
19-12-2025, 10:31 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن عشر
صـــ 52الى صـــ 61
(373)
( قال ) والرجل والمرأة والعبد والتاجر والمكاتب والصبي المأذون في ذلك سواء ، وفي هذا بيان أن الصبي المأذون يستحلف في الدعوى ; لأن هذه اليمين حق المدعي ، وفي حقوق العباد الصبي المأذون كالبالغ ، وهذا لا يستحلف لرجاء النكول الذي هو قائم مقام الإقرار فكل من كان إقراره صحيحا يستحلف إذا جاء نكوله ، وعند أبي حنيفة النكول بمنزلة البدل والبذل المقيد صحيح من المملوك والصبي ، فإن أبى أن يحلف ، ثم قال قبل قضاء القاضي أنا أحلف يقبل ذلك منه لأن النكول في نفسه محتمل ، فقد يكون للتورع عن اليمين الكاذبة ، وقد يكون للترفع عن اليمين الصادقة فلا يوجب به ما لم يقض شيئا القاضي ويصح الرجوع عنه قبل القضاء كالشهادة ، فأما بعد القضاء عليه إذا قال : أحلف لا يقبل ذلك منه ; لأن الحق قد لزمه بالقضاء وتعين حقه بالإقرار في نكوله بالقضاء فلا رجوع بعد ذلك منه ، وإذا استمهل القاضي ثلاثة أيام أو أقل فلا بأس أن يمهله ، وإن طلب النظرة ، وهو محتاج إلى التأمل في حسابه ومعاملته مع المدعي فينبغي أن يمهله ، وإن فعل وأمضى عليه الحكم جاز ; لأن سبب القضاء ، وهو امتناعه عن اليمين قد تقرر وقضاء القاضي بعد تقرر السبب الموجب نافذ ، والله أعلم بالصواب .
( باب الإقرار في العروض بين الرجلين ) قال رحمه الله ( رجلان أقر أحدهما ببيت بعينه منها لرجل وأنكر صاحبه لم يجز إقراره في الحال إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله ) قال : يجوز إقراره ويكون نصف البيت للمقر له ; لأن كل جزء من الدار مشترك بينهما فإقراره في نصف البيت لا في ملك نفسه فيكون صحيحا وشريكه ، وإن كان يتصور عند القسمة بتفرق ملكه ، ولكن هذا الضرر لا يلحقه بالإقرار إنما يلحقه بالقسمة مع إقرار المقر في ملكه ، وهو صحيح ، وإن أدى إلى الإضرار بالغير في [ ص: 53 ] الباقي كالراهن يقر بالمرهون لإنسان فيعتقه المقر له والإقرار منه كسائر التصرفات وإعتاق أحد الشريكين العبد صحيح ، وإن كان يتضرر به شريكه فكذلك هنا .
وجه ظاهر الرواية أنا لو صححنا الإقرار في الحال تضرر به الشريك ; لأنه يحتاج إلى قسمتين قسمة البيت مع المقر له وقسمة بقية الدار مع المقر فيتفرق عليه ملكه ، وهذا الضرر يلحقه من جهة المقر ; لأن المطالبة بالقسمة بسبب الملك الثابت بالإقرار فما يبتنى عليه من الضرر يضاف إلى أول السبب وإقرار المقر ليس بحجة في الأمر بالغير ، ولكن المقر له ; لأن إقراره في النصف الذي هو مملوك له إنما لم يكن صحيحا لدفع الضرر عن شريكه ، وقد زال ذلك ، وفي النصف الآخر لم يكن صحيحا لعدم ملكه ، وقد زال ذلك ومن أقر بما لا يملك ، ثم ملكه يؤمر بتسليمه ويصير كالمجدد للإقرار بعد الملك ، وإن وقع البيت في نصيب الشريك فنصيب المقر يقسم بينه وبين المقر له ويضرب المقر له فيه بذرعان جميع البيت والمقر بذرعان نصف الدار سوى البيت ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وعند محمد رحمه الله يضرب له بذرعان نصف البيت والمقر بذرعان نصف الدار سوى نصف البيت حتى إذا كانت الدار مائة ذراع والبيت عشرة أذرع فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله المقر له يضرب بعشرة أذرع والمقر بخمسة وأربعين ذراعا فيكون بينهما على أحد عشر سهما سهمان للمقر له وتسعة للمقر ، وعند محمد رحمه الله يضرب المقر له بخمسة أذرع والمقر بخمسة وأربعين ذراعا فيكون للمقر له عشر نصيب المقر .
وجه قول محمد رحمه الله أن إقراره في نصف البيت صادف نصيب الشريك ، ولم يملك ذلك حين وقع البيت بالقسمة في نصيب الشريك فلم يصح إقراره إلا بقدر ملكه ، وذلك نصف البيت ، ثم القسمة إذا وقع هذا النصف في نصيب الشريك فعوضه وقع في نصيب المقر والمقر به إذا أخلف عوضا يثبت حق المقر له في ذلك العوض فلهذا ضرب بنصيبه بذرعان نصف البيت والمقر بجميع حقه ، وهو ذرعان نصف الدار سوى البيت بخلاف ما إذا وقع البيت في نصيب المقر لأن إقراره في الكل قد صح باعتبار تعين ملكه في جميع البيت فيأخذه المقر له . ووجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن القسمة في العقار فيها معنى المعاوضة ولهذا لا ينفرد به أحد الشريكين ، ولو اشتريا دارا واقتسماها لم يكن لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة فالبيت ، وإن وقع في نصيب الآخر فعوضه وقع في نصيب المقر .
وحكم العوض حكم الأصل فيما أنه لو وقع البيت في نصيبه أمر [ ص: 54 ] بتسليم كله إلى المقر له فكذلك إن وقع عوضه في نصيبه يثبت الحق للمقر له في جميعه فلهذا ضرب بذرعان جميع البيت ، وهذا لأن الإقرار الحاصل في غير الملك كما يصح بملكه يصح في عوضه الذي هو قائم مقامه ، ولأن في زعم المقر أن الشريك ظالم بجحوده حق المقر له في البيت فيجعل الشريك مع ما أخذ في حقهما ، فإن لم يكن ; لأن ضرر ظلمه لا يكون على أحد الشريكين دون الآخر فيبقى حق المقر له بزعم المقر في ذرعان البيت وحق المقر في ذرعان نصف الدار سوى البيت فيضرب كل واحد منهما بجميع ذلك .
وكذلك لو أقر أحد الشريكين في الدار بطريق لرجل أو بحائط معلوم أو أقر بذلك في البنيان والأرض فهو على ما ذكرنا في البيت ، وعلى هذا لو أوصى أحد الشريكين في الدار ببيت منها لإنسان ، ثم مات فهو على ما ذكرنا ، وإنما نص على قول محمد رحمه الله في مسألة الوصية بعد هذا وجوابه في الوصية والإقرار واحد إلا في حرف واحد ، وهو ما إذا اقتسما فوقع البيت في نصيب الورثة للموصى له هنا نصف البيت بخلاف مسألة الإقرار فإن المقر له هناك أخذ جميع البيت ; لأن وصية الموصي في نصف البيت صادفت ملكه ، وفي نصفه صادفت نصيب شريكه .
ومن أوصى بعين لا يملكها ، ثم ملكها لا تصح وصيته فيها فلهذا أمر الورثة بتسليم نصف البيت إلى الموصى له ، وفي الإقرار أقر بما لا يملك ، ثم ملكه يؤمر بتسليمه إلى المقر له فلهذا أخذ المقر له جميع البيت ، وفيما سوى هذا مسألة الوصية والإقرار سواء فيما اتفقوا عليه .
وإذا كان حمام بين رجلين فأقر أحدهما أن البيت الأوسط منه لرجل لم يجز ذلك لما فيه من الإضرار بشريكه بأن كان لا يقسم في الحال ، فإذا انهدم الحمام يحتمل الفرصة فلو صححنا إقرار المقر تضرر به الشريك ; لأنه يحتاج إلى قسمين ، وإذا لم يجز الإقرار هنا فللمقر له أن يضمن نصف قيمة البيت ; لأن تصحيح الإقرار بالقسمة هنا غير ممكن فإن الحمام لا يقسم ; لأن الجبر على القسمة لتحصيل المنفعة لكل واحد منهما ، وفي قسمة الحمام تعطيل المنفعة ، فإذا لم يكن محتملا للقسمة بقي نصف الحمام في يد كل واحد منهما في زعم المقر أن البيت الأوسط للمقر احتبس نصفه في يده ونصفه في يد شريكه فيكون ضامنا لما احتبس منه في يده ; لأن ملك الغير إذا احتبس منه في يده وتعذر عليه رده لا يكون مجانا بل يكون مضمونا عليه بقيمته ، ولو أقر له بنصف الحمام أو بثلثه كان إقراره جائزا ; لأنه لا ضرر على شريكه في إقرار المقر بجزء شائع للمقر له لا في الحال ولا في المال .
ولو كان عدل زطي بين رجلين فأقر أحدهما بثوب منه بعينه لرجل كان [ ص: 55 ] نصيبه من ذلك للمقر له ; لأن كل ثوب مشترك بينهما فإقراره في نصيب الثوب الذي عينه صادف ملكه ولا ضرر فيه على شريكه فصح بخلاف الدار الواحدة ; لأن المرافق هناك متصلة بعضها ببعض ففي تصحيح الإقرار إضرار بالشريك ، وهنا بعض الثياب غير متصلة بالبعض ، وليس في تصحيح الإقرار إضرار بالشريك إذ لا فرق في حقه بين أن يكون شريكه في هذا الثوب المقر أو المقر له ، والرقيق والحيوان قياس على الثياب في ذلك .
ولو كانت دار بين رجلين فأقر أحدهما ببيت بعينه لرجل وأنكر شريكه وأقر ببيت لآخر وأنكر صاحبه ذلك فالدار تقسم بينهما نصفين ، وإن وقع البيت الذي أقر به في نصيبه يسلمه إلى المقر له ، وإن لم يقع في نصيبه قسم ما أصابه بينه وبين المقر له على البيت ، وعلى نصف ما بقي من الدار بعد البيت لما ذكرنا في الفصل الأول من قسمة نصيبه بينه وبين المقر له على الاختلاف الذي ذكرنا في إقرار أحدهما به .
ولو أن طريقا لقوم عليها باب منصوب أقر واحد منهم بطريق فيه لرجل لم يجر إقراره على شركائه ، ولم يكن للمقر له أن يمر فيه حتى يقتسموها ; لأن مروره في نصيب المقر لا يتحقق قبل القسمة ، فإن وقع موضع الطريق بالقسمة في نصيب المقر جاز ذلك عليه لأن الضرر قد اندفع عن شركائه ، وإن وقع في نصيب غيره كان للمقر له أن يقاسم المقر به نصيبه بحصة ذلك الطريق على ما بينا في البيت ، وقد تقدم بيان مسألة الطريق في كتاب الدعوى وأعادها هنا للفرق بينها وبين النهر إذا كان بين قوم وأقر أحدهم بشرب فيه لرجل لم يجر على شركائه لما قلنا ، فإن كانوا ثلاثة فأقر أحدهم أن عشر النهر لهذا الرجل دخل عليه في حصته فكانت بينه وبين المقر له على مقدار نصيبه ، وعلى عشرة ، ولو قال : له عشر الطريق لم يكن للمقر له أن يمر فيه ; لأن الطريق لا تقسم بينهم ، وعند المرور في النهر يتحاصون فيه بقدر شربهم فيكون ذلك قسمة بينهم في الماء قال الله تعالى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } ، وقال الله تعالى { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } فيمكن إدخال المقر مع المقر له في نصيبه من غير أن يكون فيه ضرر على شركائه . وكذلك لو كانت عين أو ركي بين ثلاثة نفر أحدهم أقر أن عشرها لرجل دخل المقر في حصته ، فإن قال المقر : له العشر ولي الثلث فحصته تكون مقسومة على ذلك يضرب المقر له فيه بسهم والمقر بثلاثة وثلث ، فإذا أردت تصحيح السهام فالقسمة بينهما على ثلاثة عشر سهما للمقر له ثلاثة وللمقر عشرة ، وإن قال : له العشر ، ولم يزد على هذا فقسمة نصيبه بينهما على أربعة للمقر له سهم وللمقر ثلاثة .
ولو أن سيفا بين رجلين حليته فضة أقر أحدهما [ ص: 56 ] أن حليته لرجل لم يجز ذلك على شريكه وضمن المقر للمقر له نصف قيمة الحلية مصوغة من الذهب أو ما كانت ; لأن تصحيح الإقرار بالقسمة غير ممكن ، وفي زعم المقر أن الحلية للمقر له احتبس نصفها في يد كل واحد منهما فيكون هو ضامنا لما احتبس عنده من ملك المقر له ، وإنما ضمن قيمته من الذهب للتحرز عن الربا . وكذلك أحد الشريكين في الدار إذا أقر بجذع في سقف منها لرجل ضمن نصف قيمة الجذع للمقر له لاحتباس هذا النصف في يده من ملك المقر له بزعمه . وكذلك لو أقر بآجر في حائط منها أو بعود من قبة أو بلوح من باب بينه وبين آخر ; لأن تصحيح الإقرار في هذه المواضع بالقسمة غير ممكن فإن المقر به ، وإن وقع في نصيب المقر لا يلزمه تسليمه لما في نزعه من الضرر .
ولو كانت دار لرجلين باع أحدهما نصف بيت منها بعينه لم يجز بيعه إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله يقول : إن بيعه صادف ملكه وتسليمه بالتخلية ممكن فكان بيعه صحيحا . وجه ظاهر الرواية أنه لو جاز بيعه لنصف البيت لتضرر به شريكه لأنه يحتاج إلى قسمتين قسمة مع المشتري في البيت وقسمة مع الشريك في بقية الدار فيتضرر بتفرق ملكه ، والبيع إذا وقع على وجه يتضرر به البائع لم يجز ، فإذا وقع على وجه يتضرر به شريكه أولى .
رجل قال لآخر : لك علي أو على مكاتبي فلان ألف درهم لم يلزمه شيء في الحال ; لأن المكاتب في حقه كالحر لا يملك الإقرار عليه بالدين فكأنه قال لك علي أو على فلان الحر ألف درهم ، وفي هذا لا يلزمه شيء لأن حرف " أو " في موضع الإثبات عمله في إثبات أحد المذكورين فلا يكون ملتزما للمال بهذا الإقرار حين جعله مترددا بينه وبين غيره ، فإن عتق المكاتب ، فقد ازداد بعدا من مولاه فيكون الإقرار باطلا ، وإن عجز ورد في الرق ولا دين عليه فالإقرار جائز كما لو جدده في الحال ; لأن الحق في رقبته خلص له .
ولو استأنف الإقرار ، فقال : لك علي أو على عبدي هذا ألف درهم ولا دين على العبد يصح إقراره وتخير بين أن يلزمه لنفسه أو عبده لأن كلامه الآن صار التزاما بيقين فإن الدين لا يجب على العبد بل يكون شاغلا مالية رقبته ، وذلك خالص حق المولى بمنزلة ذمة نفسه ، ولأنه لو أقر على عبده صح الإقرار ، ولو أقر على نفسه صح أيضا ، فإذا جعل إقراره مترددا بينهما كان صحيحا وبه فارق حال قيام الكتابة فإنه لو أقر على مكاتبه خاصة لم يكن الإقرار صحيحا إلا أن يعجز ولا دين عليه فحينئذ يصح الإقرار فكذلك إذا جعله مترددا بينه وبين نفسه .
ولو أقر على عبده التاجر بدين والعبد يجحده وعليه دين يحيط بقيمته فإقراره باطل لأن ماليته وكسبه حق [ ص: 57 ] غرمائه فلا يملك المولى إبطال حقهم ولا إثبات مزاحم لهم بقوله كالمرهون لما صار حقا للمرتهن لا يملك الراهن إبطال حقه وإثبات مزاحم له بإقراره وصحة إقرار المولى على عبده باعتبار ماليته دون ذمته فإنه في حق الذمة مبقى على أصل الحرية ، فإن بيع العبد لغرمائه في دينهم لم يلزمه الدين الذي أقر به المولى . وكذلك إن عتق ; لأنه ازداد بعدا عن مولاه لهذه الأسباب .
ولو أقر أن لفلان ألف درهم عليه أو على فلان ألف درهم ، ثم مات فلان والمقر وارثه وترك مالا فالإقرار يلزمه إرثا كان عليه وإرثا كان في مال الميت ; لأنه لو جدد الإقرار في هذه الحال كان ملتزما إياه ، وهذا لأن موجب الإقرار بالدين يوجه المطالبة بقضائه من ماله ، وقد صار هو المطالب بقضاء هذا الدين من ماله عينا ; لأنه إن كان مراده الإقرار على نفسه فعليه قضاؤه ، وإن كان مراده الإقرار على مورثه فعليه قضاؤه من تركته ، وتركة المورث حق الوارث فلهذا حكم بصحة إقراره وجعل البينة على المقر في ذلك .
وإذا أقر أن لفلان علي ألف درهم ، ثم مات فلان والمقر وارثه فالدين في تركة الميت بمنزلة ما لو وجد الإقرار بعد موته ; لأن الإقرار في حق المقر خبر ملزم غير محتمل للفسخ وإن جهة الصدق منفية فيه في حق المقر وفسخه في تعين جهة الكذب فيه وبعد ما تعينت جهة الصدق فيه لا يتصور تعيين جهة الكذب فيه فلهذا جعلناه كمجدد الإقرار في هذه الفصول بعد ما خلص الحق له ، فإن كان على الميت دين في صحته أو في مرضه فدينه واجب في تركته من هذا ; لأن صحة إقرار الوارث باعتبار التركة ، وذلك حين يخلص حقا له وما دام على الميت دين أقر به في صحته أو في مرضه فلا حق للوارث في تركته فتجعل هذه الحال كحال حياة المورث .
لو قال : له علي ألف درهم لا بل على فلان لزم المقر المال ; لأنه التزمها بإقراره ، ثم أراد الرجوع عنه وإلزام غيره بقوله لا بل على فلان ; لأن كلمة لا بل للاستدراك بالرجوع عن الأول وإقامة الثاني مقام الأول ، وليس له ولاية الرجوع ولا ولاية إلزام المقر به غيره فيلغى آخر كلامه ويبقى المال عليه باعتبار أول كلامه ; لأنه يخالف ما سبق فإن حرف " أو " للتشكيك فلا يكون مع ذكره ملتزما للمال بإقراره .
دار بين رجلين أقر أحدهما أنها بينهما وبين فلان وأقر الآخر أنها بينه وبين هذا المقر له وبين آخر أرباعا فإنا نسمي الذي أقر له متفقا عليه والذي أقر له أحدهما محجورا والذي أقر لهما مقرا وشريكه مكذبا فنقول على قول أبي يوسف رحمه الله يأتي المتفق عليه إلى المقر فيأخذ منه ربع ما في يده ويضمه إلى ما في يد المكذب فيقسمانه بينهما نصفين وما بقي في يد المقر يكون بينه وبين [ ص: 58 ] المجحود نصفين فيحتاج إلى حساب ينقسم نصفين ، ثم ربع نصفه ينقسم نصفين وأقل ذلك ستة عشر فيجعل سهام الدار ستة عشر في يد كل واحد منهما ثمانية ، ثم يأخذ المتفق عليه من المقر ربع ما في يده سهمين فيضمه إلى ما في يد المكذب ، وهو ثمانية فيصير عشرة أسهم نصفين لكل واحد منهما خمسة وما بقي في يد المقر ، وهو ستة بينه وبين المجحود نصفين ، قال : وهذا قول أبي يوسف رحمه الله الذي قاسه على قول أبي حنيفة رحمه الله ، فأما على قول محمد رحمه الله على قياس قول أبي حنيفة المتفق عليه يأخذ من المقر خمس ما في يده والباقي كما قال أبو يوسف رحمه الله .
وأصل المسألة ما قال في كتاب الفرائض رجل مات وترك ابنين فأقر أحدهما بابنين آخرين للميت وصدقه أخوه في أحدهما وكذبه في الآخر فعلى قول أبي يوسف رحمه الله الذي قاسه على قول أبي حنيفة رحمه الله يأخذ المتفق عليه من المقر ربع ما في يده ، وعلى قول محمد رحمه الله خمس ما في يده ووجه قول أبي يوسف رحمه الله ظاهر ; لأن المتفق عليه يقول للمقر : قد أقررت بأن الدار بيننا أرباعا فلي ربع كل نصف من الدار ، وفي يدك النصف فأعطني ربع ما في يدك لإقرارك لي به فإنه لا يجد بدا من قوله نعم ، فإذا أخذ منه ربع ما في يده ضمه إلى ما في يد المكذب ; لأنه يقول له : قد أقررت بأن حقنا في الدار على السواء ، وإقراره ملزم في حقه . وجه قول محمد رحمه الله أن المقر يقول للمتفق عليه : أنا قد أقررت بأن حقي في سهم وحق الجحود في سهم وحقك في سهم ، ولكن السهم الذي هو حقك نصفه في يدي ونصفه في يد شريكي ، وهو مقر لك بذلك وزيادة فلا يضرب بما في يدي إلا بما أقررت لك به ، وذلك نصف سهم فأنت تضرب بما في يدي بنصف سهم وأنا بسهم والمجحود بسهم فلهذا أخذ منه خمس ما في يده وضمه إلى ما في يد المكذب فاقتسما نصفين لاتفاقهما على أن حقهما في الدار سواء .
وإذا تنازع الرجلان في حائط ووجه البناء إلى أحدهما فهو بينهما نصفين على قول أبي حنيفة رحمه الله وتحكيم وجه البناء لبس وعندهما الحائط لمن إليه وجه البناء وأنصاف اللبن ، وقد بينا هذا في كتاب الدعوى في الحائط والحصن جميعا فإعادته هنا لفروع ذكرناها على سبيل الاحتجاج لأبي حنيفة رحمه الله . وقال : قد يجعل الرجل وجه الحائط إلى الطريق فلا يكون ذلك دليلا على أن الحائط غير مملوك له ، وقد يكون أحد جانبي الحائط مجصصا فلا يكون دليلا على القضاء بالحائط لمن يكون جانبه مجصصا .
وكذلك قد يكون في أحد الوجهين من الحائط روازن أو طاقات فلا يكون ذلك دليلا على ترجيح أحدهما فكذلك وجه البناء وأبو يوسف [ ص: 59 ] ومحمد رحمهما الله يقولان في الحصن والروازن كذلك ، فأما إذا كان الحائط مبنيا بطاقات فالحائط للذي إليه الطاقات عندهما ; لأن الطاقات بمنزلة وجه البناء والظاهر أن الذي يبني الحائط يجعل الطاقات إلى جانب نفسه ; لأن الجانب الذي يكون فيه الطاقات يبنى مستويا ، وإنما يعتبر الحائط من جانب نفسه لا من جانب جاره ولهذا جعل وجه البناء حكما فكذلك الطاقات ، وقال : وإن كانت الروازن في البناء من الآجر فهي مثل الطاقات فهذا اللفظ دليل على أنهما إنما لم يعتبرا الروازن الموجودة في الحائط ، فقد يحفر ذلك صاحب الحائط ، وقد يحفر جاره ليدخل فيه الضوء
فأما ما كان يعلم أنه مبني مع الحائط من الروازن فإنه يجعل حكما عندهما بمنزلة الطاقات ويقضى بالحائط لمن إليه استواء تلك الروازن ; لأن الباني للحائط يراعي الاستواء من جانب نفسه لا من جانب جاره ، وإن كان الباب في حائط فادعاه كل واحد منهما وغلق الباب إلى أحدهما فالباب والحائط بينهما نصفين في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما الحائط بينهما نصفين والباب الذي إليه الغلق اعتبرا فيه العادة فإن الذي يركب الباب على الحائط يجعل الغلق في جانبه وأبو حنيفة اعتبر القياس أن الغلق متنازع فيه كالباب والعادة مشتركة قد يجعل الغلق إلى جانبه ، وقد يجعل إلى جانب جاره فكان بينهما نصفين ، فإن كان له غلقان من كل جانب واحد فهو بينهما نصفين عندهم جميعا لاستوائهما في الدعوى والشاهد بالعلامة ، ولما تعارض الغلقان جعل كأنه لا غلق على الباب فيقضى به بينهما نصفين كالحائط ، والله أعلم بالصواب .
( باب الإقرار بشيء بغير عينه ) ( قال رحمه الله ) وإذا أقر الرجل لرجل بشاة من غنمه صح إقراره ; لأن المقر له معلوم ولا تأثير لجهالة المقر به بالمنع من صحة الإقرار لأنها جهالة مستدركة بإجبار المقر على البيان ، فإذا ادعى المقر له شاة بعينها ، فإن ساعده المقر على ذلك أخذها ، وإن أبى ذلك لم يأخذها إلا بإقامة البينة ; لأن المقر بها منكر والمدعي معين ، والمنكر غير المعين فلا يأخذها إلا بإقامة البينة عليه أو سكوت المدعى عليه بعد استحلافه ، ولكنه بدعوى هذه الشاة صار كالراد لإقراره فيما سواه ، فإذا حلف المدعى عليه في هذه الشاة لم يبق للمدعي خصومة بسبب ذلك الإقرار ، فإن ادعى المقر له شاة بغير عينها أعطاه المقر أي شاة شاء من غنمه بذلك ; لأنه أبهم الإقرار فكان [ ص: 60 ] الخيار إليه ، وبيانه مطابق للفظه فكان مقبولا منه ، وإن حلف المقر على كلهن لم يقبل ذلك ويجبر على أن يعطيه شاة منها ; لأن الاستحقاق بالإقرار ، ثم بتصديق المقر له فيما أقر به فلا يبطل ذلك باليمين الكاذبة بخلاف الأول فإن المقر له هناك صار رادا لإقراره فيما سوى التي عينها ، وإقراره غير موجب استحقاق تلك الشاة بعينها .
وإن لم يعين واحد منهما شيئا منها ، وقال : لا أدري أو رجع المقر عن إقراره وجحد فهو شريكه فيها ، فقد جمع في السؤال بين الفصلين وأجاب عن أحدهما ، وهو ما إذا قال لا أدري فهناك تكون الشركة بينهما ثابتة لاختلاط ملك أحدهما بالآخر على وجه يتعذر تمييزه حتى إذا كانت الغنم عشرا فله عشر كل شاة ، وإن ماتت شاة منها ذهبت من مالهما ، وإن ولدت شاة منها كان لهما جميعا على ذلك الحساب هذا هو الحكم في المال المشترك أن الزيادة لهما والهلاك عليهما ، فأما إذا جحد المقر أصلا ومنع الغنم فهو ضامن لنصيب المقر له حتى إذا هلكت شاة منها ضمن مقدار نصيب شريكه منها ، وهو العشر ، وإن مات المقر فورثته في ذلك بمنزلته ; لأنهم خلفاؤه في ملكه ، وإنما كان الشأن للمقر لاختلاط ملكه بملك غيره وورثته في ذلك بمنزلته إلا أنهم يستحلفون على العلم لأن يمينهم على فعل الغير ، وأنواع الحيوان والرقيق والعروض في هذا مثل الغنم .
ولو قال : له في دراهمي عشرة دراهم وهي مائة فللمقر له منها عشرة دراهم وزن سبعة لما بينا أن الدراهم عبارة عن الوزن ، والمعيار فيه وزن سبعة فينصرف مطلق الإقرار إليه والإقرار به في ماله ، وفي ذمته سواء ، وإن كان في الدراهم صغار نقص وكبار ومال المقر هي عشرة نقص لم يصدق ; لأن هذا بيان فيه تغيير موجب كلامه فلا يقبل منه مفصولا ، وإن كان فيها زيوف ، فقال هي منها صدق ; لأنه ليس في هذا بيان تغيير موجب كلامه بل فيه تقريره ، وهذا بمنزلة الإقرار بالغصب أو الوديعة لما عين له محلا سوى ذمته ، وقد بينا في الغصب الوديعة أنه إذا قال هي زيوف صدق ، وإن كان مفصولا .
ولو قال : له في طعامي هذا كر حنطة ، ولم يبلغ الطعام كرا فهو كله له ; لأنه أقر بحقه في محل عين ، ولكنه غلط في العبارة عند مقداره ، والزيادة على ذلك القدر لو لزمته إنما تلزمه في ذمته ، وهو ما أقر له بشيء في ذمته ، ولكنه يحلف أنه ما استهلك من هذا الطعام شيئا ، وهذا إذا ادعاه المدعي ; لأنه يدعي عليه السبب الموجب للضمان في الزيادة على الموجود إلى تمام الكر ، وهو لذلك منكر فيتوجه عليه اليمين .
ولو قال : له هذه الشاة أو هذه الناقة ، ثم جحد ذلك وحلف ما له منهما شيء وادعاهما الطالب فإنه يقضى له بالشاة ; لأنه حين ادعاهما صار مصدقا [ ص: 61 ] له فيما أقر به ، وهو أحدهما بغير عينه مدعيا في الزيادة على ذلك فتم استحقاقه في المقر به ولا يبطل ذلك باليمين الكاذبة فالأوكس متيقن به ، وهو الشاة فلهذا لزمه ذلك ولا يكون المقر له شريكا في الناقة ; لأنه بجحوده نفى حقه عنهما ، ولو نفى حقه عن الناقة وحدها بأن عين الشاة كان مقبولا منه فكذلك هنا يقبل منه نفي حق المقر له عن الناقة فلا يكون شريكا فيها ، ولو شهد الشهود على إقراره بذلك ، وقالوا سمى لنا إحداهما فنسيناها لم تجز شهادتهما لإقرارهما على أنفسهما بالغفلة ، ولأنهما ضيعا ما تحملا من الشهادة فإنهما تحملاها على الإقرار بالعين ، وقد ضيعا ذلك بالنسيان .
وإذا أقر لرجل بحق دار في يده فإنه يجبر على أن يسمي ذلك ما شاء ; لأنه أبهم الإقرار بجزء له من الدار فعليه بيان ما أبهم ، فإن أقر بالعشر وادعى المقر له أكثر من ذلك حلفه على الزيادة لأنه خرج عن عهدة إقراره بما بين فالقول قوله في إنكار الزيادة مع يمينه ، وإن أبى أن يسمي سمى له الحاكم ، ثم وقفه على شيء من ذلك حتى إذا انتهى إلى أقل ما يقر به له عادة استحلفه ما له فيه إلا ذلك ; لأن قدر الأقل متيقن به ، وذلك معلوم بالعادة وعليه ينبني مطلق الإقرار فيستحلفه على الزيادة إذا ادعاها الطالب ، ثم يقضى - له بذلك القدر والأعيان المملوكة كلها على هذا .
ولو أقر أن لفلان حقا في هذه الغنم قال هو عشر هذه الشاة فالقول قوله مع يمينه ; لأن بيانه مطابق لإقراره ، فقد يضاف المقر به إلى محله الخاص تارة وإلى العام من جنسه تارة فيقبل بيانه وعليه اليمين إن ادعى المقر له الزيادة .
ولو أقر أن لفلان حقا في هذه الدار ، ثم قال : هو هذا الجذع أو هذا الباب المركب أو هذا البناء بغير أرض لم يصدق في ذلك ; لأن بيانه مغير لموجب كلامه فإن موجب إقراره ثبوت حق المقر له في رقبة الدار ، وهذا البيان ينفي حقه عن رقبتها فلا يصدق في ذلك إلا موصولا . وحقيقة المعنى في الفرق بين هذا وبين الغنم أن في الدار بيعا للأصل ولهذا يدخل في البيع من غير ذكر ويستحق بالشفعة ، وقوام البناء بأصل الدار ، وقد أضاف إقراره إلى أصل الدار فلا يقبل بيانه في الصفة والبيع بعد ، فأما في الغنم بعض ليس بيعا للبعض فبيانه في أصل الغنم كإقراره فلهذا قبل منه قال أرأيت لو عنيت به الثوب أو الطعام الذي في الدار أكنت أصدقه ، وهذا إشارة إلى ما قلنا أن الموضوع في الدار ليس من رقبة الدار في شيء وإقراره يتناول رقبتها .
ولو أقر أن له في هذا البستان حقا ، ثم قال : هو ثمرة هذه النخلة لم يصدق لأن إقراره تناول أصل البستان والثمرة ليست من أصله في شيء ، وإن أقر بالنخلة بأصلها فالقول قوله ; لأنه أقر له بجزء [ ص: 62 ] من الأرض فكان بيانه مطابقا لإقراره ، وإن قال : هي له بغير أرض لم يصدق ; لأن بيانه غير مطابق لإقراره " فإن " حرف في حقيقة للظرف واسم البستان لأصل البقعة والأشجار فيه وصف وتبع ; لأن قوامها بالبقعة ، وإنما يتناول أصل إقراره شيئا من البقعة أو جعل البقعة لما أقر به من الحق ، فإذا فسره بالنخلة من غير أرض لم يكن التفسير مطابقا للفظه .
فإن قيل الظرف غير المظروف فإنما جعل البستان محل حقه ، فإذا فسره بالنخلة فالبستان محل حقه قلنا لا كذلك فإنه إذا فسره بالنخلة فمحل حقه موضعها من الأرض ، وذلك الموضع لا يتناوله اسم البستان فإنما يتحقق كون البستان ظرفا لحقه إذا كان المقر به جزءا منها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|