
20-12-2025, 02:18 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن عشر
صـــ 142الى صـــ 151
(382)
وإن أقر رب العبد أنه أجاز البيع بعد ما وقع البيع بيوم ، وقال المشتري لم يجز والعبد قائم فالقول قول رب العبد ; لأنه يملك إنشاء الإجازة في الحال ولا يمين عليه ; لأنه غير متهم في إخراج الكلام مخرج الإقرار ولو كان العبد ميتا فالقول قول المشتري ; لأن رب العبد لا يملك الإجازة في الحال فلا يقبل قوله في الإقرار به ، وعلى المشتري اليمين على علمه لأنه لو أقر رب العبد بما ادعاه لزمه ، فإذا كان العبد قبله رجل فوجب عليه قيمته فهو بمنزلة الميت ; لأن ابتداء الإجازة فيه لا يصح كما لا يصح إنشاء العقد فهو والميت في حكم الإجازة سواء ، والله أعلم .
باب الإقرار بالنكاح والطلاق
( قال رحمه الله ) رجل أقر أنه تزوج فلانة بألف درهم في صحة أو مرض ، ثم جحده وصدقته في حياته أو بعد موته فهو جائز ; لأن النكاح ظهر في حقه بإقراره ، ثم لا يبطل بجحوده رجوعه فالرجوع عن الإقرار باطل ، فإذا اتصل به تصديق المقر له استند التصديق [ ص: 143 ] إلى وقت الإقرار ، وكان كالموجود يومئذ فيثبت النكاح ولها الميراث والمهر إلا أن يكون فيه فضل على مهر مثلها فيبطل الفضل إذا كان في المرض ; لأنها وارثة ، وهو متهم في الإقرار للوارث وما زاد على مهر المثل لو ثبت إنما يثبت بإقراره ، فأما مقدار مهر المثل فيثبت حكمه لصحة النكاح فلا تتمكن التهمة في إقراره به .
ولو أقرت المرأة في صحة أو مرض أنها تزوجت فلانا بكذا ، ثم جحدته ، فإن صدقها الزوج في حياتها يثبت النكاح لما بينا أن جحودها بعد الإقرار باطل ، وإن صدقها بعد موتها لم يثبت النكاح في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا ميراث للزوج منها ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يثبت النكاح اعتبارا لجانبها بجانبه بعلة أن النكاح ينتهي بالموت فإنه يعقد للعمر فمضي المدة ينهيه ولهذا يستحق المهر والميراث ، وإن لم يوجد الدخول والمنتهي متقرر في نفسه فيصح التصديق في حال تقرر المقرر به كما يصح قبل تقرره وأبو حنيفة رحمه الله فرق بينهما وأشار إلى الفرق في الكتاب ، فقال : لأن الفراش له عليها لا لها وتقرير هذا من أوجه أحدها أن العدة تبقى بعد موته عليها والعدة من حقوق النكاح عليها فبقاؤها كبقاء النكاح في صحة التصديق وبعد موتها لا عدة في جانب الزوج فقد فات المقر به لا إلى أثر فلا يعمل التصديق بعد ذلك والثاني أن الزوج مالك لحكم النكاح والمرأة محل الملك وبعد فوات المحل لا يتصور بقاء الملك حكما فيبقى الملك ببقاء المحل فيعمل بتصديقها ولهذا حل لها أن تغسله بعد موته ، ولم يكن له أن يغسلها بعد موتها والثالث أن الفراش لما كان له عليها فالزوج في التصديق بعد موتها مدع لنفسه لا أن يكون مقرا لها بشيء ; لأن حقها كان في ملك الحل ، وقد انقطع بموتها بالكلية ، فأما بعد موت الزوج فالتصديق من المرأة إقرار له على نفسها بالفراش فيصح التصديق بهذا الطريق ، ثم يبتني عليه حكم الميراث والمهر . وكذلك لو لم تكن المرأة جحدت بعد إقرارها حتى ماتت فهو على هذا الخلاف كما بينا .
وإن أقرت المرأة أنها تزوجت هذا الرجل وهي أمة ، وقد كانت أمة ، ثم عتقت ، وقال الزوج قد تزوجتها بعد العتق أو قبله فهو سواء والنكاح جائز ; لأنهما تصادقا على نفوذ النكاح إن كان بعد العتق فظاهر ، وإن كان قبل العتق فقد كان يوقف على سقوط حق المولى أو سقط حقه بالعتق ، ثم الأصل بعد هذا فيما ذكر من المسائل أن أحد الزوجين متى أضاف الإقرار بالنكاح إلى حال ينافي أصل العقد لانعدام الأهلية يكون القول قوله إلا أن يثبت الآخر ما يدعيه بالبينة ، وذلك مثل أن يقول تزوجتك قبل أن أخلق أو قبل أن أولد أو قال : [ ص: 144 ] تزوجتك وأنا صبي فإن الصبا يمنع الأهلية للعقد بدون إذن الولي أو يقول تزوجتك وأنا نائم فإن النوم حال معهودة في الإنسان تنافي أصل العقد ، وإن قال : تزوجتك وأنا مجنون ، فإن علم جنونه قبل ذلك فالقول قوله ; لأنه أضاف العقد إلى حال معهودة تنافي أهلية العقد فكان منكرا معنى
وإن كان لا يعرف جنونه فالنكاح لازم له ; لأنه أضافه إلى حال غير معهودة فيه ولا تثبت هذه الحال بخبره فأما إذا أحدهما النكاح إلى حال لا تنافي أصل النكاح كانعدام الأهلية ، ولكن يمنع ثبوت الحل وانعقاد العقد لانعدام شرطه لا يصدق في الإضافة ويجعل القول قول صاحبه ; لأن شرط الشيء تابع له فإقراره بأصل العقد إقرار بشرائطه فهو بعد ذلك في هذه الإضافة راجع عن الإقرار بباطل ، وبيانه أنه لو ادعى أحدهما أن النكاح كان بغير شهود أو في حال ادعى تمجس المرأة قبل أن تسلم أو في عدة الغير أو تزوجها وأختها تحته أو تزوجها وتحته أربع نسوة فإنه لا يصدق في هذه الإضافة ; لأن امتناع ثبوت النكاح في هذه الأحوال لمعنى في المحل والمحل في حكم المشروط وإقراره بالعقد إقرار بشرطه إلا أن المرأة إن كانت هي التي ادعت هذه الموانع فالنكاح جائز لازم لها ، وإن كان الزوج هو الذي ادعى ذلك يفرق بينهما ; لأنه أقر بحرمتها عليه ، وذلك بمنزلة تطليقه إياها ، وإن كان قبل الدخول بها فلها نصف المسمى ، وإن كان بعد الدخول بها فلها جميع المسمى ونفقة العدة . وكذلك لو أقر أنه كان طلقها ثلاثا ، ثم تزوجها قبل أن تنكح زوجا غيره ، وقالت هي ما طلقتني أو تزوجت غيرك ودخل بي فإنه يفرق بينهما لإقراره بذلك وعليه نصف المهر لها قبل الدخول وجميع المهر ونفقة العلة الدخول لما بينا .
ولو أقر أنه تزوجها أمس ، وقال إن شاء الله موصولا ، وقالت هي ما استثنى لم يلزمه النكاح . وكذلك لو أقرت هي بالنكاح وادعت الاستثناء وادعى هو النكاح ; لأن الاستثناء إذا اتصل بالكلام فهو بمنزلة الشرط مانع كون الكلام إيجابا فكان هو بهذا اللفظ منكرا لأصل العقد لا مقرا به فيجعل القول في ذلك قوله والذي بينا في النكاح مثله في الطلاق في دعوى الاستثناء ، وفي الإضافة إلى حال منافية لأصل الطلاق كحال النوم والصبا والجنون إذا كان يعرف ذلك أنه إصابة للمعنى الذي بينا .
ولو قال رجل لامرأة ألم أتزوجك أمس أو أليس تزوجتك أمس أو أما تزوجتك أمس ، فقالت بلى وجحد الزوج فهذا إقرار بالنكاح منهما لما بينا فيما سبق أن جواب الاستفهام بنفي يكون حرف بلى وما تقدم من الخطاب يصير معادا في الجواب ، وعلى هذا الطلاق إذا قال : ما طلقتك أمس أو ليس قد طلقتك أمس [ ص: 145 ] فقالت نعم أو بلى فهذا إقرار بالطلاق . وكذلك إن قالت المرأة ذلك ، وقال الزوج بلى فهو إقرار لما بينا .
ولو قال لها قد تزوجتك أمس ، فقالت لا ، ثم قالت بلى ، وقال هو لا لزمه النكاح ; لأن إقراره لم يبطل بتكذيبها فإن النكاح عقد لازم لا يبطل بجحود أحد الزوجين فصح تصديقها بعد التكذيب ويثبت النكاح بينهما ، ثم إن أنكر الزوج النكاح بعد ثبوته بتصادقهما فلا معتبر بإنكاره .
وإذا أقر أنه طلقها منذ ثلاثة أشهر ، فإن كان تزوجها منذ شهر لم يقع عليها شيء ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت قبل النكاح ولا طلاق قبل النكاح ، وإن كان تزوجها منذ أربعة أشهر وقع الطلاق عليها لكونه مالكا للانتفاع في الوقت الذي أسند الطلاق إليه إلا أنها إن صدقته في الإسناد فعدتها من حين وقع الطلاق ، وإن كذبته في الإسناد فعدتها من وقت إقرار الزوج به ; لأن في العدة حقها من حيث إنها تستوجب النفقة والسكنى فلا يقبل قوله في الإسناد إذا لم تصدقه في ذلك لما فيه من إبطال حقها .
ولو قال : فلانة طالق ، وذلك اسم امرأته أو قال : عنيت غيرها لم يصدق في الحكم ; لأن كلامه إيقاع شرعي ، ولأنه له الإيقاع على زوجته دون غيرها ، فإذا قال : عنيت غيرها كان الظاهر مكذبا له في مقالته فلا يصدق في الحكم . وكذلك لو قال : ابنة فلان طالق واسم أبيها ما قال طلقت ، ولم يصدق في قوله لم أعن امرأتي . وكذلك لو نسبها إلى أمها أو إلى ولدها ، فإذا قال : عنيت غيرها يكون الظاهر مكذبا له في مقالته . وكذلك كلامه صالح للإيقاع عليها فهو بما يدعي بعد ذلك يريد أن يخرج كلامه من أن يكون إيقاعا فلا يصدق على ذلك في الحكم .
ولو أقر بعد الدخول أنه كان طلقها قبل أن يدخل بها ، وقد سمى لها مهرا فالطلاق واقع ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت لا ينافي الوقوع فيه فيجعل موقعا للطلاق ولها عليه مهر ونصف ; لأنه أقر أن نصف المهر عليه بالطلاق قبل الدخول وأنه وطئها بالشبهة بعد ذلك فيلزمه مهر بالوطء ونصف مهر بالطلاق قبل الدخول ، والله أعلم بالصواب .
باب إقرار المحجور والمملوك
( قال رحمه الله ) وإذا حجر القاضي على حر ، ثم أقر المحجور عليه بدين أو غصب أو بيع أو عتق أو طلاق أو نسب أو قذف أو زنا فهذا كله جائز عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله الأول ; لأن الحجر على الحر بسبب السفه باطل عندهما فإقراره بعد الحجر كإقراره قبله قال .
( ألا ترى ) أنه لو شهد قبلت شهادته إن كان عدلا ومعنى هذا معنى [ ص: 146 ] الاستشهاد وأن الإقرار ملزما كالشهادة ، فإذا كان بسبب السفه لا يؤثر في إفساد عبارته ولا يخرجه من أن يكون ملزما بطريق الشهادة فكذلك بطريق الإقرار على قول أبي يوسف رحمه الله الآخر ، وهو قول محمد رحمه الله والحجر عليه صحيح ولا يجوز إقراره بعد ذلك بدين ولا بيع كما لا يجوز مباشرته هذه الأسباب عندهما . والحاصل أن تأثير الحجر عندهما كتأثير الهزل ; لأن فعل السفيه لا يكون على نهج أفعال العقلاء لمكابرته عقله كما أن فعل الهازل لا يكون على نهج أفعال العقلاء لقصده غيره فكل ما أثر فيه الهزل أثر فيه الحجر فلا يصح إقراره به وما لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه الحجر ، ولكن هذا يبطل بالشهادة حتى إذا علم القاضي أن الشاهد قد قصد الهزل بشهادته لا تقبل شهادته ، ثم الحجر لا يكون مؤثرا فيه وهذه مسألة كتاب الحجر .
وإذا أقر الرجل لصبي صغير لقيط بدين مائة درهم فهو لازم له ; لأن الصغير أهل أن يجب له الحق على غيره وتصحيح الإقرار محض منفعة له والصبا لا يوجب الحجر عن ذلك . وكذلك لو قال : أقرضني الصبي والصبي بحال لا يتكلم ولا يقرض فالمال لازم له لاحتمال أن يكون الولي باشر هذا السبب وإضافة المقر به إلى الصبي بطريق باشره إنما باشره له ، ولأن أكثر ما في الباب أن هذا السبب لا يثبت ; لأنه لا يتصور من الصبي ، ولكن امتناع ثبوت السبب لا يمنع ثبوت المال بإقراره كما لو كذبه المقر له في السبب بإن قال : لك علي ألف درهم من قرض أقرضتنيه ، وقال المقر له ما أقرضتك بل غصبتها مني فالمال لازم ، وإن لم يثبت السبب تكذيبه إياه .
على هذا لو قال : أودعني هذا الصبي أو هذا العبد مائة درهم أو أقر بذلك لمجنون فإقراره بأصل المال صحيح والسبب باطل لما قلنا .
ولو أقر أنه كفيل لهذا الصبي عن فلان بألف درهم والصبي لا يعقل ولا يتكلم فهذا باطل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو جائز في قول أبي يوسف الآخر رحمه الله .
وأصل المسألة أن من كفل لغائب بمال ولا يقبل عن الغائب أحد فهو باطل عندهما صحيح عند أبي يوسف رحمه الله فكذلك إذا كفل لصبي عند أبي حنيفة رحمه الله العقد باطل وإقراره بالعقد الباطل لا يلزمه شيئا ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله العقد صحيح والمال لازم له لإقراره به على نفسه للصبي قال : كأن كان أبو الصبي أو وصيه خاطبه بهذه الكفالة فالكفالة باطلة على معنى أنها غير لازمة بل هو موقوف ، فإذا أدرك الصبي ورضي بها جازت ، وإن رجع الرجل قبل أن يدرك الصبي بطلت في قولهما ; لأن عقد الكفالة لا يثبت الولاية للأب والوصي ، والكفالة وإن كانت [ ص: 147 ] لا توجب براءة الأصيل ، وهو تمليك للدين من الكفيل من وجه حتى إذا أدى رجع على الأصيل بحكم الأداء وبين العلماء رحمهم الله اختلافا في براءة الأصيل بحكم الكفالة فكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول الكفالة توجب براءة الأصيل كالحوالة ولو - اجتهد قاض قال بهذا القول وقضى به نفذ ، وفيه إضرار الصبي فلهذا لا يملك الأب والوصي ذلك بل هما فيه كسائر الأجانب إذا بلغه وصح رجوع الكفيل قبل إجازته فكذلك هنا تتوقف على إجازة الصبي إذا أدرك وصح رجوع الكفيل قبل إدراكه ; لأن العقد لم يلزم بعد .
ولو أقر أنه رهن هذا اللقيط لفلان بمائة درهم واللقيط لا يتكلم جاز على الكفيل ولا يلزم الصبي شيء ; لأن إقرار المقر على نفسه صحيح ، وعلى اللقيط باطل ، وليس من ضرورة امتناع وجوب المال على الأصيل امتناع وجوبه على الكفيل .
( ألا ترى ) أنه لو أقر بالكفالة عن بالغ وجحد البالغ وجوب المال عليه فإن الكفيل ضامن له ، وإن لم يجب على الأصيل شيء ، وهذا لأن الصبي أهل أن يجب المال عليه بحال ; لأن له ذمة صحيحة فيجعل في حق المقر كان ما أقر به حق ، وإن امتنع ثبوته في حق الصبي كمن قال لآخر : كفلت لك عن فلان الغائب بمائة درهم التي أقرضته أمس ويعلم أن الغائب لم يقدم منذ سنة فالمال واجب على الكفيل للمعنى الذي بينا .
ولو كفل عن رجل لرجل حاضر بمائة درهم بغير أمره ، فقال المكفول عنه قد رضيت بكفالتك ، ثم قال الطالب قد رضيت بضمانك لي فالضمان جائز ويرجع الكفيل إذا ادعى المكفول ; لأن رضا المكفول عنه بالكفالة حصل قبل تمام العقد فإن تمامه بقبول الطالب فكان هذا بمنزلة أمره إياه بأن يكفل عنه ، فإذا أدى يرجع عليه فلو قال المكفول له أولا : قد رضيت ، ثم قال المكفول عنه : قد رضيت كان رضاه باطلا ، ولم يرجع الكفيل بالمال إذا أداه ; لأن الكفالة تمت بقبول الطالب ولزم المال الكفيل إذا أداه ; لأن الكفالة تمت بقبول الطالب ولزم المال الكفيل على وجه لا يرجع إذا أدى فلا يتعين ذلك برضا المكفول عنه بعد ذلك ; لأن رضاه وإجازته إنما تؤثر في الموقوف لا في النافذ وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، فأما على قول أبي يوسف رحمه الله الآخر الكفالة تتم بالكفيل قبل قبول الطالب فيستوي الجواب في الفصلين ولا يعتبر رضا المكفول عنه في إثبات الرجوع للكفيل في الفصلين جميعا وقول المكفول عنه قد ثبتت كفالتك أو سلمتها أو أجزتها مثل قوله قد رضيت بها ; لأن المعنى يجمع الفصول كلها ولو أن الكفيل بعد ما رضي المكفول عنه رجع عن الكفالة قبل رضا المكفول له بها لم [ ص: 148 ] يلزمه المال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لما بينا أن نفوذ العقد برضا المكفول له فرجوع الكفيل قبل نفوذ العقد صحيح .
وإقرار العبد التاجر للأجنبي بدين أو وديعة أو إجارة جائز ، وإن كان عليه دين يحيط بقيمته وما في يده ; لأن هذا كله من أسباب التجارة ومن جملة صنع التجارة والإذن فك الحجر عنه فيما هو من عمل التجارة ولا يخل هذا الفك بوجوب الدين عليه فإقراره بهذه الأسباب بعد وجوب الدين كإقراره قبله .
وإن أقر لمولاه بدين عليه أو وديعة في يده وعليه دين مستغرق لم يجز إقراره ; لأن المولى يخلفه في كسبه خلافة الوارث المورث فكما أن تعلق حق الغرماء بمال المريض يمنعه من الإقرار للوارث فكذلك تعلق حق الغرماء بكسب العبد ورقبته يمنعه من الإقرار لمولاه إلا أن تعلق حق الغرماء هناك في حق المرض وهنا التعلق ثابت في صحة العبد ومرضه .
ولا يجوز إقرار العبد التاجر للأجنبي بجناية ليس فيها قصاص ; لأن هذا من التجارة والإذن فك الحجر عنه في التجارات ففيما ليس بتجارة المأذون والمحجور سواء وإقرار العبد على مولاه باطل ، وإذا أقر بقتل عمدا جاز إقراره وعليه القصاص ; لأنه يقر به على نفسه فإن المستحق بالقصاص دمه ، وهو في حكم الدم مبقى على أصل الحرية ، ولأن المولى لا يملك الإقرار عليه بالقصاص ، وفيما لا يملكه المولى على عبده العبد بمنزلة الحر كطلاق زوجته يصح إقراره به كما يصح إقراره بإيقاعه . وكذلك إذا أقر على نفسه بسبب موجب للحد كالقذف والزنا وشرب الخمر . وكذلك إذا أقر بسرقة مستهلكة موجبة للقطع ، وفي إقرار المحجور عليه بسرقة مال قائم بعينه في يده خلاف معروف في كتاب السرقة ، فأما إقرار المأذون به فصحيح في حق المال والقطع جميعا ; لأنه يملك الإقرار بكل واحد منهما أما بالمال فلانفكاك الحجر ، وأما بالقطع فإنه مبقى فيه على أصل الحرية .
ولا يجوز إقراره في رقبته بمهر امرأة ولا بكفالة بنفس ولا بمال ولا بعتق عبد له ولا بمكاتبته ولا بتدبيره ; لأن هذا كله ليس من التجارة فالمأذون فيه كالمحجور .
وإذا أقر بنكاح امرأة جاز إقراره غير أن المولى له أن يفرق بينهما بمنزلة ما لو أنشأ العقد فللمولى أن يفرق بينهما ; لأن النكاح تصرف مملوك للمولى عليه ، وهو ليس من التجارة في شيء بخلاف إقراره بالطلاق فإن ذلك غير مملوك للمولى عليه وينفرد به العبد إنشاء وإقرارا .
ولو أقر العبد التاجر أنه افتض امرأة بأصبعه أمة كانت أو حرة لم يلزمه شيء في قول أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله ويلزمه ذلك في قول أبي يوسف رحمه الله وجه قوله أن الإقرار بالافتضاض بمنزلة الإقرار بالغصب والاستهلاك .
( ألا ترى ) [ ص: 149 ] أنه لو ثبت هذا بالبينة عليه يباع فيه ولا يدفع بمنزلة الغصب والاستهلاك بخلاف الجناية ، وإقرار العبد المأذون بالغصب والاستهلاك صحيح يؤاخذ بضمانه في الحال ، وهذا لأن الغاصب بالافتضاض ، وإن لم يكن مالا فإنه يسلك به مسلك الأموال حتى يملك بالعقد مقصودا ويستحق بالبيع شرطا وإقراره بضمان المال صحيح وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمه الله أن هذا الإقرار بالجناية ; لأن الفعل بالأصبع جناية محضة والمتلف به جزء من الآدمي والمأذون في الإقرار بالجناية كالمحجور فكما أن المحجور لو أقر بهذا لم يصح إقراره ; لأنه مقر على مولاه فكذلك إذا أقر به ، فأما قوله أنه يباع فيه فقد قيل أنه قول أبي يوسف رحمه الله خاصة وبعد التسليم يقول من حيث إن هذا الجزء يستحق بالعقد هو بمنزلة المال ومن حيث إنه جزء من الآدمي هو ملحق بما ليس بمال وما تردد بين أصلين يوفر عليه حظه منهما فلشبهة المال قلنا إذا ثبت بالبينة سببه يباع العبد فيه ولشبهه بما ليس بمال لا يثبت على العبد بإقراره ، وهذا لأن الدفع إنما يصير مستحقا بفعل هو خطأ إذا كان استحقاق القصاص بعمده ولا يستحق القصاص بعمد هذا الفعل بحال فكذلك لا يستحق دفع العبد به ، وإذا تعذر ذلك تعين جهة البيع فيه ، ولكن إذا ثبت السبب ثبت بما هو حجة في حق المولى .
ولو أقر العبد بتزويج أمته وأنه قد أقبضها لم يلزم مهر لواحد منهما في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يعتق ; لأن النكاح ليس المأذون والمحجور فيه في الإقرار سواء ، وقال أبو يوسف رحمه الله في الحرة كذلك الجواب أطلقه في رواية أبي سليمان رحمه الله ، وفي رواية أبي حفص رحمه الله قال : إذا كانت كبيرة ; لأن وجوب المهر بالعقد لها وهذا العقد ليس من التجارة فهي قد رضيت بتأخيره حين طاوعت العبد فيه ، فأما إذا كانت أمة ، فإن كان المولى زوجها له لم يلزمه شيء حتى يعتق ; لأن المولى صار راضيا بتأخير حقه ، وإن لم يكن المولى زوجها فهو مؤاخذ بالمهر في الحال ; لأن المتعلق بالافتضاض من الأمة في حكم المال حتى يستحق بالبيع شرطا ، وهو مملوك للمولى وإقرار العبد المأذون بإتلاف مال مملوك للمولى صحيح في إيجاب الضمان عليه فيلزمه المهر هنا باعتبار الإتلاف دون العقد
وإن كانت الأمة ثيبا لم يلزمه شيء حتى يعتق ; لأن بالوطء هنا لم يتلف شيئا مما هو مال وإنما وجوب المهر باعتبار عقد النكاح وإقرار المأذون به غير صحيح في حق مولاه ; لأنه ليس من التجارة في شيء ، ثم ذكر في نسخ أبي سليمان رحمه الله بعد هذا ، وإن كان ذهب العبد بها إلى منزله وهي بكر يعلم ذلك فمولاها بالخيار إن أراد أن يضمنه [ ص: 150 ] العذرة بالغصب فله ذلك ، وإن أراد أن يضمنه بالوطء فلا شيء عليه حتى يعتق لم يذكر هذا الفصل في نسخ أبي حفص رحمه الله ولا في كتاب الإقرار لأبي يوسف رحمه الله ، فقال مشايخنا رحمهم الله : الصحيح أن هذا التفريع على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا على قول أبي يوسف رحمه الله ; لأن العبد حين ذهب بها إلى منزل مولاه فقد صار غاصبا لها بجميع أجزائها وضمان الغصب يؤاخذ به المأذون في الحال ، فإذا اختار المولى تضمينه ما ذهب من العذرة عنده لا بوطئه بل بالغصب السابق كما لو عايناه أنه غصب أمة عذراء وردها بعد زوال عذرتها ، وإن اختار تضمينه بالوطء ففي الوطء وجوب المهر باعتبار العقد فلا يؤاخذ به المأذون في الحال حتى يعتق ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله مع الوطء هنا إتلاف العذرة فيضمن باعتبار الحال لحق مولاه ويصح إقراره بمنزلة إقراره بإتلاف المال .
ولو أقر العبد التاجر أنه وطئ أمة اشتراها فافتضها ، ثم استحقت فعليه مهرها للحال ; لأن الافتضاض هنا بالوطء ترتب على سبب هو تجاوزه ، وهو البيع الذي لولاه لكان الواجب عليه الحد فكان الضمان الواجب بسبب التجارة من جنس ضمان التجارة فصح إقرار العبد به في الحال بخلاف ما سبق فالسبب هنا عقد النكاح والنكاح ليس من التجارة في شيء فلا يصح إقرار العبد به في الحال والدليل على أن السبب معتبر أن الوكيل بالبيع إذا باع بيعا فاسدا وقبضه المشتري ضمن القيمة كما يضمنها بالغصب ، ولكن الوكيل هو الذي يستوفيه دون الموكل ; لأن وجوب هذه القيمة بسبب عقد الوكيل فيجعل معتبرا بضمان العقد ، وإن كان هو في الحقيقة ضمان العين ، قال في الكتاب : أرأيت لو أقر أن عينها ذهبت من عمله أو من غير عمله لم يضمن ولو أقر أن عذرتها ذهبت عنده من غير وطء ضمن كما يضمن العين المستحق وهذا يبين الفرق بين هذا وبين النكاح فإن سبب النكاح لا يضمن العين إذا ذهبت من غير عمله .
ولو أقر أنه وطئ صبية بشبهة فأذهب عذرتها فأفضاها لم يلزمه شيء في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله هكذا قال في نسخ أبي سليمان رحمه الله ، وفي نسخ أبي حفص رحمه الله قال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما الله والمراد أنه لا يلزمه شيء حتى يعتق ; لأن إقراره بوجوب المهر بالوطء بالشبهة بمنزلة إقراره بوجوب المهر بسبب النكاح ، وقد بينا أن هناك في حق الحرة لا يلزمه بإقراره شيء حتى يعتق فهذا مثله وتبين بما ذكر هنا في نسخ أبي حفص رحمه الله أن فعله الكبيرة هناك غير معتبر في قول أبي يوسف رحمه الله ، فأما ضمان الإفضاء فهو ضمان الجناية وإقرار [ ص: 151 ] العبد بالجناية لا يصح مأذونا كان أو محجورا ; لأنه أقر على مولاه . وكذلك لو أقر أنه وطئ أمة بشبهة فأذهب عذرتها وأفضاها بغير إذن مولاها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن إقراره بالوطء بالشبهة بمنزلة إقراره بالوطء بالنكاح ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله إن كان البول لا يستمسك لا يلزمه شيء لا في الحال ولا بعد العتق ; لأن من أصل أبي يوسف رحمه الله أن الإفضاء بهذه الصفة يوجب كمال الدية في الحرة دون المهر على ما ذكره في كتاب الحدود فيكون هذا إقرارا بالجناية ، وذلك غير صحيح من العبد ، وإن كان البول يستمسك قال في نسخ أبي سليمان رحمه الله يصدق في المهر ويكون دينا عليه اليوم ولا يصدق في الإفضاء ; لأن الإفضاء بهذه الصفة في الحرة يوجب ثلث الدية والمهر فإقرار العبد صحيح في حق المهر عند أبي يوسف رحمه الله كما في مسألة النكاح إذا أقر أنه أذهب عذرتها بغير تزويج المولى وفي الإفضاء لا يصدق ; لأنه ضمان جناية ، وفي نسخ أبي حفص رحمه الله قال : وإن كان البول يستمسك فلا يصدق في المهر فلا يكون دينا عليه ووجه هذه الرواية أن الجناية قد تحققت هنا بالإفضاء فلم يبق إذهاب العذرة بالوطء معتبرا وإنما كان وجوب المهر باعتبار الوطء خاصة فهو نظير قوله في المسألة الأولى إذا كانت ثيبا وإقراره بالجناية لا يكون معتبرا صحيحا أصلا بمنزلة إقرار المحجور عليه وما ذكر في نسخ أبي سليمان رحمه الله أشبه بالصواب .
وإقرار العبد المأذون بالشركة في شيء خاص أو في تجارة كثيرة جائز ; لأن الشركة من عقود التجارة ، وهو من صنع التجارة فإقرار العبد به صحيح ، وإن أقر بشركة مفاوضة جاز عليه فيما في يده كله ، ولم يكن مفاوضا لما بينا أن الرقيق ليس من أهل المفاوضة فبطل إقراره بها ويبقى معتبرا في استحقاق المقر له نصف ما في يده ; لأنه أهل للإقرار بجميع ما في يده لغيره فكذلك بنصفه ، وقد بينا أنه ليس من ضرورة امتناع ثبوت المفاوضة امتناع ثبوت الشركة في المال .
ولو كان مولى العبد المأذون مرتدا أذن له في حال إسلامه أو بعد ارتداده ، ثم أسلم المولى أو قتل على ردته فالعبد في أقاريره في حال ردة مولاه بمنزلة المحجور عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما إقراره جائز ; لأن تصرفات المرتد عندهما لا تتوقف . وكذلك ملكه بنفس الردة لا يتوقف فيبقى العبد مأذونا له على حاله ، وعند أبي حنيفة رحمه الله ملكه يتوقف بنفس الردة كما يتوقف نفسه ولهذا قال : يتوقف تصرفه في المال ، وإذنه للعبد كان بمطلق ملكه ، فإذا توقف ملكه بالردة لم يبق العبد مأذونا ، وإذا كان حكم الإذن لا يبقى [ ص: 152 ] بعد الردة فلأن لا يثبت ابتداء في الردة بطريق الأولى فلهذا كان إقراره بمنزلة إقراره المحجور عليه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|