
19-12-2025, 06:14 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر
صـــ 102الى صـــ 111
(358)
ثم لا تصح دعوة البائع بعد ذلك ; لأن الولد قد استغنى عن النسب حين ثبت نسبه من المشتري ; ولأنه قد يثبت فيه ما لا يحتمل الإبطال وهو حقيقة النسب فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان ثابتا للبائع ضرورة فإن ادعياه معا ثبت النسب من البائع عندنا ، وقال إبراهيم النخعي رحمه الله يثبت النسب من المشتري ; لأن للمشتري حقيقة الملك فيها وفي ، ولدها ; وللبائع حق والحق لا يعارض الحقيقة كما لو جاءت جارية رجل بولد فادعاه هو ، وأبوه معا ثبت النسب من المولى ; لأن له حقيقة الملك فيها ; وللأب حق فيسقط اعتبار الحق في مقابلة الحقيقة ، ولنا أن دعوة البائع دعوة استيلاء ; لأن أصل العلوق في ملكه ، ودعوة المشتري دعوة تجويز فإن أصل العلوق لم يكن في ملكه ، ولا يعارض دعوة التجويز دعوة الاستيلاء كما لا يعارض نفس الإعتاق دعوة الاستيلاد بمعنى أن دعوة الاستيلاد لا تقتصر على الحال بل تستند إلى وقت العلوق ، ودعوة التحرير تقتصر على الحال فدعوة البائع سابقة معنى فكأنها سبقت صورة بخلاف دعوة المولى مع أبيه ، فإن شرط صحة دعوة الأب بملك الجارية من وقت العلوق إذ ليس له في مال ولده ملك ، ولا حق الملك ، فاقتران دعوة المولى بدعوة الأب يمنع تحصيل هذا الشرط فلهذا أثبتنا النسب من المولى دون أبيه ، ولو أن المشتري أعتق الأم أو استولدها أو دبرها ، ثم ادعى البائع الولد ثبت نسبه منه ; لأن الولد يحتاج إلى النسب بعد عتق الأم وهو مقصود بالدعوة ، وحق الاستيلاد في الأم يثبت تبعا فلا يمتنع ثبوت الأصل بامتناع ثبوت البيع إذ ليس من ضرورة ثبوت نسب الولد ثبوت أمية الولد للأم كما في ، ولد المغرور يثبت نسب الولد ، ولا تصير الأم أم ولد للمغرور ، ثم يرد البائع حصة الولد من الثمن دون الأم ; لأنه تعذر فسخ البيع في الأم لما جرى فيها من عتق المشتري فإنه لا يجوز أن يرد أمة توطأ بالملك بعد ما نفذ العتق فيها ، ولم يتعذر الفسخ في الولد ، وقد صار الولد مقصودا بهذا الاسترداد فتصير له حصة [ ص: 103 ] من الثمن فلهذا يسترد المشتري حصة الولد من الثمن .
ولو ماتت الأم ، ثم ادعى البائع نسب الولد صحت دعوته لما بينا ويرد البائع جميع الثمن في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يمسك حصة الأم من الثمن ; لأنه تعذر فسخ البيع فيها بالموت كما في الفصل الأول ، وهذه المسألة في الحقيقة تبنى على المسألة الخلافية المعروفة بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله في مالية أم الولد فعند أبي حنيفة رحمه الله لا قيمة لرقها حتى لا يضمن بالغضب ، فكذلك لا يكون لها حصة من الثمن ، وقد زعم البائع أنها أم ولد ، وزعمه حجة عليه وعلى قولهما لرقها قيمة حتى يضمن بالغصب فيمسك حصتها من الثمن .
ثم الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بين هذا والأول أن هناك القاضي كذب البائع فيما زعم حين جعلها معتقة من جهة المشتري أو مدبرة أو أم ولد فلم يبق لزعمه غيره فأما هنا بموتها لم يجز الحكم بخلاف ما زعم البائع فبقي زعمه معتبرا في حقه فلهذا رد جميع الثمن ، ولو كان المشتري باع الأم أو ، وهبها أو رهنها أو أجرها أو كاتبها أبطلت جميع ذلك ورددتها على البائع ; لأن هذه التصرفات محتملة للنقض كالبيع الأول فكما يجوز نقض البيع الأول بدعوة الاستيلاء من البائع فكذلك يجوز نقض هذه التصرفات .
ولو كان المشتري أعتق الولد أو دبره ، ثم ادعى البائع نسبه لم يصدق في ذلك إذا أكذبه المشتري ; لأن الولد مقصود بالدعوة ، وقد ثبت المشتري فيه ما لا يحتمل النقض ، وهو الولاء فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان للبائع ; لأن الولاء كالنسب ، وقد بينا أنه لو ثبت النسب من المشتري لم يكن للبائع حق الدعوة بعد ذلك فكذلك إذا ثبت الولاء له ، وكذلك لو قبل الولد عنده ، وأخذ قيمته ، ثم ادعاه البائع لم تصح دعوته كما لو مات الولد ; وهذا لأنه بالموت أو القتل قد استغنى عن النسب ، وصحة دعوة البائع لحاجة الولد إلى النسب ، ثم لا يرد الأم على البائع ; لأن حقها تبع لحق الولد في النسب ، ولم يثبت ما هو الأصل فلا يثبت ما هو بيع ; لأنه لو ثبت كان مقصودا لا تبعا .
ولو قطعت يد الولد فأخذ المشتري نصف قيمته ، ثم ادعاه البائع صحت دعوته ; لأن الولد الأقطع محتاج إلى النسب محل لانتقاص البيع فيه ، ولكن الأرش يبقى سالما للمشتري ; لأن إبانة اليد كانت على حكم ملكه ، ودعوة البائع إنما تعمل في القائم دون اليد المبانة ، وليس من ضرورة ثبوت نسب الولد بطلان حق المشتري عن الأرش ; لأنه ينفصل عنه في الجملة ; لأن الأرش مال ليس من النسب في شيء فيرد الجارية مع ، ولدها على البائع بجميع الثمن إلا حصة اليد فقد احتبس بدلها عند المشتري فلا يسلم له مجانا ، ولكن حصته من الثمن [ ص: 104 ] تسلم للبائع كما ذكرنا فيما إذا احتبست الأم عنده ، وكذلك لو كان القطع في الأم ; لأن المعنى الذي أشرنا إليه يجمع الكل ، ولو فقأ رجل عيني الولد فدفعه المشتري إلى الجاني ، وأخذ قيمته ، ثم ادعى البائع نسبه صحت دعوته ; لأن المفقوءة عيناه يحتاج إلى النسب ودفعه بالجناية محتمل للنقض فلا يمنع صحة دعوة البائع فيرد الأم والولد على البائع ، ويرد جميع الثمن على المشتري عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن من أصله أن الجاني يرجع على المشتري بجميع القيمة فإن الجثة العمياء إذا لم تسلم للجاني لا يلزمه شيء عند أبي حنيفة رحمه الله حتى لو أعاد المولى إمساك الجثة والرجوع بنقصان القيمة لم يكن له ذلك عنده فإذا لم يسلم للمشتري شيء من بدل العينين رد البائع جميع الثمن .
وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المشتري يرجع على الجاني بنقصان العينين ; لأن في الابتداء لو أراد إمساك الجثة والرجوع بنقصان العينين كان له ذلك فكذلك في الانتهاء ، وإذا كان للمشتري نقصان العينين رد البائع عليه جميع الثمن إلا حصة النقصان ، وكذلك لو فقئت عينا الأم فهو على ما بينا
قال : ولو ادعى البائع نسب الولد ، وقد جاءت به لأقل من ستة أشهر ، وكذبه المشتري ، ثم قتل الولد بعد ذلك أو قطعت يده فعلى الجاني من ذلك ما عليه بالجناية على الأحرار ; لأن بمجرد الدعوى ثبت النسب وصار الولد حرا فإنه لا عبرة لتكذيب المشتري فإنما حصلت الجناية بعد ذلك على حر ، وإن كانت الجناية على الأم كان عليه ما في جناية أم الولد ; لأن حق أمية الولد قد ثبت له بثبوت نسب الولد وحاصل هذا أنه لا حاجة إلى قضاء القاضي في إبطال هذا البيع وعودهما إلى البائع ; لأنه قد ثبت فيها وفي ، ولدها بنفس الدعوة ما هو مناف للبيع ، وإن جنى الولد كانت جنايته كجناية الحر وجناية أمه كجناية أم الولد لثبوت ذلك فيها بنفس الدعوة ، وإن كانت الجناية منهما قبل الدعوة فهو على البائع دون المشتري ; لأن البائع بالدعوة قد صار مبطلا ملك المشتري فيهما بغير صنع من المشتري فليس على المشتري من موجب جنايتهما شيء ، ولكن البائع مختار إن كان عالما بالجناية ; لأنه بالدعوة أثبت الحرية للولد وحق الحرية للأم فيكون كالمنشئ لذلك بعد الجناية فلهذا صار مختارا
ولو كانت الجارية لم تلد بعد فادعى البائع أن حبلها منه ، وقال المشتري : ليس بها حبل ، وأراها النساء فقلن هي حبلى أو قال المشتري بها حبل ، ولكنه ليس منك فالبائع لا يصدق في الدعوة حتى تضع ; لأنه لا طريق لمعرفة الحبل حقيقة فإنه مما استأثر الله تعالى بعلمه لقوله تعالى { ويعلم ما في الأرحام } ; ولأن شرط صحة دعوة البائع أن تلد لأقل من ستة أشهر من وقت البيع حتى يعلم يقينا أن العلوق كان في [ ص: 105 ] ملكه ، ولا يدري أنها تضع لأقل من ستة أشهر أم لا فلعلها تسقط سقطا غير مستبين الخلق أو تضع الولد أكثر من ستة أشهر فلهذا لا تصح دعوة البائع فإن جاء به لأقل من ستة أشهر الآن تصح تلك الدعوة كما لو أنشأها بعد الوضع ; لأنا تيقنا أن العلوق حصل في ملكه فلو جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر فادعاه البائع ، وقال : أصل الحبل كان عندي ، وقال المشتري : لم يكن عندك إنما كان العلوق قبل شرائك فالقول قول البائع ; لأنهما تصادقا على اتصال العلوق بملك البائع فكان الظاهر شاهدا للبائع ; ولأن المشتري يدعي تاريخا سابقا في العلوق على ملك البائع فلا يصدق على ذلك فإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة البائع ; لأنه يثبت تاريخا سابقا في ملكه على العلوق وملكه حقه فبينته على سبق التاريخ فيه مقبولة ، ولا شك في هذا عند أبي يوسف رحمه الله واختلف المشايخ على قول محمد رحمه الله منهم من يقول قوله هكذا ومنهم من يقول البينة بينة المشتري عنده ; لأنه هو المحتاج إلى إقامة البينة .
وأصل هذا فيما إذا قال المشتري اشتريتها منك منذ سنة ، وقال البائع إنما بعتها منك منذ شهر فالقول قول البائع ; لأن المشتري يدعي زيادة تاريخ في شرائه فلا يصدق على ذلك إلا بحجة فإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة البائع عند أبي يوسف رحمه الله ; لأنه يثبت ببينته حصول العلوق في ملكه وثبوت حق استلحاق النسب له ، وعند محمد رحمه الله البينة بينة المشتري ; لأنه هو المحتاج إلى إثبات التاريخ في شرائه بالبينة فيثبت ببينته أن شراءه كان منذ سنة ، وذلك مانع من صحة دعوة البائع لهذا قبلت بينته
قال : وإن كانت ولدت الجارية المبيعة بنتا لأقل من ستة أشهر ، ثم ولدت ابنتها ابنا فأعتق المشتري الابن ، ثم ادعى البائع الابنة فهي ابنته ; لأن العلوق بها كان في ملكه ، ودعوته فيها دعوة استيلاد ويثبت حرية الأصل فيها .
ومن ضرورته إبطال عتق المشتري على ابنها ; لأن العتق يطرأ على الرق ومن ضرورة كونها حرة الأصل أن ينفصل الولد منها حرا ، وكذلك إن كانت الابنة ولدت ابنتان قال .
( ألا ترى ) أن رجلا لو ولدت جاريته عنده غلاما ، ثم ولد للغلام ابن فباع المولى ابن الولد الذي ولد عنده فأعتقه المشتري ، ثم ادعى الولد الذي كان العلوق به في ملكه صحت دعوته ويبطل بيع الابن وعتق المشتري إياه ; لأنه تبين بصحة دعوته حرية الأصل للأب وذلك يوجب حرية الابن ; لأن الابن مولود من أمة كانت لمدعي الأب فتبين أنه كان ملك ابن ابنه وعتق عليه قبل أن يبيعه وبطل به بيع المشتري وعتقه قال : وهذا بمنزلة التوأم وفي بعض النسخ التوأمين وكلاهما صحيح عند أهل اللغة منهم من قال التوأم أفصح كما يقال هما زوج [ ص: 106 ] ومنهم من قال التوأمان أفصح كما يقال هما كفوان ، وأخوان .
وبيانه جارية ولدت ولدين في بطن واحد من علوق كان في ملك مولاها فباع المولى أحدهما ، وأعتقه المشتري ، ثم أن البائع ادعى نسب الذي عنده يثبت نسبهما منه ; لأنهما خلقا من ماء واحد فلا ينفصل أحدهما عن الآخر نسبا ، وقد كان العلوق بهما في ملكه فيثبت حرية الأصل للذي عند البائع ، ومن ضرورته ثبوت حرية الأصل للآخر ، وكان ذلك بمنزله إقامة البينة في إبطال عتق المشتري وشرائه في الآخر فكذلك فيما سبق ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا أعتق المشتري الأم ، ثم ادعى البائع نسب الولد لم يبطل عتق المشتري في الأم ; لأنه ليس من ضرورية حرية الأصل للولد ثبوت أمية الولي للأم في ولد المغرور ; ولأن هناك لو أبطلنا عتق المشتري فيها رددناها من حالة الحرية إلى حالة الرق وذلك لا يجوز ; لأن العتق أسقط الرق والمسقط متلاشي لا يتصور عوده وهنا لو أبطلنا عتق المشتري رددناه إلى حال حرية الأصل وذلك مستقيم ; ولأن فيه إبطال الولاء الثابت للمشتري والولاء أثر من آثار الملك فلم يجز إسقاطه إلا عند قيام الحجة فلهذا أبطلنا عتق المشتري في هذه الفصول .
ولو لم يبع ابن الابن ، ولكنه باع الابن فأعتقه المشتري ، ثم ادعاه لم تجز دعوته ; لأن المقصود بالدعوة الابن ، وقد اتصل به من جهة المشتري ما لا يحتمل النقض ، وهو الولاء فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان ثابتا للبائع فيه وعتق ابن الابن الذي في يده ; لأنه أقر له بالحرية حين زعم أنه ابن ابنه ، والإقرار بالنسب ، وإن لم يعمل في إثبات النسب لمانع كان عاملا في الحرية كما لو قال لعبده وهو معروف النسب من الغير هو ابني يعتق عليه .
وكذلك لو مات عند المشتري ; لأنه بالموت استغنى عن النسب وخرج البيع من أن يكون محتملا للنقض فيه فلم يعمل دعوة البائع في حقه ، وعتق ابن الابن بإقراره كما بينا ولو كان مكان الابن بنتا فماتت عند المشتري ، ثم ادعى البائع نسبها لم تصح دعوته في حقها ، ولا في حق ابنتها ، وهذا ، والملاعنة سواء في قول أبي حنيفة رحمه الله إذا كان ولد الملاعنة بنتا فولدت ابنا ، ثم ماتت الأم ، ثم أكذب الملاعن نفسه لم يعمل إكذابه في إثبات نسبها مع بقاء ابن يخلفها فكذلك هنا والمعنى فيهما سواء وهو أن ينسب الولد القائم إلى أبيه دون أمه فيحمل أمه كالميتة لا عن ، ولد وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله يفرقان بين هذه وولد الملاعنة فإن عندهما هناك ولد الابنة كولد الابن في قيامه مقام ولد الملاعنة حتى يصح إكذاب الملاعن نفسه ويثبت نسب ، ولد الملاعنة ، وإن كان ميتا ; لأن هناك أصل النسب كان [ ص: 107 ] ثابتا بالفراش فاستتر باللعان وبقي موقوفا على حقه حتى لو ادعاه غيره لم يصح فيجعل بقاء ولده كبقائه في صحة الإظهار بالدعوة .
وأما نسب ولد المبيعة ما كان ثابتا من البائع ولا موقوفا على حقه حتى لو ادعاه المشتري ثبت نسبه منه فلا تعمل دعوته في الإثبات ابتداء إلا في حال بقائه أو بقاء من ينسب إليه وولد الابن ينتسب إليه بالبنوة دون ولد الابنة فلهذا لا يثبت النسب بعد موت إلا بنت بالدعوة
قال : وإذا حبلت الأمة فولدت في يد مولاها ، ثم باعها فزوجها المشتري من عبده فولدت له ولدا ، ثم مات العبد عنها فاستولدها المشتري ، ثم ادعى البائع الولد الذي عنده ثبت نسبه منه ; لأن العلوق به كان في ملكه فدعوته فيه دعوة استيلاد ويرد إليه ابن العبد بحصته من الثمن ; لأنه ولد أم ولد في حقه وهو ثابت النسب من غيره وولد أم الولد بمنزلة أمه ولو لم يستولد المشتري الأم كانا جميعا مردودين عليه فاستيلاده الأم يثبت فيها ما لا يحتمل النقض وهو حق العتق للمشتري فنزل ذلك منزلة حقيقة العتق ، وذلك لا يمنع رد الولد إليه ; لأن أحدهما ينفصل عن صاحبه .
فإن ( قيل ) : هذا الولد في حكم أمية الولد تبع للأم ، ولا يثبت البائع حق أمية الولد في الأم فكيف يثبت في ولدها ( قلنا ) لا كذلك بل هما جميعا بائعان للولد الذي عنده ; لأن الأم بيع ، ولا بيع للتبع فتعذر رد أحدهما عليه لا يمنع رد الآخر بحصته من الثمن ويعتبر في الانقسام قيمتها وقت البيع وقيمة الولد الثاني وقت الانفصال ; لأنه كما حدث فحق أمية الولد فيه ثابت للبائع إلا أنه لما صار متقوما عند الانفصال فيعتبر في الانقسام قيمته في ذلك الوقت ويعتق بموت البائع من جميع ماله ; لأنه ابن أم ولده فإن ادعى البائع ابن العبد أنه ابنه عتق عليه ولم يثبت نسبه منه ; لأنه يملكه ، ولكنه معروف النسب من الغير فدعوته إياه كإعتاقه .
قال : ولو باعها وهي حبلى فولدت عند المشتري بعد البيع بيوم ، ثم ، ولدت ولدا آخر بعد سنة من غير زوج فادعى البائع والمشتري الولدين معا فهما ابنا البائع أما الأكبر منهما فلأن العلوق به كان في ملك البائع يثبت نسبه منه ويبطل البيع فيه وفي أمه ; لأنه تبين أنها أم ولده من حين علقت والولد الثاني مردود عليه أيضا ; لأنه ابن أم ولده فهو إنما يدعي ملك نفسه والمشتري يدعي ملك الغير فلهذا كان دعوة البائع أولى فيهما .
ولو بدأ المشتري فادعى الولد الآخر أنه ابنه ثبت نسبه منه ; لأن العلوق به حصل في ملكه وهو محتاج إلى النسب ، وصارت الجارية أم ولد له فإن ادعى البائع بعده الولد الأول ثبت نسبه منه بحصول العلوق به في ملكه ويرد إليه الولد خاصة بحصته من الثمن ; لأنه تعذر فسخ [ ص: 108 ] البيع في الأم لما ثبت للمشتري فيها من حق أمية الولد ، ولو لم يدع واحد منهما شيئا حتى لو ادعى البائع الولد الآخر لم يصدق ; لأن العلوق بالولد الآخر لم يكن في ملكه وهو للحال مملوك للمشتري فلا دعوة له فيه مقصودة ، وكذلك لو مات الأول ، ثم ادعاهما البائع ; لأن دعوته في الذي مات لم يصح لاستغنائه عن النسب فلو صح كان الآخر مقصودا والعلوق به لم يحصل في ملكه .
قال : وإن ولدت الأمة المبيعة ولدين في بطن واحد كلاهما أو أحدهما لأقل من ستة أشهر فجنى على أحد الولدين جناية ، وأخذ المشتري الأرش ، ثم ادعاهما البائع فدعوته جائزة فيهما ; لأنا تيقنا بحصول العلوق بهما في ملكه فإنهما خلقا من ماء واحد ، والتي ولدت لأقل من ستة أشهر يتيقن أن العلوق كان في ملكه فيتبين أيضا أن العلوق الثاني كان في ملكه ، وإن ، ولدت لأكثر من ستة أشهر فلهذا ثبت نسبهما وبطل البيع فيهما وفي الأم ولكن الأرش يبقى سالما للمشتري لما بينا في الولد الواحد أن الدعوة في اليد المبانة لا تعمل فيبقى الأرش للمشتري كما كان قبل الدعوة .
وكذلك إن اكتسب أحدهما كسبا فقد كان قبل الدعوة الكسب ملكا للمشتري وليس من ضرورة صحة الدعوة بطلان ملكه في الكسب فيبقى سالما له ، ولو كان قتل أحدهما ، ثم ادعاه البائع كان قيمة الموصول لورثة المقتول ; لأن بثبوت حرية الأصل لأحدهما يثبت مثله للآخر فيكون بدله لورثته ضرورة ، وهذا بخلاف الأرش والكسب ; لأن التوأم لا ينفصل أحدهما عن الآخر في النسب ، والحرية ، وإعمال ذلك في الأقطع ممكن فلا حاجة بنا إلى إعماله في إبطال ملك المشتري في الأرش والكسب فأما الواجب على القاتل بدل النفس ومن ضرورة إبطال البيع فيه عند بقاء ما يخلفه أنه لا يبقي للمشتري حقا في بدل نفسه فكان ذلك لورثة المقتول قال في بعض النسخ ويصدق البائع في بدل النفس ، وفي بعض النسخ قال لا يصدق في بدل النفس ، وليس هذا باختلاف الرواية ، ولكن حيث قال يصدق يعني في حق المشتري حتى يبطل حقه عن القيمة ; لأن من ضرورة ثبوت الحرية للمقتول في الأصل أن لا يملك بدل نفسه بملك الأصل ، وحيث قال لا يصدق يعني في حق الجاني حتى لا يجب عليه الدية بل يكون الواجب عليه القيمة كما كان ; لأن ليس من ضرورة ثبوت الحرية فيه وجوب الدية على قاتله فكم من قتل غير موجب للدية ، وما كان ثبوته بطريق الضرورة تعتبر فيه الجملة دون الأحوال .
قال : ولو كان المشتري أعتق أحدهما ، ثم قتل وترك ميراثا ، وأخذ المشتري ديته وميراثه بالولاء ، ثم ادعى البائع الولدين ثبت نسبهما منه ، وأخذ الدية والميراث من المشتري ; لأن [ ص: 109 ] حرية الأصل قد ثبت للمقتول ضرورة ثبوتها في الآخر ، وذلك مناف لولاء المشتري فإنما أخذ ميراثه بالولاء فإذا ظهر المنافي للولاء وجب رده .
ولو أعادهما المشتري أولا فإنهما ابناه ; لأنهما مملوكان له محتاجان إلى النسب فإن ادعاهما البائع بعد ذلك لم يصدق لوقوع الاستغناء لهما عن النسب بثبوت نسبهما من المشتري
قال أمة حبلت في ملك رجل فولدت غلاما ، وكبر فزوجه الولي أمة له فولدت غلاما ، ثم باع الأسفل ، وأعتقه المشتري ، ثم ادعى البائع الابن الأول فهو ابنه ; لأن العلوق به كان في ملكه وينتقض بيع المشتري ، وعتقه في ابن الابن ; لأنه تبين أنه كان حرا قبل بيعه فإنه إنما ولد من أمة المولى ومن ملك ابن ابنه فعتق عليه ، وكان ذلك سابقا على بيعه فيبطل به البيع ، وعتق المشتري إياه ضرورة ، وهو بمنزلة التوأم كما قررنا ولو لم يدع البائع الذي عنده ولكن ادعى الذي باع أنه ابنه كانت دعوته باطلة ; لأنه ، وإن حصل العلوق في ملكه فقد نفذ فيه من جهة المشتري ما لا يحتمل الإبطال وهو العتق فلهذا لا تصح دعوته فيها
قال : أمة ولدت ولدين في بطن واحد ، ولم يكن أصل الحبل عند هذا المولى فباع أحدهما ، وأعتقه المشتري ، ثم ادعاهما البائع فهما ابناه ; لأنه لما بقي أحد الولدين عنده فدعوته فيه صادفت ملكه فيثبت نسبه منه ، ومن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر ، ولكن لا ينتقض عتق المشتري ولا البيع ; لأن أصل العلوق بهما لم يكن في ملك البائع فدعوته دعوة التحرير فينزل منزلة الإعتاق ، والتوأمان ينفصل أحدهما عن الآخر في الإعتاق ، فليس من ضرورة عتق أحدهما بدعوة البائع إبطال البيع ، وعتق المشتري في الآخر بخلاف ما إذا كان العلوق بهما في ملك البائع ، فإن دعوته هناك دعوة استيلاد يستند إلى وقت العلوق فيثبت به حرية الأصل للذي بقي عنده ، ومن ضرورته حرية الأصل للآخر فلهذا بطل البيع والعتق .
( ألا ترى ) أن الجارية المشتركة بين اثنين إذا ولدت فادعاه أحدهما فإن كان أصل العلوق في ملكهما لم يضمن من قيمة الولد لشريكه شيئا ، وإن لم يكن أصل العلوق في ملكهما ضمن نصف قيمة الولد لشريكه إن كان موسرا ; لأن دعوته دعوة تحرير فيجعل بمنزلة إعتاقه الولد مقصودا
قال : أمة في يد رجل وفي يده ولد لها وفي يد رجل آخر ولد لها فادعى الذي في يده الولد أن الولدين جميعا ابناه ولدا من هذه الأمة في بطن واحد أو في بطنين ، وأن الأمة أمته ، وأقام البينة على ذلك وادعى الذي في يديه مثل ذلك ، وأقام البينة على ذلك فإنه يقضي بالأمة والولدين جميعا للذي الأمة في يديه ; لأن كل واحد منهما يدعي حق [ ص: 110 ] العتق فيها بسبب أمية الولد فكان دعواه حقيقة العتق فيها والبينة بينة ذي اليد ; لأن كل واحدة من البينتين قامت لإثبات الولاء ، والولاء بمنزلة النسب فيترجح بينة ذي اليد فإذا قضينا بالأمة له أثبتنا نسب الولدين منه ; لأنهما ولد أم ، ولده قد ادعاهما ، وأجنبي ادعى نسب ولد أم ولد الغير ; وهذا لأن استحقاق الأصل بالبينة توجب استحقاق الزوائد المنفصلة .
قال : ولو كانت أمة في يد رجل ، وفي يديه ولد لها فجاء آخر يدعيها ، ولا يدعي ولدها وفي يده ، ولد لها آخر يدعيه ، وأقام البينة على دعواه ، وأقام الذي هو في يديه البينة أن الأمة أمته ، ولدت الابن الذي في يديه منه ، ولا يعرف أي الولدين أكبر ، وقد ولدتهما في بطنين قضيت بالأمة للذي في يديه لدعواه أمته الولد فيها ، وقضيت لكل واحد منهما بالابن الذي ادعاه وهو في يديه ; لأن كل واحد منهما يدعي نسب أحد الولدين وخصمه لا ينازعه في ذلك وكل واحد من الولدين محتاج إلى النسب ، وذلك كاف للقضاء بنسبة منه بمجرد الدعوة فكيف إذا أثبته بالبينة بخلاف ما سبق فإن المنازعة بينهما هناك في نسب الولدين فرجحنا المقضي له بالجارية ; لأن استحقاقه الأصل شاهد له فيما يدعي من نسب الولد ; ولأنا قضينا له بالفراش حين قضينا بأمية الولد من جهته في الأم ، وثبوت النسب باعتبار الفراش فإذا ادعاه كان أولى به ، وإذا نفاه ثبت من الذي ادعاه لإقامة البينة عليه ، واحتمال أن يكون لما ادعاه سببا صحيحا
قال أمة في يد رجل له منها ولد فادعى آخر أن الذي الأمة في يديه زوجها منه ، وولدت على فراشه هذا الولد ، وأقام الذي في يديه الأمة البينة أن الأمة لهذا المدعي ، وأنه زوجها منه وولدت على فراشه هذا الولد فالأمة بمنزلة أم موقوفة في يد الذي هي في يديه لا يطؤها واحد منهما ; لأن كل واحد منهما أقر بولادتها منه والملك فيها لأحدهما فيثبت أمية الولد فيها ، ثم كل واحد منهما ينفيها عن نفسه ويقول : إنها في ملك صاحبي ، وقد ادعى نسب ولدها فصارت بمنزلة أم الولد له فبقيت موقوفة لا يطؤها واحد منهما كمن اشترى عبدا ، ثم أن البائع أعتقه وجحد البائع ذلك كان موقوف الولاء فأيهما مات عتقت هي ; لأن الحي منهما قد أقر بعتقها بموت صاحبه ، وصاحبه كان مقرا بأن إقرار الحي فيهما كان نافذا فلهذا تعتق بموت أحدهما والولد للذي هو في يديه ; لأن دعواهما فيه دعوى النسب وبينة ذي اليد في دعوى النسب تترجح على جانب الخارج
قال أمة في يدي رجل وفي يده ولد لها فادعى آخر أنه تزوجها بعد إذن مولاه فولدت له على فراشه هذا الولد الذي في يد مولاها ، وأقام البينة على ذلك ، وأقام المولى [ ص: 111 ] البينة أنه ابنه ولد على فراشه من أمته هذه فإني أقضي بالولد للزوج ، وأثبت نسبه منه ; لأن ثبوت النسب باعتبار الفراش ، وفراش النكاح أقوى في إثبات النسب من فراش الملك .
( ألا ترى ) أن النسب الذي يثبت بالنكاح لا ينتفي بمجرد النفي والذي يثبت بملك اليمين ينتفي بمجرد النفي والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي فلهذا أثبتنا النسب من الزوج ، ولكنه يعتق بإقرار المولى ; لأنه قد أقر بحريته حين ادعى نسبه ، وكذلك الأمة بمنزلة أم الولد للمولى ; لأنه كما أقر للولد بالحرية فقد أقر لها بحق الحرية بسبب هو محتمل في نفسه فيثبت لها حق أمية الولد حتى إذ مات المولى عتقت ، وهذا ; لأنه إنما يمتنع العمل بإقراره في إبطال ما صار مستحقا لغيره ، وهو النسب فأما فيما وراء ذلك يجعل هو كالمقر بالحق ; لأنه ليس فيه إبطال حق لأحد
قال حرة ولدت ولدين في بطن واحد فكبرا واكتسبا مالا ، ثم مات أحدهما عن ابنين ، ثم ادعى رجل أنه تزوج المرأة ، وأنهما ابناه منها ، وأقرت المرأة وحدها بذلك فإنها لا تصدق على غيرها ; لأن الولد الثاني كبير يعبر عن نفسه فلا يثبت نسبه من الغير بدعواه إلا عند تصديقه ، وكذلك الميت منهما ابناه قائمان مقامه فلا يثبت نسبه بدعواه إلا بتصديقهما ، ولم يوجد ، وإقرار المرأة ليس بحجة على أحد منهم ، ولكنه حجة عليها فيشركها في نصيبها من ميراث ابنها ; لأنها زعمت أن الميت منهما خلف ابنين ، وأبوين فللأبوين السدسان والباقي للابنين فقد أقرت بأن حق الأب وحقها في تركته سواء فيقسم ما في يدها بينهما نصفان ، وليس من ضرورة الشركة في الميراث في نصيب المقر ثبوت النسب فإن المال يستحق بأسباب ، وأصله في أحد الأخوين إذا أقر بأخ ثالث فإن أقر الابن الثاني بذلك ثبت نسبهما جميعا منه ; لأن نسب المقر قد ثبت بتصديقه ومن ضرورة ثبوت نسب الآخر فإنهما توأم ، وإن أقر ابن الميت بذلك وهو محتمل ثبت نسبهما منه ; لأن ابن الميت قائم مقام الميت ، وهو في حياته لو صدق ثبت نسبهما منه فكذلك إذا صدقه من يخلفه
قال أمة ولدت غلاما فأقر المولى أن هذا الولد من زوج حر أو عبد معروف فإن صدقه المقر له أو كان ميتا أو غائبا ، ثم ادعى المولى أنه ابنه عتق بدعواه لإقراره بحريته ، ولا يثبت نسبه منه ; لأنه ثابت من المقر له بحكم إقراره وعند التصديق غير مشكل ، وعند غيبته ، وهو موقوف على حقه فلا يملك أن يدعيه على نفسه ، وإن كان المقر له حاضرا فكذبه ، ثم ادعاه المقر بعد ذلك لنفسه قال أبو حنيفة رحمه الله لا يثبت نسبه منه .
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يثبت نسبه منه ; لأن إقرار المقر قد بطل بتكذيب [ ص: 112 ] المقر له وبقي الولد محتاجا إلى النسب فإذا ادعاه المولى في حال حاجته وليس فيه إبطال حق غيره يثبت منه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|