
20-12-2025, 12:27 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن عشر
صـــ 82الى صـــ 91
(376)
ولو وكل رجل رجلا ببيع عبده فباعه من ابن الآمر ، ثم مرض الآمر فأقر بقبض الثمن منه أو أقر الوكيل بقبضه ودفعه إلى المريض لم يصدق في ذلك لما في هذا الإقرار من منفعة الوارث ببراءة ذمته عن اليمين .
فإن قيل أليس أن الوكيل بمنزلة العاقد لنفسه ، وهو صحيح قلنا في حقوق العقد نعم ، فأما في الواجب من اليمين فلا حق له بل هو للموكل ، وفي هذا الإقرار إذا صح سلامة اليمين للوارث وسقوط مزاحمة سائر الورثة عنه فلهذا لا يصدق الوكيل على ذلك ، فإن كان المريض هو الوكيل صدق ، وإن جحد الآمر ذلك ; لأن المشتري أجنبي من الوكيل وإقرار المريض باستيفاء دين واجب له على أجنبي صحيح فلأن يصح إقراره باستيفاء دين واجب لغيره كان أولى وحال مرض الوكيل في هذا الدين كحال صحته لأنه تصرف ليس مع وارثه ولا في محل فيه حق غرمائه أو ورثته ، وإن كان المشتري وارثا للوكيل والآمر وهما مريضان لم يصدق الوكيل على ذلك ; لأن مجرد مرض الآمر يمنع صحة هذا الإقرار فمرضهما أولى ، وإن كان المشتري وارثا للوكيل دون الآمر ، فإن أقر الوكيل أنه قبضه ودفعه إلى الآمر أو هلك المقبوض في يده فهو مصدق على ذلك ، وإن أقر بقبضه فقط لم يصدق على ذلك ; لأنه إذا أقر في الدين بالقبض لزمه ضمان المقبوض إذا مات مقرا به فكان هذا الإقرار منه إنما يبرئ ذمة وارثه ويلزمه المال فهو بمنزلة قبول الحوالة والكفالة عن وارثه بالمال أو تبرعه بالقضاء عنه وأما إذا قال : دفعته إلى الآمر أو ضاع مني فليس فيه التزام شيء في ذمته ; لأنه أمين في المقبوض فالقول قوله ولئن كان فيه منفعة للوارث فليس في مال تعلق به حق الورثة والمريض في ذلك والصحيح سواء .
ولو أن مريضا عليه دين يحيط بماله أقر بقبض دين له على أجنبي ، فإن كان ذلك جائزا إذا كان وجوب الدين في الصحة ; لأن الغريم استحق براءة ذمته عند إقرار الطالب بالقبض منه فلا يبطل استحقاقه بمرض الطالب ، ولأن حق الغرماء لا يتعلق في مرضه بالدين وإنما تعلق حقهم بما لا يمكن استيفاء الدين [ ص: 83 ] منه واستيفاء الدين من المدين غير ممكن ، وكان إقراره باستيفاء ما لم يتعلق به حق غرمائه في المرض والصحة سواء بخلاف ما إذا كان الدين على الوارث ; لأن بطلان إقراره هناك لحق الوارث وحقهم يتعلق بالدين والعين ، فإن كان الغريم أخا وله ابن فمات الابن قبل الأب حتى صار الأخ من ورثته لم يجز إقراره بقبض الدين منه ، وقد بينا هذه الفصول في إقراره بالدين لمن لم يكن وارثا ، ثم صار وارثا بسبب قائم وقت الإقرار فصار غير وارث فكذلك هذه الفصول في الإقرار بالاستيفاء إن أقر بالدين إذ الإقرار بالاستيفاء بالدين على ما بينا .
ولو خلع امرأته في مرضه على جعل وانقضت عدتها فأقر باستيفائه منها ، وليس عليه دين في الصحة ولا في المرض كان مصدقا ; لأنها بانقضاء العدة خرجت من أن تكون وارثة بيقين فإقراره باستيفاء الدين منها ومن أجنبي آخر سواء واشتراطه انقضاء العدة صحيح ; لأن إقراره قبل العدة تتمكن فيه تهمة المواضعة فإنها لو لم تساعده على الخلع حتى فارقها لا تخرج عن أن تكون وارثة فيحتمل أنها ساعدته على الخلع ليتضح إقراره باستيفاء الدين منها فلزوال هذه التهمة شرط انقضاء العدة . وكذلك اشتراطه أن لا دين عليه في الصحة ; لأن دين الصحة مقدم على ما يقر به في المرض ، فأما اشتراطه أن لا دين عليه في المرض فسبب معاين صحيح ، وإن كان المراد بسبب الإقرار فالمراد في حكم الاختصاص أنها إنما تختص بما في ذمتها إذا لم يكن على المقر دين في مرضه . وكذلك لو صالح عن قصاص في مرضه على مال ، ثم أقر بقبضه ، وهو على غير وارثه صدق في ذلك بخلاف ما إذا كان على وارثه ; لأن بالصلح قد انقلب الواجب مالا ففي إقراره بقبضه من الوارث اتصال منفعة المالية إليه والمريض لا يملك ذلك في حق وارثه بخلاف عفوه عن القصاص فإن ذلك ليس بمال وإنما يمنع المريض من أن يقر لوارثه بما هو مال .
وإن أقر العبد التاجر بقبض دين كان له على مولاه ، فإن لم يكن عليه دين جاز ; لأن كسبه خالص حق مولاه ، ولأن العبد لا يستوجب على مولاه دينا إذ لم يكن عليه دين فبراءة المولى لا تكون بإقراره ، وإن كان عليه دين لم يجز إقراره بذلك ; لأن المولى يخلف عبده في كسبه خلافة الوارث حتى تتعلق سلامته له بشرط الفراغ عن الدين للعبد فيكون إقراره لمولاه في مرضه إذا مات منه بمنزلة إقرار المورث لوارثه وكما تمكن هناك تهمة إيثاره على سائر الورثة تمكن هنا تهمة إيثاره مولاه على غرمائه . وكذلك المكاتب إذا أقر بقبض دينه من مولاه ، وهو مريض ، ثم مات وعليه دين والمولى وارثه فإقراره باطل ، وإن لم يكن عليه دين [ ص: 84 ] أثلاثا ولهذا نظائر وأضداد ومن نظائرها الموصى له بجميع المال وبنصفه عند إجازة الورثة والموصى له بعين مع الموصى له بنصف ذلك العين إذا لم يكن للميت سواه ، ومن أضدادها العبد المأذون المشترك إذا أدانه أحد الموليين مائة وأجنبي مائة ، ثم بيع بمائة فالقسمة بين المدين والأجنبي عند أبي حنيفة رحمه الله بطريق العول أثلاثا وعندهما بطريق المنازعة أرباعا . وكذلك المدبر إذا قتل رجلا خطأ وفقأ عين آخر وغرم المولى قيمته لهما . وكذلك العبد إذا قتل رجلا عمدا وآخر خطأ وللمقتول عمدا ابنان فعفا أحدهما ، ثم دفع العبد بالجنايتين ومما اتفقوا على أن القسمة فيه بطريق العول التركة بين الورثة والغرماء وضاقت التركة عن إيفاء حقوقهم والموصى له بالثلث والموصى له بالسدس إذا لم تجز الورثة ومما اتفقوا على أن القسمة فيه بطريق المنازعة .
فضولي باع عبد رجل بغير أمره وباع فضولي آخر نصفه فأجاز المولى العين فالقسمة بين المشتريين بطريق المنازعة أرباعا وأصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن قسمة العين متى وجبت بسبب حق في العين كانت القسمة على طريق العول فالتركة بين الورثة ومتى وجبت بسبب حق كان في العين كالأصل فالقسمة على طريق المنازعة كما في بيع الفضولي فإن حق كل واحد من المشتريين كان في الثمن يتحول بالشراء إلى المبيع ، وفي مسألة الدعوى حق كل واحد من المدعيين في العين فكانت القسمة على طريق العول لمعنى أن حق كل واحد منهما شائع في العين فما من جزء منه إلا وصاحب القليل مزاحم فيه صاحب الكثير بنصيبه فلهذا كانت القسمة بطريق العول والأصل عند أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهما إذا كان يدلي بسبب صحيح معلوم فالقسمة على طريق العول كالورثة في التركة ، وإذا كان يدلي لا بسبب صحيح ثابت فالقسمة على طريق المنازعة وما لا منازعة فيه لصاحب القليل يسلم لصاحب الكثير في بيع الفضوليين فإن بيع كل واحد منهما غير صحيح قبل إجازة المالك ، وهذا لأن المضاربة إنما يصار إليها عند الضرورة ، وذلك عند قوة السبب واستواء السببين في صفة الصحة ففي مسألة الدعوى سبب استحقاق كل واحد منهما الشهادة وهي لا توجب شيئا قبل اتصال القضاء فلم يكن كل واحد من السببين معلوم الصحة فلهذا كانت القسمة على طريق المنازعة وما قال : يبطل بحق الغرماء في التركة فإن قسمة العين بسبب حق كان في الذمة ومع ذلك كانت القسمة عوليا .
قال : فإن كان المدعون ثلاثة يدعي أحدهم جميعها والآخر نصفها والآخر ثلثها وأقاموا البينة فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله القسمة بطريق العول فتكون أصل المسألة [ ص: 85 ] من ستة يضرب مدعي الكل بسهام الدار ستة ومدعي الثلثين بسهام الثلثين أربعة ومدعي النصف بثلاثة فيقسم الدار بينهم على ثلاثة عشر سهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله القسمة بطريق المنازعة ولا منازعة لصاحب النصف والثلثين فيما زاد على الثلثين وصاحب الجميع يدعي ذلك فيسلم له بلا منازعة وما زاد على النصف إلى تمام الثلثين لا منازعة فيه لصاحب النصف فيكون بين صاحب الجميع والثلثين نصفين يبقى ستة استوت منازعتهم فيه فكان بينهم أثلاثا فيسلم لمدعي النصف سدس الدار ولمدعي الثلثين ربع الدار ولمدعي الجميع ما بقي ، وذلك سبعة أسهم من اثني عشر .
قال : ولو كانت الدار في يد رجلين فادعى أحدهما نصفها والآخر جميعها فالبينة على مدعي الجميع ; لأن دعوى كل واحد منهما منصرف إلى ما في يده أولا ليكون يده محقة في حقه ، وهذا لأن حمل أمور المسلمين على الصحة واجب فصاحب النصف لا يدعي شيئا مما في يد صاحب الجميع وصاحب الجميع يدعي شيئا مما في يد صاحب النصف فعليه إثباته بالبينة ، فإن أقاما البينة فالدار كلها لصاحب الجميع ; لأنه إن اجتمع بينة الخارج وبينة ذي اليد فيما في يد صاحب النصف فبينة الخارج أولى بالقبول .
قال : ولو كانت الدار في يد ثلاثة نفر فادعى أحدهم جميعها والآخر ثلثيها والآخر نصفها وأقاموا البينة واستحلف كل واحد منهم ونكل فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله القسمة على طريق المنازعة بينهم فتكون من أربعة وعشرين سهما لأن في يد كل واحد منهم ثلث الدار ودعوى كل واحد منهم ينصرف إلى ما في يده ، ثم فيما فضل في ذلك إلى ما في يد صاحبه ; لأنه ليس أحدهما بأولى به من الآخر ولا بينة لكل واحد منهم فيما في يده ، فأما الثلث الذي في يد صاحب النصف لا بينة له في ذلك وصاحب الجميع يدعي الجميع وصاحب النصف يدعي الثلثين ; لأنه يدعي الثلثين ثلث في يده وثلث في يد صاحبه فيكون دعواه فيما في يد كل واحد منهما نصف الثلث فيسلم نصف هذا الثلث لصاحب الجميع بلا منازعة والنصف الآخر بينهما نصفان لاستواء منازعتهما فيه فصار هذا الثلث على أربعة والثلث الذي في يد صاحب الثلثين صاحب الجميع يدعي جميعه وصاحب النصف يدعي ربعه لأنه يدعي النصف والثلث في يده فإنما بقي الثلث في يد صاحبه فكان دعواه في يد كل واحد منهما نصف السدس ، وذلك ربع ما في يديه فثلاثة أرباع ما في يده سالم لصاحب الجميع واستوت منازعتهما في الربع فكان بينهما نصفين وما في يد صاحب الجميع يدعي صاحب الثلثين نصفه وصاحب النصف ربعه ، وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما [ ص: 86 ] ثم مات المشتري وأحد الغرماء وارثه واكتسب العبد مالا في مرضه ، ثم مات فإن ماله يقسم بين غرمائه الثلاثة الباقين كل منهم يضرب بدينه ويضرب الوارث بدينه ولا يضرب الذي أعتقه بدينه ; لأن الديون كلها واجبة في ذمته لم يقض شيء منها من ثمنه والدين الواجب في ذمة العبد يقضى من كسبه بعد موته إلا أن دين المشتري قد سقط عنه ; لأنه ملك رقبته والمولى لا يستوجب على عبده دينا ، وقد كان يحول حقه إلى الثمن الذي قبضه القاضي فلما هلك ذلك فات محل حقه أصلا فسقط دينه فلهذا لا يضرب في الكسب الذي بعد العتق بشيء وأما وارث المشتري فهو أجنبي عن العبد فدينه ثابت في ذمته بعد العتق كدين الآخرين ، وهو ، وإن صار وارثا للعبد بموت المشتري فإنما صار وارثا بسبب حادث بعد الإقرار ، وهو الولاء فلا يبطل ذلك إقراره فلهذا يضرب مع الآخرين بدينه .
وكذلك إن كان أحد غرماء الدين أقر لهم وارث العبد لأنه حين أقر له لم يكن وارثه فلا يبطل إقراره له ، وإن صار وارثا بعد ذلك .
ولو أن مريضا أقر لابنه بدين وابنه عبد ، ثم عتق ، ثم مات الأب ، وهو وارثه فإقراره بالدين جائز ; لأن كسب العبد لمولاه فهذا الإقرار حصل من المريض في المعنى للمولى والمولى أجنبي منه فبأن صار العبد من ورثته لا يبطل ذلك الإقرار ، وهذا هو المعنى في الفصل الأول أن الدين الواجب على العبد بإقراره يتعلق برقبته وكسبه ، وذلك لمولاه دونه فبأن صار المقر له وارثا له بعد ذلك لا يبطل به الإقرار المتقدم ، وإن وجب قضاء من كسب هو خالص حق العبد بعد العتق ; لأن هذا حكم يثبت بسبب حادث ، وهو الإعتاق ، وقد بينا أن من صار وارثا بسبب حادث بعد الإقرار لا يبطل الإقرار به بخلاف من ورث بسبب قائم وقت الإقرار ، وإن كان العبد تاجرا وعليه دين والمسألة بحالها فالإقرار باطل لأن كسب العبد التاجر لا يكون لمولاه ففي هذا الإقرار منفعة للعبد من حيث إنه يقضي به دينه ، وقد صار وارثا بسبب كان قائما وقت الإقرار فلهذا بطل إقراره ، فأما إذا لم يكن عليه دين فكسبه يكون ملكا لمولاه ويجعل هذا كالإقرار للمولى .
ولو أقر المريض لابنه ، وهو مكاتب ، ثم مات الأب والابن مكاتب على حاله فإقراره له جائز ; لأن المكاتب ليس من جملة الورثة فإنما كان مقرا بهذا الدين لأجنبي ، وإن عتق المكاتب قبل موت الأب لم يجز إقراره له لأنه صار وارثا بسبب كان قائما وقت الإقرار وكسبه بعد العتق له فكان هذا الإقرار موجبا إيصال النفع إلى وارثه فلهذا لم يصح .
ولو أقر المكاتب في مرضه لابنه الحر بدين ، ثم مات مكاتبا ، ولم يترك وفاء أو ترك [ ص: 87 ] وفاء بالدين دون المكاتبة فالإقرار جائز لأنه مات عبدا عاجزا فلا يكون ابنه من ورثته فكان الإقرار له كالإقرار للأجنبي ، وهذا لأن الدين مقدم على المكاتبة لأنه أقوى .
( ألا ترى ) أنه لا يملك إسقاطه عن نفسه بخلاف بدل الكتابة ، فإذا كان الدين مقدما فهو لم يترك وفاء ببدل الكتابة ، وإن ترك وفاء بذلك كله كان إقراره بالدين باطلا لأنه يؤدي كتابته ويحكم بعتقه مستندا إلى حال حياته فيكون ابنه من ورثته وموجب إقراره قضاء الدين من كسبه وكسبه حقه ، فإذا حصل إقراره لمن يرثه بسبب قائم وقت الإقرار كان الإقرار باطلا ، والله أعلم بالصواب .
باب الاستثناء
( قال رحمه الله ) : وإذا أقر الرجل أن لفلان عليه ألف درهم إلا تسعمائة وخمسين درهما فاستثناؤه جائز وعليه خمسون ; لأنه عطف الخمسين على التسعمائة وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه ، فإذا كان المعطوف عليه مستثنى فكذلك المعطوف ، وقد بينا أن الاستثناء صحيح إذا كان يبقى ما وراء المستثنى شيء فجعل الكلام عبارة عنه قل ذلك أو كثر والباقي وراء المستثنى فكان مقرا بها بهذه العبارة بخلاف ما لو قال : إلا ألف درهم فإنه لا يبقى وراء المستثنى شيء مما تناوله كلامه ليصير الكلام عبارة عنه فيكون هذا رجوعا عن الإقرار لا استثناء والرجوع باطل ، وإن كان موصولا ; لأنه إنما يصلح موصولا ما يكون فيه معنى البيان لأول كلامه والإبطال ليس من البيان في شيء فلم يصح ، وإن كان موصولا .
ولو قال : له علي ألف درهم إلا دينارا فالاستثناء جائز ويطرح من الألف قيمة الدينار ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف استحسانا ، وفي القياس لا يصح هذا الاستثناء ، وهو قول محمد وزفر رحمهما الله . وكذلك لو قال : إلا فلسا أو كر حنطة أو استثنى شيئا مما يكال أو يوزن أو يعد عدا فهو على هذا الخلاف ، فأما إذا قال : إلا شاة أو ثوبا أو عرضا من العروض فالاستثناء باطل عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله صحيح ويطرح عنه بقدر قيمة المستثنى أما الكلام مع الشافعي رحمه الله بناء على الاختلاف في موجب الاستثناء فعنده موجب الاستثناء امتناع ثبوت الحكم في المستثنى لقيام الدليل المعارض بمنزلة دليل الخصوص في العموم ، فإذا قال : لفلان علي عشرة إلا درهم يصير كأنه قال : إلا درهم فإنه ليس علي فلا يلزم الدرهم للدليل المعارض لأول كلامه ; لأنه يصير كالاستثناء [ ص: 88 ] الدعوتين القول قول صاحب اليد كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل كان هو أولى بها ، ولأن الظاهر شاهد له ، ولأن وضعه الجذوع دليل على أنه بنى الحائط لحاجته إذا وضع حمله عليه ومثل هذه العلامة تثبت الترجيح كما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت يجعل ما يصلح للرجل للرجل وما يصلح للنساء للمرأة
وإن كان لأحدهما عليه هوادي أو بواري لا يستحق به شيئا ; لأن هذا ليس بجهل مقصود بني الحائط لأجله فلا يثبت به الترجيح كما لو تنازعا في دابة ولأحدهما عليه مخلاة علقها لا يستحق به الترجيح بخلاف الجذوع فإنه حمل مقصود يبنى الحائط لأجله فيثبت له اليد باعتباره . وكذلك إن كان لأحدهما عليه جذوع أو اتصال وللآخر بواري فهو لصاحب الجذوع والاتصال ، وإن كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر اتصال فصاحب الجذوع أولى ومراده من هذا مداخلة أنصاف اللبن بعضها في بعض إذا كان من أحد الجانبين هذا النوع من الاتصال ببناء أحدهما لأن وضع الجذوع استعمال للحائط والاتصال مجاورة واليد تثبت بالاستعمال دون المجاورة فكان صاحب الجذوع أولى كما لو تنازعا في دابة وأحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها فالراكب أولى ، وذكر الطحاوي رحمه الله أن صاحب الاتصال أولى ; لأن الكل صار في حكم حائط واحد فهذا النوع من الاتصال في بعضه متفق عليه لأحدهما فيرد المختلف فيه إلى المتفق عليه ، ولأن الظاهر أنه هو الذي بناه مع حائطه فمداخلة أنصاف للبن لا يتصور إلا عند بناء لحائطين معا فكان هو أولى .
قال في الكتاب إلا أن يكون اتصال تربيع بيت أو دار فيكون لصاحب الاتصال حينئذ ، وكان الكرخي رحمه الله يقول صفة هذا الاتصال أن يكون هذا الحائط المتنازع من الجانبين جميعا متصلا بحائطين لأحدهما والحائطان متصلان بحائط له بمقابلة الحائط المتنازع حتى يصير مربعا شبه القبة فحينئذ يكون الكل في حكم شيء واحد فصاحب الاتصال أولى والمروي عن أبي يوسف رحمه الله أن المعتبر اتصال جانبي الحائط المتنازع بحائطين لأحدهما ، فأما اتصال الحائطين بحائط أخرى غير معتبر وعليه أكثر مشايخنا رحمهم الله لأن الترجيح إنما يقع له يكون ملكه محيطا بالحائط المتنازع من الجانبين ، وذلك يتم بالاتصال بجانبي الحائط المتنازع ولصاحب الجذوع موضع جذوعه ; لأن استحقاق صاحب الاتصال بالظاهر ، وهو حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق على الغير فلا يستحق به على صاحب الجذوع رفع جذوعه ، فإن ( قيل ) لما قضى بالحائط لصاحب الاتصال فينبغي أن يأمر الآخر برفع الجذع ; لأنه حمل موضوع [ ص: 89 ] له في ملك الغير بغير سبب ظاهر لاستحقاقه كما لو تنازعا في دابة ولأحدهما عليها حمل وللآخر مخلاة يقضى لصاحب الحمل ويؤمر الآخر برفع المخلاة قلنا ; لأن وضع المخلاة على دابة الغير لا يكون مستحقا له في الأصل بسبب فكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب الحمل أمر الآخر برفع المخلاة
فأما هنا فقد يثبت له حق وضع الجذوع على حائط لغيره بأن كان ذلك مشروطا في أصل القسمة فليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذوع على الآخر ، وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة وقضي له به يؤمر الآخر برفع جذوعه ; لأن البينة حجة للاستحقاق فيستحق صاحبها رفع جذوعه عن ملكه ، وإن لم يكن متصلا ببناء أحدهما ، ولم يكن عليه جذوع فهو بينهما نصفان لاستوائهما فيه في اليد حكما فإنه بكونه بين داريهما يثبت لكل واحد منهما عليه اليد حكما ، وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر عليه خشبة واحدة فلكل واحد منهما ما تحت خشبته ولا يكون بينهما نصفان استحسن ذلك في الخشبة والخشبتين وهكذا ذكر في كتاب الصلح .
وقال في كتاب الإقرار : الحائط كله لصاحب عشر خشبات إلا موضع الخشبة فإنه لصاحبها وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله أن الحائط بينهما نصفان ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وهو القياس ووجهه أن الاستعمال بموضع الخشبة يثبت يد صاحبها عليه فصاحب القليل فيه يستوي بصاحب الكثير كما لو تنازعا في ثوب عامته في يد أحدهما فطرف منه في يد الآخر كان بينهما نصفين ووجه رواية كتاب الإقرار لصاحب العشر خشبات عليه حمل مقصود يبنى الحائط لأجله ، وليس لصاحب الخشبة الواحدة مثل ذلك ، ولأن الحائط لا يبنى لأجل خشبة واحدة عادة وإنما ينصب لأجلها أسطوانة فكان صاحب العشر خشبات أولى به كما في الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل مقصود وللآخر مخلاة يقضى بها لصاحب الحمل إلا أنه لا يرفع خشبة الآخر ; لأن استحقاق صاحب الخشبات باعتبار الظاهر يستحق به رفع الخشبة على الآخر وأما وجه رواية كتاب الدعوى أن الاستحقاق باعتبار وضع الخشبة فيثبت لكل واحد منهما الملك فيما تحت خشبته لوجود سبب الاستحقاق به في ذلك الموضع ، فأما ما بين الخشبات لم يذكر في الكتاب أنه يقضى به لأيهما ; لأن من أصحابنا رحمهم الله من قال يقضى بالكل بينهما على إحدى عشر سهما عشرة لصاحب الخشبات وسهم لصاحب الخشبة الواحدة اعتبارا لما بين الخشبات بما هو تحت كل خشبة من الحائط وأكبرهم على أنه يقضى به لصاحب العشر [ ص: 90 ] رحمهم الله وعليه كر حنطة وقفيز شعير .
وجه قولهما أن الكلام موصول ، وفي حق الشعير إنما استثنى بعض ما أقر به فيكون صحيحا كما لو بدأ باستثناء الشعير ، فقال : إلا قفيز شعير وكر حنطة وأبو يوسف رحمه الله يقول استثناؤه كر حنطة باطل فيكون ذلك لغوا من الكلام ، وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه في الشعير ومتى تخلل بين المستثنى والمستثنى منه كلام لغو كان الاستثناء باطلا ; لأن شرط صحة الاستثناء الوصل والكلام اللغو فاصل بمنزلة السكوت أو أبلغ منه فإن التكلم باللغو إعراض عن الجد ، وليس في السكوت إعراض ، وهذا باطل نظير اختلافهم فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله أو قال : لعبده أنت حر وحر إن شاء الله ، وعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء باطل ويقع الطلاق والعتاق جميعا ; لأن كلامه الثاني لغو فصار فاصلا وعندهما الاستثناء صحيح لكون الكلام موصولا ظاهرا .
ولو قال : لفلان علي ألف درهم ولفلان مائتا دينار إلا ألف درهم كان الاستثناء جائزا من الدنانير ; لأن المقر له إذا كان مختلفا فالاستثناء من المال الذي وصله به وإنما وصل الاستثناء بالدنانير هنا واستثناء ألف درهم من مائتي دينار صحيح عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ; لأنه استثناء بعض ما تكلم به بطريق المستثنى المعين .
ولو قال : لفلان ألف درهم أستغفر الله إلا مائة درهم كان الاستثناء باطلا لأنه فصل بينه وبين الإقرار بما ليس من جنسه ولا هو راجع إلى تأكيد الإقرار فكان بمنزلة الفصل بالسكتة . وكذلك لو ذكر بين المستثنى والمستثنى منه تهليلا أو تكبيرا أو تسبيحا لأن هذه كلمة ليست من الإقرار في شيء فيتحقق الفصل بها كما يتحقق بالسكوت وشرط صحة الاستثناء الوصل .
ولو قال : لفلان علي مائة يا فلان إلا عشرة دراهم كان الاستثناء جائزا لأن قوله يا فلان نداء للمخاطب لينبهه فيستمع كلامه فكان كلامه راجعا إلى تأكيد الإقرار فلا يوجب الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بخلاف ما سبق .
ولو قال : لفلان علي مائة درهم فاشهدوا علي بذلك إلا عشرة دراهم كان الاستثناء باطلا لوجهين أحدهما أنه أمرهم أن يشهدوا على ألف ولا يكون ذلك مع صحة الاستثناء والثاني أن قوله فاشهدوا على ذلك كلام آخر أعقب الإقرار به بحرف التعقيب ، وهو الفاء ولو عطف على الإقرار بحرف الواو كان فاصلا بين المستثنى والمستثنى منه فكذلك إذا أعقبه به ، وهذا لأنه كلام مفيد مفهوم المعنى بنفسه فلا يكون تابعا للكلام الأول بل يصير فاصلا بخلاف قوله يا فلان فإنه ليس بكلام مفهوم المعنى بنفسه فكان من تتمة المراد بالكلام الأول [ ص: 91 ] فلا يوجب الفصل بين المستثنى والمستثنى منه .
ولو قال : لفلان علي ألف درهم إلا عشرة دراهم أقبضتها إياه كانت عليه الألف كلها ; لأن قوله أقبضتها صفة العشرة وقوله إلا عشرة ظاهره استثناء العشرة على أن لا يكون واجبا أصلا ويحتمل أن يكون المراد الاستثناء على أنها ليست بواجبة في الحال لسقوطها عنه بالقضاء فكان بيانه المذكور بقوله أقبضتها من محتملات كلامه فيصح منه ، وإذا صح كان منه دعوى القضاء في العشرة ودعوى القضاء منه غير مقبول من غير حجة سواء ادعاه في بعض المال أو في كله ; لأن صحة الاستثناء بطريق أنه يكون عبارة عما وراء المستثنى ، وذلك لا يتحقق هنا لأنه لا يبقى أصل الوجوب فيما زعم أنه قضاه من المال . وكذلك لو قال : إلا عشرة دراهم قد أقبضتها إياه ; لأن حرف قد حرف التأكيد فدعواه القضاء في العشرة مع حرف التأكيد وبدون حرف التأكيد سواء ولو قال : إلا عشرة دراهم ، وقد أقبضتها إياه كان عليه الألف إلا عشرة ; لأن قوله " وقد أقبضتها " كلام معطوف على المستثنى فلا يكون للمستثنى إذ ليس بين الوصوف والموصف حرف العطف فيكون هذا منه دعوى القضاء في أصل المال فيبقى استثناؤه العشرة صحيحا بخلاف الأول فإنه لم يذكر حرف العطف هناك بين العشرة ، وذكر القضاء .
( ألا ترى ) أنه إذا قال : زيد عالم كان صفة لزيد ، وإذا قال : زيد وعالم لا يكون قوله وعالم صفة لزيد ; لأن الوصف لا يعطف على الموصوف .
ولو قال : له علي ألف درهم إلا درهما أقبضتها إياه كانت عليه ألف درهم ; لأن قوله أقبضتها لا يمكن أن يجعل صفة للمستثنى فإنه ذكر فيه حرف التأنيث فيكون صفة لما يعبر عنه بعبارة التأنيث والمستثنى يعبر عنه بعبارة التذكير فعرفنا بهذا أن قوله أقبضتها دعوى القضاء منه في أصل المال فبقي استثناؤه الدرهم صحيحا .
ولو قال : له علي درهم غير دانق من ثمن بقل قد أقبضته إياه كان عليه درهم هكذا ذكره في نسخ أبي سليمان ; لأن قوله قد أقبضته صفة للدانق الذي استثناه فكان هذا منه دعوى القضاء في الدانق لا الاستثناء على الحقيقة فلزمه درهم ، وقال في نسخ أبي حفص رحمه الله عليه درهم إلا دانقا قال الحاكم رحمه الله هذا أقرب إلى وفاق ما اعتل به في المسألة لا في تعليل المسألة قال : لأنه قطع بين الاستثناء وبين القضاء بكلام فصار القضاء على ألف درهم ومعنى هذا التعليل أن دعوى القضاء إنما يصير صفة للدانق إذا وصله به ، وقد تخلل بينهما كلام آخر هنا ، وهو قوله من ثمن بقل فصار دعوى القضاء منه على درهم وبهذا التعليل يتبين أن الجواب الصحيح ما ذكره في نسخ أبي [ ص: 92 ] به شيئا ، وليس لصاحب الدار أن يقطع الجذوع لأنها وجدت كذلك ويحتمل أن تكون حجة لذلك إلا أن تكون نفس الجذوع بحق مستحق لصاحبها فلا يكون لصاحب الدار أن يقطعها إلا بحجة والظاهر لا يصلح حجة كذلك إلا أن تكون جذوعا لا يحمل على مثلها شيئا إنما هو أطراف جذوع خارجة في داره فحينئذ يكون له أن يقطعها لأن عين الجذوع غير مقصودة بعينها إنما المقصود هو البناء عليها فما لا يبنى على مثله لا يجوز أن يكون مستحقا له في ملك الغير فكان لصاحب الدار أن يقطعها وما يبنى عليه يجوز أن يكون مستحقا له بسبب فلا يكون له قطعها ما لم يتبين أنه أحدث نصبها غصبا .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|