عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 20-12-2025, 02:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن عشر

صـــ 162الى صـــ 171
(384)






باب إقرار المكاتب والحر

( قال رحمه الله ) : وإذا أقر المكاتب بدين عليه لحر أو لعبد من ثمن بيع أو قرض أو غصب فهذا لازم له ; لأن الإقرار من التجارة وعقد الكتابة يوجب انفكاك الحجر عنه مما هو من التجارة ، فإن عجز لم يبطل ذلك عنه ; لأن الثابت بإقراره كالثابت بالبينة عليه .

( ألا ترى ) أن العبد لو أقر بالدين ، ثم حجر عليه مولاه لم يبطل إقراره فالمكاتب أولى بذلك .
ولو أقر المكاتب لمولاه بدين جاز عليه لأنه بعقد الكتابة صار أحق بمكاسبه وصار المولى منه كالأجنبي .
وإقرار المكاتب بالحدود جائز كإقرار العبد بها ، وإن أقر بمهر من نكاح لم يلزم ; لأن النكاح ليس من التجارة ولا هو سبب اكتساب المال في حق الزوج إلا أن على قول أبي يوسف رحمه الله إذا أقر بالدخول فإنه يلزمه ، وهو بمنزلة إقرار العبد التاجر به ، وقد بينا مذهب أبي يوسف رحمه الله في ذلك . وكذلك لو أقر أنه افتض امرأة بأصبعه حرة أو أمة أو صبية فهذا يلزمه في قول أبي يوسف رحمه الله ; لأن العبد التاجر لو أقر به كان مؤاخذا به في الحال عنده فكذلك المكاتب وفي قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله هذا بمنزلة الإقرار بالجناية .

وإقرار المكاتب بالجناية صحيح في حال قيام الكتابة ; لأن الأرش يجب فيه وكسبه حقه ، فإن عجز قبل أن يؤدي بطل في قول أبي حنيفة رحمه الله وجاز في قول محمد رحمه الله وإنما أراد بهذا إذا عجز بعد ما قضى القاضي عليه بالجناية قلنا إذا عجز قبل قضاء القاضي يبطل إقراره هكذا قال بعض مشايخنا رحمهم الله ، وهو الذي اعتمده الحاكم رحمه الله وجعل هذا بمنزلة إقراره بقتل [ ص: 163 ] رجل خطأ ، ولكن الأصح عنه أن هنا الجواب مطلق كما قال في الكتاب ; لأن جناية الخطأ تتعلق بنفسه وإنما يتحول إلى كسبه بالقضاء حتى لو عجز قبل القضاء لدفع به ، فأما جنايته بالافتضاض بالأصبع فلا تتعلق بنفسه ; لأنه لا يدفع به بحال وإنما يتعلق بكسبه ابتداء ، فإن عجز قبل القضاء أو بعد القضاء كان مطالبا عند محمد رحمه الله ، وعلى قول محمد رحمه الله لما كان سببه إقراره لم يطالب به بعد العجز بمنزلة إقراره بالجناية إذا اتصل به قضاء القاضي ، وإذا قضى عليه بأرش جناية الخطأ بعد ما أقر به فأدى بعضه ، ثم عجز بطل فيه ما بقي عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه لو طولب به إنما يطالب بإقراره بالجناية ليس بحجة فيما هو حق المولى ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هو لازم له ; لأنه صار دينا بقضاء القاضي فالتحق بسائر الديون بخلاف ما إذا عجز قبل أن يقضي به عليه ; لأنه لم يصر دينا فيجعل كأنه أقر به بعد العجز وهذا كله عندنا خلافا لزفر رحمه الله .
وفي مسألة كتاب الديات ولو أقر أن العبد تاجر أو محجور عليه بدين أو عين وأراد مولاه أخذه من المقر في حال غيبة العبد لم يكن له ذلك لأن للعبد يدا في مكاسبه محجورا كان أو مأذونا حتى لا يتم كسبه لمولاه إلا بشرط الفراغ من دينه فأخذ المولى لذلك يتضمن القضاء على الغائب ببطلان حقه عنه ، وذلك لا يجوز عند غيبته .
ولو أقر الحر لعبد بوديعة فأقر العبد أنها لغيره ، فإن كان مأذونا جاز إقراره ، وإن كان محجورا عليه فإقراره بها لغيره باطل ; لأن الوديعة في يد المودع .

ولو كان في يد العبد مال فأقر به لغيره صح إن كان مأذونا ، ولم يصح إن كان محجورا عليه فكذلك هنا .
ولو أقر الحر لعبد بين رجلين بدين ، وقد أذن له أحدهما في التجارة دون الآخر جاز إقراره ; لأن حكم صحة الإقرار لا يختلف بكون المقر له مأذونا أو محجورا عليه فجاز ، وإن كان المقر به من كسب العبد فيكون بين الموليين نصفين ; لأن الكسب يملك بملك الرقبة ولا يختص الإذن بشيء من كسب العبد وإنما اختصاص الإذن يعلق دين العبد بنصيبه من الرقبة ; لأن الإذن لا يحتاج إليه لتعلق الدين بمالية الرقبة لا بصحة الاكتساب من العبد غير أنه إذا كان على العبد دين فلا يسلم من كسب العبد شيء للذي لم يأذنه ما لم يقض العبد دينه لما بينا أن سلامة الكسب للمولى متعلقة بفراغه عن حاجة العبد ( ألا ترى ) أن المحجور عليه إذا وجب عليه دين بالاستهلاك فاكتسب كسبا كان ذلك الكسب مصروفا إلى دينه ولو أقر هذا العبد بدين لزمه في حصة الذي أذن له ; لأن إقرار المحجور عليه غير صحيح في حق مولاه ونصيب الذي [ ص: 164 ] لم يأذن له محجور عليه فأجعل نصيب كل واحد منهما في حكم الإقرار بمنزلة عبد على حدة وما في يده من كسب يقضى به دينه ويكون الباقي بين الموليين نصفين إلا أن يعلم أنه من غير التجارة مثل أن يكون من هبة أو صدقة أو نحو ذلك فيكون نصفه للذي لم يأذن له قبل قضاء الدين ; لأن إقراره لم يكن صحيحا في نصيب الذي لم يأذن له من الرقبة فكذلك في الكسب الذي لا يعتمد في حصوله على الإذن كالموهوب ونحوه بخلاف ما اكتسبه بطريق التجارة فإن سبب حصول ذلك الكسب تجارة والإقرار من التجارة والدين الواجب بسبب هو تجارة يظهر في الكسب الحاصل بطريق التجارة ، وإذا ظهر فيه لا يسلم شيء منه للذي لم يأذن له إلا بعد الفراغ من دينه كما لو كان الدين عليه بسبب معاين ، والله أعلم .

باب إقرار الرجل أنه لا حق له قبل فلان

( قال رحمه الله ) : وإذا أقر الرجل أنه لا حق له قبل فلان فهو جائز عليه ; لأنه أخرج الإقرار مخرج العموم وإجراؤه على العموم ممكن لجواز أن ينفي حقوقه عن فلان من كل وجه وأمكن العمل بموجب هذا الكلام من غير بيان من المقر بخلاف قوله جميع ما في يدي لفلان فإن العمل بموجب ذلك الكلام غير ممكن إلا ببيان المقر ولا يمكن إجراؤه الكلام هناك على العموم ; لأن زوجته وولده في يده ولا يكون ذلك للمقر له فلهذا وجب الرجوع إلى بيانه هناك ، ثم يدخل في هذا اللفظ كل عين أو دين وكل كفالة أو جناية أو إجارة أو حد ; لأن قوله صلى الله عليه وسلم يتناول ذلك كله ، وقد بيناه فيما سبق فكل هذا حق مالا كان أو غير مال ، وإن قال هو بريء مما لي عليه فهو مثل ذلك أيضا غير أنه لا تدخل الأمانة في هذا اللفظ كالوديعة العارية ; لأن كلمة علي خاص لما هو واجب في الذمة فلا تدخل فيه الأمانة إذ لا وجوب في ذمة الأمين .
وإن قال هو بريء مما لي عنده فإنما يدخل في هذا اللفظ الأمانة خاصة ، فأما الغصوب والودائع التي خالف فيها فقد صار ضمانها مستحقا في ذمته بمنزلة الديون فلا يدخل في هذا اللفظ .
وإن قال هو بريء مما لي قبله برئ من الأمانة والغصوب جميعا ، وإن ادعى الطالب بعد ذلك حقا لم تقبل بينته عليه حتى يشهد شهوده بعد البراءة أو يوقتوا وقتا بعدها ; لأنه بهذا اللفظ استفاد البراءة على العموم ولا يسمع منه بعد ذلك الدعوى إلا أن يعلم خروج ما ادعاه العامة فإن العمل بالعام واجب حتى يقوم دليل [ ص: 165 ] الخصوص .

ولو أقر أن فلانا قد برئ من حقه قبله ، ثم قال أنا بريء من كل حق له علي فإن لفظ الجنس يعم جميع ذلك الجنس بمنزلة اللفظ العام . وكذلك لو قال هو بريء من الدين الذي لي قبله أو مما لي قبله أو من ديني عليه أو من حقي عليه ، ولكن يدخل في البراءة من الحقوق الكفالة والجناية التي فيها قود أو أرش ; لأن ذلك من حقوقه .
ولو أقر أنه لا حق له قبل فلان ، ثم ادعى قبله حد قذف أو سرقة لم تقبل بينته على ذلك إلا أن يشهد الشهود أنه فعل ذلك بعد البراءة ، وهو ودعوى الدين عليه سواء .


ولو قال إنه قد برئ من قذفه إياي ، ثم طلبه به بعد ذلك كان له ; لأن هذا بمنزلة العفو ومعناه أنه بريء من موجب قذفه إياي فإن البراءة عن عين القذف لا تتحقق وموجب القذف عندنا لا يسقط بالعفو بخلاف الأول فإنه نفى حقه من الأصل فكان منكرا للسبب في حد القذف لا مسقطا للحد ، ولو قال : ما قذفني لم تسمع منه دعوى القذف بعد ذلك مطلقا فكذلك إذا قال لا حق لي قبله .
ولو قال هو بريء من السرقة التي ادعيتها لم يكن عليه ضمان ولا قطع ; لأن دعوى السرقة حق المسروق منه ، وهو مما يسقط بإسقاطه .

( ألا ترى ) أنه لو وهب المسروق من السارق سقطت خصومته وبدون خصومته لا تظهر السرقة في حق المال ولا في حق القطع .

ولو قال لست من فلان في شيء ، ثم أقام البينة على مال له عليه قبل هذا القول قبلت بينته وهذا القول باطل ; لأنه ما تعرض في كلامه للحق الذي عليه وإنما تعرض لنفسه والحق الذي عليه غير نفسه فلا يصير مذكورا بذكر نفسه . وكذلك لو قال : برئت من فلان أو قال أنا بريء من فلان لم يكن هذا القول براءة من حق لواحد منهما قبل صاحبه ; لأنه أضاف البراءة إلى نفسه دون الحق الذي عليه فلا يصير الحق مذكورا به ( ألا ترى ) أن البراءة من نفس الغير تكون إظهارا للعداوة معه والبراءة من الحق الذي له عليه إظهار للمحبة .
ولو قال لست من هذه الدار التي في يد فلان في شيء ، ثم ادعى بعد ذلك حقا فيها لم تقبل دعواه ; لأنه أخرج نفسه من الدار على العموم واتصاله بالدار من حيث ملكه أو حق له فيه فإخراجه نفسه منها على العموم ويكون إقرارا بأنه لا حق له فيها ولا ملك بخلاف قوله لست من فلان في شيء فإن اتصاله من فلان من حيث المحبة والتناصر فإنما يكون هذا الكلام إقرارا منه بأنه لا محبة بينهما ولا تناصر ، وعلى هذا لو قال أنا بريء من هذه الدار كان هذا إقرارا منه بأنه لا حق له فيها ; لأن تبرؤه عن العين يكون إقرارا بانقطاع سبب اتصاله به ، وذلك بالملك أو الحق .

ولو قال : خرجت من هذه [ ص: 166 ] الدار لم يكن إقرارا بشيء ; لأنه أخبر بفعله بالخروج من الدار ولو عاين ذلك لم يكن موجبا انتفاء حقه عنها فكذلك إذا قال خرجت منها .
وإن قال : قد خرجت منها على مائة درهم أو بمائة درهم وقبضتها كان إقرارا بأنه لا حق له فيها ; لأن الخروج بعوض لا يكون إخبارا بعين الفعل بل يكون إخبارا بإزالة ملكه عنها بعوض بطريق البيع أو بطريق الصلح فيكون إقرارا بأنه لا حق له فيها ، وعلى هذا الحيوان والعروض والدين ، فإن أنكر ذو اليد ذلك ، وقال هو لي ، وقد أخذت مائة درهم غصبا حلف على ذلك ; لأنه قد أقر بأخذ المائة منه وادعى لأخذه شيئا ، وهو الصلح ، فإذا أنكر صاحبه السبب كان القول قوله مع اليمين ويسترد المائة إذا حلف ويكون المقر على خصومته ; لأن ما أقر به من الصلح قد بطل بإنكار صاحبه واسترداده بدل الصلح .
وإذا قال الطالب : قد برئت من ديني على فلان أو هو في حل مما لي عليه كانت هذه براءة للمطلوب لأنه أضاف البراءة إلى الحق الواجب على المطلوب فيكون مسقطا له . وكذلك لو قال وهبت الذي لي عليه له فهو بريء من ذلك ; لأن هبة الدين ممن عليه يكون إسقاطا فإنه ليس بعين قابل للتمليك مقصود ، ولكنه محتمل للإسقاط فتصير الهبة فيه عبارة عن الإسقاط مجازا كهبة المرأة من نفسها يكون طلاقا وهبة العبد من نفسه يكون اعتاقا وهبة القصاص ممن هو عليه يكون عفوا ، فإن كان فلان حاضرا فلم يقبل الهبة أو كان غائبا فبلغه ، فقال لا أقبل فالمال عليه كما لو أبرأه فرد الإبراء وهذا لأن إبراء من عليه الدين ، وإن كان إسقاطا ففيه معنى التملك ; لأنه يجوز أن يملك ما في ذمته ويسقط عنه كما يكون عند قضاء الدين أو الشراء بالدين فلما كان فيه معنى التمليك احتمل الارتداد برده ولكونه إسقاطا لا يتوقف على قبوله حتى لو مات قبل أن يرده فهو بريء ; لأن البراءة حصلت له بنفس الإسقاط على احتمال أن يعود برده ، فإذا مات قبل أن يرده تم الإسقاط بموته . وكذلك لو قال هو في حل مما لي عليه فهذا اللفظ يستعمل في الإبراء عرفا فهو وقوله هو بريء مما لي عليه سواء .

ولو قال ليس لي مع فلان شيء لم يكن هذا إبراء من الدين ، وكان براءة من كل أمانة بمنزلة قوله ليس عند فلان ; لأن كلمة مع للضم وكلمة عند للقرب ، وذلك يتحقق في الأعيان دون الديون .
وإذا أقر الطالب أن فلانا قد برئ إليه مما له عليه فهذا إقرار بالقبض ; لأنه أقر ببراءته بفعل من المطلوب متصل بالطالب حين وصله بنفسه بحرف إلى ، وذلك إنما يكون بإيفاء الدين فإن ابتداءه من المطلوب وتمامه من الطالب بقبضه .
وإذا أقر أنه لا قصاص له قبل فلان فله أن يدعي الخطأ والحد ; لأن [ ص: 167 ] القصاص اسم خاص لعقوبة هي عوض حق العباد واجب بطريق المماثلة فلا يدخل فيه الخطأ والحد ; لأن موجب الخطأ والحد مال ومعظم الحق في الحد لله تعالى .
وإذا أقر أنه لا جراحة له خطأ قبل فلان فله أن يدعي العمد إن كان فيه قصاص أو لم يكن ; لأن الخطأ صفة للفعل لا لموجبه والعمد ضده فلا يكون نفيه بصفة نفيا منه فعلا بضد تلك الصفة فإن ما ليس بمعين يختلف باختلاف وصفه .
ولو أقر أنه لا جراحة له قبل فلان فليس له أن يدعي جراحة عمدا ولا خطأ ; لأنه نفى الفعل مطلقا فلا يتقيد بأحد الوصفين إذ المقيد غير المطلق ونفي الفعل نفي لموجبه ضرورة وله أن يدعي الدم ; لأن الجراح اسم خاص لما دون النفس فلا يتناول النفس ; لأن الفعل في النفس إزهاق الحياة ، وفيما دونها أمانة لجزء ما هو دونها في الجرح ولا مغايرة أبين من مغايرة محل الفعل .

وإن أقر أنه لا حد له قبل فلان فادعى سرقة يجب فيها القطع فهو على دعواه ; لأنه إنما نفى حدا هو حقه وحد السرقة خالص حق الله تعالى حتى لا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار ولا يعتبر خصومة المسروق منه في القطع وإنما حقه في دعوى المال ، وهو ما نفى ذلك بإقراره .
وإن أقر أنه لا دم له قبل فلان فليس له أن يدعي دما خطأ ولا عمدا ; لأنه نفى بإقراره الدم مطلقا ، وقد بينا أن نفي السبب نفي لموجبه والدية في الخطأ موجب الدم كالقصاص في العمد وله أن يدعي ما دون الدم ، والدم في عرف اللسان عبارة عن النفس خاصة ، وليس من ضرورة نفي النفس نفي ما دونها .
ولو أقر أنه لا أرش له قبل فلان لم يكن له أن يدعي دية خطأ ولا صلحا عن دم عمد ولا عن كفالة بدية نفس ولا عن قبل شيء من الجراحة ; لأن اسم الأرش يعم ذلك كله سواء كان ذلك واجبا بنفس الفعل أو بالصلح على الأصل أو على الكفيل بكفالته به فإقراره بنفي الأرش يتناول ذلك كله ، والله أعلم .

باب الإقرار بالعتق والكتابة

( قال رحمه الله ) : وإذا أقر الرجل أنه أعتق عبده هذا أمس ، وهو كاذب عتق في القضاء ، ولم يعتق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأن الإقرار خبر محتمل للصدق والكذب لكن دين المقر وعقله يدعوانه إلى الصدق والقاضي مأمور باتباع الظاهر ، فإذا ترجح جانب الصدق باعتبار الظاهر قضى القاضي بعتقه ، ولكن الله تعالى عالم بحقائق الأشياء ، فإذا لم يسبق من المقر فيه عتق كان خبره في الحقيقة كذبا والكذب بالإخبار عنه لا يصيره حقا كإقرار المقرين [ ص: 168 ] به لا يصيره حقا بإخبارهم به فلهذا لا يعتق فيما بينه وبين الله تعالى .
ولو قال أعتقتك أمس وقلت إن شاء الله لم يعتق لما سبق أن عمل الاستثناء في الكلام كعمل الشرط .

ولو أقر أنه علق عتقه بشرط لم يكن هذا إقرارا بالعتق فكذلك إذا أقر أنه استثنى موصولا . وكذلك لو قال أعتقتك أمس وإنما اشتراه اليوم فقد أضاف العتق إلى وقت لم يكن مالكا للعتق فيه فهو كقوله أعتقتك قبل أن اشتريتك .
ولو أقر أنه أعتق عبده هذا لا بل هذا عتقا جميعا ; لأن رجوعه عما أقر به للأول باطل ، وإقامة الثاني مقامه في الإقرار بعتقه صحيحة فلهذا عتقا .
ولو قال أعتقتك على مال ، وقال العبد أعتقتني بغير مال فالقول قول العبد ; لأن المولى أقر بعتقه وادعى وجوب المال لنفسه في ذمته ; لأن العتق ينزل بنفس القبول قبل الأداء والمولى مقر بقبوله فلهذا عتق العبد ، وهو غير مصدق فيما يدعي من المال في ذمة العبد إلا أن يقيم البينة عليه أو يحلف العبد إن لم يكن له بينة .
ولو قال : جعلت أمرك بيدك في العتق أمس فلم تعتق نفسك ، وقال العبد بل أعتقت نفسي لم يصدق العبد لأن المولى ما أقر بعتقه فإن جعل الأمر في يده لا يوجب العتق ما لم يعتق العبد نفسه ، والعبد مدع لذلك والمولى منكر ولا قول للعبد في الحال ; لأنه يخبر بما لا يملك إنشاءه فقد خرج الأمر من يده بالقيام من المجلس . وكذلك لو قال أعتقتك على مال أمس فلم تقبل ، وقال العبد بل قبلت أو قال أعتقتني بغير شيء فالقول قول المولى لأنه ما أقر بعتقه فإن إعتاقه بمال تعليق بشرط القبول ولهذا لا يملك الرجوع قبل قبول العبد ولو أقر بتعليق عتقه بشرط آخر لم يقبل قول العبد في إيجاد الشرط ولا في إنكار التعليق بالشرط . وكذلك هذا في الطلاق ، وفي قوله أمرك بيدك واختاري ، فإن أقام العبد البينة على قبوله أو على إعتاق المولى إياه بغير شيء كان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار المولى .
ولو قال لعبده : كاتبتك ، ولم يسم مالا ، وقال العبد لا بل على خمسمائة فإنه ينبغي في قول أبي حنيفة رحمه الله أن يصدق العبد ولا يصدق في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وأصل المسألة فيما إذا اختلف المولى والمكاتب في مقدار بدل الكتابة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله القول قول المولى ويتحالفان ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بمنزلة البيع ; لأنه لا يصح إلا بتسمية البدل ويحتمل الفسخ كالبيع ، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر القول قول العبد ; لأن الكتابة إذا تمت بالعتق لا تحتمل الفسخ فتكون بمنزلة العتق على مال والطلاق بمال إذا وقع الاختلاف في مقدار البدل يكون القول قول المنكر في الزيادة ولا يجري التحالف فلما كان من أصلهما أن [ ص: 169 ] الكتابة على قياس البيع ، وقد بينا في البيع أن إقراره به من غير تسمية الثمن باطل فكذلك في الكتابة فيبقى العبد مدعيا للكتابة بخمسمائة ولا يصدق في ذلك إلا بحجة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله هو بمنزلة العتق والطلاق فإقراره به صحيح ، وإن لم يسم مالا ، ثم نقول على قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر المولى لا يتمكن من إنكار أصل الكتابة بعد ما أقر بها ، وإن ادعى مالا خلاف ما أقر به العبد فالقول قول العبد فعرفنا أنه قد وجب تصديق العبد عندهما إذا ادعى المولى خلاف ما أقر به العبد لم يصدق العبد وتحالفا فكذلك هنا .
ولو قال : كاتبتك أمس على ألف درهم فلم تقبل الكتابة ، وقال العبد بل قبلتها فالقول قول العبد ; لأن الكتابة في هذا قياس البيع من حيث إنها لا تحتمل التعليق بالشرط ويلزم الإيجاب فيها قبل القبول فإقراره بالعقد يكون إقرارا بالإيجاب والقبول جميعا ، ثم قوله فلم تقبل يكون رجوعا عن الإقرار فلا يصح رجوعه كما لو أقر أنه باع عبده من فلان بألف درهم فلم يقبل ، وقال فلان : قبلت ، بخلاف ما تقدم من العتق والطلاق فإنه يحتمل التعليق بالشرط ، والإيجاب فيه لازم قبل القبول فإقراره بفعله لا يكون إقرارا منه بقبول العبد والمرأة .
ولو أقر أنه كاتب عبده هذا على ألف درهم لا بل هذا وادعى كل واحد منهما الكتابة جاز ذلك لهما لما بينا أن رجوعه عن الإقرار للأول باطل وهذا بخلاف ما لو أقر أنه كاتب هذين العبدين على ألف درهم إلا هذا ; لأنه هناك أخرج كلامه مخرج الاستثناء والاستثناء صحيح موصولا فإنما يصير مقرا بما وراء المستثنى ، وفي الأول أخرج الكلام مخرج الرجوع ولا يصح الرجوع عن الإقرار موصولا ومفصولا .
ولو أقر أنه كاتبه ، وهو صبي ، فقال المكاتب بل كاتبتني وأنت رجل فالقول قول المولى ; لأنه أضاف الإقرار إلى حال معهودة تنافي الكتابة .
ولو أقر أنه كاتب هذا قبل أن يملكه أو أنه كاتبه أمس ، وقال إن شاء الله فالقول قول المولى مع يمينه ; لأنه وصل كلامه بما ينفي أصل الكتابة بخلاف ما لو قال المولى : اشترطت الخيار لانتفى أصل العقد فإن تأثير الخيار في تغيير وصف العقد وجعل حكمه كالمتعلق بالشرط لا أن يصير أصل السبب متعلقا فلم يكن المولى بدعوى الخيار منكرا لأصل العقد بخلاف الاستثناء والبيع في هذا قياس الكتابة ، والله أعلم .
باب إقرار الكفار

( قال رحمه الله ) وإذا أقر الحربي المستأمن في دار الإسلام بدين لمسلم فهو لازم ; لأنه [ ص: 170 ] أهل أن يجب عليه الحق للمسلم بالمعاملة فيصح إقراره له ، وهو سبب حادث فيحال به على أقرب الأوقات ، وهو ما بعد دخول دارنا بأمان ، فإن قال أدانني في دار الحرب ، وقال المسلم في دار الإسلام فالدين لازم عليه سواء قال ذلك موصولا بإقراره أو مفصولا ; لأنه يدعي تاريخا سابقا لما أقر به من المال ، وهو غير مصدق في دعوى التاريخ ، وإن وصل كلامه ، ولأن بهذه الإضافة لا ينكر وجوب أصل المال فإن المداينة في دار الحرب سبب لوجوب المال للمسلم عليه ، ولكن لا تسمع الخصومة فيه في دار الإسلام ما لم يسلم أو يصر ذميا فيصير هذا بمنزلة دعوى الأجل ، وإن ادعاه موصولا بإقراره . وكذلك لو أقر بذلك لمستأمن مثله أو لذمي . وكذلك لو أقر بشيء بعينه في يديه أنه له .
وإقرار المستأمن بالنكاح والطلاق والعتاق والولد والجراحات وحد القذف والإجارة والكفالة وما أشبه ذلك جائز ; لأن في هذا كله حق العباد ، والمستأمن ملتزم لذلك مدة مقامه في دارنا حتى إذا باشر سبب ذلك كان مؤاخذا به فكذلك إذا أقر به ولو أقر بحد زنا أو سرقة فقد عرف أن قول أبي حنيفة رحمه الله ومحمد رحمه الله الحدود التي هي لله تعالى لا تقام على المستأمن ، وإن ثبت سببها بالبينة أو بالمعاينة . وكذلك إذا أقر به ، وعند أبي يوسف رحمه الله في القول الآخر تقام الحدود عليه كما تقام على الذمي فيصح إقراره بها كما يصح إقرار الذمي وهي مسألة كتاب الحدود والفرق بين هذا الحد وحد القذف معروف أن فيه حق العبد ويضمن السرقة إذا أقر بها ; لأن الضمان من حقوق العباد .

ولو أقر مسلم لذمي بخمر أو خنزير في يده جاز إقراره ; لأن الخمر مال في حق الذمي فيؤمر بردها عليه بحكم إقراره . وكذلك لو أقر الذمي للمسلم بعينها ; لأن الخمر للمسلم مملوكة ، وإن لم تكن مالا متقوما فيؤمر الذمي بردها عليه بإقراره ويؤمر المسلم أن يخللها .
ولو أقر له بخمر أو خنزير مستهلك لم يلزمه شيء كما لو عايناه استهلك الخمر والخنزير على المسلم ، وهو نظير ما لو أقر له بجلد شاة ميتة يؤمر بدفعه إليه لينتفع به ، وإن كان مستهلكا لم يلزمه شيء ، وإن أقر بها لذمي يعني بخمر أو خنزير مستهلك لزمه قيمتها ; لأنها مال متقوم في حقه يضمن متلفها عليه عندنا .
وإذا أسلم الذمي فأقر ذمي أنه استهلك له خنزيرا بعد إسلامه ، وقال المسلم : استهلكته قبل إسلامي فهو ضامن لقيمته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وفي قول محمد رحمه الله لا ضمان عليه وهذا بناء على ما سبق .

إذا قال لحربي أسلم أتلفت مالك أو قطعت يدك حين كنت حربيا ، وقد بينا هذا الخلاف فهذا قياسه ، وعلى هذا لو أن ذميا أقر بخمر ، وقال استهلكتها وأنا حربي ، وقد علم كونه حربيا من قبل فهو [ ص: 171 ] على الخلاف الذي بينا .

وإقرار المرتد بالحقوق جائز إن أسلم ، وإن قتل على ردته أو لحق بدار الحرب لم يجز إقراره في كسب إسلامه ويجوز إقراره فيما اكتسبه بعد الردة في قول أبي حنيفة رحمه الله وإقرار المرتدة بذلك كله جائز وعندهما إقرارهما جائز في ذلك إلا أن عند أبي يوسف رحمه الله هو بمنزلة إقرار الصحيح ، وعند محمد رحمه الله هو بمنزلة إقرار المريض وهذا نظير اختلافهم في تصرفات المرتد فإن الإقرار تصرف منه كسائر التصرفات ، وهو مسألة كتاب السير .
ولو أقر المرتد بمكاتبة عبد له أو بعتقه في حال الإسلام لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله إن قتل أو لحق بدار الحرب ويجوز عندهما إلا أن محمدا رحمه الله يقول هو بمنزلة إقرار المريض .
وإذا أقرت المرتدة أو المرتد بحد في قذف أو سرقة أو زنا أو جراحة عمد فيها قصاص فذلك جائز عندهم ; لأن الحجر بسبب الزيادة لا يكون أقوى من الحجر بسبب الرق ، ولأن توقف تصرفه في المال عند أبي حنيفة رحمه الله لتوقف ملكه ، وذلك غير موجود في العقوبات ، فأما ما كان من الجراحات التي توجب المال فإقراره بها يوقف عند أبي حنيفة رحمه الله ويكون نافذا عندهما على ما بينا ، وذكر حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أن عبدا أتى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فأقر بالسرقة مرتين فأمر به فقطع قال عبد الله وكأني أنظر إلى يده معلقة في عنقه ، وفيه دليل على صحة إقرار العبد بالأسباب الموجبة للعقوبة وبه يستدل أبو يوسف رحمه الله في اشتراط التكرار في الإقرار بالإقرار إلا أن أبا حنيفة ومحمدا رحمهما الله قالا في الحديث أقر مرتين فقطعه ، وليس فيه لو لم يكرر إقراره لم يقطعه والسكوت لا يكون حجة وذكر عن أبي مالك الأشجعي رحمه الله قال أتى عبد قد رأيته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأقر عنده بالزنا فأمر به قنبرا ، وقال اضربه ، فإذا قال اتركني فاتركه فلما وفاه خمسين جلدة قال له العبد اتركني فتركه ، وهو دليل على صحة إقرار العبد بالحد على نفسه ولقوله " فإذا قال اتركني فاتركه " تأويلان أحدهما أنه إذا رجع عن إقراره فاقبل ذلك منه والثاني أنه علم فقه العبد في أنه لا يقول له اتركني إلا بعد أن يتم عليه حد العبيد ، وقد ظهر ذلك حين قال له اتركني بعد خمسين جلدة .
وإذا أقر العبد المحجور بدم عمد وله وليان فعفا أحدهما لم يكن للآخر مال في عتقه ; لأن صحة إقراره يكون موجبا للعقوبة عليه وكون دمه خالص حقه ، فإذا آل الأمر إلى أن يكون الواجب مالا بطل إقراره ; لأن ماليته حق مولاه ، وكان هو بمنزلة إقراره بالقتل الخطأ .
ولو أقر بسرقة لا يجب في مثلها القطع كان إقراره باطلا ; لأن كسبه ومالية رقبته حق لمولاه فلا يصدق في [ ص: 172 ] إقراره وإقراره بالمال بهذا السبب صحيح كإقراره بالغصب .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]