
19-12-2025, 05:52 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(354)
ولو ادعى رجل أنه اشترى الأمة من ذي اليد بألف درهم وأنه أعتقها وأقام البينة وأقام آخر البينة على الشراء منه أيضا فإنه يقضى بها لصاحب العتق ; لأن سببه يتأكد بالعتق حتى لا يحتمل النقض ولأن العتق قبض منه فإن المشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير قابضا وقد بينا أن أحد المشتريين إذا أثبت القبض كان هو أولى ولو ادعى رجل هبة مقبوضة وادعى الآخر صدقة مقبوضة وأقام البينة فإن وقتت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى قضيت بها لصاحب الوقت لأن كل واحد منهما أثبت سبب ملك حادث فإنما يحال بحدوثه على أقرب الأوقات وقد أثبت أحدهما تاريخا سابقا بالتوقيت فيقضى بها له وإن كانت في يد من لم يوقت شهوده قضيت بها له ; لأن قبضه دليل سبق عقده وهو دليل معاين والوقت في حق الآخر مخبر به وليس الخبر كالمعاينة إلا أن يقيم الآخر البينة أنه أول فحينئذ يكون هو أولى لإثبات الملك في وقت لا ينازعه فيه صاحبه وإن لم يكن هناك تاريخ ولا قبض معاين لأحدهما ففيما لا يقسم يقضى بينهما نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق وفيما يحتمل القسمة كالدار ونحوه تبطل البينتان جميعا إذا لم يكن فيها ما يرجح إحداهما من قبض أو تاريخ ; لأنا لو عملنا بها قضينا لكل واحد منهما بالنصف الآخر والهبة والصدقة في مشاع تحتمل القسمة لا تجوز ، قيل : هذا على قول أبي حنيفة رحمه الله فأما على قول أبي يوسف [ ص: 63 ] ومحمد رحمهما الله ينبغي أن يقضى لكل واحد منهما بالنصف على قياس هبة الدار من رجلين وقيل ينبغي على قولهم جميعا أن يقضى لكل واحد منهما بالنصف ; لأن كل واحد منهما أثبت قبضه في الكل ثم الشيوع بعد ذلك طارئ وذلك لا يمنع صحة الهبة والصدقة والأصح أن المذكور في الكتاب قولهم جميعا ; لأنا لو قضينا لكل واحد منهما بالنصف إنما يقضى بالعقد الذي شهد به شهوده وعند اختلاف العقدين لا تجوز الهبة من رجلين عندهم جميعا وإنما يثبت الملك بقضاء القاضي ويكون الشيوع في الملك المستفاد بالهبة مانع صحتها .
وإذا اختصم رجلان في دابة أو عرض من العروض كائنا ما كان وهو قائم بعينه فإن القاضي لا يسمع من واحد منهما البينة والدعوى حتى يحضرا ذلك الذي اختصما فيه ; لأن إعلام المدعي شرط لصحة الدعوى والشهادة وتمام الإعلام بالإشارة إلى العين وإحضار ما ينقل بيسر فيؤمر ذو اليد بإحضاره ولا يقال كيف كلف إحضاره ولم يثبت الاستحقاق عليه ; لأن بالإجماع يكلف الحضور بنفسه وإن لم يثبت عليه شيء بعد نظرا للمدعي ليتمكن من إثبات حقه فكذلك يكلف بإحضار العين إذ ليس عليه فيه كثير ضرر إلا أن يكون المدعى عقارا فحينئذ إحضاره متعذر فيقام ذكر الحدود في الدعوى والشهادة مقام الإشارة إلى العين لأنه هو المتيسر والواجب من التعريف في كل محل القدر المتيسر وهو نظير ذكر الاسم والنسب في حق الغائب والميت وإن كان العين المدعى مستهلكا فحينئذ يتعذر إحضاره فيقام ذكر الوصف والقيمة مقام الإشارة إلى العين في صحة الدعوى والشهادة ولأن المدعى هنا في الحقيقة دين في الذمة وهو القيمة فإعلامه بذكر صفته وقيمته والله أعلم
باب الدعوى في النتاج
( قال رحمه الله دابة في يد رجل ادعاها آخر أنها دابته نتجها عنده ، وأقام البينة على ذلك ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك قضي بها لذي اليد استحسانا ) ، وفي القياس يقضى بها للخارج ، وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله ووجهه أن مقصود كل واحد منهما إثبات الملك حتى لا يصير خصما لا بدعوى الملك لنفسه وفيما هو المقصود بينة ذي اليد لا تعارض بينة الخارج كما بينا في دعوى الملك المطلق ولا فرق بينهما فإن إقامة البينة على الملك المطلق توجب الاستحقاق من الأصل كإقامة البينة على النتاج إلا أنا استحسنا للأثر وهو ما رواه أبو حنيفة رحمه الله عن [ ص: 64 ] الهيثم عن رجل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه { أن رجلا ادعى ناقة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل ، وأقام البينة أنها ناقته نتجها ، وأقام ذو اليد البينة أنها دابته نتجها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها للذي هي في يديه } ; ولأن يد ذي البينة لا تدل على أولوية الملك فهو يثبت ما ليس بثابت فوجب بظاهر يده فوجب قبول البينة .
ثم تترجح بيده بخلاف الملك المطلق فإن هناك لا يثبت ببينته إلا ما هو ثابت له بظاهر يده فوجب قبول بينته ، ومعنى هذا الكلام ، وهو أن حاجة ذي اليد إلى دفع بينة الخارج ، وفي إقامته البينة على النتاج ما يدفع بينة الخارج ; لأن النتاج لا يتكرر فإذا أثبت أنه نتجها اندفع استحقاق الخارج ضرورة ، فأما في الملك المطلق فليس في بينته ما يدفع بينة الخارج ; لأن ملكه في الحال لا يبقى ملكا كان للخارج فيه من قبل فلهذا عملنا بينة الخارج هناك وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول الطريق عندي في النتاج تهاتر البينتين ; لتيقن القاضي بكذب أحدهما إذ لا تصور لنتاج دابة من دابتين .
فإنما يقضى بها لذي اليد فصار تركا لتهاتر البينتين ، وهذا ليس بصحيح فقد ذكر في الخارجين أقام كل واحد منهما البينة على النتاج إنما يقضى بها بينهما نصفين ، ولو كان الطريق ما قال لكان يترك في يد ذي اليد وكذلك لو كانت الشاة المذبوحة في يد أحدهما ، وسقطها في يد الآخر ، وأقام كل واحد منهما البينة على النتاج فيما يقضى بها وبالسقط لمن في يده أصل الشاة ، ولو كان الطريق تهاتر البينتين لكان يترك في يد كل واحد منهما ما في يده ، ولا معنى لقوله بأن القاضي تيقن بكذب أحد الفريقين ; لأن الشهادة على النتاج ليس بمعاينة الانفصال في الأم بل بدونه الفصيل يتبع الناقة فكل واحد من الفريقين اعتمد سببا صحيحا لأداء الشهادة فيجب العمل بها ، ولا يصار إلى التهاتر بمنزلة شهادة الفريقين على الملكين .
وكذلك لو كانت الدعوى في العبد والأمة ، وأقام كل واحد منهما البينة على الولادة في ملكه فهذا والنتاج في الدابة سواء .
وكذلك إذا أقام كل واحد منهما البينة أنه ثوبه نسجه فإن النسج في الثوب يوجب أولوية الملك فيه وهو لا يتكرر كالنتاج في الدابة إلا أن يكون الثوب بحيث ينسج مرة بعد مرة كالخز ينسج ، ثم ينكث فيغزل ثانيا فحينئذ يقضى به للخارج .
والحاصل أن النتاج مخصوص من القياس بالسنة فلا يلحق به إلا ما في معناه من كل وجه فأما ما ليس في معناه إلا من بعض الوجوه لا يلحق به ; لأنه لو ألحق به ; كان بطريق القياس ، ولا يقاس على المخصوص من القياس ; لأن قياس الأصل يعارضه وكل قياس لا ينفك عما يعارضه فهو باطل إذا ثبت هذا [ ص: 65 ] فنقول ما لا يتكرر فهو في معنى النتاج من كل وجه فيلتحق به ويكون إثبات الحكم فيه بدلالة النص وما يتكرر ليس في معنى النتاج من كل وجه فيعاد فيه إلى أصل القياس
قال : ولو ادعى الدابة خارجان أقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها عنده ويقضى بها بينهما نصفين ; لاستوائهما في سبب الاستحقاق فإن وقتت بينة أحدهما ، ولم توقت بينة الآخر وهي مشكلة السن قضي بها بينهما نصفين ; لأن الذي لم يوقت أثبت ملكه فيها من حين وجدت ، والملك لا يسبق الوجود فلم يكن التوقيت مفيدا شيئا في حق من وقته إذا كانت مشكلة السن فكان ذكره كعدم ذكره فإن كان السن على أحد الوقتين ، وقد وقتت بينة كل واحد منهما وقتا قضيت بها لمن وافق توقيته سن الدابة ، ولا عبرة بالأول والآخر ; لأن علامة الصدق ظهرت في شهادة من وافق سن الدابة توقيته .
وعلامة الكذب تظهر في شهادة الفريق الآخر فيقضى بالشهادة التي ظهر فيها علامة الصدق وإن كانت على غير الوقتين أو كانت مشكلة قضيت بها بينهما نصفين .
من مشايخنا رحمهم الله من قال : جمع في السؤال بين الفصلين ، ثم أجاب عن أحدهما وهو ما إذا كانت مشكلة فأما إذا كان سنها على غير الوقتين يعلم ذلك ، ظهر بطلان البينتين على قياس ما تقدم إذا كان المدعي واحدا ووقت شهوده الملك منذ عشر سنين وهي بنت ثلاثين سنة أن بينته باطلة فكذلك هنا إذا كان سنها على غير الوقتين فقد علم القاضي بمجازفة الفريقين وكذبهما في الشهادة ، وقد فعل محمد رحمه الله مثل هذا في الكتاب ، جمع بين السؤالين ، ثم أجاب عن أحدهما وترك الآخر في النكاح ، والإجارات وغيرهما أو يكون معنى قوله أو كانت مشكلة " أو " تأتي بمعنى الواو ; قال الله تعالى { أو يزيدون } معناه : ويزيدون فهنا أيضا معناه إذا كان على غير الوقتين ، وكانت مشكلة فحينئذ الجواب صحيح والأصح أن يقول جوابه صحيح للفصلين أما إذا كانت مشكلة ; فلا شك فيه ، وكذلك إذا كانت على غير الوقتين ; لأن اعتبار ذكر الوقت لحقهما وفي هذا الموضع في اعتباره إبطال حقهما فيسقط اعتبار ذكر الوقت أصلا وينظر إلى مقصودهما وهو إثبات الملك في الدابة ، وقد استويا في ذلك فوجب القضاء بينهما نصفان ; لأنا لو اعتبرنا التوقيت بطلت البينتان وبقيت في يد ذي اليد ، وقد اتفق الفريقان على استحقاقهما على ذي اليد فكيف يترك في يده مع قيام حجة الاستحقاق عليه ، وإن أقام ذو اليد البينة على النسج والثياب ، والنتاج والملك له ، وأقام الخارج البينة على مثل ذلك قضيت بها لذي اليد على المدعي ; لأن البينتين استويا فيترجح ذو اليد بحكم يده ، وإن وقتت البينتان في الدابة [ ص: 66 ] وقتين فإن كانت الدابة على وقت بينة المدعي قضيت بها له ; لأن علامة الصدق ظهرت في شهادة شهوده وعلامة الكذب ظهرت في شهادة شهود ذي اليد .
وإن كانت الدابة على وقت بينة ذي اليد أو كانت مشكلة قضيت بها لذي اليد إما لظهور علامة الصدق في شهوده أو لسقوط اعتبار التوقيت إذا كانت مشكلة
قال : وإذا كان الثوب في يد رجل فأقام خارج البينة أنه ثوبه نسجه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك فإن كان يعلم أن مثل هذا لا ينسج إلا مرة فهو لذي اليد ، وإن كان يعلم أنه ينسج مرة بعد مرة فهو للخارج ; لأن هذا ليس في معنى النتاج ، وإن كان مشكلا لا يستبين أنه ينسج مرة أو مرتين قضيت به للمدعي وهذا قول محمد رحمه الله ، وفي بعض نسخ الأصل .
قال وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولا خلاف بينهم في الحاصل ، وكان المعنى فيه أنه ليس في معنى النتاج ; لأن النتاج يعلم أنه لا يكون إلا مرة فما لا يكون إلا مشكلا لا يكون في معنى ما هو معلوم حقيقة من كل وجه فيؤخذ فيه بأصل القياس ويقضى به للمدعي .
، وكذلك إن كانت المنازعة في نصل سيف ، وأقام كل واحد منهما البينة أنه سيفه ضربه فإنه يسأل أهل العلم بذلك من الصياقلة ; لأن هذا مشكل على القاضي فيسأل عنه من له علم به لقوله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، وقال النبي : صلى الله عليه وسلم { لا تنازعوا الأمر أهله } فإن قالوا : لا يضرب إلا مرة يقضى به لذي اليد ، وإن قالوا يضرب مثله مرتين أو أشكل عليهم فلم يعرفوا ; يقضى به للمدعي ; لأن هذا ليس في معنى النتاج من كل وجه .
قال : ولو كانت الدعوى في غزل بين امرأتين يقضى به للذي هو في يديها ; لأن القطن لا يغزل إلا مرة فكان هذا في معنى النتاج وبهذه المسألة استدلوا على أن من غصب قطنا فغزله بملكه فإن المذكور في كتاب الغصب إذا غزله ، ونسجه ، ولم يذكر هذا الفصل ، ولما جعله هنا في معنى النتاج من كل وجه ، والنتاج سبب لأولية الملك في الدابة عرفنا أن الغزل سبب لأولية الملك في المغزول للذي غزله وفي الشعر إذا كان مما ينقض ويغزل يقضى به للمدعي ، وكذلك المرعزى ; لأنه ليس في معنى النتاج ، وكذلك في الحلي يقضى به للمدعي ; لأنه يصاغ مرتين فإن أقاما البينة على خطة الدار قضيت بها للمدعي ; لأن الخطة قد تكون غير مرة فإنه عبارة عن قسمة الإمام عند الفتح يخط لكل واحد من الغانمين خطا في موضع معلوم يملكه ذلك بالقسمة فيكون خطه له ، وهذا قد يكون غير مرة بأن يرتد أهلها وتصير محكومة بأنها دار الشرك لوجود شرائطها ، ثم يظهر عليها المسلمون ثانية فيقسمها الإمام بالخط لكل واحد [ ص: 67 ] منهم كما بينا .
قال ، وإن كانت الدعوى في صوف فأقام كل واحد منهما البينة أن له جزه من غنمه فإنه يقضي به لذي اليد ; لأن الجز لا يكون إلا مرة واحدة ، وكذلك المرعزى والجز والشعر فكان هذا في معنى النتاج فإن ( قيل ) : كيف يكون الجز في معنى النتاج وهو ليس بسبب لأولية الملك فإن الصوف ، وهو على ظهر الشاة كان مملوكا له فكان مالا ظاهرا قبل الجز .
( قلنا ) نعم ، ولكن كان وصفا للشاة ، ولم يكن مالا مقصودا إلا بعد الجز ولهذا لا يجوز بيعه قبل الجز ، وإن ما تنازعا فيه مال مقصود قال ، وإذا كانت الأرض والنخل في يد رجل فأقام آخر البينة أنه نخله ، وأرضه ، وأنه غرس هذا النخل فيها ، وأقام ذو اليد البينة ؟ على مثل ذلك يقضى بها للمدعي ، وكذلك الكروم ، والشجر ; لأن أصل المنازعة في ملك الأرض فإن النخل بمنزلة البيع للأرض حتى يدخل في بيع الأرض من غير ذكر ، وليس لواحد منهما في الأرض معنى النتاج ; ولأن النخل يغرس غير مرة فقد يغرس الثالثة إنسان ، ثم يقلعها غيره ويغرسها فلم يكن في معنى النتاج .
وإن كانت الدعوى في الحنطة ، وأقام كل واحد منهما البينة أنها حنطة زرعها في أرضه قضيت بها للمدعي ; لأن الزرع قد يكون غير مرة فإن الحنطة قد تزرع في الأرض ، ثم يغربل التراب فيميز الحنطة ، ثم تزرع ثانية فلم يكن هذا في معنى النتاج
وكذلك لو كانت أرض فيها زرع فأقام كل واحد منهما البينة أن الأرض والزرع له ، وأنه زرعها يقضى بها للمدعي ; لأن أصل المنازعة في ملك الأرض ، وليس لواحد منهما فيها معنى النتاج .
وكذلك قطن أو كتان في يد رجل أقام هو مع خارج كل واحد منهما البينة أنه له زرعه في أرضه فإنه يقضى به للمدعي لما بينا أن الزرع قد يكون غير مرة .
وكذلك كل ما يزرع مما يكال أو يوزن قال : وهذا لا يشبه الصوف والمرعزى ; لأن الرجل قد يزرع في أرض غيره ويكون للزارع ، ولا يستحقه رب الأرض بخروجه من أرضه ، وأما الصوف والمرعزى لا يكون إلا لصاحب الغنم فمن ضرورة كون الشاة التي في يد ذي اليد مملوكة له أن يكون الذي جز منها مملوكا له ، وليس من ضرورة كون الزرع في أرض هي مملوكة لذي اليد أن يكون الزرع مملوكا له ; ولأن الجز في معنى النتاج ، والزرع ليس في معناه لاحتمال التكرر فلهذا قضينا به للمدعي .
قال : ولو كان القطن شجرا ثابتا في أرض في يد رجل فأقام آخر البينة أنها أرضه ، وأنه زرع هذا القطن فيها ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك يقضى بها للمدعي ; لأن أصل المنازعة في الأرض ، وليس لواحد منهما فيها معنى النتاج ، وكذلك لو كانت هذه المنازعة في دار ، وأقام كل [ ص: 68 ] واحد منهما البينة أنها داره بناها بماله يقضي بها للمدعي ; لأن البناء يكون مرة بعد مرة ، ولم يكن في معنى النتاج
قال : ولو كانت أمة في يد رجل ادعاها آخر أنها أمته ، وأنها ولدت عنده في ملكه من أمته في يديه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك يقضى بها لذي اليد ; لأن الولادة في بني آدم كالنتاج في البهائم ، ولو كان المدعي أقام البينة على أمها التي عند المدعى عليه أنها أمته ، وأنها ولدت هذه في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك قضيت بها ، وبأمها للمدعي ; لأن أصل الدعوى في الأم ، وليس لواحد منهما فيها معنى النتاج فوجب القضاء بها للمدعي ، ثم الولد يملك بملك الأم ، وكان من ضرورة القضاء بالأم للمدعي القضاء بالولد له ، وكذلك لو كانت الدعوى في صوف فأقام المدعي البينة أنه جزه من شاته هذه ، وهي في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك من شاة أخرى في يده قضيت بها لذي اليد ، ولو أقام المدعي البينة على الشاة أنها في يد المدعى عليه أنها شاته ، وأنه جز هذا الصوف في ملكه منها ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك قضيت بها للمدعي ; لأن الدعوى في أصل الشاة فإنما أثبت كل واحد منهما بالبينة الملك المطلق فيها فتترجح بينة المدعي ، ثم الصوف يملك بملك الأصل .
فإن ( قيل ) : قد يكون الصوف والولد لغير صاحب الأصل بأن يوصي بما في بطن جاريته للإنسان وبرقبتها لآخر أو يوصي بالشاة لإنسان وبصوفها لآخر ( قلنا ) لا كذلك فالولد والصوف يملك بملك الأصل إلا أن يملك غيره بسبب ينشئه مالك الأصل من وصية أو غيره
قال عبد في يدي رجل فأقام آخر البينة أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه ومن عبده هذا ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك فإنه يقضى به للذي هو في يديه لإثباته أولية الملك لنفسه فيه فيكون ابن عبده ، وأمته دون ابن عبد الآخر ، وأمته ; لأن بينته لما ترجحت بالقضاء بالملك صارت البينة الأخرى مدفوعة لا يقضى بها بالنسب كما لا يقضى بها بالملك ، وإن أقام الخارج البينة أنه عبده اشتراه من فلان ، وأنه ولد في ملك بائعه ، وأقام ذو اليد البينة أنه عبده اشتراه من فلان آخر ، وأنه ولد في ملكه قضي به لذي اليد ; لأن كل واحد منهما خصم في إثبات نتاج بائعه كما هو خصم في إثبات ملك بائعه ، ولو حضر البائعان ، وأقاما البينة على النتاج كان ذو اليد أولى فهذا مثله ، وكذلك لو أقام الخارج البينة على نتاج بائعه ، وأقام ذو اليد البينة على النتاج في ملكه فبينة ذي اليد أولى لما بينا ، وكذلك لو أقام البينة على وراثة أو وصية أو هبة مقبوضة من رجل ، وأنه ولد في ملك ذلك الرجل ; لأنه يتلقى الملك من جهة مورثه وموصيه فيكون خصما [ ص: 69 ] عنه في إثبات نتاجه .
ولو كان عبد في يدي رجل فأقام آخر البينة أنه عبده ولد في ملكه ، ولم يسموا أمه ، وأقام آخر البينة أنه عبده ولد عنده من أمه هذه فإنه يقضى للذي أمه في يديه ; لأن البينات تترجح بزيادة الإثبات وفي بينة من عين أمه زيادة ، وهو إثبات نسبه من أمه فيترجح بذلك فإن شهد الشهود لذي اليد أنه له ولد في ملكه من أمته هذه لأمة أخرى قضي به لذي - اليد ; لأن بينة الخارج في الولادة لا تعارض بينة ذي اليد سواء حصل من واحدة أو من اثنتين فأما أمه فإنه يقضى بها للذي العبد في يده الذي أقام البينة عليه ; لأنه لا مزاحم له في الأم بحجة يقيمها على إثبات الملك فيه فلهذا قضيت بها للذي العبد في يديه الذي أقام البينة .
قال : وإن كان عبد في يد رجل فأقام آخر البينة أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه ومن عبده هذا ، وأقام آخر البينة على مثل ذلك فإنه يقضى بها بينهما نصفان لاستوائهما في الحجة على الولادة في الملك ، ثم قال ، ويكون الابن من الأمتين والعبدين جميعا فأما ثبوت نسبه من العبدين فهو على قول علمائنا وعلى قول الشافعي رحمه الله لا يثبت نسب الولد من رجلين بحال حرين كانا أو عبدين ادعيا لقيطا أو ولد جارية بينهما ، ولكنه يرجع إلى قول القائف فإن قال القائف : إنه ابنه يثبت النسب منه ، وإن كان موضعا لا يوجد القائف فيه يقرع بينهما ويقضى بالنسب لمن خرجت قرعته .
واحتج في المنع من ثبوت النسب من اثنين أن ثبوت نسب المولود من الوالد بكونه مخلوقا من مائه ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين ; لأن كل واحد منهما أصل للولد كالأم بمنزلة البيض للفرخ والحب للحنطة فكما لا يتصور فرخ واحد من سنبلة واحدة من حبتين فكذلك لا يتصور ، ولد واحد من مائين ، وهذا ; لأن وصول المائين إلى الرحم في وقت واحد لا يتصور ، وإذا وصل أحد المائين في الرحم ينسد فم الرحم فلا يخلص إليه الماء الثاني فإذا تعذر القضاء بالنسب منهما جميعا يرجع إلى قول القائف لحديث عائشة رضي الله عنها { قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسارير وجهه تبرق من السرور ، وقال أما ترين يا عائشة أن مجزز المدلجي مر بأسامة وزيد وهما نائمان تحت لحاف واحد قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال هذه الأقدام بعضها من بعض فسرور رسول الله صلى الله عليه وسلم } بقول القائف دليل على أن قوله حجة في النسب ; ولأن القائف يعتبر الشبه ; وللشبه في الدعاوى عبرة كما قلتم في متاع البيت إذا اختصم فيه الزوجان فما يصلح للرجال فهو للرجل ، وما يصلح للنساء فهو للمرأة ، وكذلك إذا اختلف الآجر والمستأجر في ملك لوح موضوع في الدار فإن كان تصاويره تشبه تصاوير [ ص: 70 ] ما في السقف وموضعه ظاهر فالقول قول الآجر ، وإن كان يخالف ذلك فالقول قول المستأجر ، وفي الموضع الذي لا يوجد القائف يصار إلى الإقراع كما هو مذهبه في جواز استعمال القرعة لتعيين المستحق عند الإقرار ، وقد استعمله علي رضي الله عنه في دعوى النسب حين كان باليمن .
وحجتنا في إبطال المصير إلى قول القائف أن الله تعالى شرع حكم اللعان بين الزوجين عند نفي النسب ، ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف فلو كان قوله حجة لأمر بالمصير إليه عند الاشتباه ; ولأن قول القائف رجم بالغيب ودعوى لما استأثر الله عز وجل بعلمه ، وهو ما في الأرحام كما قال الله تعالى { ويعلم ما في الأرحام } ، ولا برهان له على هذه الدعوى وعند انعدام البرهان كان في قوله قذف المحصنات ونسبة الأولاد إلى غير الآباء ومجرد الشبه غير معتبر فقد يشبه الولد أباه الأدنى ، وقد يشبه الأب الأعلى الذي باعتباره يصير منسوبا إلى الأجانب في الحال ، وإليه أشار { رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه رجل فقال : أنا أسود شديد السواد ، وقد ، ولدت امرأتي ، ولدا أبيض فليس منى فقال صلى الله عليه وسلم هل لك من إبل فقال نعم فقال صلى الله عليه وسلم ما لونها قال حمر فقال صلى الله عليه وسلم هل فيها من أورق فقال نعم فقال صلى الله عليه وسلم مم ذاك فقال لعل عرقا نزع أو فقال صلى الله عليه وسلم ، ولعل هذا عرقا نزع } فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا عبرة للشبه ، وفي متاع البيت عندنا الترجيح بالاستعمال لا بالشبه وفي اللوح الترجيح بالظاهر لا بالشبه .
( ألا ترى ) أن إسكافا وعطارا لو تنازعا في أداة الأساكفة لا يترجح الإسكاف بالشبه ، وثبوت نسب أسامة رضي الله عنه كان بالفراش لا بقول القائف إلا أن المشركين كانوا يطعنون في ذلك لاختلاف لونهما ، وكانوا يعتقدون أن عند القافة علم بذلك ، وأن بني المدلج هم المختصون بعمل القيافة ، وجز ريشهم فلما قال ما قال كان قوله ردا لطعن المشركين فإنما سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا ، لا لأن قول القائف حجة في النسب شرعا .
فأما الدليل على إثبات النسب منهما حديث عمر وعلي رضي الله عنهما حين قال في هذه الحادثة إن لبسا فلبس عليهما ، ولو بينا لبين لهما هو ابنهما يرثهما ، ويرثانه ، وهو للباقي منهما .
والمعنى فيه أنهما استويا في سبب الاستحقاق ، والمدعي قابل للاشتراك فيستويان في الاستحقاق وبيان ذلك أن ثبوت النسب من الرجل باعتبار الفراش لا بحقيقة انخلاقه من مائه ; لأن ذلك لا طريق إلى معرفته ، ولا باعتبار الوطء ; لأنه سر عن غير الواطئين فأقام الشرع الفراش مقامه تيسيرا فقال صلى الله عليه وسلم { الولد للفراش } وكل واحد من البينتين [ ص: 71 ] يعتمد على ما علم به من الفراش ، والحكم المطلوب من النسب الميراث ، والنفقة والحضانة والتربية ، وهو يحتمل الاشتراك فيقضى به بينهما وهو الجواب عن قوله : إنه لا يتصور خلق الولد من المائين فإن السبب الظاهر متى أقيم مقام المعنى الخفي تيسيرا سقط اعتبار معنى الباطن مع أن ذلك يتصور بأن يطأها أحدهما فلا يخلص الماء إلى أحدهما حتى يطأها الثاني فيخلص الماءان إلى الرحم معا ، ويختلط الماءان فيتخلق منهما الولد بخلاف البيضتين والحبتين ; لأنه لا تصور للاختلاط فيهما .
قال : وإن كان المدعي للنسب أكثر من اثنتين فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يثبت منهم ، وإن كثروا أخذا بالقياس كما قررنا ، وعند أبي يوسف رحمه الله لا يثبت فيما زاد على المثنى ; لأن ثبوته من اثنين بحديث عمر وعلي رضي الله عنهما ففيما زاد على ذلك يوجد بأصل القياس الذي قرره الخصم لاستحالة إثبات نسب من عشرة أو أكثر ومحمد رحمه الله يقول : يثبت من ثلاثة ; لأنها أدنى الجمع ، ولا نهاية للزيادة على الثلاثة فالقول به يؤدي إلى التفاحش فاعتبرت أدنى الجمع ، وقلت يثبت من ثلاثة ، ولا يثبت من أكثر من ذلك فأما في الأمتين يثبت النسب عند أبي حنيفة رحمه الله ، وكذلك من الحرتين إذا ادعتا لقيطا ، وأقامتا البينة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يثبت النسب من المرأتين بحال ، وحجتهما في ذلك أن ثبوت النسب من المرأة بسبب انفصال الولد عنها ; ولهذا يثبت من الزانية ، وهذا سبب معاين يوقف عليه فيعتبر حقيقته ، ولا تصور لانفصال ، ولد واحد من المرأتين فيتيقن بكذب أحد الفريقين ، ولا يعرف الصادق من الكاذب فتبطل البينتان بخلاف الرجلين فسبب ثبوت النسب من الرجل الفراش على ما قررنا .
وأبو حنيفة رحمه الله يقول نعم حقيقة هذا النسب من امرأتين محال ، ولكن المقصود من النسب حكمه لا عينه ، وهو الحضانة والتربية من جانب الأم ، وهذا الحكم قابل للاشتراك فتقبل البينتان لإثبات الحكم ويكون ذكر السبب كناية عن الحكم مجازا ، وهو نظير ما قاله أبو حنيفة رحمه الله فيمن قال لعبده وهو أكبر سنا منه : هذا ابني يعتق عليه ، وإن كان صريح كلامه محالا ، ولكن يجعل كناية عن حكمه مجازا .
وما قالا يبطل بدعوى النتاج فإن ولادة شاة واحدة من شاتين حقيقة محال ، ومع ذلك إذا أثبت الخارجان ذلك بالبينة يقضى بالحكم المطلوب وهو الملك ; لأنه قابل للاشتراك فهذا مثله .
قال : وإذا كان قباء محشوا في يد رجل فأقام رجل البينة أنه له قطعه وحشاه ، وخاطه في ملكه ، وأقام ذو اليد البينة على مثل ذلك فإنه يقضى به للمدعي ; لأن الحشو والخياطة قد تكون [ ص: 72 ] غير مرة فلم تكن في معنى النتاج ، وكذلك الحبة المحشوة والفرو ، وكل ما يقطع من الثياب والبسط ، والأنماط والوسائد ; لأن هذا مما يتكرر ، وكذلك الثوب المصبوغ بالعصفر أو الزعفران أو الورس إذا أقام الخارج ، وذو اليد كل واحد منهما البينة على أن له صبغه في ملكه ; لأن الثوب يصبغ غير مرة ، وقد يصبغ على لون ، ثم يصبغ على لون آخر فلم يكن ذلك في معنى النتاج ، وكذلك أواني الصفر ، والحديد يقضى به للمدعي إلا أن يعلم أنه لا يصبغ إلا مرة فحينئذ يكون في معنى النتاج ، وكذلك الأبواب ، والسرر والكراسي إذا أقام كل واحد منهما البينة أنه يجره في ملكه فإن كان ذلك لا يكون إلا مرة واحدة يقضى به لذي اليد ; لأنه يكون في معنى النتاج فإن كان يكون غير مرة أو لا يعلم يقضى بها للمدعي ; لأنه ليس في معنى النتاج وعلى هذا الخفاف والنعال ، والقلانس .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|