
19-12-2025, 09:41 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,922
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(374)
ولو قال : له في هذه الأرض حق ، ثم قال حقه فيها أني أجرتها إياه سنة ليزرعها لم يصدق ; لأنه أقر له بالحق في رقبتها ، ثم فسره بالمنفعة فلم يكن تفسيره مطابقا للفظه . وكذلك لو أقر أن له في الدار حقا ، ثم قال سكنى شهر فتفسيره غير مطابق للفظه . وكذلك لو أقر أن له في هذه الدار ميراثا أو شراء ثابتا أو بابا أو ملكا ثابتا ، ثم قال : هو هذا الباب المغلق لم يصدق ; لأنه جعل رقبة الدار ظرفا لما أقر له به فلا بد من أن يفسره بجزء من رقبتها .
ولو قال : له في دار والدي هذه وصية من والدي ، ثم قال له سكنى هذا البيت سنة لم يصدق حتى يقر له بشركة في أصل الدار ; لأنه جعل الدار ظرفا للموصى به والمنافع أعراض تحدث شيئا فشيئا فلا يكون تفسيره مطابقا لإقراره ما لم يقر بشيء من أصل الدار ، ولو وصل المنطق في جميع ذلك كان مقبولا ; لأن ظاهر إقراره منصرف إلى شيء من أصل الدار على احتمال أن يكون المقر به منفعتها ; لأن المنافع محل الأعيان ، فإذا بينه موصولا قبل بيانه ، وإن كان مغيرا لموجب مطلق كلامه . وكذلك لو قال : له فيها ميراث بسكنى شهر ، وفي هذا نوع إشكال فإن المنافع لا تورث عندنا فينبغي أن لا يقبل بيانه هذا موصولا وكذا يكون بيانه من محتملات كلامه فإن توريث المنفعة مجتهد فيه ، ولو قضى به القاضي نفذ قضاؤه فلعله أقر له بذلك بعد ما قضى له به قاض فكان هذا بيانا من هذا الوجه ، وقيل : هو على الخلاف وينبغي أن يكون هذا الجواب عندهما بناء على ما تقدم .
وإذا قال : لفلان علي ألف درهم من ثمن خمر لم يصدق عند أبي حنيفة رحمه الله ، وإن وصل لأن ثمن الخمر لا يجب للمسلم شرعا وعندهما يصدق ، وكان ذلك بيانا منه على ظنه . وكذلك هذا .
ولو كان في يده عشرة من الغنم ، فقال : لفلان فيها شرك شاة ، ثم ماتت الغنم كلها ، فقال المقر له أنت خلطت شاتي بغنمك لم يصدق على ذلك ، ولم يضمن المقر شيئا إذا حلف ; لأن إقراره بالشركة في العين لا يتضمن الإقرار بوجود السبب [ ص: 63 ] الموجب للضمان عليه ، فإن نصيب كل واحد من الشريكين في يد صاحبه أمانة ، والاختلاط يحصل من غير خلط فدعواه الخلط دعوى السبب الموجب للضمان عليه ابتداء فلا يصدق في ذلك إلا بحجة .
ولو قال : في زيتي هذا لفلان رطل من زئبق ، وقال كل واحد منهما أنت خلطته لم يصدق واحد منهما في دعواه إلا بحجة ; لأنه يدعي السبب الموجب للضمان على شريكه ابتداء ، ولكنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ، وإذا حلفا فهما شريكان في الزيت يباع فيضرب صاحب الزئبق فيه بقيمة رطل من زيت لا بقيمة رطل من زئبق ويضرب الآخر بقيمة ما بقي من الزيت قال ; لأنه قد صار زيتا كله ، ومعنى هذا أن الزيت هو الغالب ، والزئبق يصير كالمستهلك فيه وقيمة الزئبق تنتقص بالاختلاط ، وهذا النقصان حصل من غير فعل أحد فيكون على صاحب الزئبق ، وإنما يضرب كل واحد منهما في الثمن بقيمة ملكه كما يتناوله العقد وعقد الكل زيت فلهذا ضرب بقيمة رطل من زيت .
ولو كان لرجل خمسون رطلا من زئبق فأقر أن فيه لرجل رطلا من بنفسج بعته وقسمت الثمن بينهما يضرب فيه صاحب البنفسج بقيمة رطل منه وصاحب الزئبق بقيمة زئبقه ; لأن البنفسج بالاختلاط بالزئبق تزداد قيمته ، وهذه الزيادة حصلت من ملك صاحب الزئبق فلا يضرب بها مع صاحب الزئبق ، وإنما يكون ضربه بقيمة ملكه ، وهو رطل بنفسج ، وإن شاء صاحب الزئبق أعطى صاحبه رطلا من البنفسج ، والزئبق كله له والخيار إليه دون صاحب البنفسج ; لأن البنفسج صار مستهلكا بالزئبق فإن الزئبق هو الغالب ، وعند الاختلاط الأقل يصير مستهلكا بالأكثر والحكم للغالب فيكون الخيار لمن كان حقه قائما من كل وجه في أن يتملك على صاحبه نصيبه بضمان المثل .
( ألا ترى ) أن ثوب إنسان لو وقع في صبغ غيره فانصبغ به كان لصاحب الثوب أن يعطي لصاحب الصبغ قيمة الصبغ لأن الثوب قائم من كل وجه والصبغ فيه مستهلك من وجه فكان الخيار لصاحب الثوب فهذا مثله .
رجل في يده ثوب مصبوغ بعصفر ، فقال لرجل : في ثوبي هذا لك قفيز من عصفر في صبغه فصاحب الثوب بالخيار إن شاء رد عليه ما زاد قفيزا من عصفر في ثوبه لأن ملك المقر له صار وصفا لملكه فكان له أن يتملكه بضمان بدله ، وإن أبى بيع الثوب ويضرب به صاحب العصفر بقيمة ملكه ، وهو ما زاد قفيز من عصفر في ثوبه وصاحب الثوب بقيمة ثوبه ، فإن كان صبغه أكثر من قفيز ضرب صاحب الثوب بالفضل مع قيمة الثوب الأبيض ; لأن المقر له ما استحق إلا مقدار قفيز من العصفر الذي في الثوب ; لأن استحقاقه بإقراره [ ص: 64 ] وإنما أقر له بهذا المقدار ، وإن اختلفا ، فقال المقر له : ليس في هذا الثوب زيادة على قفيز من عصفر ، وقال صاحب الثوب بل فيه زيادة على ذلك سأل القاضي أهل العلم بذلك من الصباغين ; لأنه يحتاج إلى معرفة المحق منهما فيرجع فيه إلى من له نظر في ذلك الباب كما إذا احتاج إلى معرفة قيمة العين سأل عنه من له نظر فيه ، فإن اتفقوا على شيء يعرف في ذلك أخذ بقولهم وإلا القول فيه قول صاحب الثوب لأنه صاحب الأصل والمقر له إنما يستحق من جهته فيكون القول في بيان مقدار ما يستحق المقر له قول صاحب الثوب .
ولو أن رجلا في يديه عبد ، فقال : لفلان في هذا العبد شرك أو قال شركة فله النصف في قول أبي يوسف رحمه الله ، وقال محمد رحمه الله : القول قول المقر في بيان مقدار ما أقر به واتفقا أنه لو قال : فلان شريكي في هذا العبد ، أو مشترك بيني وبين فلان أو هو لي ، ولو كان بينهما نصفين ; لأن لفظة الشركة تقتضي المساواة قال الله تعالى { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } ، ثم يستوى فيه ذكورهم وإناثهم . وكذلك لفظ " بين " يقتضي المناصفة بين المذكورين ، ومطلق الإضافة إليهما تقتضي التسوية بينهما ، فأما في قوله شرك أو شركة في العبد فكذلك يقول أبو يوسف رحمه الله ; لأن لفظ الشركة يقتضي التسوية ، وقال محمد رحمه الله : إذا ذكر الشرك منكرا فهو عبارة عن النصيب قال الله تعالى { أم لهم شرك في السماوات } ، وقال الله تعالى { وما لهم فيهما من شرك } أي من نصيب فهذا وقوله : لفلان في عبدي نصيب سواء وهناك البيان فيه إلى المقر له وإلى نفسه فيقتضي المساواة وهنا جعله صفة للمقر به فلا يتحقق فيه اعتبار معنى المساواة فلهذا كان هو وذكر النصيب سواء ، وإن فصل الكلام ، فقال هو شريكي فيه بالعشر أو هو معي شريك بالعشر فالقول قوله لأن الإقرار بالشركة يقتضي المساواة ، ولكن على احتمال التفاوت فكان بيانه مغايرا لما اقتضاه مطلق كلامه فيصح موصولا لا مفصولا . وكذلك لو قال : هذا العبد لي ولفلان لي الثلثان ولفلان الثلث .
وإذا أقر أن لفلان وفلان معه شركا في هذا فهو بينهم أثلاثا في قول أبي يوسف رحمه الله بمنزلة ما لو قال فلان وفلان فيه شركائي ، وعند محمد رحمه الله البيان فيه إلى المقر كما في الفصل الأول .
وإذا قال : قد أشركت فلانا في نصف هذا العبد ففي القياس له ربعه لأنه لو قال أشركت فلانا في هذا العبد كان له نصفه ، فإذا قال في نصف العبد كان له نصف ذلك النصف ، وهو الربع ; لأن الإشراك يقتضي [ ص: 65 ] التسوية بين الموجب والقابل فبما أضيف الإيجاب إليه ، وقد أضيف هنا إلى نصف العبد ، ولكنه استحسن ، فقال له النصف ; لأن معنى قوله أشركت فلانا في نصف العبد أي بنصف العبد ، فقد يستعار حرف " في " لمعنى الباء مجازا ; لأن الباء للإلصاق وفي للظرفية وبين الظرف والمظروف نوع إلصاق فأمكن أن يستعار حرف " في " لمعنى الباء ، وإنما حملناه على هذا النوع من المجاز لعدم إمكان اعتبار الحقيقة فإنه ، وإن جعل له ربع العبد كان شريكا في جميع العبد لا في نصفه فإن صاحب القليل مشارك لصاحب الكثير في جميع العين .
وإذا قال : له علي حق ، ثم قال عنيت حق الإسلام لم يصدق ولا بد من أن يقر له بشيء ; لأن كلمة علي للالتزام في الذمة ، ومطلق هذا اللفظ إنما يفهم منه في العادة الدين فتفسيره بحق الإسلام معتبر لمطلق لفظه فلا يقبل منه مقصوده ، ثم خص نفسه بالتزام الحق الذي أقر به وحق الدين على كل واحد منهما لصاحبه ففي تخصيصه نفسه دليل على أنه مراده من ذلك .
وإن قال : لفلان على عبدي هذا حق ، ثم قال عنيت به الدين فالقول قوله لأن كلمة " علي " للالتزام في الذمة فإنه مشتق من العلو ومعناه علاه ما أقر نفيا للوجوب في ذمته حتى صار مطلقا فإنه ، وإن ادعى المقر له الشركة في الرقبة لم يصدق إلا بحجة ; لأنه ليس في لفظ المقر ما يوجب ذلك . ولو قال : له في رقبة عبدي هذا العتق أو قال في عبدي فهذا تنصيص على الإقرار بما يوجب الشركة في الرقبة والقول في مقدارها قول المقر .
وإن قال : لفلان حق في عبدي هذا أو في أمتي هذه فادعى الطالب حقه في الأمة فإن المقر يحلف عليه ; لأن المدعى غير ما أقر به فإنه أقر بحقه في غير معين ، وهو إنما ادعاه في معين فيصير ذلك الإقرار فيما سوى المحل الذي عينه ومدعيا في ذلك المحل فالقول قول المنكر مع يمينه ، وإذا حلف لم يكن له في واحد منهما شيء ; لأنه خرج عن موجب إقراره بما تضمن دعواه من رد إقراره الحق في العبد ، وإن ادعى فيهما يجبر المقر على أن يقر في أيهما شاء بطائفة منه لأنه صدقه فيما أقر به وادعى زيادة عليه ، والاستحقاق بحكم إقراره يتم بتصديقه فالقول في مقداره قول المقر ، وإن حلف عليهما جميعا فباليمين الكاذبة لا يبطل استحقاقه في مقدار ما تناوله إقراره فيجبر على بيان ذلك ويحلف على دعوى الطالب إن ادعى زيادة على ذلك .
وإن أقر بحائط لرجل ، وقال : عنيت البناء دون الأرض لم يصدق ويقضى عليه بالحائط بأرضه ; لأن الحائط اسم للمبني ولا يتصور ذلك إلا بالأرض ، فأما غير المبني يكون آجرا وخشبا ولبنا وتدا ، وهو لا يكون حائطا فكان في إقراره ما يدل على استحقاق الأرض ، والثابت بدلالة النص [ ص: 66 ] كالمنصوص عليه فكان بيانه هذا مغايرا لمقتضى مطلق كلامه . وكذلك لو أقر بأسطوانة في داره ، وإنما أراد به المبني من الأسطوانة بالآجر وأنه لا يكون أسطوانة ما لم يكن مبنيا كالحائط ، فأما إذا كانت الأسطوانة من خشب فللمقر له الخشبة دون الأرض ; لأنه يسمى أسطوانة قبل البناء عليه كما يعده فليس في لفظ المقر ما يدل على استحقاق موضعه من الأرض ، فإن كان يستطاع رفعها بغير ضرر أخذها المقر له ، وإن كان لا يؤخذ إلا بضرر ضمن المقر قيمتها للطالب بمنزلة من غصب من آخر ساجة وبنى عليها فإن حق صاحب الساجة ينقطع عن الساجة ويقرر فيه ضمان القيمة دفعا للضرر عن صاحب البناء عندنا وهي مسألة معروفة .
ولو أقر له بنخلة أو شجرة في بستانه فهي له بأصلها من الأرض ; لأن المقر به النخل والشجر ، وإنما يسمى بهذا الاسم إذا كان ثابتا في الأرض ، فأما إذا لم تكن ثابتة فتسمى خشبة فكان في لفظه ما يدل على دخول موضعها من الأرض ولا خلاف في هذا في إقراره ، وإنما الخلاف في البيع إذا باع نخلة أو شجرة فعلى قول أبي يوسف رحمه الله أنه باعها بأصلها فله موضعها من الأرض ، وإن باعها ليقطعها المشتري فليس له موضعها من الأرض ، وإن باعها مطلقا فليس له موضعها من الأرض وروى هشام عن محمد رحمهما الله أنه إذا باعها مطلقا فله موضع أصلها من الأرض وله الموضع الذي ينتهي إليه عروقها من الأرض فمحمد رحمه الله سوى بين البيع والإقرار ، وقال : الإيجاب من البائع كان في النخلة والشجرة ولا تكون نخلة وشجرة إلا وهي ثابتة وأبو يوسف رحمه الله يفرق بينهما فيقول البيع تمليك مبتدأ فلا يتناوله إلا ما وقع التنصيص عليه ، والتنصيص إنما وقع على النابت دون موضعه الذي نبت عليه وموضعه الذي نبت عليه ليس مانعا للنابت فلا يستحقه المشتري باستحقاقه النابتة وبالبيع لا يستحق المشتري استدامته على حاله بخلاف الإقرار فإنه إخبار عن ملك سابق للمقر له ، وفيه إشارة إلى استدامته ولا يكون ذلك إلا بموضعها من الأرض فاستحق موضعها من الأرض بدلالة كلامه والمدلول عليه في الإقرار كالمنصوص عليه .
ولو أقر بثمرة في نخل لم تكن النخلة له ; لأن اسم الثمرة لا يختص بحال الاتصال بالنخل بخلاف اسم الحائط والنخلة ، ولأن اتصال الثمار بالنخل ليس بأصل بل هو للإدراك حتى تجد بعد الإدراك ويفسد إذا ترك ولهذا لا يدخل في بيع النخل من غير ذلك فكذلك لا يدخل في الإقرار بالثمرة ، أما اتصال البناء بالأرض والنخل بالأرض فللقرار ولهذا دخلا في بيع الأرض من غير ذكر فكذلك الإقرار بهما يتضمن الإقرار بموضعهما من الأرض .
ولو أقر [ ص: 67 ] له بكرم في أرض كان له الكرم بأرضه كلها ; لأن اسم الكرم يجمع الشجر والأرض عادة ومطلق اللفظ في الإقرار ينصرف إلى المعتاد وما ثبت بدلالة النص عادة فهو كالمنصوص عليه . وكذلك لو أقر له بالبستان كان له الشجر والأرض والنخل ; لأن اسم البستان عند الإطلاق يجمع الكل فأصل الاسم للأرض والأشجار والنخيل فيه بمنزلة الوصف فيكون الاسم جامعا للكل .
ولو أقر أن هذا النخيل لفلان فأراد المقر له أن يأخذ الأرض كلها لم يكن له ذلك ، وإنما له النخل بأصوله من الأرض ولا يستحق الطريق ولا ما بين النخيل من الأرض ; لأن النخيل اسم للشجر ، ولكن لا يسمى نخلا إلا ، وهو ثابت ، فأما بعد القلع فيسمى جذوعا فدخول موضعه من الأرض لضرورة التنصيص على اسم النخل في إقراره ، وهو لا يعد وموضع أصولها من الأرض فلا يستحق شيئا من ذلك . وكذلك ليس في لفظه ما يدل على استحقاق الطريق ولا يدخل الطريق في البيع من غير ذكر فكذلك الإقرار . والحاصل أنه بنى هذه المسائل على معنى كلام الناس وما يطلقونه في عباراتهم في كل موضع .
ولو أقر له بأصول عشرة من هذا الكرم معروفة كان له تلك العشرة بأصولها ولا يكون له ما بين الشجر من الأرض والكرم في هذا الموضع كالنخل ; لأنه ما أقر له بالكرم ، وإنما أقر له بأشجار معروفة منها فتدخل أصولها لدلالة لفظه ولا يدخل ما سوى ذلك من الأرض .
ولو قال : بناء هذه الدار لفلان كان له البناء دون الأرض ; لأنه نص في لفظه على البناء والأرض ليست من البناء في شيء بخلاف الحائط فإنه اسم للبناء في موضع من الأرض وفرق بين البناء والنخل ، فقال : النخل يخرج من الأرض والبناء لا يخرج من الأرض ، ومعنى هذا الكلام أن اسم البناء يثبت بفعل العبد ، وذلك فيما ارتفع من وجه الأرض لا في الأرض فلا يستحق شيئا من الأرض بذكر البناء ، فأما اسم النخل فلا يحدث بفعل العباد بل بالنبات من الأرض ولا يسمى نخلا إلا ، وهو نابت فلهذا استحق بتسمية النخل موضعه من الأرض . وكذلك لو قال : له بناء هذا الحائط لم يستحق الأرض لما قلنا .
وإذا أقر له بجزء من داره يصح ، وبيان المقدار إلى المقر ; لأن لفظ إقراره يحتمل الكثير والقليل فالجزء من الجزأين يكون نصفا ومن عشرة أجزاء يكون عشرا فكان بيانه مقررا لما أقر به لا مغيرا فصح موصولا كان أو مفصولا . وكذلك النصف والنصيب والحق والطائفة ، البيان في ذلك كله إلى المقر ويقبل بيانه في القليل والكثير ; لأنه من محتملات كلامه ، وليس فيه تغيير للفظ عن ظاهره فكان بمنزلة كنايات الطلاق إذا نوى الزوج بها شيئا انصرف [ ص: 68 ] إليه .
ولو أقر له بسهم في داره فكذلك الجواب عندهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله له السدس . وأصل المسألة في الوصايا ، وهو ما إذا أوصى بسهم من ماله عند أبي حنيفة رحمه الله ينصرف السهم إلى السدس أخذا بقول ابن مسعود رضي الله عنه واحتج بقول إياس بن معاوية رضي الله عنه وجماعة من أهل اللغة رحمهم الله إن السهم هو السدس وعندهما السهم يتناول القليل والكثير فإن سهما من سهمين يكون النصف ومن عشرة يكون العشر فهو والجزء والنصيب سواء .
وإذا أقر لرجل بنقض الحائط فله البناء دون الأرض ; لأن النقض اسم لما يبنى به الحائط من لبن وآجر وخشب فليس في لفظه ما يدل على استحقاق موضعه من الأرض . وكذلك لو أقر بجذع هذه النخلة فله الجذع دون الأرض ، والله أعلم .
( باب إضافة الإقرار إلى حال الصغر وما أشبهها )
( قال رحمه الله ) : رجل أقر أنه كان أقر ، وهو صبي لفلان بألف درهم ، وقال الطالب : بل أقررت بها لي بعد البلوغ فالقول قول المقر مع يمينه ; لأنه أضاف الإقرار إلى حال معهودة تنافي الوجوب به فإن قول الصبي هدر في الإقرار والصبا حال معهودة في كل أحد فكان هو في المعنى منكرا للمال لا مقرا به . فإن قيل هو قد ادعى تاريخا سابقا في إقراره والمقر له منكر لذلك التاريخ فينبغي أن يكون القول قوله قلنا : المصير إلى هذا الترجيح بعد ثبوت السبب ملزما ، وإذا كان الإقرار في حال الصبا غير ملزم أصلا فلم يكن هو مدعيا للتاريخ بالإضافة إليه بل يكون منكرا لأصل المال عليه كمن يقول لعبده أعتقتك قبل أن أخلق أو قبل أن تخلق فكذلك لو قال أقررت له بها في حال نومي لأن النوم حال معهودة تنافي وجوب المال بالإقرار فيها فإن أصل القصد ينعدم من النائم والقصد المعتبر ينعدم من الصبي ، فإذا كان إضافة الإقرار إلى حال الصبا لا يكون إقرارا فإضافته إلى حال النوم يكون إنكارا بطريق الأولى . وكذلك لو قال أقررت بها قبل أن أخلق لأنه مستحيل في نفسه فكان منكرا لا مقرا ومثل هذا اللفظ إنما يذكر للمبالغة في الإنكار عادة .
ولو قال أقررت له وأنا ذاهب العقل من برسام أو لمم ، فإن كان يعرف أن ذلك أصابه لم يلزمه شيء ; لأنه أضاف الإقرار إلى حال معهودة تنافي صحة الإقرار فيها ، وإن كان لا يعرف أن ذلك أصابه كان ضامنا للمال لأنه لم يضف الإقرار إلى حال معهودة فيه فكان هو في الإضافة إلى الحال التي هي غير معهودة مدعيا لما [ ص: 69 ] يسقط عنه بعد إقراره بها فلا يقبل قوله في ذلك ، وهذا لأن الإقرار في الأصل ملزم فيجب العمل بهذا الأصل ما لم يظهر المانع منه ، والمانع إضافته إلى حال معهود تنافي صحته فالإضافة إلى حال غير معهودة لا يصلح مانعا بل تكون دعوى المسقط بعد ظهور السبب الملزم فلا يقبل ذلك إلا بحجة .
ولو قال : أخذت منك ألف درهم وأنا صبي أو ذاهب العقل من مرض يعرف أنه كان أصابه فهو ضامن للمال ; لأن الأخذ فعل موجب للضمان على الآخذ صبيا كان أو بالغا مجنونا أو عاقلا فإن الحجر بسبب الصبا والجنون عن الأقوال لا عن الأفعال ; لأن تحقق العقل بوجوده فلا يكون الصبا والجنون مؤثرا في حكمه وظهور الفعل بإقراره ، فإذا كان إقراره ملزما حين أقر به والفعل ملزوما فيه في حال الصغر تقرر السبب الموجب للضمان عليه بخلاف ما تقدم فإن قوله في حال الصغر والجنون ليس بملزم إياه .
ولو أقر الحر أنه كان لفلان عليه ألف درهم ، وهو عبد لزمه المال ; لأن الرق لا ينافي وجوب المال في ذمته فإن للعبد ذمة صحيحة ; لأن صحة الذمة لكونه آدميا وبالرق لا يخرج من ذلك . وكذلك لو أقر أنه كان أقر له ، وهو عبد بألف درهم ; لأن إقرار العبد ملزم في حق نفسه لكونه مخاطبا ، وإنما لا يقبل في حق مولاه فكان مؤاخذا به بعد العتق . وكذلك الحربي يسلم ، ثم يقر أنه كان قد أقر لفلان في دار الإسلام بألف درهم في دخلة دخلها بأمان ، أو قال دخل علينا بأمان فأقررت له وأنا في دار الحرب ، وهو في دار الإسلام أو المسلم يقر أنه كان أقر به لفلان حين كان حربيا فذلك كله ملزم إياه لأنه أضاف الإقرار إلى حال لا تنافي صحة الإقرار ووجوب المال بها فإنا لو عاينا إقراره في ذلك الوقت كان مؤاخذا به بعد الإسلام فكذلك إذا ظهر ذلك بإقراره .
ولو أنه كان أقر بألف درهم لفلان قبل أن يعتق ، وقال فلان أقررت لي بها بعدما أعتقت لزمه المال له ; لأنه أضاف الإقرار إلى حال رق المقر له ، وذلك لا ينفي كون الإقرار ملزما فكان ملتزما المال بإقراره قاصدا إلى تحويله من المقر له إلى مولاه بإسناده الإقرار إلى حال رقه من المقر له إلى غيره .
ولو أقر مسلم قد كان حربيا أنه أخذ في حال حرابته من فلان ألف درهم في حال ما كان حربيا أو قطعت يده حال ما كان حربيا ، وقال المقر له : بل فعلت ذلك بعد إسلامك ، فإن كان المال قائما بعينه فعليه رده ، وهو غير مصدق في الإضافة إلى حال الحرب ; لأنه أقر أن هذه العين في الأصل كانت مملوكة له وادعى تملكها عليه بإضافة الأخذ حال كونه حربيا فلا يصدق فيه إلا بحجة كما لو ادعى التملك عليه بشراء أو هبة ، ولو كان مستهلكها فهو ضامن [ ص: 70 ] له في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وقال محمد رحمه الله : القول للمقر ولا ضمان عليه في ذلك .
وكذلك لو قال لمعتقه أخذت منك ألف درهم حال ما كنت عبدا لي أو قطعت يدك حال ما كنت عبدا لي ، وقال المقر له : لا بل فعلت ذلك بعد ما أعتقتني فالقول قول المقر له والمقر ضامن في قولهما ، وعند محمد رحمه الله القول قول المقر وجه قوله أنه أضاف الإقرار إلى حال معهودة تنافي وجوب الضمان عليه بالأخذ والقطع في تلك الحال فيكون منكرا لا مقرا كما لو قال لمعتقته وطئتك حال ما كنت أمة لي أو قال لمعتقه أخذت منك الغلة شهر كذا حين كنت عبدا لي أو قال القاضي بعد ما عزل قضيت عليك بكذا في حال ما كنت قاضيا وأخذته فدفعته إلى المقضي له فالقول قوله ، وإن كذبه المقر له في هذه الإضافة .
وكذلك لو قال المعتق : قطعت يدك وأنت عبد ، وقال المقر له : بل قطعتها بعد العتق فالقول قول المقر للمعنى الذي بيناه وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قالا أقر على نفسه بالفعل الموجب للضمان عليه ، ثم ادعى ما يسقط الضمان فلا يصدق في ذلك كما لو قال فقأت عينك اليمنى وعيني صحيحة ، ثم ذهبت ، وقال الآخر بل فقأتها وعينك ذاهبة كان القول قول المقر له والمقر ضامن للأرش ، وبيانه هو أنه أقر بالأخذ ، وهو سبب موجب للضمان عليه كما قال صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترد } وأضاف الإقرار إلى حال رق المقر له ، وذلك غير مناف للضمان عليه بسبب الأخذ والقطع في الجملة فإن العبد إذا كان مديونا كان أخذ المولى كسبه سببا لوجوب الضمان عليه . وكذلك قطع يده موجب للضمان عليه .
وكذلك أخذه من الحربي قد يكون موجبا للضمان عليه في الجملة إذا كان الحربي مستأمنا في دارنا فلم يكن هو في إقراره منكرا لأصل الالتزام بل كان مدعيا لما يسقط الضمان عنه بخلاف ما استشهد به ، فإن وطء المولى أمته غير موجب عليه المهر سواء كانت مديونة أو غير مديونة . وكذلك قضاء القاضي في حال ولايته غير موجب للضمان عليه بحال فإنما أضاف الإقرار في هذه المواضع إلى حال معهودة تنافي الضمان أصلا فكان منكرا لا مقرا فلهذا لا يلزمه شيء ، والله أعلم بالصواب .
( باب الإقرار بالاستفهام )
( قال رحمه الله ) : رجل قال لآخر : أليس قد أقرضتني ألف درهم أمس ، فقال الطالب بلى فجحده المقر فالمال يلزمه ; لأن قوله " أليس قد أقرضتني " استفهام فيه معنى التقرير كما قال الله [ ص: 71 ] تعالى { أليس الله بكاف عبده } ومعنى التقرير أنك قد أقرضتني ، قول الطالب بلى تصديق له في الإقرار . وكذلك لو قال أما أقرضتني أمس أو قال ألم تقرضني أمس فهذا استفهام فيه معنى التقرير قال الله تعالى { ألم يأتكم رسل منكم } . وكذلك لو قال الطالب أليس لي عليك ألف درهم ، فقال بلى كان هذا إقرارا ; لأن قوله أليس استفهام وقوله بلى جواب عنه فيكون معناه بلى لك علي ألف درهم كما قال الله تعالى { ألست بربكم قالوا بلى } معناه بلى أنت ربنا ، وهذا على ما قال أهل اللغة أن كلمة بلى جواب الابتداء بل هو نفي ، وقد قرن به الاستفهام وكلمة نعم جواب الاستفهام المحض ، وكان المعنى فيه أن الاستفهام متى كان بحرف الإثبات فقول نعم جواب صالح له ومتى كان بحرف النفي فجواب ما هو إثبات بعد النفي ، وهو كلمة بلى يقال في تبدل الكلام لا بل كذا فلهذا كانت كلمة بلى جوابا للاستفهام بلفظ النفي ، وهو قوله " ألست " ، ثم ذكر مسائل تقدم بيانها في قوله أقرضتني وأعطيتني إذ قال بعد ذلك لم أقبض وزاد هنا لو قال : أخذت منك ألف درهم فلم تتركني أذهب بها لم يصدق في ذلك ، وإن وصل كلامه لأنه أقر على نفسه بفعل موجب للضمان ، وهو الأخذ فكان هو مدعيا إسقاط الضمان عن نفسه بعد ما تقرر سببه فلا يصدق إلا بحجة كالغاصب يدعي الرد . وكذلك لو قال غصبت منك ألف درهم فانتزعتها مني لم يصدق ، وإن كان موصولا ; لأن دعوى الانتزاع منه دعوى إسقاط الضمان بعد تقرر سببه بمنزلة دعوى الرد ، وهذا لأن الوصل بالكلام إنما يكون معتبرا فيما هو بيان ، فأما دعوى الفعل المسقط للضمان فليس يرجع إلى بيان أول كلامه والموصول والمفصول فيه سواء .
ولو أقر قصار أن فلانا سلم إليه ثوبا يقصره ، ثم قال لم أقبضه ، فإن وصله بكلامه صدق ، وإن قطعه لم يصدق ، وفي بعض النسخ قال أسلم إليه وهما سواء فإن الإسلام والتسليم لغة في الفعل الذي يكون تمامه بالقبض ، ولكن على احتمال أن يكون المراد به العقد دون القبض ، فإذا قال لم أقبضه كان هذا بيانا معتبرا لموجب ظاهر كلامه فيصح موصولا لا مفصولا .
ولو قال لرجل أعطيتني أمس ألف درهم وهل هي ألف ؟ فهذا استفهام لا يلزمه به شيء ، ولو لم ينقد الألف كان إقرارا ; لأنه إذا لم ينقد الألف كان إخبارا بالفعل فيكون إقرارا بموجبه ، وإذا نقد الألف ، فقد ضم صيغة الإخبار للفعل بألف الاستفهام فيخرج من أن يكون إخبارا قال الله تعالى { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين } ، ولم يكن هذا إخبارا عن قوله ذلك ; لأنه لو كان هذا إخبارا لكان تبرؤه منه بقوله { سبحانك } تكذيبا فعرفنا مثل هذا إذا قرن به حرف الاستفهام يخرج من أن [ ص: 72 ] يكون إخبارا بخلاف قوله أليس قد أعطيتني ، وفي الحقيقة لا فرق فإن ألف الاستفهام يدل على نفي ما قرن به ، فإذا قرن بحرف النفي ، وهو ليس يدل على نفي ذلك النفي فيكون تقريرا ، وإذا قرن بالفعل كان دليلا على نفي ذلك الفعل فلم يكن مقرا بالإعطاء .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|