
19-12-2025, 06:09 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر
صـــ 92الى صـــ 101
(357)
قال : وإذا كان السفل لرجل ، والعلو لآخر فانهدم لم يجبر صاحب السفل على بناء السفل ; لأنه ملكه ، ولا يجبر صاحب الملك على بناء ملكه فله حق التدبير في ملك نفسه كإنشاء بيع أو بناء بخلاف ما إذا كان صاحب السفل هو الذي هدمه ; لأنه صار متعديا بالهدم لما لصاحب العلو في بناء السفل من حق قرار العلو عليه فيجبر على بنائه بحقه كالراهن إذا قبل المرهون أو المولى قبل عبده المديون فأما عند الانهدام لم يوجد من صاحب السفل فعل هو عدوان ، ولكن لصاحب العلو أن يبني السفل ، ثم يبني عليه العلو ; لأنه لا يتوصل إلى بناء ملكه إلا ببناء السفل فكان له أن يتطرق ببناء السفل ; ليتوصل إلى حقه ، ثم يمنع صاحب السفل من أن يسكن سفله حتى يرد على صاحب العلو قيمة البناء ; لأنه مضطر إلى بناء السفل ليتوصل إلى منفعة ملكه فلا يكون متبرعا فيه والبناء ملك الثاني فكان له أن يمنعه من الانتفاع بالبناء حتى يتملكه عليه بأداء القيمة وذكر الخصاف رحمه الله أنه إنما يرجع على صاحب السفل بما أنفق في بناء السفل ووجهه أنه مأذون في هذا الإنفاق شرعا فيكون كالمأمور به من صاحب السفل ; لأن للشرع عليه ولاية .
ووجه هذه الرواية أن البناء ملكه فيتملكه عليه صاحب السفل بقيمته كثوب الغير إذا انصبغ بصبغ غيره فأراد صاحب الثوب أن يأخذ ثوبه يعطي صاحب الثوب ما زاد الصبغ في الثوب ; لأن الصبغ ملك صاحب الصبغ في ثوبه وذكر في الأمالي عن أبي يوسف رحمه الله أن السفل كالمرهون في يد صاحب العلو ، ومراده من ذلك منع صاحب السفل من الانتفاع بسفله بمنزلة الرهن
قال : ولو كان بيت بين رجلين أو دار فانهدمت لم يكن لأحدهما أن يجبر صاحبه على البناء ; لأن تمييز نصيب أحدهما من نصيب الآخر بقسمة الساحة ممكن فإن بناها أحدهما لم يرجع على شريكه بشيء ; لأنه غير مضطر في هذا البناء فإنه يتمكن من مطالبة صاحبه بالقسمة ليبني في نصيب نفسه [ ص: 93 ] بخلاف العلو والسفل ، وكذلك الحائط إن لم يكن عليه جذوع ; لأن أس الحائط محتمل للقسمة بينهما إلا أن يكون بحيث لا يحتمل القسمة نحو الحائط المبني بالخشبة فحينئذ يجبر أحدهما على بنائه ، وإذا بناه أحدهما مع صاحبه منع من الانتفاع به حتى يرد عليه قيمة نصيبه كالعبد المشترك إذا كان عاجزا عن الكسب ، وامتنع أحد الشريكين من الإنفاق عليه كان لصاحبه أن يجبره على ذلك ، وإن كان على الحائط جذوع لهما فلأحدهما أن يجبر صاحبه على المساعدة معه في بنائه ، وإن لم يساعده على ذلك بناه بنفسه ، ثم يمنع صاحبه من وضع جذوعه عليه حتى يرد عليه قيمة حصته من البناء ; لأن لكل واحد منهما حق في نصيب صاحبه من حيث وضع الجذوع عليه ، وذلك يبطل بقسمة أس الحائط بينهما فإن كان الجذوع على الحائط لأحدهما دون الآخر فلصاحب الجذوع أن يبني الحائط ، ولا يشاجر صاحبه على المطالبة بقسمة الحائط ; لأن له حق وضع الجذوع على نصيب صاحبه فإن كان هو الذي يطالب بالقسمة فليس له أن يمتنع من ذلك ; لأن ترك القسمة كان لحقه ، وقد رضي هو بسقوط حقه وصار هو في حق الآخر كأنه ليس لواحد منهما عليه جذوع ، وكذلك الحمام المشترك إذا انهدم فهو بمنزلة الدار ; لأن قسمة الساحة ممكن فإذا بناه أحدهما لم يرجع على صاحبه بشيء
قال : وإذا كان لرجل باب من داره في دار رجل فأراد أن يمر في داره من ذلك الباب فمنعه صاحب الدار فصاحب الباب هو المدعي للطريق في دار الغير فعليه إثباته بالبينة ، ورب الدار هو المنكر فالقول قوله مع يمينه وبفتح الباب لا يستحق شيئا ; لأن فتح الباب رفع جزء من الحائط ، ولو رفع جميع حائطه لا يستحق به في ملك الغير شيئا فكذلك إذا فتح بابا ، وقد يكون فتح الباب لدخول الضوء والريح ، وقد يكون للاستئناس بالجار والتحدث معه فلا يكون ذلك دليلا على طريق له في الدار فإن أقام البينة أنه كان يمر في هذه الدار من هذا الباب لم يستحق بهذه الشهادة شيئا ; لأنهم شهدوا بيد كانت له في هذا الطريق فيما مضى وبهذه الشهادة لا يستحق المدعي شيئا .
( ألا ترى ) أنا لو عايناه مر فيه مرة لم يستحق به شيئا إلا أن يشهدوا أن له فيها طريقا ثابتا فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، والطريق يجوز أن يكون مستحقا له في دار الجار في أصل القسمة أو أوصى له به فتقبل البينة على إثباته ، وإن لم يجدوا الطريق ، ولم يسموا ذرع العرض والطول بعد أن يقولوا : إن له طريقا في هذه الدار من هذا الباب إلى باب الدار فالشهادة مقبولة ، ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول تأويله إذا شهدوا على إقرار الخصم بذلك فالجهالة لا تمنع صحة الإقرار فأما إذا [ ص: 94 ] شهدوا على الثبات لا تقبل شهادتهم لجهالة في المشهود به ، والأصح أنها تكون مقبولة ; لأن الجهالة إنما تمنع قبول الشهادة إذا تعذر على القاضي القضاء بها ، وهنا لا يتعذر فإن عرض الباب يجعل حكما فيكون عرض الطريق له بذلك القدر وطوله إلى باب الدار .
قال في بعض النسخ فإن لم يجدوا الطريق فذلك أحور للشهادة وفي بعضها قال : وإن سموا الطول ، والعرض فذلك أحور للشهادة ، وهذا ظاهر ; لأن الجهالة ترتفع به ، وأما اللفظ الأول فوجهه أنه لا حاجة إلى التحديد للعمل بالشهادة ، وربما يمتنع بذكرها العمل بها فإن من العلماء من يقدر الطريق بسبعة أذرع لحديث روي فيه فلو بين الشهود عرض الطريق ربما يذكرون أقل من ذلك أو أكثر والقاضي يذهب إلى ذلك المذهب فيرد شهادتهم ، وإذا أطلقوا عمل القاضي بشهادتهم .
فكان ترك التحديد أنفذ للشهادة ، ومعنى قوله أحور أي أنفذ ، وكذلك لو قالوا مات أبوه وترك هذا الطريق ميراثا ; لأنهم بينوا سبب ملكه وذلك لا يقدح في شهادتهم .
قال : ولو كان لرجل ميزاب في دار رجل فأراد أن يسيل فيه الماء فمنعه رب الدار فليس له أن يسيل فيه الماء حتى يقيم البينة أن له في هذه الدار مسيلا ; لأن الميزاب مركب في ملكه كالباب فلا يستحق به حقا في دار الغير إلا بحجة فإن أقام البينة أنهم قد رأوه يسيل فيه الماء لم يستحق بهذه الشهادة شيئا لما بينا أنهم شهدوا بيد كانت له فيما مضى ، وقد ذكر في كتاب الشرب أنهما لو تنازعا في نهر ، وأحدهما يسيل فيه ماءه فالقول قوله ; لأن يده قائمة في النهر باستعماله بتسييل الماء فيه .
فأما هنا ليست له يد قائمة في الدار بتسييل الماء في الميزاب في ، وقت سابق وبعض مشايخنا من المتأخرين رحمهم الله قالوا إذا كان مسيل الماء إلى جانب الميزاب ويعلم أنه قديم لم يحدث صاحب السطح فإنه يستحق تسييل الماء فيه من غير بينة ; لأن الظاهر شاهد له فإن الإنسان لا يجعل سطحه إلى جانب ميزاب إلا بعد أن يكون له حق تسييل الماء فيه بعمله .
أما إذا امتنع من تسييل الماء فيه يتعذر عليه تغييره إلى جانب آخر فإن شهد الشهود أن له مسيل ماء فيها من هذا الميزاب قبلت الشهادة ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم في حقه فإن شهدوا أنه لماء المطر فهو لماء المطر ، وإن شهدوا أنه لصب الوضوء فيه فهو لذلك ; لأنهم بينوا صفة ما شهدوا به من الحق ، وإن لم يفسروا شيئا من ذلك فالقول قول رب الدار في ذلك مع يمينه ; لأن أصل الحق ثابت بالشهادة ، ولا يثبت صفته فالقول قول صاحب الدار ; لأن ضرر ذلك يختلف في حقه فإن المسيل لماء المطر يكون ضرره في وقت خاص ; ولصب الوضوء فيه يكون الضرر في كل وقت فيكون [ ص: 95 ] القول في البيان قول صاحب الدار وعليه اليمين على جحوده دعوى صاحبه اعتبارا للصفة بالأصل ، وإن كانت الدار التي ادعى الطريق أو المسيل فيها بين الورثة فأقر بعضهم بالطريق والمسيل وجحد ذلك البعض لم يكن للمدعي أن يمر فيه ، ولا يسيل ماءه بقول بعضهم ; لأنه لا يتوصل إلى الانتفاع إلا بنصيب الجاحدين ، وإقرار المقر ليس بحجة في حقهم فلا يتمكن من التطرق أو بسيل الماء في نصيب المقر خاصة ; لأنه غير متميز عن نصيب شركائه ، وهذا بخلاف الإقرار بالملك فإن إقرار أحد الشركاء في نصيبه يجعل المقر أحق بنصيب المقر من حيث التصرف فيه ، والانتفاع به لتمكنه من ذلك في نصيب المقر على أن يكون قائما مقامه ، وقد ذكر في موضع آخر : فإن وقع ذلك الموضع في نصيب المقر تطرق فيه المقر له ، ويسيل ماءه ، وإن وقع في نصيب غيره يضرب المقر له بالطريق أو المسيل في نصيب المقر بقدر ذلك ويضرب المقر بحصته سوى الطريق والمسيل فيكون بينهما على ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وقال محمد رحمه الله إن كانت الورثة ثلاثة ضرب المقر بثلث المسيل ، وإنما أراد به إذا أقر له بملك الطريق أو المسيل ، وأصله فيما ذكر في كتاب الإقرار : دار مشتركة بين اثنين أقر أحدهما ببيت بعينه لإنسان وسنذكر ذلك في موضعه في كتاب الإقرار إن شاء الله تعالى .
قال : وإذا كان مسيل الماء في قناة فأراد أن يجعله ميزابا لم يكن له ذلك إلا برضاء أصل أهل الدار الذين عليهم المسيل ، وكذلك لو كان ميزابا فأراد أن يجعله قناة لم يكن له ذلك إلا برضاهم ; لأن في القناة الماء لا يفيض على وجه الأرض ، ولكنه مغور ، يسيل الماء في بطنه وفي الميزاب يسيل الماء على وجه الأرض فإذا أراد أن يجعل القناة ميزابا ففيه زيادة ضرر على أهل الدار بأن يفيض الماء في ساحة الدار ، وإذا أراد أن يجعل الميزاب قناة يحتاج إلى حفر ساحة الدار وفيه ضرر على صاحب الدار ، وإنما يثبت له من الحق قدرا معلوما فلا يكون له أن يلحق الضرر بهم في الزيادة إلا برضاهم ، وقيل : هذا إذا لم يكن ذلك الموضع مملوكا له ، وإنما له تسييل الماء فيه فأما إذا كان الموضع مملوكا له فله أن يجعل القناة ميزابا ، والميزاب قناة ; لأنه يتصرف في خالص ملكه فلا يمنعه منه ضرر يلحق جاره .
قال أرأيت لو جعل ميزابا أطول من ميزابه أو أعرض كان له ذلك ; لأنه إن جعله أطول كان انصباب الماء فيه من غير الموضع الذي كان حقه فيه ، وإن جعله أعرض ينصب الماء فيه أكثر مما هو حقه ، ولو أراد أن يسيل فيه ماء سطح آخر لم يكن له ذلك ; لأنه لم يكن لذلك السطح حق [ ص: 96 ] تسييل الماء في هذا الدار وفيه زيادة ضرر على صاحب الدار ، وكذلك لو أراد أن ينقل الميزاب عن موضعه ; لأنه ينصب الماء فيه في غير الموضع الذي هو حقه ، وكذلك لو أراد أن يرفعه أو يسفله ففي كل ذلك نوع ضرر على صاحب الدار سوى ما كان مستحقا لصاحب الميزاب فلا يملكه إلا برضاه .
قال : ولو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطا ليسد مسيله لم يكن لهم ذلك ; لأنهم قصدوا منع حق مستحق للغير في دارهم ، وإن أرادوا أن يبنوا بناء يسيل ميزابه على سطحه كان لهم ذلك ; لأنه لا ضرر فيه على صاحب الميزاب إذ لا فرق في حقه بين أن ينصب ماء المطر في ساحة الدار أو على ظهر بيت يبنونه في ذلك الموضع ، وليس لهم أن يبنوا في ساحة الدار ما يمنع صاحب الطريق من التطرق فيه ، ولكنهم إذا أرادوا أن يبنوا الساحة ينبغي لهم أن يتركوا من الساحة بقدر الطريق ، ويثبتون ما سوى ذلك ; لأنه لا حق له إلا في موضع الطريق فإن ، وقعت المنازعة بينهم في عرض ما يتركون له من الطريق جعلوه قدر عرض باب الدار ; لأن ذلك متفق عليه فيرد عليهم المختلف فيه ; ولأنه لا منفعة لصاحب الطريق في الزيادة على ذلك فإنه لا يحمل مع نفسه في الطريق إلا ما يتمكن من إدخاله في باب الدار ، ويتمكن لذلك في طريق عرضه مثل عرض باب الدار ، والله أعلم
( باب الدعوى في شيء واحد من وجهين ) قال رحمه الله : دار في يد رجل ادعى رجل أن أباه مات ، وتركها ميراثا له منذ سنة جاء بشاهدين فشهدا أنه اشتراها من ذي اليد منذ سنتين لم تقبل هذه البينة ; لأن شرط قبول البينة تقديم الدعوى فإن حقوق العباد إنما يجب بقاؤها عند طلب صاحب الحق أو من يقوم مقامه ، وما شهد به شهوده لم يتقدم الدعوى به منه ، ولا يتمكن من أن يدعيه ; لأن دعواه الأول يناقض دعواه الثاني فإن بما ، ورثه عن أبيه منذ سنة لا يتصور أن يكون مشتريا له من ذي اليد منذ سنتين ، والتناقض يعدم ميراثا قد أكذب شهوده على الشراء فلهذا لا تقبل شهادتهم له ، وكذلك لو شهدوا بهبة أو صدقة له من ذي اليد منذ سنتين ، ولو كان المدعي ادعى أن ذي اليد تصدق بها عليه منذ سنة وشهد الشهود على الشراء منذ سنتين لم تقبل أيضا ; لأن بعد دعواه الأولى لا يمكنه دعوى الشراء منذ سنتين ; فلانعدام الدعوى أولا كذلك شهوده تمنع العمل بشهادتهم ، وكذلك لو ادعى الشراء أولا منذ سنة ، ثم أقام البينة على الصدقة منذ سنتين .
[ ص: 97 ] ولو ادعى الصدقة منذ سنة ، ثم أقام البينة على الشراء منذ شهر لم تقبل إلا أن يوفق فيقول جحدني الصدقة فاشتريتها منه فحينئذ يقضي بها له ; لأن من حيث الظاهر الشهادة مخالفة للدعوى إلا أن التوفيق ممكن فقد يجحد المتصدق الصدقة فيشتريها منه المتصدق عليه بعد ذلك فتقبل البينة عند التوفيق كما لو ادعى ألفا وشهد له الشهود بألف وخمسمائة لم تقبل إلا أن يوفق المدعي فيقول كان حقي ألفا ، وخمسمائة ، ولكني استوفيت منه خمسمائة ، ولم يعلم به الشهود بخلاف ما تقدم فإن هناك لا يمكنه أن يوفق فيقول جحدني الصدقة منذ سنة فاشتريتها منه منذ سنتين ، وكذلك لو ادعى الشراء منذ سنة ، ثم أقام البينة على الصدقة منذ شهر ، وقال جحدني الشراء فسألته فتصدق علي بها بعد ذلك فهذا توفيق صحيح ينعدم به التناقض ، وإكذاب الشهود .
وكذلك لو ادعى الميراث من أبيه منذ سنة وشهد الشهود على شرائها من ذي اليد منذ شهر فقال جحدني ذلك ، ولم يكن له بينة فاشتريتها منه منذ شهر فهذا توفيق صحيح .
وكذلك لو ادعى أمة في يدي رجل فقال اشتريتها منه بعبدي هذا منذ سنة ، ثم جاء بالبينة أنه اشتراها منذ سنة وجاء بشاهدين فشهدا أنه اشتراها منه بألف درهم مطلقا أو منذ شهر تقبل الشهادة إذا وفق أو قال حين جحدني الشراء بالعبد فاشتريتها بألف درهم بعدما قمنا من مجلسك أيها القاضي والبيع الثاني ينقض البيع الأول فيتمكن القاضي من القضاء بالعقد الذي شهدوا به عند هذا التوفيق ، ولو شهدوا أنه اشتراها بألف درهم منذ سنة أو أكثر لم أقبل شهادتهما ; لأن اختلاف اليد يوجب اختلاف العقد فالتوفيق غير ممكن إن شهدوا بالشراء منه منذ سنة ; لأنه لا تاريخ بين العقد المدعى ، والمشهود به ، وإن شهدوا بالشراء بألف منذ أكثر من سنة لا يتمكن القاضي من القضاء بالعقد الذي شهدوا به ; لأن العقد المدعى كان بعده بزعم المدعي ، وهو ينقض العقد الأول فلا يمكنه القضاء بالعقد المدعى ; لأن الحجة لم تقم به فلهذا لا تقبل الشهادة
قال فإن ادعى عينا في يد رجل أنه له وشهد شهوده أنه اشتراه من ذي اليد ونقده الثمن أو ، وهبه ذو اليد أو تصدق به عليه أو أنه ورثه من أبيه قبلت الشهادة ; لأن المعتبر الموافقة بين الدعوى والشهادة معنى لا لفظا .
( ألا ترى ) أن المدعي يقول أدعي عليه كذا ، والشاهد يقول أشهد عليه بكذا ، والموافقة معنى موجود هنا ; لأنه ادعى الملك ، وقد شهدوا له بالملك مع بيان سببه ، ولا بد للملك من سبب فبيان سبب الملك من الشهود في الشهادة إن لم يؤكد شهادتهم بالملك لا تندفع بها ، وهذا بخلاف ما إذا ادعى الشراء من ذي اليد وشهد له الشهود بالملك مطلقا ; لأن [ ص: 98 ] الشهادة هناك أزيد من الدعوى فإن الملك بالشراء حادث ، والشهادة على الملك المطلق تثبت الاستحقاق من الأصل حتى يرجع الباعة بعضهم على بعض بالثمن .
فأما إذا ادعى ملكا مطلقا وشهد الشهود بالشراء فالملك به دون المدعى فذلك لا يمنع قبول الشهادة كما لو ادعى ألفا وشهد له الشهود بخمسمائة تقبل .
ولو ادعى خمسمائة وشهد له الشهود بألف لا تقبل ، وكذلك لو ادعى أنه له ، ثم ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه ، وأقام البينة على ذلك تقبل بينته ; لأنه لا منافاة بين الدعوتين فالوكيل بالخصومة قد نصف العين إلى نفسه على معنى أن له حق المطالبة به فيتمكن القاضي من القضاء بما شهد به الشهود بعد دعواه الأول ، ولو ادعى أول مرة أنه لفلان وكله بالخصومة فيه ، ثم أقام البينة أنه له لم أقبل بينته ; لأن ما هو مملوك له لا يضاف إلى غيره عند الخصومة فلا يتمكن القاضي من القضاء بالمشهود به وهو الملك له بعد ما أقر أنه وكيل فيه بالخصومة بما ادعاه الأول ، ولا يتمكن من القضاء بالملك ; لأن الشهود لم يشهدوا به ، وكذلك إن أقام البينة أنه لفلان آخر وكله بالخصومة فيه لا أقبل ذلك منه ; لأن الوكيل بالخصومة في العين من جهة زيد لا بصفة إلى غيره فيتمكن من التناقض بين الدعوتين على وجه لا يمكن التوفيق بينهما .
قال : ولو ادعاه لرجل زعم أنه وكله فيه بالخصومة ، ثم قال بعد ذلك أنه باعه من فلان وهو يملكه ، وكلني فلان المشتري بالخصومة وجاء بالبينة على ذلك قبلت بينته ، وقضيت به للموكل الآخر ; لأنه وفق بين الدعوتين بتوفيق ممكن لو عاينا ذلك صححنا دعواه الثانية . فكذلك إذا ، وفق بتلك الصفة ويقضي به للموكل الآخر وتأويل هذا إذا شهد الشهود بالملك بالشراء فأما إذا شهدوا بالملك المطلق لا تقبل الشهادة .
قال : ولو ادعى القاضي في صك جاء باسمه ، ثم جاء بالبينة أن ذلك المال لغيره ، وأنه قد وكله بالخصومة فيه قبلت ذلك منه لما بينا أن الوكيل بالخصومة قد يضيف المال إلى نفسه على معنى أن له حق المطالبة به فيتمكن القاضي من القضاء بالشهادة ، والله أعلم بالصواب .
( باب ادعاء الولد ) ( قال رحمه الله ذكر عن شريح رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه إذا أقر الرجل بولده لم يكن له أن ينفيه ، وهكذا عن علي رضي الله عنه وبقولهما نأخذ أنه متى ثبت النسب بإقراره لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك ) ; لأن النسب لا يحتمل النقض والنسخ [ ص: 99 ] ولا يتصور تحويله من شخص إلى شخص وبإقراره ثبت منه لكون الإقرار حجة عليه فإن ( قيل ) أليس أن النسب يثبت من الزوج بفراش النكاح ، ثم يملك نفيه باللعان ( قلنا ) ; لأن ثبوته هناك بحكم الفراش على احتمال أن لا يكون منه فيتصور نفيه أما هنا بثبوت النسب منه بتنصيصه على أنه مخلوق من مائه فلا يبقى بعده احتمال النفي كالمشتري إذا أقر بالملك للبائع ، ثم استحق من يده ورجع بالثمن لم يبطل إقراره حتى إذا عاد إلى يده يوما يؤمر بتسليمه إلى البائع بخلاف ما إذا اشتراه ، ولم يقر له بالملك ; لأن نفس الشراء ، وإن كان إقرارا بالملك فالاحتمال فيه باق بخلاف الإقرار به نصا وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال مر عمر رضي الله عنه على جارية تسقي مع رجل من بئر فقال لمن هذه فقالوا لفلان قال : ولعله يطؤها قالوا نعم قال أما إنها لو ولدت ألزمته ولدها وبظاهره يأخذ الشافعي رحمه الله فنقول الأمة تصير فراشا بنفس الوطء ، ولا حجة له فيه ; لأن عنده الفراش إنما يثبت بإقرار المولى وهنا الإقرار في الأجانب وبه لا يثبت الفراش .
فأما أن يحمله على أنه عرف أنها أم ، ولده أو يحمله على أن مراده من ذلك حث الناس على تحصين الجواري ، ومنعهن عن الاختلاط بالرجال فقد ظهر عن عمر رضي الله عنه ما يخالف هذا على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان له جارية ، وكان يطؤها فجاءت بولد ونفاه ، وقال اللهم لا يلحق بآل عمر من لا يشبههم فأقرت أنه من فلان الراعي .
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه كان يطأ جاريته فجاءت بولد فنفاه فقال كنت أطؤها ، ولا أبغي ، ولدها أي أعزل عنها ، وهكذا نقل عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما والذي ذكر في الكتاب عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال من وطئ وليدة له فضيعها فالولد منه والضياع عليه لا حجة فيه للخصم ; لأن الوليدة اسم لأم الولد فإنه فعيل بمعنى فاعل أي : والدة وذكر عن عمر رضي الله عنه قال حصنوهن أو لا تحصنوهن أيما رجل وطئ جارية فجاءت بولد ألزمته إياه ، وإنما قال ذلك على سبيل الحث للناس على تحصين السراري ومنعهن عن الخروج ، ثم لا خلاف بين العلماء رحمهم الله أن النسب يثبت بالفراش والفراش تارة يثبت بالنكاح وتارة يثبت بملك اليمين فأما الفراش في النكاح الصحيح يثبت بنفسه إذا جاءت بالولد لمدة يتوهم أن العلوق بعد النكاح ثبت النسب على وجه لا ينتفي إلا باللعان إذا كان من أهل اللعان ، وكذلك النسب يثبت بشبهة النكاح إذا اتصل به الدخول ، وهذه الشبهة تثبت بالنكاح الفاسد تارة ، وبإخبار المخبر أنها امرأته تارة ; لأن الشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما هو مبني على [ ص: 100 ] الاحتياط ، وأمر النسب مبني على الاحتياط .
( ألا ترى ) أن في حق وجوب المهر والعدة جعلت الشبهة بمنزلة حقيقة النكاح فكذلك في النسب ومتى ثبت النسب بالشبهة لا يمكن نفيه بحال ; لأن نفي النسب بعد ثبوته لا يكون إلا باللعان ، ولا يجري اللعان في النكاح الفاسد والوطء بالشبهة .
وأما بملك اليمين لا خلاف أن النسب لا يثبت بنفس الملك ، ولا بالوطء بشبهة الملك بدون الدعوة ، وإنما الخلاف في أن بنفس الوطء بملك اليمين هل يصير فراشا حتى لا يثبت النسب به عندنا إلا أن يقر المولى بالنسب وعند الشافعي يثبت بنفس الوطء ، ولكن إذا كان المولى يطؤها ويمنعها من الخروج فالأولى له أن يدعي ولدها ، ولا ينفيه فإن الميرة في هذا ، ولكن لا يلزمه حكما إلا بالدعوة واحتج الشافعي بما روي عن { عبد الله بن زمعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما اختصما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد ولدته زمعة فقال عبد ولد أبي ولد على فراش أبي وقال سعد رضي الله عنه ابن أخي عهد إلي فيه أخي وأمرني أن أضمه إلى نفسي فقال صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر } فقد أثبت النسب من زمعة بإقرار من يخلفه بوطئه إياها ، ولم يسبق من زمعة دعوة النسب فدل أن الفراش يثبت بنفس الوطء .
والمعنى فيه : أنه وضع ماءه حيث له وضعه فيثبت النسب منه كما في فراش النكاح ; وهذا لأن الوطء بملك اليمين ينزل منزلة عقد النكاح .
( ألا ترى ) أنه تثبت به حرمة المصاهرة كما يثبت بالنكاح بل أقوى فحرمة الربيبة تثبت بالوطء ، ولا يثبت بنفس النكاح ، وكذلك يحرم الجمع بين الأختين وطئا بملك اليمين كما يحرم الجمع بينهما نكاحا ، ثم الفراش في حق النسب يثبت بالنكاح فكذلك بالوطء بملك اليمين ، ولنا أن وطء الأمة كملكها وبملكها لا يثبت الفراش ; لأنه محتمل قد يكون لبيعها ، وقد يكون لوطئها فكذلك وطؤه إياها محتمل قد يكون للاستفراش ، وقد يكون لقضاء الشهوة ، وتحقيق ذلك بالعزل عنها عادة ، وينفرد بذلك شرعا والمحتمل لا يكون حجة فلا يثبت منه إلا بالدعوة التي لا يبقى بعدها احتمال بخلاف النكاح فإنه لا يكون إلا للفراش عادة .
( ألا ترى ) أن التمكن من الوطء هناك جعل بمنزلة حقيقة الوطء وهنا بالتمكن من الوطء لا يثبت النسب بالاتفاق للاحتمال فكذلك بحقيقة الوطء ; ولأن هناك لا يبطل بثبوت النسب ملكا باتا للزوج ، وهنا يبطل ملك المالية والتصرف فيها بثبوت نسب ولدها .
والمحتمل لا يكون حجة في إبطال الملك المتحقق به وبه فارق حرمة المصاهرة فليس في إثباتها إبطال الملك بل باب الحرمة مبني على الاحتياط فيجوز إثباته مع الاحتمال ; ولأن [ ص: 101 ] ثبوته باعتبار الاتحاد بين الواطئين حسا حتى تصير أمهاتها ، وبناتها كأمهاته وبناته وذلك حاصل بملك اليمين .
( ألا ترى ) أن الرضاع في إثبات الحرمة جعل كالنسب ، ولم يجعل كهو في إبطال الملك به يعني بالعتق عليه ، وكذلك حرمة الجمع بين الأختين نكاحا للتحرز عن قطيعة الرحم بينهما وذلك يحصل بالوطء بملك اليمين .
فأما حديث عبد فقد ذكر أبو يوسف رحمه الله في الأمالي أن وليدة زمعة كانت أم ولد له وفي بعض الروايات في الحديث زيادة { قال ولد أبي ولد على فراش أبي لأني أقربه أبي } وعندنا إذا أقر المولى بالنسب يثبت النسب منه على أن قوله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد ليس بقضاء بالنسب بل هو قضاء بالملك له لكونه ولد أمة أبيه ، ثم أعتقه عليه بإقراره بنسبه .
( ألا ترى ) أنه عليه الصلاة والسلام { قال لسودة فأما أنت يا سودة فاحتجبي منه فإنه ليس بأخ لك } والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش تأكيد نفي النسب عن عتبة بن أبي وقاص رضي الله عنه ; لأنه كان عاهرا لإلحاق النسب بزمعة .
قال : وإذا حبلت الأمة عند رجل ، ثم باعها ، وقبض ثمنها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر فادعاه البائع ثبت النسب منه ، وقضى بأنها أم ولد له ، ولدها حر الأصل وعليه رد الثمن على المشتري عندنا استحسانا ، وفي القياس لا يثبت النسب منه ما لم يصدقه المشتري ، وبه أخذ زفر والشافعي رحمهما الله .
وجه القياس في ذلك : أن البائع مناقض في كلامه ساع في نقض ما قد تم به وهو البيع فلا يقبل قوله كما لو قال كنت أعتقتها أو دبرتها قبل أن أبيعها ; وهذا لأن إقدامه على بيعها إقرار منه أنها ليست بأم ، ولد له ، ولنا أنا تيقنا بحصول العلوق في ملكه وذلك ينزل منزلة البينة في إبطال حق الغير عنها كالمريض إذا جاءت جاريته بولد في ملكه فادعى نسبه نزل ذلك منزلة البينة في إبطال حق الغرماء ، والورثة عنها وعن ولدها .
وتفسير الوصف : أن أدنى مدة الحبل ستة أشهر فإذا جاءت بولد من ذلك فقد تيقنا بحصول العلوق قبل البيع ، وتأثيره ، وهو أن بحصول العلوق في ملكه يثبت له حق استلحاق النسب بالدعوة ، وذلك لا يحتمل الإبطال ، وإنما يبطل البيع ما كان محتملا للإبطال فأما فيما لا يحتمل إلا إبطال الحال بعد البيع ، وقبله سواء ، فإذا بقي حق استلحاق النسب له بقي ما كان ثابتا وهو التفرد به من غير حاجة إلى تصديق المشتري وخفاء أمر العلوق يكون عذرا له في إسقاط اعتبار التناقض ، وقبول قوله في إبطال البيع .
كما أن الزوج إذا كذب نفسه بعد قضاء القاضي بنفي النسب ثبت منه ، وبطل حكم الحاكم ، ولا ينظر إلى التناقض ، وهذا ; لأن الإنسان قد يعلم تدينا أن العلوق ليس منه ، ثم يتبين له أنه منه ، ولا [ ص: 102 ] يوجد مثل هذا في دعوى العتق والتدبير فلهذا لا يقبل قول البائع فيه فإن ادعاه المشتري بعد ذلك فعلى طريق القياس يثبت النسب منه ; لأن دعوة البائع لم تصح ، وعلى طريقة الاستحسان لما ثبت النسب من البائع لا تصح دعوة المشتري ; لأن البيع قد انتقض فصار هو كأجنبي آخر ; ولأن الولد قد استغنى عن النسب بثبوت نسبه من البائع ، وإن كان المشتري ادعاه أولا ثبت النسب منه ; لأنها مملوكته في الحال يملك إعتاقها ، وإعتاق ، ولدها فتصح دعوته أيضا لحاجة الولد إلى النسب والحرية ويثبت لها أمية الولد بإقراره .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|