
19-12-2025, 05:58 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر
صـــ 72الى صـــ 81
(355)
قال : ولو كانت الدعوى في سمن أو زيت أو دهن ، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له عصره وسلاه في ملكه فإنه يقضى به لذي اليد ; لأن هذا لا يكون إلا مرة واحدة فهو في معنى النتاج ، وكذلك السويق والعصير والخل والجبن ، وأشباه ذلك ، وأما الشاة المسلوقة إذا أقام كل واحد منهما البينة أنها شاته ضحى بها ، وسلخها فإنه يقضى بها للمدعي ; لأن الذبح والسلخ ليس بسبب للملك .
( ألا ترى ) أن الغاصب لا يملك به فلم يكن هذا في معنى النتاج في إثبات أولية الملك به فلهذا قضينا به للمدعي
قال : وإن أقام خارجان البينة دعوى الدابة أحدهما على الملك المطلق والآخر على النتاج فإنه يقضى بها لصاحب النتاج لإثباته أولية الملك لنفسه فإنها لا تتملك إلا من جهته والآخر لا يدعي تملكها من جهته وفي الكتاب قال عن شريح رحمه الله الناتج أحق من العارف يعني بالعارف الخارج الذي يدعي ملكا مطلقا ، ولو كانت الدعوى في لحم مشوي أو سمكة مشوية ، وأقام الخارج ، وذو اليد كل واحد منهما البينة أنه شواه في ملكه يقضى بها للمدعي ; لأن الشي قد يكون غير مرة فإن اللحم يشوى ، ثم يعاد ثانيا فلم يكن في معنى النتاج .
وكذلك المصحف إذا أقام كل واحد منهما البينة أنه مصحفه كتبه في ملكه يقضى به للمدعي ; لأن الكتابة ليست بسبب للملك ، ولكنه قد يتكرر يكتب ، ثم يمحى ، ثم يكتب فلهذا قضينا به للمدعي
قال : ولو كانت الدعوى في أمة فأقام أحد الخارجين البينة أنها أمته ، ولدت في ملكه ، وأقام آخر البينة أنها أمته سرقت منه فإنه يقضى بها لصاحب الولادة ، وكذلك لو شهد شهود السرقة أنها أمته أبقت منه أو غصبها إياه ذو اليد فهي لصاحب الولادة ; لأن في بينته إثبات أولية الملك ، وليس في البينة الأخرى ذلك فكان استحقاقه سابقا ، وكذلك في [ ص: 73 ] الدابة إذا شهد شهود أحدهما بالنتاج ، وشهود الآخر أنها دابته آجرها من ذي اليد أو أعارها أو رهنها إياه فهي لصاحب النتاج ; لأن في شهادة شهوده دليل سبق ملكه .
قال : وإذا كان الثوب في يد رجل فأقام آخر البينة أنه نسجه ، ولم يشهدوا أنه له لم يقض له به ; لأنه لم يشهدوا له بالملك نصا فقد ينسج الإنسان ثوب الغير بإذنه ، ولا يملكه كالنساج ينسج ثياب الناس
وكذلك لو أقام البينة في دابة أنها نتجت عنده أو في أمة أنها ولدت عنده فليست هذه اللفظة شهادة بالملك للمدعي فلا يستحق به شيئا .
وكذلك لو شهدوا أنها ابنة أمته فليس في هذا اللفظ شهادة بالملك له إنما فيه شهادة بالنسب .
( ألا ترى ) أنه قد يشتري أمة ، ولها ابنة في يد غيره فهي ابنة أمته ، ولا تكون مملوكة له أو بشيء بعد الانفصال عنها فهي ابنة أمته ، ولا تكون مملوكة له .
وكذلك لو شهدوا على ثوب أنه غزل من قطن فلان ونسج لم يقض له به ; لأن ملك القطن لا يكون سببا لملك الغزل والثوب ، وإن الغاصب إذا غزل القطن ونسجه كان الثوب مملوكا له ، وإن لم يكن مالكا للقطن ، والمغصوب منه كان مالكا للقطن ، ولا يملك الثوب به فليس في هذا اللفظ شهادة بالملك له نصا فإن قال : أنا أمرته أن يغزل ، وينسج قضي له بالثوب ; لأن عمل الغير بأمره كعمله بنفسه ، والذي غزله ونسجه بإنكاره الأمر يدعي بملكه عليه فلا يصدق إلا بحجة .
ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع حصد من أرض فلان فأراد صاحب الأرض أخذ الحنطة لم يكن له ذلك وفي رواية أبي حفص رحمه الله قال : له أن يأخذ الحنطة ; لأنهم أضافوا الأرض إليه ملكا ويدا فما في أرضه من الزرع يكون في يده ، وهذا بمنزلة شهادتهم أنه أخذها من يده فيؤمر بالرد عليه .
وجه رواية أبي سليمان رحمه الله أنهم ما شهدوا بالملك له في الزرع إنما أضافوا الأرض إليه بالملكية ، وقد تكون الأرض مملوكة له ، والزرع الذي فيها لغيره كمن غصب أرضا فزرعها ، وكذلك ما شهدوا باليد في الزرع ، ولا في الأرض نصا فإنه ليس من ضرورة كون الأرض مملوكة له أن تكون في يده فلهذا لا يستحق شيئا . وكذلك لو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع كان في أرضه أو أن هذا التمر من نخل كان في أرضه ، وأن هذا الزبيب من كرم كان في أرضه ; لأنهم ما أضافوا ما وقع فيه الدعوى إليه ملكا ، ولا يدا ، وقد يكون النخل والكرم في الأرض لغير صاحب الأرض ملكا ويدا ، ولو أقر بذلك الذي في يديه أخذ به لإقراره بالأخذ من ملكه ، والإقرار بالأخذ من ملكه بمنزلة الإقرار بالأخذ من يده فيؤمر بالرد عليه ; وهذا لأن الإقرار يوجب الملك بنفسه قبل أن يتصل به القضاء فنوع [ ص: 74 ] احتماله فيه لا يمنعنا من العمل بظاهره فأما الشهادة لا توجب الحق إلا بقضاء القاضي ، وإنما يقضي القاضي بالمشهود به فإذا لم يكن في الشهادة تنصيص على ملك أو يد للمدعي فالمدعي لا يقضى به له .
توضيح الفرق : أن في إقراره بيان أنه كان في يده فكأنه قال كان في يد هذا أمس فيؤمر بالرد عليه وفي الشهادة كذلك ، ولكن لو شهدوا أنه كان في يده أمس لا يستحق به شيئا .
قال : وإن شهدوا أن هذا التمر أخذه هذا من نخل فلان قضي له به بمنزلة ما لو شهدوا أنه أخذه من يد فلان ; لأن المتصل بنخله من التمر يكون في يده .
ولو شهدوا أنه خرج من نخل فلان ، وهو يملكه أو أن هذا العبد ، ولدته أمة فلان وهو يملكها قضي له بجميع ذلك ; لأنهم صرحوا بالولد من ملكه ، والمتولد من ملك الإنسان يكون مملوكا له إلى أن يتملكه الغير بسبب عارض من وصية أو غيرها فكان هذا ، وشهادتهم بالملك له في المدعى سواء .
وكذلك لو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع هذا ; لأنهم أضافوا إليه بالملكية وشهدوا أن هذه الحنطة جزء منه فإن " من " للتبعيض فكان هذا تنصيصا على الشهادة بالملك له في الحنطة ، وكذلك لو شهدوا أن هذا الزبيب من كرم هذا ، وهذا التمر من نخل هذا قضي له به لشهادتهم بالتولد من ملكه .
ولو شهدوا أن فلانا غزل هذا الثوب من قطن فلان وهو يملك القطن ونسج الثوب فإني أقضي على الذي غزل مثل ذلك القطن لما بينا أن ملك القطن ليس بسبب لملك الثوب ، ولكن من غزل قطن الغير ، ونسجه فالثوب له وهو ضامن لمثل ذلك القطن ، وإن قال صاحب القطن أمرته بذلك أخذ الثوب ; لأنهما اتفقا على أنه كان مالكا للقطن والذي غزل ونسج يدعي تملكه عليه بالضمان ، وهو منكر لذلك فكان القول قوله كما لو ادعى التملك عليه بالبيع فأنكره .
وكذلك لو شهدوا أن فلانا طحن هذا الدقيق من حنطة فلان وهو يملكها قضي عليه بحنطة مثلها ، وإن قال رب الحنطة : أنا أمرته أخذ الدقيق لما بينا
قال : وإذا كان الدجاج أو الشيء من الطيور في يد رجل فأقام رجل البينة أنه له فرخ في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك قضي به لذي اليد ; لأن هذا في معنى النتاج لا يتكرر ، ولو أقام المدعي البينة أن البيضة التي خرجت هذه الدجاجة منها كانت له لم يقض له بالدجاجة ، ولكن يقضى على صاحب الدجاجة ببيضة مثلها لصاحبها ; لأن ملك البيضة ليس بسبب لملك الدجاجة فإن من غصب بيضة وحضنها ذلك تحت دجاجة كان الفرخ للغاصب وعليه بيضة مثل المغصوبة ، وهذا لا يشبه الولادة ، والنتاج ; لأن من غصب أمة أو دابة فولدت عنده لا يملك الولد بل هو لصاحب [ ص: 75 ] الأصل ، وهذا ; لأن البيضة بالحضانة تصير مستهلكة فيحال بحدوث الفرخ على عمل الحضانة بخلاف الدابة ، والأمة فإنها لا تصير مستهلكة بالولادة فيكون مملوكا لصاحب الأصل لتولده من ملكه .
قال : ولو غصب دجاجة فباضت عنده فالبيضة لصاحبها لتولدها من ملكه فإن باضت بيضتين فحضنت الدجاجة نفسها على أحدهما فخرج منها فرخ وحضنها الغاصب على الأخرى فخرج منها فرخ فالفرخ الأول للمغصوب منه مع الدجاجة والفرخ الآخر للغاصب ; لأن ما حصل بفعله يصير مملوكا له وما حصل بفعل الدجاجة نفسها لا صنع للغاصب فيه فلا يملكه بل يكون لمالك الأصل كما قلنا فيمن غصب حنطة وزرعها كان الزرع له ، ولو هبت الريح بالحنطة فجعلتها مزروعة في الأرض كان الزرع لصاحب الحنطة ; لأن بناء الحكم على فعل الريح غير ممكن فيجعل مملوكا لصاحب الأصل ; ولأن ما حضنها الغاصب صار مستهلكا بفعله فيكون ضامنا لمثله ويصير مملوكا له بالضمان فإنما يتولد الفرخ من ملكه فأما ما حضنت الدجاجة بنفسها لم تصر مضمونة على الغاصب فلا يملكها فبقي ذلك الفرخ لصاحب الأصل
قال ثوب مصبوغ بعصفر في يد رجل فشهد شاهدان أن هذا العصفر الذي في هذا الثوب لفلان صبغ به هذا الثوب فلا يدري من صبغه وجحد ذلك صاحب الثوب فادعى صاحب العصفر أن رب الثوب الذي فعل ذلك فإنه لا يصدق عليه ; لأنه يدعي ضمان قيمة العصفر دينا في ذمته وهو منكر ، وليس في شهادة شهوده ما يوجب ذلك فإن ثوب الغير إذا هبت به الريح ، وألقته في صبغ إنسان فانصبغ كان الصبغ لصاحبه في الثوب الآخر ، وليس له أن يضمن صاحب الثوب شيئا ، ولكن يقوم الثوب أبيض ويقوم مصبوغا فإن صاحب الثوب يضمن له ما زاد العصفر في ثوبه ، وإلا بيع الثوب فيصرف فيه صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض وصاحب العصفر ما زاد العصفر في ثوبه ; لأنهما شريكان في الثوب المصبوغ أحدهما بالثوب والآخر بالعصفر ، ولكن الثوب أصل ، والعصفر فيه وصف فكان الخيار لصاحب الأصل دون صاحب الوصف
قال : وإن كانت الدعوى في لبن فأقام الخارج وذو اليد كل واحد منهما البينة أنه له ضربه في ملكه يقضى به للمدعي ; لأن اللبن يضرب غير مرة بأن يضرب ، ثم يكسر ، ثم يضرب فلم يكن في معنى النتاج فلهذا قضي به للمدعي .
قال : وإن كانت الدعوى في جبن فأقام الخارج وذو اليد كل واحد منهما البينة أنه جبنه صنعه في ملكه فهو للذي في يديه ; لأن الجبن لا يصنع إلا مرة وهو سبب لأولية الملك بمنزلة النتاج فهذه المسألة على خمسة أوجه أحدها ما بينا .
والثاني [ ص: 76 ] إذا أقام كل واحد منهما البينة أن اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضى به للمدعي ; لأن أصل المنازعة في اللبن وبينة كل واحد منهما فيه قامت على الملك المطلق .
والثالث : أن يقيم كل واحد منهما البينة أن حلب اللبن الذي صنع منه هذا الجبن من شاته في ملكه فيقضى لذي اليد ; لأن الحلب في اللبن لا يتكرر فكان في معنى النتاج .
والرابع : إذا أقام كل واحد منهما البينة أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضى به للمدعي ; لأن المنازعة في ملك الشاة ، وبينة كل واحد منهما فيها قامت على المطلق .
والخامس : أن يقيم كل واحد منهما أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن شاته ولدت في ملكه من شاته فالبينة بينة ذي اليد ; لأن الحجتين قامتا على النتاج في الشاة التي كانت المنازعة فيها
قال : ولو كانت الدعوى في آجر أو جص أو نورة ، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له صنعه في ملكه قضيت به لذي اليد ، وكان ينبغي أن يقضى بالآجر للخارج ، ويجعل هذا بمنزلة الشيء في اللحم ، ولكنه قال : طبخ الآجر لا يتكرر فإنه بالطبخ الأول يحدث له اسم الآجر فإن أعيد طبخه بعد ذلك لا يحدث به اسم آخر فعرفنا أنه مما لا يتكرر ، وكذلك طبخ الجص والنورة فكان هذا في معنى النتاج
قال فإن كانت الدعوى في جلد شاة ، وأقام كل واحد منهما البينة أنه جلده سلخه في ملكه قضي به لذي اليد ; لأن سلخ الجلد لا يتكرر فكان في معنى النتاج ، ولو لم يقم البينة على ذلك لهما ، ولكن المدعي أقام البينة أنه جلد شاته ، ولم يشهدوا له به لم يقض له بالملك .
وكذلك لو شهدوا على صوف أنه صوف شاته أو على لحم أنه لحم شاته قال عيسى رحمه الله هذا غلط ، وأرى جواب محمد رحمه الله في هذه الفصول لا يستمر على أصل واحد ، وقد قال قبل هذا إذا قالوا هذه الحنطة من زرع هذا أو هذا الزبيب من كرمه أو هذا التمر من نخله قضي له به ، وأي فرق بين تلك المسائل ، وبين هذه المسائل بل الجلد والصوف واللحم في كونه مملوكا بملك الأصل أبلغ من ملك الزرع والتمر والزبيب بملك الأصل ، فإن ( قيل ) : إن هنا قد ينفصل ملك الصوف عن ملك الأصل بالوصية فكذلك في تلك المسائل ، ولكن ما ذكره محمد رحمه الله صحيح ; لأنهم ما جعلوا المدعى هنا في شهادتهم من ملكه إنما نسبوه إلى شاة ، ثم نسبوا إليه الشاة بالملكية فلم يكن شهادة بالملك في المدعى نصا فأما هناك شهدوا أن المدعاة من ملكه وذلك شهادة بالملك له في المدعى نصا .
قال : ولو كانت شاة مسلوخة في يد رجل وجلدها ورأسها وسقطها في يد آخر فأقام ذو اليد في الشاة البينة أن الشاة والجلد والرأس [ ص: 77 ] والسقط له ، وأقام الذي في يديه السقط البينة على مثل ذلك فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يدي صاحبه ; لأن كل واحد منهما أثبت فيما في يد صاحبه ملكا مطلقا بالبينة ، وبينة الخارج في دعوى الملك المطلق تترجح .
ولو أقام كل واحد منهما البينة أن الشاة شاته تنجب عنده في ملكه فذبحها وسلخها ، وأن له جلدها ، ورأسها وسقطها يقضى بالكل للذي الشاة في يده ; لأنه أثبت ببينته النتاج في الشاة فاستحق القضاء بأولية الملك له فيها ، وجلدها ورأسها وسقطها ببيعها فلهذا قضينا بالملك لذي اليد .
قال : ولو كانت شاة في يدي رجل وشاة أخرى في يد آخر فأقام كل واحد منهما البينة على شاة صاحبه الذي في يديه أنها شاته ولدت في ملكه من هذه الشاة القائمة في يده فإنه يقضى لكل واحد منهما بشاة صاحبه التي في يديه وتأويل هذه المسألة فيما إذا كان سن الشاتين مشكلا فأما إذا كان معلوما ، وأحدهما تصلح أما للأخرى والأخرى لا تصلح أما لها ، وكانت علامة الصدق ظاهرة في شهود أحدهما وعلامة الكذب ظاهرة في شهادة شهود الآخر يقضي بها بما ظهر فيه علامة الصدق فأما عند الإشكال لا تظهر علامة الصدق ، ولا الكذب في شهادة أحدهما وكل واحد منهما فيما في يده أقام البينة على الملك المطلق ، وصاحبه أقام البينة على النتاج ، وبينة الخارج على النتاج أولى من بينة ذي اليد في الملك المطلق فلهذا قضينا لكل واحد منها بما في يد صاحبه .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يبطل البينتان جميعا لتيقننا بكذب أحدهما فإن كل واحد منهما لا يتصور أن تكون والدة لصاحبتها ومولودة منهما ، ولو أقام البينة أن الشاة التي في يده شاته ولدت في ملكه ، وأن شاة صاحبه ، ولدتها شاته هذه في ملكه ، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك يقضي لكل واحد منهما بما في يديه ; لأن كل واحد منهما فيما في يده أقام البينة على النتاج ، وبينة ذي اليد على النتاج مقدمة على بينة الخارج ، ولو أقام أحدهما البينة أن الشاة التي في يده شاته ولدت في ملكه ، وأن شاة صاحبه له ، ولدتها شاته في ملكه ، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك فهذا ، والأول سواء يقضى لكل واحد منهما بما في يده لإثباته النتاج فيها
قال : ولو كانت شاتان في يد رجل أحدهما بيضاء والأخرى سوداء فادعاهما رجل ، وأقام البينة أنهما له ، وأن هذه البيضاء ، ولدت هذه السوداء في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة أنهما له ، وأن هذه السوداء ، ولدت هذه البيضاء في ملكه فإنه يقضي لكل واحد منهما بالشاة التي ذكر شهوده أنها ولدت في ملكه ; لأنه أثبت النتاج فيها بالبينة وصاحبه أثبت فيها ملكا مطلقا والبينة على النتاج أولى من البينة على الملك المطلق سواء كان من ذي اليد أو الخارج .
قال [ ص: 78 ] وإذا كانت شاة في يد رجل فأقام رجل البينة أنها شاته ولدت في ملكه فقضى القاضي له بها ، ثم جاء آخر ، وأقام البينة أنها شاته ولدت في ملكه ، وقال ذو اليد للقاضي : قد قضيت لي بالولادة بالبينة فإن اكتفيت بذلك ، وإلا أعدتها فإنه يأمره أن يعيد بينته ; لأن القضاء بالبينة الأولى كان على خصمه خاصة فيجعل إقامتها في حق الثاني وجودا وعدما بمنزلته ; لأن المقضي به للملك وثبوت الملك بالبينة في حق شخص لا يقتضي ثبوته في حق شخص آخر .
( ألا ترى ) أن في الملك المطلق يصير ذو اليد مقضيا عليه دون غيره من الناس فإن أعاد بينة قضى بها له تقديما لبينة ذي اليد على بينة الخارج في النتاج ، وإن لم يعدها قضى بها للمدعي فإن قضى بها للمدعي ، ثم أقام المقضي له الأول شهوده على الولادة فإن القاضي يقبل بينته ويبطل قضاءه للآخر ، وهذا استحسان وفي القياس لا تقبل بينته ; لأنه صار مقضيا عليه بالملك فلا تقبل بينته إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له .
ووجه الاستحسان أن من يقيم البينة على النتاج يثبت أولية الملك لنفسه ، وأن هذا العين حادث على ملكه فلا يتصور استحقاق هذا الملك على غيره فلم يصر ذو اليد به مقضيا عليه ، وقد تبين بإقامة البينة أن القاضي أخطأ في قضائه ، وأن أولية الملك لذي اليد فلهذا انقضى قضاؤه بخلاف الملك المطلق فإن ( قيل ) القضاء ببينة الخارج مع بينة ذي اليد على النتاج مجتهد فيه فعند ابن أبي ليلى رحمه الله بينة الخارج أولى فينبغي أن لا ينقض قضاء القاضي لمصادقته موضع الاجتهاد .
( قلنا ) إنما يكون قضاؤه عن اجتهاد إذا كانت بينة ذي اليد قائمة عنده وقت القضاء فترجح باجتهاده بينة الخارج عليها ، وهذه البينة ما كانت قائمة عند قضائه فلم يكن قضاؤه على اجتهاد بل كان لعدم ما يدفع من ذي اليد فإذا أقام حجة الدفع انتقض القضاء الأول وعلى هذا لو أقام الخارج البينة على الملك المطلق ، وقضى القاضي بها له ، ثم أقام ذو اليد البينة على النتاج يقضي بها له وينتقض القضاء الأول لما بينا .
قال : أمة في يد رجل أقام رجل البينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها على هذا الرجل بشهادة شهود شهدوا عنده ، وأقام ذو اليد البينة أنها أمته ولدت في ملكه فهذه المسألة على ثلاثة أوجه في وجه منها يقضي القاضي بها للمدعي بالاتفاق ، وهو إذا شهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى له بها مطلقا ، ولم يزيدوا على هذا شيئا ; لأن من الجائز أن ذلك القاضي إنما قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنه اشتراها من ذي اليد أو وهبها له فلا تكون بينة ذي اليد على الولادة في ملكه مبطلا لذلك ، وكذلك القضاء بل يكون مقررا له .
وكذلك إن فسر شهود القضاء بهذا التفسير فهو آكد في [ ص: 79 ] تنفيذ ذلك القضاء ، والوجهان الآخران أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنها مملوكته أو بشهادة شهود شهدوا عنده أنها أمته ولدت في ملكه فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بينة المدعي أولى في هذين الفصلين ، ولا ينقض القاضي الثاني قضاء الأول وعلى قول محمد رحمه الله بينة ذي اليد على الولادة في ملكه أولى فيقضي بها له .
وجه قوله إن ذا اليد لو أقام هذه البينة عند القاضي الأول نقض الأول قضاءه ، وقضى بها لذي اليد فكذلك إذا أقامها عند الثاني ; لأن ثبوت قضاء الأول عند الثاني بالبينة لا يكون أقوى من مباشرته القضاء بنفسه ، وهذا ; لأن الشهود لما بينوا سبب العقار إلى احتمال التملك على اليد بسبب من جهته .
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن قضاء القاضي الأول نفذ بيقين فليس للثاني أن يبطله مع الاحتمال كما في الفصل الأول وبيان الاحتمال هنا إذا قالوا بشهادة شهود شهدوا عنده أنها مملوكته فيحتمل أنها مملوكته اشتراها من ذي اليد ، ولكنهم تركوا هذه الزيادة للتلبس على القاضي بأن قالوا بشهادة شهود شهدوا عنده أنها ولدت في ملكه فيحتمل أن ذي اليد كان أقام هذه البينة عند ذلك القاضي فتترجح شهادة بينة الخارج ، وقضى بها له ، وكان ذلك قضاء نافذا لا يجوز إبطاله بعد ذلك فلهذا لا ينقض الثاني قضاء الأول مع الاحتمال ومثل هذا الاحتمال لا يوجد إذا أقام ذو اليد بينة على الولادة عند القاضي الأول . وكذلك لو تنازعا فيها خارجان أقام كل واحد منهما البينة أنها أمته قضى له بها قاضي بلد كذا بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له على هذا ، وأقام آخر البينة أنها أمته ولدت في ملكه فعند محمد رحمه الله يقضي بها لصاحب الولادة وعندهما يقضي بها لصاحب القضاء ; لأن مع الاحتمال لا يجوز نقض القضاء كما بينا
قال محمد رحمه الله عبد في يد رجل فأقام آخر البينة أنه عبده ولد في ملكه ووقتوا وقتا فكان العبد أكثر من ذلك أو أصغر معروف فشهادة الشهود باطلة ; لتيقن القاضي بمجازفتهم فيها ، وهذا يبين لك أن الصواب في القضاء نصفان في قوله فإن كانت الدابة على غير الوقتين أو كانت مشكلة أنه في أحد الفصلين فأما إذا كانت على غير الوقتين فالجواب بطلان الشهادتين ، والله أعلم بالصواب .
( باب الشهادة في الولادة ، والنسب )
( قال رحمه الله : عبد صغير في يد رجل يدعي أنه عبده فالقول قوله ) ; لأن من لا يعبر عن [ ص: 80 ] نفسه بمنزلة المتاع ، وقول ذي اليد فيما في يده حجة للدفع فإن ادعى آخر أنه ابنه فعليه البينة ; لأنه يدعي نسب ملك الغير فلا يقبل قوله إلا بحجة فإن أقام البينة أنه ابنه قضى أنه ابن له لإثباته دعواه بالحجة ، وجعل حرا ; لأن في الحكم بثبوت النسب حكما بأنه مخلوق من مائه ، وماء الحر جزء منه فيكون حرا ما لم يتصل برحم الأمة وحين لم يسموا أمة في الشهادة لم يظهر اتصال مائه برحم الأمة فبقي على الحرية فهذه موجبة لبينة حرية الولد فلا يعارضها قول ذي اليد في إثبات رقه .
وكذلك لو كان الذي في يديه يدعي أنه ابنه فالمدعي الذي أقام البينة أولى بالقضاء بالنسب له ; لأن البينة لا يعارضها اليد ، ولا قول ذي اليد .
وكذلك لو كان المدعي ذميا أو عبدا يثبت النسب منه ; لإثباته دعواه بالحجة والعبد ، والذمي من أهل النسب كالحر المسلم فإن أقام ذو اليد البينة أنه ابنه ، وأقام الخارج البينة أنه ابنه قضيت بنسبه لذي اليد ; لأن هذا في معنى النتاج ، وقد بينا أن بينة ذي اليد هناك تترجح على بينة الخارج .
وكذلك إن أقام كل واحد منهما البينة أنه ابنه من امرأته هذه قضى بنسبه من ذي اليد ومن امرأته ، وإن جحدت هي ذلك ; لأن السبب هو الفراش بينهما قائم والحكم متى ظهر عقيب سبب ظاهر يحال به على ذلك السبب وذلك الفراش بينهما يثبت النسب منهما فمن ضرورة ثبوته من أحدهما بذلك السبب ثبوته من الآخر فلا ينتفي بجحودها ، وكذلك لو جحد الأب وادعت الأم
قال : ولو كان الصبي في يد عبد ، وامرأته الأمة ، وأقاما البينة أنه ابنهما ، وأقام آخر من العرب أو من الموالي أو من أهل الذمة أنه ابنه من امرأته هذه وهي مثله فإنه يقضي ببينة الخارجين ; لأن في بينتهما زيادة إثبات الحرية للولد ، والبينات للإثبات فتترجح بزيادة الإثبات
قال : ولو كان الصبي في يد رجل فأقام رجل البينة أنه ابنه من امرأته هذه ، وهما حران ، وأقام ذو اليد البينة أنه ابنه ، ولم ينسبوه إلى أمه فإنه يقضي به للمدعي لزيادة الإثبات في بينته وهو ثبوت النسب من أمه فصارت الزيادة في إثبات النسب كزيادة إثبات الحرية .
وكذلك إن كانت الأم هي المدعية فإن ثبوت النسب بالفراش بينهما فيكون أحدهما خصما عن الآخر فلا إثبات ، ولو أقام الخارج البينة أنه ابنه وشهد شهود ذي اليد على إقراره أنه ابنه قضى به للمدعي ; لأن ثبوت إقرار ذي اليد بالبينة لا يكون أقوى من سماع القاضي إقراره ، وذلك يندفع ببينة الخارج ، ثم أعاد مسألة الرجلين ، والمرأتين ، وقد بيناه .
( فرع ) عليه ما لو وقت كل واحد منهما وقتا قال : ينظر إلى سن الصبي فإن كان مشكلا فهو وما لم يوقتا سواء يقض به لهما ، وإن كان مشكلا في أحدهما وهو أكبر سنا من الآخر أو أصغر [ ص: 81 ] معروف قضيت به للمشكل ; لأن علامة الكذب ظهرت في شهادة الآخرين ، ولم تظهر في شهادة هؤلاء لكونه محتملا للوقت الذي وقتوه قال : ولو كان الصبي في يد رجل فأقامت امرأة شاهدين أنه ابنها قضيت بالنسب منها لإثباتها الدعوى بالحجة ، وإن كان ذو اليد يدعيه لم يقض له به ; لأن مجرد الدعوى لا يعارض البينة .
فإن ( قيل ) لا منافاة بين ثبوته منه ومنها ( قلنا ) نعم ، ولكن لا يمكن إثبات النسب منهما إلا بالقضاء بالفراش بينهما ، ومجرد قوله ليس بحجة عليها في إثبات الفراش في النكاح بينهما ، ولو لم تقم المرأة إلا امرأة واحدة شهدت أنها ، ولدت فإن كان ذو اليد يدعي أنه ابنه أو عبده لم يقض للمرأة بشيء ; لأن الاستحقاق الثابت باليد لا يبطل بشهادة المرأة الواحدة فإنها ليست بحجة في إبطال حق ثابت للغير ، وإن كان الذي في يديه لا يدعيه فإني أقضي به للمرأة بشهادة امرأة واحدة ، وهذا استحسان ، وفي القياس لا يقضي ; لأن اليد في اللقيط مستحق لذي اليد حتى لو أراد غيره أن ينزعه من يده لم يملك فلا يبطل ذلك بشهادة امرأة واحدة .
وفي الاستحسان تمحض هذا منفعة للولد في إثبات نسبه ، وحريته ، وليس فيه إبطال حق لذي اليد ; لأنه لا يدعي في الولد شيئا إنما يده فيه صيانة عن ضياعه فلهذا أثبتنا النسب منها بشهادة القابلة
قال عبد في يد رجل أقام رجل البينة أنه عبده ولد في ملكه ، وأنه أعتقه ، وأقام ذو اليد البينة أنه عبده ولد في ملكه فإني أقضي به للذي أعتقه ; لأن في هذه البينة زيادة الحرية فلو رجحنا بينة ذي اليد جعلناه مملوكا له ، وكيف يجعل مملوكا ، وقد قامت البينة على الحرية ، ولو كان المدعي دبره أو كاتبه لم يستحق بهذا شيئا أما في الكتابة لا إشكال ; لأنه عقد محتمل للفسخ كالبيع والإجارة فكأنه أقام البينة على تصرفه فيه ببيع أو إجارة فلا يترجح به .
وأما في التدبير فقد أعاد المسألة في آخر الكتاب ، وجعله كالعتق ففيه روايتان .
وجه تلك الرواية : أن بالتدبير يثبت له حق عتق لا يحتمل الفسخ فكان معتبرا بحقيقة العتق ; لأنه يثبت الولاء على العبد ببينته في الموضعين جميعا ، وإذا كان الولاء هو المقصود ، والملك بيع فتترجح بينة الخارج لهذا .
وجه هذه الرواية : أن التدبير لا يخرجه من أن يكون مملوكا كالكتابة فكان الملك هو المقصود بالإثبات لكونه قائما فتترجح بينة ذي اليد لإثبات الولادة في ملكه بخلاف العتق فإن الملك لا يبقى بعد العتق فيكون المقصود هناك إثبات الولاء ، ولو أقام الخارج البينة أنه ابنه ولد في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة أنه عبده ولد في ملكه قضى به للمدعي ; لأن في بينته إثبات الحرية فإن المولود من أمته في ملكه حر الأصل ، وإذا كان يترجح عنده إثبات حرية العتق [ ص: 82 ] فعند إثبات حرية الأصل أولى

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|