
19-12-2025, 06:05 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر
صـــ 82الى صـــ 91
(356)
قال صبي في يد امرأة فأقامت شاهدة أنه ابنها ، وأقامت التي هو في يديها شهادة أنه ابنها قضيت به للذي هو في يديها ; لأن الحجتين استويا في دعوى النسب فيترجح جانب ذي اليد .
وكذلك لو شهد لكل واحدة منهما رجلان ، وللتي هو في يديها امرأة قضيت به للمدعية ; لأن شهادة المرأة الواحدة لا تقابل شهادة رجلين ; لأن شهادة رجلين حجة تامة على الإطلاق وشهادة المرأة حجة ضرورية
قال : ولو كان الصبي في يد رجل ، وامرأة يدعيان أنه ابنهما فشهدت لهما امرأة واحدة ، وأقام رجل آخر شاهدين أنه ابنه من امرأته هذه قضيت به للمدعي ; لأن شهادة المرأة الواحدة لا تقابل شهادة رجلين ; لأن شهادة رجلين حجة تامة على الإطلاق ، وشهادة المرأة حجة ضرورية
قال : ولو كان الصبي في يد رجل وامرأتان تدعيان أنه ابنهما فشهدت لهما امرأة واحدة ، وأقام رجل آخر شاهدين أنه ابنه من امرأته هذه قضيت به للمدعي ; لأن شهادة المرأة الواحدة لا تعارض شهادة رجلين فسقط اعتباره وبقي اليد في أحد الجانبين ، والبينة في الجانب الآخر واليد لا تعارض البينة
قال : ولو كان صبي في يد ذمي فشهد له ذميان أنه ابنه ، وأقام مسلم شاهدين مسلمين أنه ابنه قضيت به للمسلم ; لأن بينة المسلم حجة على خصمه الذمي وبينة الذمي ليست بحجة على خصمه المسلم .
وكذلك لو كان شهود المسلم من أهل الذمة فإن كان شهود الذمي من المسلمين ، وشهود المسلم من أهل الذمة أو من أهل الإسلام قضيت به لذي اليد ; لأن بينة كل واحد منهما حجة على خصمه فلما استويا ترجح ذو اليد بهذه البينة ; لأن هذا في معنى النتاج لا يتكرر ، وإن كان الصبي في يد ثالث مسلم أو ذمي قضيت به للمسلم ; لأن في بينته إثبات الزيادة وهو إسلام الولد ; ولأن أحد البينتين يوجب كفره والأخرى توجب إسلامه فيترجح الموجب للإسلام على الموجب للكفر
قال : ولو كان الصبي في يد رجل وامرأته فقال الرجل هو ابني من فلانة لامرأة غيرها ، وقالت المرأة هو ابني من زوجي فلان ، وأقام كل واحد منهما البينة جعلته ابن هذين اللذين في يدهما ; لأن سبب النسب فيما بينهما ظاهر ، وهو الفراش فيحال به على هذا السبب ويثبت النسب منهما ; ولأن أكثر ما في الباب أن كل واحد من الحاضرين ينصب خصما عن كل واحد من الغائبين والغائبان الخارجان لو أقاما البينة بأنفسهما ترجحت بينة ذي اليد على بينتهما فكذلك هنا
قال صبي في يد رجل فأقام مسلم البينة أنه ابنه من امرأته هذه الحرة ، وأقام عبد البينة أنه ابنه ولد على فراشه من هذه الأمة ، وأقامت مكاتبة البينة أنه ابنه ولد على فراشه من هذه المكاتبة فإني أقضي به للحر [ ص: 83 ] لأن البينات استوت في إثبات النسب وفي الحر زيادة إثبات الحرية للولد فإن لم يدعه الحر ، وإنما ادعاه العبد والمكاتب فإنى أقضي به للمكاتب ; لأن في بينته زيادة فإن ولد المكاتبة يكون مكاتبا ، والكتابة تفسد العتق ويثبت به للمكاتب ملك اليد والمكاتب فكان المثبت للزيادة من البينتين أولى
قال : ولو ادعى نصراني ويهودي ومجوسي ، وأقام كل واحد منهم البينة قضيت به لليهودي والنصراني ; لأن دين اليهودي والنصراني إذا قوبل بدين المجوسي فدين المجوسي شر منه .
( ألا ترى ) أن ذبائح اليهود ، والنصارى تحل ، وكذلك مناكحتهن ، ولا تحل ذبائح المجوسي ومناكحتهن للمسلمين فكان حال اليهودي ، والنصراني مع المجوسي كحال المسلم مع اليهودي ; ولهذا قلنا : إن المولود بين المجوسي والكتابي يكون بمنزلة الكتابي تحل ذبيحته ، وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله لا تترجح البينة في هذه المواضع بالدين اعتبارا لدعوى النسب بدعوى الملك
ولو ادعى مسلم ، وكافر ملكا ، وأقاما البينة أو كتابي أو مجوسي ، وأقاما البينة لم تترجح أحدهما ، ولكنا نقول في دعوى الملكين : ليس في بينة أحدهما زيادة ; لأن المسلم والكافر يستويان فأما في النسب في إحدى البينتين زيادة منفعة للولد فتترجح تلك البينة لهذا
قال : ولو ادعى عبد مسلم أنه ابنه ولد على فراشه من هذه الأمة وادعى حر ذمي أنه ابنه ولد على فراشه من امرأته هذه يقضي للحر الذمي ; لأن في بينته إثبات الحرية للولد وذلك منفعة عاجلا ; ولأنه إذا بلغ لا يمكنه اكتساب الحرية لنفسه ، ولعل الله تعالى يهديه فيسلم بنفسه ، وكان ترجيح جانب الحرية أولى في حقه
قال : صبي في يد رجل لا يدعيه فأقامت امرأة البينة أنه ابنها ، ولدته ، وأقام رجل البينة أنه ابنه ولد على فراشه ، ولم يسموا أمه جعلته ابن الرجل والمرأة ; لأن العمل بالبينتين ممكن فإن الولد يكون ثابت النسب من الرجل والمرأة جميعا ، وكذلك لو كان في يد المرأة ، وليس في قبول بينتها ما يدفع بينة الرجل فقضينا بالنسب منهما ، ومن ضرورته القضاء بالفراش بينهما وما ثبت لضرورة الشهادة فهو كالمشهود به ، والله أعلم بالصواب .
( باب دعوى الرهط في الدار ) قال رحمه الله دار في يد رجل ادعاها رجل جميعا ، وأقام البينة ، وادعى آخر نصفها ، وأقام البينة قال أبو حنيفة رحمه الله يقسم بين المدعيين على طريق المنازعة أرباعا ثلاثة أرباعها لمدعي الجميع وربعها لمدعي النصف .
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يقسم على طريق العول والمضاربة [ ص: 84 ] أثلاثا ; ولهذا نظائر ، وأضداد ، ومن نظائرها الموصى له بجميع المال وبنصفه عند إجازة الورثة والموصى له بعين مع الموصى له بنصف ذلك العين إذا لم يكن للميت سواه .
ومن أضدادها العبد المأذون المشترك إذا أدانه أحد الموليين مائة ، وأجنبي مائة ، ثم بيع بمائة فالقسمة بين المدين والأجنبي عند أبي حنيفة رحمه الله بطريق العول أثلاثا وعندهما بطريق المنازعة أرباعا ، وكذلك المدبر إذا قتل رجلا خطأ وفقأ عين آخر وغرم المولى قيمته لهما ، وكذلك العبد إذا قتل رجلا عمدا وآخر خطأ ; وللمقتول عمدا ابنان فعفا أحدهما ، ثم دفع العبد بالجنايتين ومما اتفقوا على أن القسمة فيه بطريق العول التركة بين الورثة والغرماء وضاقت التركة عن إيفاء حقوقهم والموصى له بالثلث ، والموصى له بالسدس إذا لم تجز الورثة ، ومما اتفقوا على أن القسمة فيه بطريق المنازعة فضولي باع عبد رجل بغير أمره ، وباع فضولي آخر نصفه فأجاز المولى البيعين فالقسمة بين المشتريين بطريق المنازعة أرباعا .
وأصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن قسمة العين متى وجبت بسبب حق في العين كانت القسمة على طريق العول فالتركة بين الورثة ، ومتى وجبت بسبب حق كان في العين كالأصل فالقسمة على طريق المنازعة كما في بيع الفضولي فإن حق كل واحد من المشترين كان في الثمن يتحول بالشراء إلى المبيع وفي مسألة الدعوى حق كل واحد من المدعيين في العين فكانت القسمة على طريق العول لمعنى أن حق كل واحد منهما شائع في العين فما من جزء منه إلا ، وصاحب القليل مزاحم فيه صاحب الكثير بنصيبه فلهذا كانت القسمة بطريق العول .
والأصل عند أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهما إذا كان يدلي بسبب صحيح معلوم فالقسمة على طريق العول كالورثة في التركة ، وإذا كان يدلي لا بسبب صحيح ثابت فالقسمة على طريق المنازعة ، وما لا منازعة فيه لصاحب القليل يسلم لصاحب الكثير في بيع الفضولي فإن بيع كل واحد منهما غير صحيح قبل إجازة المالك ; وهذا لأن المضاربة إنما يصار إليها عند الضرورة ، وذلك عند قوة السبب واستواء السببين في صفة الصحة ففي مسألة الدعوى سبب استحقاق كل واحد منهما الشهادة ، وهي لا توجب شيئا قبل اتصال القضاء فلم يكن كل واحد من السببين معلوم الصحة فلهذا كانت القسمة على طريق المنازعة وما قال يبطل بحق الغرماء في التركة فإن قسمة العين بسبب حق كان في الذمة ، ومع ذلك كانت القسمة عوليا .
قال فإن كان المدعون ثلاثة يدعي أحدهم جميعها ، والآخر نصفها والآخر ثلثها ، وأقاموا البينة فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله القسمة بطريق العول فتكون أصل المسألة [ ص: 85 ] من ستة يضرب مدعي الكل بسهام الدار ستة ومدعي الثلثين بسهام الثلثين أربعة ومدعي النصف بثلاثة فيقسم الدار بينهم على ثلاثة عشر سهما .
وعند أبي حنيفة رحمه الله القسمة بطريق المنازعة ، ولا منازعة لصاحب النصف والثلثين فيما زاد على الثلثين وصاحب الجميع يدعي ذلك فيسلم له بلا منازعة ، وما زاد على النصف إلى تمام الثلثين لا منازعة فيه لصاحب النصف فيكون بين صاحب الجميع والثلثين نصفين يبقى ستة استوت منازعتهم فيه فكان بينهم أثلاثا فيسلم لمدعي النصف سدس الدار ; ولمدعي الثلثين ربع الدار ; ولمدعي الجميع ما بقي وذلك سبعة أسهم من اثني عشر
قال : ولو كانت الدار في يد رجلين فادعى أحدهما نصفها والآخر جميعها فالبينة على مدعي الجميع ; لأن دعوى كل واحد منهما منصرف إلى ما في يده أولا ليكون يده محقة في حقه ; وهذا لأن حمل أمور المسلمين على الصحة واجب فصاحب النصف لا يدعي شيئا مما في يد صاحب الجميع ، وصاحب الجميع يدعي شيئا مما في يد صاحب النصف فعليه إثباته بالبينة فإن أقاما البينة فالدار كلها لصاحب الجميع ; لأنه إن اجتمع بينة الخارج ، وبينة ذي اليد فيما في يد صاحب النصف فبينة الخارج أولى بالقبول
قال : ولو كانت الدار في يد ثلاثة نفر فادعى أحدهم جميعها والآخر ثلثيها والآخر نصفها ، وأقاموا البينة ، واستحلف كل واحد منهم ونكل فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله القسمة على طريق المنازعة بينهم فتكون من أربعة وعشرين سهما ; لأن في يد كل واحد منهم ثلث الدار ، ودعوى كل واحد منهم ينصرف إلى ما في يده ، ثم فيما فضل في ذلك إلى ما في يد صاحبه ; لأنه ليس أحدهما بأولى به من الآخر ، ولا بينة لكل واحد منهم فيما في يده فأما الثلث الذي في يد صاحب النصف لا بينة له في ذلك ، وصاحب الجميع يدعي الجميع ، وصاحب النصف يدعي الثلثين ; لأنه يدعي الثلثين ثلث في يده وثلث في يد صاحبه فيكون دعواه فيما في يد كل واحد منهما نصف الثلث فيسلم نصف هذا الثلث لصاحب الجميع بلا منازعة ، والنصف الآخر بينهما نصفان ; لاستواء منازعتهما فيه فصار هذا الثلث على أربعة ، والثلث الذي في يد صاحب الثلثين صاحب الجميع يدعي جميعه ، وصاحب النصف يدعي ربعه ; لأنه يدعي النصف والثلث في يده فإنما بقي الثلث في يد صاحبه فكان دعواه في يد كل واحد منهما نصف السدس ، وذلك ربع ما في يديه فثلاثة أرباع ما في يده سالم لصاحب الجميع ، واستوت منازعتهما في الربع فكان بينهما نصفين ، وما في يد صاحب الجميع يدعي صاحب الثلثين نصفه وصاحب النصف ربعه وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما [ ص: 86 ] بقدر ما ادعاه فإن جعلت سهام الدار على أربعة وعشرين كان في يد كل واحد منهم ثمانية ، والسالم لصاحب الجميع مما في يد صاحب النصف ستة ثلاثة أرباع ما في يده ، وله مما في يد صاحب الثلثين سبعة ويبقى له مما كان في يده سهمان فجملة ما سلم له خمسة عشر وصاحب الثلثين أخذ مما في يد صاحب الجميع أربعة ومما في يد صاحب النصف سهمين وذلك ستة فهو له وصاحب النصف أخذ مما في يد صاحب الجميع سهمين ومما في يد صاحب الثلثين سهما فإذا جمعت بين هذه السهام كانت أربعة وعشرين وعندهما القسمة على طريق العول فصاحب الجميع يضرب فيما في يد صاحب النصف بالجميع وصاحب الثلثين بالنصف فصار هذا الثلث أثلاثا وصاحب الجميع فيما في يد صاحب الثلثين بالجميع وصاحب النصف بالربع فصار هذا الثلث أخماسا وصاحب النصف يأخذ مما في يد صاحب الجميع الربع ، وصاحب الثلثين يأخذ النصف فصار هذا الثلث أرباعا فقد ، وقع الكسر بالأثلاث ، والأرباع والأخماس فاضرب خمسة في ثلاثة فيكون خمسة عشر ، ثم في أربعة فيكون ستين فصار كل ثلث من الدار على ستين سهما فيكون جميعها مائة ، وثمانين فما في يد صاحب النصف ، وذلك ستون سهما لصاحب الجميع ثلثاه أربعون وصاحب الثلثين عشرون وما في يد صاحب الثلثين لصاحب النصف خمسة ، وذلك اثنا عشر ; ولصاحب الثلث أربعة أخماسه ثمانية وأربعون ويأخذ صاحب النصف مما في يد صاحب الجميع ربعه خمسة عشر ، وصاحب الثلثين النصف ثلاثين فيبقى في يد صاحب الجميع خمسة عشر ، وقد وصل إليه من يد الآخرين ثمانية وثمانون ، وذلك مائة وثلاثة أسهم فذلك نصيبه .
وصاحب الثلاثين أخذ من يد صاحب الجميع ثلاثين ، ومن يد صاحب النصف عشرين وذلك خمسون ، وصاحب النصف أخذ من يد صاحب الثلثين اثني عشر ، ومن يد صاحب الجميع خمسة عشر فيكون سبعة وعشرون فإذا جمعت بين هذه السهام كانت مائة وثمانين مثل سهام الدار فاستقام
قال : دار في يد رجل منها منزل وفي يد آخر منها منزل فادعى أحدهما الدار بينهما نصفين ، وقال الآخر هي كلها لي ، وأقاما البينة فلمدعي الكل المنزل الذي في يده ونصف المنزل الذي في يد الآخر ; لأن دعوى الآخر في نصف شائع فإنما يدعي هو نصف ما في يده ، ولا دعوى له في النصف الآخر ، ومدعي الجميع يدعي ذلك لنفسه فيأخذه ; لأنه لا منازع له ، ومدعي النصف يدعي نصف المنزل الذي في يد مدعي الجميع ، وهو ينازعه في ذلك فلا يستحقه إلا بحجة
قال : ولو كانت الدار كلها في أيديهما ، ولم يعرف شيء منها في يد واحد منهما فهي بينهما نصفان ; لأن [ ص: 87 ] مدعي النصف تنصرف دعواه إلى ما في يده فلا يستحق الآخر عليه شيئا من ذلك إلا بحجة ، وإن كان سفلها في يد رجل ، وعلوها في يد آخر وطريق العلو في الساحة فادعى كل واحد منهما أن الدار له فالدار لصاحب السفل إلا العلو وطريقه فإنه لصاحب العلو ; لأن العلو في يد صاحب العلو ، وكذلك طريقه في السفل فإنه مستعمل له بالتطرق فيه إلى علوه فأما السفل والساحة ففي يد صاحب السفل ; لأن هو المستعمل للساحة بوضع أمتعته وصب وضوئه ، وكسر حطبه فيه فالقول فيه قوله ، وإن أقاما البينة فلكل واحد منهما ما في يد صاحبه ترجيحا لبينة الخارج على بينة ذي اليد في دعوى الملك
قال : ولو كانت الدار في يد ثلاثة فادعى أحدهم النصف والآخر الثلث والثالث السدس وجحد بعضهم دعوى البعض فإن في يد كل واحد منهم الثلث ، فالثلث الذي في يد مدعي السدس له نصفه ; لأنه لا يدعي أكثر من ذلك والنصف الآخر موقوف عنده فإن قامت البينة لصاحب النصف أخذ من يد كل واحد من صاحبيه نصف سدس الدار ; لأنه يدعي النصف ، وفي يده الثلث فما زاد عليه إلى تمام النصف هو السدس يدعيه ، وفي يد صاحبيه إذ ليس أحدهما يصرف دعواه إلى ما في يده بأولى من الآخر فإذا أثبت ذلك بالبينة أخذ من يد كل واحد منهما نصف السدس ، ولا يقال : إن نصف ما في يد مدعي السدس هو لا يدعيه فينبغي أن ينصرف دعوى مدعي النصف إليه حتى يأخذ كل ذلك السدس من غير إقامة البينة عليه لوجهين أحدهما أنه يدعي بعض ذلك في يد صاحب الثلث فكيف يأخذه من يد مدعي السدس وهو إنما يدعيه في يد غيره والثاني أن باعتبار دعواه شيئا مما في يد صاحب الثلث كان صاحب الثلث منازعا له في هذا السدس الذي في يد صاحب السدس وهو لا يدعيه ، ومع تمكن المنازعة لا يتمكن من أخذه إلا بحجة ، والله أعلم بالصواب .
. ( باب دعوى الحائط والطريق )
( قال رحمه الله : وإذا كان الحائط بين دارين فادعاه صاحب كل واحد من الدارين فإن كان لأحدهما عليه جذوع ، وليس للآخر عليه جذوع فهو لصاحب الجذوع عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله لا يستحق بوضع الجذوع ترجيحا على صاحبه ) ; لأن وضع الجذوع محتمل قد يكون عن ملك ، وقد يكون عن استعارة ، وقد يكون عن غصب والمحتمل لا يكون حجة .
ولنا أن واضع الجذوع مستعمل للحائط بوضع حمله عليه ، والاستعمال يد وعند تعارض [ ص: 88 ] الدعوتين القول قول صاحب اليد كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل كان هو أولى بها ; ولأن الظاهر شاهد له ; ولأن وضعه الجذوع دليل على أنه بنى الحائط لحاجته إذ وضع حمله عليه ، ومثل هذه العلامة تثبت الترجيح كما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت يجعل ما يصلح للرجل للرجل وما يصلح للنساء للمرأة ، وإن كان لأحدهما عليه هوادي أو بواري لا يستحق به شيئا ; لأن هذا ليس بجهل مقصود بني الحائط لأجله فلا يثبت به الترجيح كما لو تنازعا في دابة ; ولأحدهما عليه مخلاة علفها لا يستحق به الترجيح بخلاف الجذوع فإنه حمل مقصود يبنى الحائط لأجله فيثبت له اليد باعتباره .
وكذلك إن كان لأحدهما عليه جذوع أو أنصال ; وللآخر بواري فهو لصاحب الجذوع والأنصال ، وإن كان لأحدهما عليه جذوع ; وللآخر أنصال فصاحب الجذع أولى ومراده من هذا مداخلة أنصاف اللبن بعضها في بعض إذا كان من أحد الجانبين هذا النوع من الاتصال ببناء أحدهما ; لأن وضع الجذوع استعمال للحائط والاتصال مجاورة واليد تثبت بالاستعمال دون المجاورة ، فكان صاحب الجذوع أولى . كما لو تنازعا في دابة ، وأحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها فالراكب أولى ، وذكر الطحطاوي رحمه الله أن صاحب الاتصال أولى ; لأن الكل صار في حكم حائط واحد فهذا النوع من الاتصال في بعضه متفق عليه لأحدهما فيرد المختلف فيه إلى المتفق عليه ; ولأن الظاهر أنه هو الذي بناه مع حائطه فمداخلة أنصاف للبن لا يتصور إلا عند بناء لحائطين معا فكان هو أولى .
قال في الكتاب : إلا أن يكون اتصال تربيع بيت أو دار فيكون لصاحب الاتصال حينئذ ، وكان الكرخي رحمه الله يقول صفة هذا الاتصال أن يكون هذا الحائط المتنازع من الجانبين جميعا متصلا بحائطين لأحدهما ، والحائطان متصلان بحائط له بمقابلة الحائط المتنازع حتى يصير مربعا شبه القبة فحينئذ يكون الكل في حكم شيء واحد فصاحب الاتصال أولى .
والمروي عن أبي يوسف رحمه الله أن المعتبر اتصال جانبي الحائط المتنازع بحائطين لأحدهما فأما اتصال الحائطين بحائط أخرى غير معتبر وعليه أكثر مشايخنا رحمهم الله .
لأن الترجيح إنما يقع له يكون ملكه محيطا بالحائط المتنازع من الجانبين ، وذلك يتم بالاتصال بجانبي الحائط المتنازع ; ولصاحب الجذوع موضع جذوعه ; لأن استحقاق صاحب الاتصال بالظاهر وهو حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق على الغير فلا يستحق به على صاحب الجذوع رفع جذوعه .
فإن ( قيل ) : لما قضى بالحائط لصاحب الاتصال فينبغي أن يأمر الآخر برفع الجذع ; لأنه حمل موضوع [ ص: 89 ] له في ملك الغير بغير سبب ظاهر لاستحقاقه كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل ; وللآخر مخلاة يقضي لصاحب الحمل ، ويؤمر الآخر برفع المخلاة قلنا : لأن وضع المخلاة على دابة الغير لا يكون مستحقا له في الأصل بسبب فكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب الحمل أمر الآخر برفع المخلاة فأما هنا فقد يثبت له حق وضع الجذوع على حائط لغيره بأن كان ذلك مشروطا في أصل القسمة فليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذوع على الآخر ، وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة ، وقضى له به يؤمر الآخر برفع جذوعه ; لأن البينة حجة للاستحقاق فيستحق صاحبها رفع جذوعه عن ملكه ، وإن لم يكن متصلا ببناء أحدهما ، ولم يكن عليه جذوع فهو بينهما نصفان لاستوائهما فيه في اليد حكما فإنه بكونه بين داريهما يثبت لكل واحد منهما عليه اليد حكما ، وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات ; وللآخر عليه خشبة واحدة فلكل واحد منهما ما تحت خشبته ، ولا يكون بينهما نصفان استحسن ذلك في الخشبة والخشبتين ، وهكذا ذكر في كتاب الصلح .
وقال في كتاب الإقرار : الحائط كله لصاحب عشر خشبات إلا موضع الخشبة فإنه لصاحبها وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله أن الحائط بينهما نصفان ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله وهو القياس ، ووجهه أن الاستعمال بموضع الخشب يثبت يد صاحبها عليه فصاحب القليل فيه يستوي بصاحب الكثير كما لو تنازعا في ثوب عامته في يد أحدهما فطرف منه في يد الآخر كان بينهما نصفين .
ووجه رواية كتاب الإقرار لصاحب العشر خشبات عليه حمل مقصود يبنى الحائط لأجله ; وليس لصاحب الخشبة الواحدة مثل ذلك ; ولأن الحائط لا يبنى لأجل خشبة واحدة عادة ، وإنما ينصب لأجلها أسطوانة فكان صاحب العشر خشبات أولى به كما في الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل مقصود ; وللآخر مخلاة يقضي بها لصاحب الحمل إلا أنه لا يرفع خشبة الآخر ; لأن استحقاق صاحب الخشبات باعتبار الظاهر يستحق به رفع الخشبة على الآخر .
وأما وجه رواية كتاب الدعوى أن الاستحقاق باعتبار وضع الخشبة فيثبت لكل واحد منهما الملك فيما تحت خشبته لوجود سبب الاستحقاق به في ذلك الموضع فأما ما بين الخشبات لم يذكر في الكتاب أنه يقضي به لأيهما ; لأن من أصحابنا رحمهم الله من قال يقضي بالكل بينهما على إحدى عشر سهما عشرة لصاحب الخشبات وسهم لصاحب الخشبة الواحدة اعتبار لما بين الخشبات بما هو تحت كل خشبة من الحائط ، وأكبرهم على أنه يقضي به لصاحب العشر [ ص: 90 ] خشبات ; لأن استحقاق الآخر بالخشبة لا بعلامة يستدل بها على أنه هو الذي بنى الحائط أو للآخر عليه علامة يستدل بها على أنه هو الذي بنى الحائط فإن الحائط يبنى لوضع عشر خشبات لا لوضع خشبة واحدة فلهذا كان الكل لصاحب الخشبات إلا موضع الخشبة الواحدة لضرورة استعمال صاحبها .
والثابت بالضرورة لا يعدو مواضعها ، وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات ; وللآخر ثلاث خشبات فصاعدا قضي به بينهما نصفان اعتبارا لأدنى الجمع بأقصاه ; وهذا لأن لكل واحد منهما عليه حملا مقصودا يبنى الحائط لأجله فلا يعتبر التفاوت بعد ذلك في القلة ، والكثرة كما لو تنازعا في دابة ; ولأحدهما عليه خمسون منا ; وللآخر مائة منا كانت بينهما نصفين ، وإن كان لأحدهما عليه خشب ; وللآخر عليه حائط سترة فالحائط الأسفل لصاحب الخشب لكونه مستعملا له بوضع حمل مقصود عليه ; ولصاحب السترة السترة على حالها ; لأن بالظاهر لا يستحق رفعه سترة الآخر بمنزلة سفل لأحدهما وعليه علو لآخر ، وإن كان لأحدهما عليه سترة ، وليس للآخر عليه شيء يقضى به لصاحب السترة ; لأن الحائط قد يبنى لأجل السترة فكانت هذه علامة لاستحقاق صاحبها ، وهذا بخلاف الهوادي فإن الحائط لا يبنى لأجله فلا يستحق صاحبه به الترجيح
قال : وإذا كان جص بين دارين يدعيه كل واحد من صاحبي الدارين والقمط إلى أحدهما قضي به بينهما نصفان في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يقضى لمن عليه القمط واستدل بحديث دهثم بن قران { أن رجلين اختصما في جص فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليقضي بينهما فقضى بالجص لمن إليه القمط ، ثم أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصوبه } وأبو حنيفة رحمه الله احتج فقال نفس القمط متنازع فيه فلا يجوز أن يجعل ذلك دليل الملك لأحدهما وهو المتنازع فيه بعينه ; ولأن الإنسان قد يتخذ جصا ويجعل القمط إلى جانب جاره ليكون جانبه مستويا فيطينه ويجصصه ، وتأويل الحديث أن صاحب القمط أقام البينة حين تحاكما فقضى له حذيفة رضي الله عنه بالبينة ، وذكر القمط على سبيل التعريف كما يقال قضى لصاحب العمامة والطيلسان .
وكذلك لو اختلفا في حائط ووجهه إلى أحدهما وظهره إلى الآخر فهو بينهما عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يقضي لمن كان إليه ظهر البناء ، وأنصاف اللبن ; لأن العادة أن الإنسان يجعل ظهر البناء إلى جانب نفسه ليكون مستويا وأبو حنيفة رحمه الله يقول : هذه العادة مشتركة قد يجعلها إلى جانب جاره ، وقد يجعلها إلى الطريق فلا يكون ذلك دليل انعدام ملكه في الحائط [ ص: 91 ]
وكذلك إن كانت الطاقات إلى أحدهما فالحاصل أن ظهر البناء كله متنازع فلا يمكن جعله دليلا للحكم به لأحدهما
قال : وإذا كان سفل الحائط لرجل وعلوه لآخر فأراد صاحب السفل أن يهدم السفل فليس له ذلك ; لأن السفل فيه حق لصاحب العلو من حيث قرار بنائه عليه فلا يكون له أن يبطل حق الغير عن ملك نفسه .
وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله ليس له أن يفتح فيه بابا ، ولا كوة ، ولا يدخل فيه جذعا لم يكن قبل ذلك إلا برضاء صاحب العلو ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله له أن يفتح ذلك إذا كان لا يضر بصاحب العلو فإن كان شيء من ذلك يضر به لم يكن له أن يفعله ، وكذلك لم يحفر في سفله بئرا ، وكذلك لو أراد صاحب العلو أن يحدث على علوه بناء أو يضع عليه جذوعا أو يشرع فيه كنيفا لم يكن له ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله أضر بالسفل أو لم يضر وعندهما إن أضر بالسفل منع من ذلك أو لم يضر بالسفل لم يمنع .
حجتهما أن كل واحد منهما إنما يتصرف في خالص حقه فلا يمنع من ذلك إلا أن يلحق الضرر بمن له فيه حق كالموصى له بالخدمة على الموصي له بالرقبة فإنه لا يمنع الموصى له بالرقبة من التصرف في ملكه إلا ما يضر بالموصى له بالخدمة وأبو حنيفة رحمه الله يقول لصاحب العلو حق بناء قدر معلوم على بناء السفل ، وإذا أراد أن يزيد على ذلك منع منه كما لو استأجر دابة ليحمل عليها حملا معلوما فليس له أن يحمل أكثر من ذلك ، وإن لم يضر بالدابة ، وكذلك صاحب العلو له حق في بناء السفل من حيث قرار علوه عليه وفتح الباب ، والكوة يوهن البناء ، وكذلك حفر البئر في ساحة السفل يوهن البناء فلا يكون له أن يفعل ذلك إلا برضا صاحب العلو .
( ألا ترى ) أن كل واحد منهما يمنع من التصرف الذي يضر بصاحبه فلو كان الملك لكل واحد منهما خالصا لم يمنع أحدهما من التصرف ، وإن أدى إلى الإضرار بصاحبه كالجارين
قال ، وإذا كان الحائط بين رجلين فأقام رجل البينة على أحدهما أنه أقر أن الحائط له قضيت له بحصته من الحائط ; لأن ثبوت إقراره بالبينة كثبوته بالمعاينة ، وإقرار أحد الشريكين في نصيب نفسه صحيح ; لأن الإضرار فيه على الشريك فلا فرق في حقه بين أن يشاركه في الحائط المقر أو المقر له فإن كان الحائط في يد رجل ، وله جذوع شاخصة فيه على دار رجل آخر فأراد أن يجعل الدار فكما لا يكون لغيره أن يحدث في ساحة داره عليه كنيفا فلصاحب الدار أن يمنعه من ذلك ; لأن هواء الدار حق لصاحبها كساحة بناها بغير رضاه فكذلك لا يكون له إحداث البناء في هواء داره بغير رضاه والجذوع الشاخصة نوع ظاهر يدفع به الاستحقاق فلا يستحق [ ص: 92 ] به شيئا ، وليس لصاحب الدار أن يقطع الجذوع ; لأنها وجدت كذلك ، ويحتمل أن تكون حجة لذلك إلا أن تكون نفس الجذوع بحق مستحقا لصاحبها فلا يكون لصاحب الدار أن يقطعها إلا بحجة والظاهر لا يصلح حجة كذلك إلا أن تكون جذوعا لا يحمل على مثلها شيئا إنما هو أطراف جذوع خارجة في داره فحينئذ يكون له أن يقطعها ; لأن عين الجذوع غير مقصودة بعينها إنما المقصود هو البناء عليها فما لا يبنى على مثله لا يجوز أن يكون مستحقا له في ملك الغير فكان لصاحب الدار أن يقطعها وما يبنى عليه يجوز أن يكون مستحقا له بسبب فلا يكون له قطعها ما لم يتبين أنه أحدث نصبها غصبا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|