيه مقامه ، وقد يحتاج لذلك ، إما لقلة هدايته ، أو لصيانة نفسه عن الابتذال في مجلس الخصومة ، وقد جرى الرسم على التوكيل على أبواب القضاة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، من غير نكير منكر ، ولا زجر زاجر

، فإن أقر الوكيل على الذي وكله بالخصومة مطلقا في القياس ، لا يجوز إقراره ، سواء كان في مجلس القاضي ، أو في غير مجلس القاضي ، وهو قول أبي يوسف الأول ، وقول زفر والشافعي - رحمهم الله - ثم رجع أبو يوسف - رحمه الله - فقال يصح إقراره في مجلس القاضي ، وفي غير مجلس [ ص: 5 ] القاضي إقراره باطل ، وجه القياس أنه وكله بالخصومة ، والخصومة اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاحة ، والإقرار اسم لكلام يجري على سبيل المسالمة والموافقة ، وكان ضد ما أمر به ، والتوكيل بالشيء لا يتضمن ضده ، ولهذا لا يملك الوكيل بالخصومة الهبة والبيع أو الصلح ، والدليل عليه : بطلان إقرار الأب والوصي على الصبي مع أن ولايتهما أعم من ولاية الوكيل .

وأبو يوسف - رحمه الله - يقول : " الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقا فيقتضي أن يملك ما كان الموكل مالكا له ، والموكل مالك للإقرار بنفسه في مجلس القضاء وفي غير مجلس القضاء ، فكذلك الوكيل ، وهذا ; لأنه إنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجبا إلا بانضمام القضاء إليه كالبينة واليمين ، فأما الإقرار فهو موجب للحق بنفسه ، سواء حصل من الوكيل أو من الموكل ، فمجلس القضاء فيه وغير مجلس القضاء سواء .

" وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - قالا : حقيقة الخصومة ما قال زفر رحمه الله ولكنا تركنا هذه الحقيقة وجعلنا هذا توكيلا مجازا بالجواب ، والإقرار جواب تام وإنما حملناه على هذا المجاز ; لأن توكيله إنما يصح شرعا بما يملكه الموكل بنفسه ، والذي يتيقن به أنه مملك للموكل الجواب لا الإنكار ، فإنه إذا عرف المدعي محقا لا يملك الإنكار شرعا ، وتوكيله فيما لا يملك لا يجوز شرعا ، والديانة تمنعه من قصد ذلك ، فلهذا حملناه على هذا النوع من المجاز كالعبد المشترك بين اثنين ، يبيع أحدهما نصيبه فينصرف بيعه إلى نصيبه مطلقا ليصحح عقدة هذا الطريق ، غير أنه إنما سمى الجواب خصومة مجازا ، إذا حصل في مجلس القضاء ; لأنه لما ترتب على خصومة الآخر إياه سمي باسمه كما قال الله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، والمجازاة لا تكون سيئة حقيقة ; ولأن مجلس الحكم الخصومة ، فما يجري فيه يسمى خصومة مجازا ، وهذا لا يوجد في غير مجلس القضاء ; ولأنه إنما استعان بالوكيل فيما يعجز عن مباشرته بنفسه - وذلك فيما يستحق عليه والمستحق عليه إنما هو الجواب في مجلس الحكم بخلاف الأب والوصي - فإن تصرفهما مقيد بشرط الأنظر والأصلح ، قال الله تعالى { قل إصلاح لهم خير } وقال عز وجل : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ، وذلك لا يظهر بالإقرار ، فلهذا لا يملكه ، وإن وكله بالخصومة غير جائز الإقرار عليه ، صح الاستثناء في ظاهر الرواية ، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يصح ; لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل ، وهذا حكم الوكالة فلا يصح استثناؤه .

كما لو وكل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل الثمن ، أو لا يسلم المبيع ، كان الاستثناء باطلا ، فأما في ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح ; لأن صحة إقرار [ ص: 6 ] الوكيل - باعتبار ترك حقيقة اللفظ إلى نوع من المجاز - فهو بهذا الاستثناء يبين أن مراده حقيقة الخصومة ، لا الجواب الذي هو مجاز ، بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعا من النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه ، خاصة عند التنصيص عليه بخلاف ما إذا أطلق ، والثاني أن صحة إقراره وإنكاره عند الإطلاق لعموم المجاز ; لأن ذلك جواب ، ولاعتبار المناظرة في المعاملات بالمناظرة في الديانات منع موضعه ، فإذا استثني الإقرار كان هذا استثناء لبعض ما تناوله مطلق الكلام ، أو هو بيان مغاير لمقتضى مطلق الكلام فيكون صحيحا ، كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها ماشيا أو راكبا حنث لعموم المجاز ، فإن قال في يمينه ماشيا فدخلها راكبا لم يحنث لما قلنا ، وعلى هذا الطريق إنما يصح استثناؤه الإقرار موصولا لا مفصولا عن الوكالة ، وعلى الطريق الأول يصح استثناؤه موصولا ومفصولا ، قالوا وكذلك لو استثني الإنكار صح ذلك عند محمد - رحمه الله - خلافا لأبي يوسف - رحمه الله - وهذا لأن إنكار الوكيل قد يضر الموكل ، بأن كان المدعى وديعة أو بضاعة فأنكر الوكيل لم يسمع منه دعوى الرد والهلاك بعد صحة الإنكار ، ويسمع منه ذلك قبل الإنكار ، فإذا كان إنكاره قد يضر الموكل صح استثناؤه الإقرار ، ثم إذا أقر الوكيل في غير مجلس القاضي فلم يصح إقراره عندهما ، كان خارجا من الوكالة وليس له أن يخاصم بعد ذلك ; لأنه يكون مناقضا في كلامه ، والمناقض لا دعوى له فيستبدل به ، كالأب والوصي إذا لم يصح إقرارهما على الصبي لا يملكان الخصومة في تلك الحادثة بعد ذلك ، وإذا وكله بالخصومة في دار يدعي فيها دعوى ، ثم عزله عنها ، ثم شهد له الوكيل بها ، فإن كان الوكيل قد خاصم إلى القاضي جازت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ولم تجز عند أبي يوسف - رحمه الله - وهو بناء على ما ذكرنا أن عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بتعيينه للتوكيل صار خصما قائما مقام الموكل ، ولهذا جاز إقراره فيخرج من أن يكون شاهدا بنفس التوكيل ، وعندهما إنما يصير خصما في مجلس القاضي ، فكذلك إنما يخرج من أن يكون شاهدا إذا خاصم في مجلس القاضي لا قبل ذلك .

وإذا وكله بالخصومة فله أن يعزله متى شاء ; لأن صحة الوكالة لحاجة الموكل إليه ولما له فيها من المنفعة ، وذلك في جوازها دون لزومها ، ولأن الوكيل معيره منافعه ، والإعارة لا يتعلق بها اللزوم إلا في خصلة واحدة - وهي أن يكون الخصم قد أخذه حتى جعله وكيلا في الخصومة - فلا يكون له أن يخرجه منها إلا بمحضر من الخصم ; لأنه تعلق بهذه الوكالة حق الخصم ، فإنه إنما خلى سبيله اعتمادا على أنه يتمكن من إثبات حقه على الوكيل متى شاء ، فلو جوزنا [ ص: 7 ] عزله بدون محضر من الخصم ; بأن يعزل الموكل وكيله ويخفي شخصه فلا يتوصل الخصم إلى إثبات حقه ، فلمراعاة حق الخصم قلنا : " لا يتمكن من عزل الوكيل ، كالعزل في باب الرهن إذا كان مسلطا على بيعه لا يملك الراهن عزله لحق المرتهن " .
وعلى هذا قال بعض مشايخنا - رحمهم الله - : " إذا وكل الزوج وكيلا بطلاق امرأته بالتماسها ثم سافر لا يملك عزل الوكيل إلا بمحضر منها " والأصح أنه لا يملكه هناك ; لأنه لا حق للمرأة في سؤال الطلاق ، والتوكيل عند سفر الزوج ، وهنا للخصم حق أن يمنع خصمه من أن يسافر وأن يلازمه ليثبت حقه عليه ، وهو إنما ترك ذلك بتوكيله وعلى هذا قال بعض مشايخنا - رحمهم الله - إذا قال الزوج للوكيل بالطلاق " كلما عزلتك فأنت وكيل " لا يملك عزله ; لأنه كلما عزله تجددت وكالته ، فإن تعليق الوكالة بالشرط صحيح ، والأصح عندي أنه يملك عزله بأن يقول " عزلتك عن جميع الوكالات " فينصرف ذلك إلى المعلق والمنفذ ; لأنا لو لم نجز ذلك أدى إلى تغيير حكم الشرع بجعل الوكالة من اللوازم وذلك باطل .
وإذا وكله بالخصومة وهو مقيم بالبلد لم يقبل ذلك منه ، إلا برضا من خصمه أو يكون مريضا أو غائبا مسيرة ثلاثة أيام ، والرجال والنساء والثيب والبكر في ذلك سواء في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ، وكان ابن أبي ليلى - رحمه الله - يقول " للبكر أن توكل بغير رضا الخصم " ، وكان أبو يوسف - رحمه الله - يقول أولا : " للمرأة أن توكل بذلك بكرا كانت أو ثيبا إذا لم يكن مروءة " ، وفي قوله الآخر وهو قول محمد والشافعي - رحمهما الله - : " الرجل والمرأة سواء في ذلك ، لهم التوكيل بغير رضا الخصم " ووجه هذا القول : أن التوكيل حصل بما هو من خالص حق الموكل ، فيكون صحيحا بغير رضا الخصم ، كالتوكيل بالقبض والإيفاء والتقاضي ، وبيان ذلك أنه وكله بالجواب الذي هو إنكار ، ومن أفسد هذا التوكيل إنما يفسده من هذا الوجه ، فإن التوكيل بالإقرار صحيح ، والإنكار خالص حق الموكل ; لأنه يدفع به الخصم عن نفسه فعرفنا أنه وكله بما هو من خالص حقه ، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : " هو بهذا التوكيل قصد الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه فلا يملكه إلا برضاه كالحوالة بالدين " ومعنى هذا الكلام أن الحضور والجواب مستحق عليه ، بدليل أن القاضي يقطعه عن أشغاله ويحضره ليجيب خصمه ، وإنما يحضره لإيفاء حق مستحق عليه ، والناس يتفاوتون في هذا الجواب ، فرب إنكار يكون أشد دفعا للمدعي من إنكار ، والظاهر أن الموكل إنما يطلب من الوكيل ، وذلك الأشد الذي لا يتأتى منه لو أجاب الخصم بنفسه وفيه إضرار بالخصم ، إلا أن أبا يوسف ومحمدا - رحمهما الله - قالا : ذلك حق الموكل [ ص: 8 ] لو أتى به بنفسه كان مقبولا منه ، وصحة التوكيل باعتبار ما هو حق للموكل دون ما ليس الأشد لحق له كما بيناه في المسألة الأولى .

أبو حنيفة - رحمه الله - بنى على العرف الظاهر هنا ، وقال : الناس إنما يقصدون بهذا التوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل الأباطيل ، ليدفع حق الخصم عن الموكل ، وأكثر ما في الباب أن يكون توكيله بما هو من خالص حقه ، ولكن لما كان يتصل به ضرر بالغير من الوجه الذي قلنا لا يملك بدون رضاه - كمن استأجر دابة لركوبه أو ثوبا للبسه - لا يملك أن يؤاجره من غيره ، وإن كان يتصرف في ملكه ، وهي المنفعة ولكن يتصل به ضرر بملك الغير وهو العين ، لأن الناس يتفاوتون في اللبس والركوب ، فكذلك أحد الشريكين في العبد إذا كاتبه كان للآخر أن يفسخ ، وإن حصل تصرف المكاتب في ملكه لا ضرر يتصل بالشريك ، وهذا بخلاف التوكيل بالقبض والإيفاء ، فإن الحق معلوم بصفته ، فلا يتصل بهذا التوكيل ضرر بالآخر ، وكذلك التقاضي له حد معلوم منع الوكيل من مجاوزة ذلك الحد ، لئلا يتضرر به الخصم ، فأما الخصومة فليس لها حد معلوم يعرف حتى إذا جاوزه منع منه فلهذا شرطنا رضا الخصم ، وهذا الشرط ليس مؤثرا في صحة الوكالة ، فالتوكيل صحيح ولكن الكلام في إسقاط حق المطالبة بجواب الموكل ، ولهذا لا يشترط رضا الخصم في التوكيل عند غيبة الموكل أو مرضه ; لأنه ليس للخصم حق المطالبة بإحضار الموكل فلا يكون في التوكيل إسقاط حق مستحق عليه ، وهو نظير شهادة الفروع على شهادة الأصول ، فإنها تصح عند مرض الأصول وغيبتهم مدة السفر ، ولا تصح عند حضورهم لاستحقاق الحضور بأنفسهم للأداء في هذه الحال ، وابن أبي ليلى - رحمه الله - كان يقول : " المقصود بإحضار البكر لا يحصل لأنها تستحي فتسكت ، والشرع مكنها من ذلك فجاز لها أن توكل بغير رضا الخصم " ، وهكذا يقول أبو يوسف - رحمه الله - في المرأة التي ليست معتادة مخالطة الرجال ، فإنها لا تتمكن من هذا الجواب إذا حضرت مجلس الحكم ، فإن حشمة القضاء تمنعها من ذلك ، وإذا كان المقصود لا يحصل بحضورها جاز لها أن توكل ، والذي نختاره في هذه المسألة من الجواب أن القاضي إذا علم من المدعي التعنت في إباء الوكيل ، لا يمكنه من ذلك ويقبل التوكيل من الخصم ، وإذا علم من الموكل القصد إلى الإضرار بالمدعي في التوكيل ، لا يقبل ذلك منه إلا برضا الخصم ، فيصير إلى دفع الضرر من الجانبين .

وإذا وكلت امرأة رجلا ، أو رجل امرأة ، أو مسلم ذميا ، أو ذمي مسلما ، أو حر عبدا أو مكاتبا له أو لغيره بإذن مولاه ، فذلك كله جائز لعموم الحاجة إلى الوكالة في حق هؤلاء .
قال [ ص: 9 ] والوكالة في كل خصومة جائزة ، ما خلا الحدود والقصاص أو سلعة ترد من عيب ، والمراد التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص ، فإن التوكيل باستيفاء الحدود باطل بالاتفاق ; لأن الوكيل قائم مقام الموكل ، والحدود تندرئ بالشبهات فلا تستوفى بما يقوم مقام الغير في ذلك من ضرب وشبهه ، ألا ترى أنها لا تستوفى في كتاب القاضي إلى القاضي ، والشهادة على شهادة النساء مع الرجال ، وكذلك التوكيل باستيفاء القصاص لا يجوز ، ولا يستوفى في حال غيبة الموكل عندنا وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يستوفيه الوكيل ; لأنه محض حق العباد ، ومبنى حقوق العباد على الحفظ والصيانة عليهم ، فكان لصاحب القصاص أن لا يحضر بنفسه ويوكل باستيفائه دفعا للضرر عن نفسه كسائر حقوقه ، ولكنا نقول هذه عقوبة تندرئ بالشبهات ، فلا تستوفى بمن يقوم مقام الغير كالحدود ، ولهذا لا تستوفى في كتاب القاضي إلى القاضي ، ولا بشهادة النساء مع الرجال ، وتوضيحه أنه لو استوفى في حال غيبة الموكل كان استيفاء مع تمكن شهادة العفو لجواز أن يكون الموكل عفا بنفسه ، والوكيل لا يشعر به ، ولهذا إذا كان الموكل حاضرا يجوز للوكيل أن يستوفي ; لأنه لا تتمكن فيه شبهة العفو ، وقد يحتاج الموكل إلى ذلك ، إما لعلة هدايته في الاستيفاء ، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك ، فيجوز التوكيل في الاستيفاء عند حضرته استحسانا .
فأما قوله أو سلعة ترد بالعيب ، فليس المراد به : أن التوكيل بالخصومة في هذا غير صحيح ، بل المراد أن الوكيل إذا أثبت العيب فادعى البائع رضا المشتري بالعيب ، فليس للوكيل أن يرده بالعيب حتى يحضر المشتري فيحلف بالله ما رضي بالعيب ، وهذا بخلاف الوكيل يقبض الدين إذا ادعى المطلوب أن الطالب قد استوفى دينه أو أبرأ المطلوب منه ، فإنه يقال له : ادفع المال إلى الوكيل وأنت على خصومتك في استحلاف الموكل إذا حضر ، والفرق من وجهين : أحدهما - أن الدين حق ثابت بنفسه إذ ليس في دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافي أصل حقه ، لكنه يدعي إسقاطه بعد تقرير السبب الموجب ، فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط ، فأما في العيب إن علم المشتري بالعيب وقت البيع ، يمنع ثبوت حقه في الرد أصلا ، فالبائع ليس يدعي مسقطا بل زعم أن حقه في الرد لم يثبت أصلا ، فلا بد من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكن من الرد عليه .

والثاني - أن الرد بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد ، والعقد إذا انفسخ فلا يعود فلو أثبتنا حق الرد عليه تضرر الخصم بانفساخ عقده عليه ، فأما قضاء الدين فليس فيه فسخ عقد ، وإذا حضر الموكل فأبى أن يحلف توصل المطلوب إلى حقه ، فلهذا أمر بقضاء الدين .
وفي الوكيل يأخذ الدار بالشفعة إذا ادعى الخصم [ ص: 10 ] أن الموكل قد سلم وطلب يمينه على ذلك ، ففي ظاهر الرواية ، هذا ومسألة الدين سواء ، وللوكيل أن يأخذ بالشفعة ; لأن المشتري يدعي مسقطا بعد تقرر السبب ، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن هذا ومسألة العيب سواء ; لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ، فكما لا يقضي القاضي بفسخ العقد ما لم يحضر الموكل ويحلف ، فكذلك لا يقضي بالشفعة ما لم يحضر الموكل ويحلف ما سلم بالشفعة ، فإن أراد المطلوب يمين الوكيل ، فليس له عليه يمين في الاستيفاء ; لأن الاستيفاء مدعى على الطالب ، ولو استحلف الوكيل على ذلك كان على سبيل النيابة عنه ، ولا نيابة في اليمين وقال زفر - رحمه الله - له أن يحلف الوكيل بالله ما يعلم أن الطالب استوفى الدين ; لأن الوكيل لو أقر باستيفاء الطالب لم يكن له أن يخاصم المطلوب فإذا أنكر استحلفه عليه ، كما يستحلف وارث الطالب على هذا بعد الطالب ، ولكنا نقول : الوكيل نائب ولا نيابة في اليمين بخلاف الوارث فإنه قائم مقام المورث في الحق ، فتصير اليمين مستحقة على الطالب ، إلا أن الاستحلاف على فعل الغير يكون علما ، فإذا حضر الطالب فات المطلوب ، إلا أن يحلف بالله : لقد شهدت شهوده بحق ، لم يكن له على ذلك سبيل ; لأن صدق الشهود شرعا بظهور عدالتهم ، كما أن صدق المدعي بإقامة البينة ، فكما لا يحلف المدعي مع البينة ، فكذلك لا يحلف بعد ظهور عدالة الشهود الذين شهدوا بحق ، ولكنه يحلف بالله ما استوفيت ديني ، فإن حلف ثم قبض الوكيل - وإن نكل عن اليمين - لزمه المال دون الوكيل ; لأن نكوله كإقراره أو بدله ، فينفذ عليه دون الوكيل ، ولكن إن كان المال المقبوض عند الوكيل ، فهو حق الطالب يقبضه من الوكيل ، ثم يدفعه إلى المطلوب بحكم نكوله ، وليس للمطلوب أن يرجع به على الوكيل ، بخلاف ما إذا أقام المطلوب البينة على القضاء ، فإن البينة حجة في حقهما ، فإن شاء رجع بالمقبوض على الوكيل إذا كان قائما في يده ; لأنه تبين أنه قبض بغير حق ، وإن شاء أخذ الموكل به ; لأن الوكيل عامل له فعهدة عمله عليه .

وإن قال الوكيل : قد دفعته إلى الموكل أو هلك مني ، فالقول قوله مع يمينه ; لأنه كان أمينا مسلطا على ما أخبر به من جهة الموكل ، فالقول فيه قوله وإن قال : أمرني فدفعته إلى وكيل له أو غريم ، أو وهبه لي أو قضاني من حق كان لي عليه ، لم يصدق وضمن المال ; لأنه يدعي تملك المقبوض لنفسه بسبب لم يعرف ذلك السبب ، أو يقر بالسبب الموجب للضمان على نفسه بدفعه إلى غيره ، وادعى الأمر من جهة صاحب المال ، ولا يثبت ذلك بقوله إذا أنكره صاحب المال ، فلهذا ضمن المال .
قال : ولا يقبل من الوكيل شهادة على الوكالة في شيء مما ذكرنا إلا ومعه خصم حاضر ; لأن شرط قبول البينة [ ص: 11 ] الدعوى والإنكار ، فكما أن انعدام الدعوى يمنع قبول البينة ، فكذلك انعدام الإنكار ، ولا يتحقق الإنكار إلا من خصم حاضر ، وكان ابن أبي ليلى - رحمه الله - يقبل البينة على هذا من غير خصم ، ويقول : الوكيل بهذه البينة لا يلزم أحدا شيئا ، وإنما يثبت كونه نائبا عن موكله ، وليس فيه إلزام شيء على موكله فلا معنى لاشتراط حضور الخصم ، ولكنا نقول إنما سميت : البينة ، لكونها مبينة في حق المنكر ، وذلك لا يتحقق إلا بمحضر من الخصم ، فإن أقام البينة على الوكالة بغير محضر من الخصم - واليمين من القاضي - أن يكتب شهادة شهوده إلى قاضي بلد ينقل شهادتهم في كتابه إلى مجلس القاضي الذي فيه الخصم ، كما أن شهود الفرع ينقلون شهادة الأصول بعبارتهم ، فكما لا يشترط في إشهاد الفروع حضرة الخصم ، فكذلك هنا ، وإن قبل القاضي البينة بغير خصم وقضى بها جاز قضاؤه ; لأنه قضى في فصل مختلف فيه ، فإن العلماء - رحمهم الله - مختلفون في سبب القضاء هنا : أن البينة هل هي حجة بغير محضر خصم أم لا ؟ فإذا قضى بها القاضي فقد أمضى فصلا مجتهدا فيه باجتهاده ، فلهذا لا يفسد قضاؤه ، قال : ولأحد الوكيلين بالخصومة أن يخاصم ، وليس له أن يقبض أولا بقول الوكيل بالخصومة ، له أن يقبض المال عندنا ، وليس له أن يقبض عند زفر - رحمه الله - لأنه أمر بالخصومة فقط ، والخصومة لإظهار الحق ، والاستيفاء ليس من الخصومة ، ويختار في الخصومة ألح الناس ، وللقبض آمن الناس ، فمن يصلح للخصومة لا يرضى بأمانته عادة ، ولكنا نقول : الوكيل بالشيء مأمور بإتمام ذلك الشيء ، وإتمام الخصومة يكون بالقبض ; لأن الخصومة قائمة ما لم يقبض ، ولأن المقصود بالخصومة الوصول إلى الحق وذلك بالقبض يكون ، والوكيل بالشيء يحصل ما هو المقصود به .
قال : فإن وكل رجلين بالخصومة فلأحدهما أن يخاصم عندنا بدون محضر من الآخر خلافا لزفر - رحمه الله - لأن الخصومة يحتاج فيها إلى الرأي ، ورأي المثنى لا يكون كرأي الواحد فرضاه برأيهما لا يكون رضا برأي أحدهما ، كالوكيلين بالبيع ، ولكنا نقول لو حضر لم يخاصم إلا أحدهما ; لأنهما لو تكلما معا لم يتمكن القاضي من أن يفهم كلامهما ، فلما وكلهما بالخصومة مع علمه أن اجتماعهما عليها متعذر ، فقد صار راضيا بخصومة أحدهما بخلاف الوكيلين بالبيع ، ولكن إذا آل الأمر إلى القبض فليس لأحدهما أن يقبض ; لأنه رضي بأمانتهما أو اجتماعهما في القبض ، والحفظ متأت فلا يكون راضيا بقبض أحدهما .
وليس للوكيل أن يوكل غيره ; لأن الناس يتفاوتون في الخصومة ، قال صلى الله عليه وسلم { ولعل [ ص: 12 ] بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض } ، والموكل إنما رضي برأيه فلا يكون له أن يوكل غيره بدون رضاه ، وإن قال ما صنعته في شيئي ذلك جائز ، كان له أن يوكل غيره ; لأنه أجاز صنعه على العموم ، فالتوكيل من صنعه فيجوز لوجود الرضا من الموكل به ، وليس للوكيل بالخصومة أن يصالح ولا أن يبيع ولا أن يهب ; لأن هذه التصرفات ليست من الخصومة ، بل هي ضد الخصومة قاطعة لها ، والأمر بالشيء لا يتضمن ضده .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.06 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]