عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 19-12-2025, 05:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع عشر

صـــ 52الى صـــ 61
(353)






ولو أقرت زوجة الرجل بعد موته أنه طلقها في الصحة واحدة وأقرت بانقضاء العدة وزعمت أنه راجعها وكذبتها الورثة فالقول قول الورثة ; لأنها أقرت بسبب الحرمان وهو ارتفاع النكاح بانقضاء العدة ثم ادعت بعد ذلك سببا حادثا للاستحقاق فلا يظهر السبب بمجرد قولها بخلاف ما إذا ادعت الورثة أنه طلقها وانقضت عدتها وهي تنكر فالقول قولها ; لأن سبب استحقاقها ثابت باتفاقهم فالورثة يدعون عليها سبب الحرمان حادثا وهي تنكر وهذا الفصل إنما أورده إيضاحا لما سبق فيما إذا لم يقر الابن المسلم بكفر أبيه أو أقر به وادعى إسلامه بعد موته .
قال زوجان ذميان مات ابن لهما عن ابن فقالا : مات ابننا كافرا وقال الابن وهو مسلم : مات أبي مسلما فالقول قول الابن ولا ميراث للأبوين ; لأن الولد مع الأبوين وارث غير محجوب فكان القول قوله في إسلام الميت كما لو كانت المنازعة بين اثنين وقد قررناه فيما سبق .

قال : رجل مات وترك ميراثا في يدي رجل فأقام ابنه البينة أنه ابنه ووارثه ولم تشهد شهوده أنه لا وارث له غيره وقال ذو اليد : له ولد غير هذا أو قال : لا أدري أله ولد سوى هذا أم لا تلوم القاضي في ذلك زمانا رجاء أن يحضر وارث آخر فإذا لم يحضر قضى بالميراث له ; لأن سبب استحقاقه قد ثبت بالحجة وقد تيقنا بكونه وارثا خليفة للميت في ملكه فيدفع ماله إليه ويستوثق منه بكفيل .

من أصحابنا رحمهم الله من قال أخذ الكفيل هنا قولهم جميعا بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله فيما سبق ; لأن هنا الشهود لم يشهدوا بانتفاء وارث آخر فكان الموضع موضع الاحتياط لأخذ الكفيل والأصح أنه على الخلاف كما بينا وقد ذكرنا أيضا مدة التلوم وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قدر ذلك بشهر ; لأن ما وراء الشهر في حكم الأجل فيتضرر به الوارث بتأخير حقه وفيما دون الشهر ليس له كثير ضرر .

وكذلك لو كان الابن كافرا وقال : مات أبي كافرا وكذلك هذا الجواب في كل من لا يحجب عن الميراث بآخر إذا ثبتت قرابته يقضى له بالمال بعد التلوم إذا لم تشهد الشهود أنه لا وارث له غيره حتى لو كانت أما أو بنتا يقضى لها بجميع ماله ; لأنه لا عصبة للميت ظاهرا فكان جميع الميراث لها فرضا وردا فأما إذا كان من يثبت وراثته ممن يحجب بغيره كالجد والجدة والأخ والأخت فإنه لا يعطى شيئا ما لم تقم البينة على عدد الورثة أو يشهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا غير هذا ; لأن استحقاق [ ص: 53 ] الأخ للميراث يتعلق بشرط أن يكون الميت كلالة ; قال الله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة } الآية وقال الله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } والكلالة من ليس له ولد ولا والد فما لم يثبت هذا الشرط بالنص من الشهود لا يكون هو وارثا وما لم يثبت وراثته لا يدفع المال إليه بخلاف ما سبق فإنه وارث بنسبه غير محجوب بأحد .

فإن ( قيل ) كيف يثبت استحقاقه بقول الشهود لا وارث له غيره أو لا نعلم له وارثا غيره وهذه شهادة على النفي ( قلنا ) أما إذا قالوا لا وارث له غيره فعند ابن أبي ليلى رحمه الله هذا لا تقبل لتيقن القاضي أنهم جازفوا ; إذ لا طريق لهم إلى معرفة نفي الوارث وعندنا تقبل بناء على العادة أن مراد الناس من هذا لا نعلم له وارثا غيره وهذه شهادة منهم على إثبات شرط الوراثة إلا أن الشرط نفي والشرط يجوز إثباته بالبينة نفيا كان أو إثباتا كما لو قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فأقام العبد البينة أنه لم يدخلها فأما الزوج والزوجة إذا أثبت أحدهما سبب إرثه بالبينة ولم يثبت أنه لا وارث للميت غيره فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يقضى لهما بأكثر النصيبين بعد البلوغ للزوج بالنصف وللمرأة بالربع وعند أبي يوسف رحمه الله يقضى لهما بأقل النصيبين : للزوج بالربع وللمرأة بالثمن قال : لأن استحقاق الزوج والزوجة لأكثر النصيبين يتعلق بشرط عدم الولد بالنص قال الله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد } وقد بينا أن الشرط لا يثبت باعتبار الظاهر وإنما يثبت بنص من الشهود فإذا لم يوجد لا يقضى لهما إلا بالمتيقن ولأن الزوجية في استحقاق الميراث بها دون الأخوة فبالأخوة تستحق جميع المال ولا تستحق ذلك بالزوجية بحال ، ثم الأخ لا يستحق شيئا ما لم يقم البينة أنه لا وارث له غيره ; لأنه لا تيقن باستحقاق شيء له فكذلك الزوج فيما لا يتيقن باستحقاقه بمنزلة الأخ في الكل أو دونه وحجتهما في ذلك أنه أثبت سبب الوراثة من لا يحجب عن الميراث بأحد فيستحق جميع ميراثه بعد التلوم كالأب والولد وهذا لأن حرمانه عن أكثر النصيبين بولد يحجبه وهذا الحاجب غير ظاهر فيبقى مستحقا بما أثبت من السبب وصار الزوج في استحقاق ما زاد على الربع كالأبوين في استحقاق ما زاد على السدس .

وكل واحد منهما يتعلق بشرط عدم الولد قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } الآية ثم هناك يقضى لهما بالجميع ; لأن الولد الحاجب غير ظاهر هناك كذلك هنا وعن أبي يوسف رحمه الله يعطى للمرأة ربع الثمن ; لأن أقل نصيبها هذا فلعل للمرء ثلاث نسوة سواها وهذا ليس [ ص: 54 ] بقوي فالزوجية سبب تام لاستحقاق الثمن لها بيقين وإنما يقسم الثمن بين الزوجات للمزاحمة ولا مزاحم لها هنا فكيف ينقص حقها من الثمن وعن الحسن بن زياد رحمه الله قال يقضى لها بربع التسع وللزوج بالخمس ; لأن المتيقن هذا المقدار فمن الجائز أن الرجل مات عن أبوين وابنين وأربع نسوة وهي المتبرئة التي قال فيها علي رضي الله عنه في البديهية حين سئل وهو على المنبر أنقلب ثمنها تسعا ؟ فإن أصل الفريضة من أربعة وعشرين : للنسوة الثمن ثلاثة وللأبوين الثلث لكل واحد سدس ثمانية وللابنتين الثلثان ستة عشر تعول بثلاثة فكانت من سبعة وعشرين فللنسوة ثلاثة وهي التسع حظ الواحدة الربع من ذلك فيقضى لها بهذا القدر .

واليقين في جانب الزوج في الخمس لجواز أن يكون تركة أبوين وابنين وزوجا فللزوج الربع وللأبوين السدسان وللابنتين الثلثان أصله من اثني عشر وتعول بثلاثة فللزوج ثلاثة من خمسة عشر وذلك الخمس ولكن هذا ليس بقوي فإن اعتبار العول لمعنى المزاحمة والضيق في المحل فكيف يثبت ذلك عند عدم ظهور وارث آخر سوى الزوج أو الزوجة والمعلوم لا يقابل الموهوم فدل أن الصحيح ما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله والله أعلم

. باب اختلاف الأوقات في الدعوى وغير ذلك

( قال رحمه الله دار في يدي رجل فادعى رجل أنها له منذ سنتين وأقام البينة وادعى ذو اليد أنها في يده منذ سنتين وأقام البينة ولم يشهدوا أنها له قضيت بها للمدعي ) ; لأن شهود المدعي شهدوا له بالملك نصا وشهود ذي اليد إنما شهدوا له باليد ، والأيدي تنوعت إلى : يد أمانة ، ويد ضمان ويد ملك .

فلا تعارض بينته بينة الخارج ولأن الثابت من يده بالبينة كالثابت بالمعاينة وذلك لا يمنع القضاء بالملك للمدعي إذا أثبتها بالبينة في الحال فكذلك في الوقت الذي أسند شهوده إليه .

قال دابة في يد رجل فأقام آخر البينة أنها له منذ عشر سنين فنظر القاضي في سنها فإذا هي ابنة ثلاث سنين يعرف ذلك فبينته باطلة ; لأن القاضي تيقن بمجازفة الشهود في شهادتهم فإنهم شهدوا بالملك له فيها في وقت يتيقن أنها لم تكن موجودة فيه والملك لا يسبق الوجود ولأنه لا يمكنه القضاء بالملك في الحال ; لأنه خلاف الشهادة ولا في الوقت المضاف إليه ; لأنه محال .
قال وإذا كانت الدار في يدي رجل أقام آخر البينة أنها له منذ سنة وأقام آخر البينة أنها له اشتراها من آخر منذ سنتين وهو يملكها يومئذ فإني أقضي بها لصاحب الشراء ; لأنه أسبق تاريخا وقد أثبت [ ص: 55 ] الملك لنفسه في وقت لا ينازعه الآخر فيه وهو خصم عن بائعه في إثبات الملك له في الوقت الذي أرخ شهوده فكان هو أولى بها وكذلك لو شهدوا أنها له اشتراها من فلان منذ سنتين فشهادتهم بالملك للمشتري بمنزلة شهادتهم بالملك للبائع إذا شهدوا بالشراء .
وكذلك لو لم يشهدوا بالملك للبائع ولا للمشتري ولكن شهدوا أن فلانا باعها منه وسلمها إليه من سنتين أو أنه اشتراها من فلان منذ سنتين وقبضها فهذا وشهادتهم بالملك له سواء ; لأن البائع في الظاهر إنما يتمكن من التسليم إذا كان مالكا للمبيع وكذلك المشتري إنما يتمكن من القبض إذا اشتراها من المالك ولأن سبب الملك يتأكد بالتسليم فشهادتهم على سبب ملك متأكد بمنزلة الشهادة على الملك ولو شهدوا أن فلانا باعها منه واستوفى الثمن أو أنه اشتراها ونقد البائع الثمن ولم يشهدوا بالقبض والتسليم لم يقض لمدعي الشراء بشيء ; لأنهم شهدوا بمجرد العقد وذلك يتحقق من غير المالك موقوفا على إجازة المالك فلا يوجب الملك للمشتري قبل الإجازة فلم يكن في هذه الشهادة إثبات الملك للمشتري نصا ولا دلالة فلا يقضى بها له وفي كل موضع قضينا بالملك للمشتري إذا حضر البائع وأنكر أن يكون باعه لم يلتفت إلى إنكاره ; لأن ذا اليد انتصب خصما عن البائع في إنكاره للبائع البيع والمشتري لا يتوصل إلى إثبات الملك لنفسه إلا بإثبات سببه وهو الشراء من الغائب ومتى كان حق الحاضر متصلا بحق الغائب انتصب الحاضر خصما عن الغائب فقد اتصل القضاء ببينة قامت على خصم فلا حاجة إلى إعادتها بعد ذلك .
قال دار في يدي رجل أقام رجل البينة أنها له ولم يوقت شهوده وأقام ذو اليد البينة أنها له منذ سنة فإني أقضي بها للمدعي ; لأن تاريخ ذي اليد ليس بدليل سبق ملكه فلعل شهود المدعي لو أرخوا ذكروا تاريخا سابقا فلا يستحق ذو اليد الترجيح بما هو محتمل في نفسه والتحق بما لو لم يذكر الوقت فتترجح بينة المدعي .
ولو أقام المدعي البينة أنها له منذ سنة أو سنتين شك الشهود في ذلك وأقام ذو اليد البينة أنها له منذ سنتين قضيت بها لذي اليد ; لأن شهود الخارج شكوا فيما زاد على السنة ومع الشك لا يمكن إثبات التاريخ فإنما يثبت من تاريخهم ما يتفقوا به وذلك سنة فصار تاريخ ذي اليد أسبق فتترجح بينته وقد بينا اختلاف الروايات فيه فيما سبق ولو وقت شهود المدعي سنة ووقت شهود ذو اليد سنة أو سنتين شكوا في ذلك فهو للمدعي ; لأن ما شك فيه شهود ذي اليد لم يثبت وفيما يتفقوا فيه استوى تاريخ ذي اليد والخارج فتترجح بينة المدعي ولو شهد شهود المدعي أنها كانت له عام أول وشهود ذي اليد أنها له منذ العام قضيت بها للمدعي [ ص: 56 ] لأن تاريخ شهوده أسبق ولو شهد شهود المدعي أنها له منذ العام وشهود ذي اليد أنها له عام أول قضيت بها لذي اليد ; لأن شهوده شهدوا بتاريخ أسبق من تاريخ المدعي فثبت ملكه في ذلك الوقت وبعد ثبوت ملكه لا يستحقه الغير إلا من جهته .
قال دار في يد رجلين أقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة وأقام الآخر البينة أنها له منذ سنتين قضيت بها لصاحب السنتين ; لأن في يد كل رجل منهما نصف الدار ففي النصف الذي في يد من أرخ شهوده سنة بينة الخارج قامت بتاريخ سابق فكان هو أولى وفي النصف الذي في يد من أرخ شهوده بسنتين بينة ذي اليد قامت على تاريخ سابق على بينة الخارج فيستحق الترجيح به أيضا ولو أقام أحدهما البينة أن له ثلثها منذ سنة وأقام الآخر البينة أن له ثلثها منذ سنتين فإني أقضي بالثلثين لصاحب السنتين ; لأن دعواه تنصرف إلى ما في يده أولا ثم فيما يفضل على ما في يده ينصرف دعواه إلى ما في يد صاحبه لأن يده يدا محقة تحسينا للظن بالمسلم وحملا لفعله على الصحة ولو صرفنا دعواه إلى ما في يد غيره لم تكن يده يدا محقة وفي يده نصف الدار فما زاد على النصف إلى تمام الثلثين وهو السدس اجتمع فيه بينة الخارج وبينة ذي اليد وتاريخ الخارج أسبق فهو أولى ولأن الآخر ليس يدعي إلى الثلث ودعواه منصرفة إلى ما في يده فما زاد على الثلث هو لا ينازع الآخر فيه وقد أثبت الآخر استحقاقه بالبينة على ما في يده فيقضى له به ، وترك الثلث في يد صاحب الثلث فيكون ذلك له قضاء ترك ; لأن بينته لم تقم على منازع له فيه يد ولا ملكا فهذا الطريق فيما إذا كان من أرخ سنة يدعي ثلثها والطريق الأول فيما إذا كان يدعي نصفها وقد اختلفت النسخ في وضع هذه المسألة .
قال أمة في يد رجل فأقام رجل البينة أنها أمته منذ ستة أشهر وأنه أعتقها ألبتة منذ شهر وأقام آخر البينة أنها أمته منذ سنة وأنه أعتقها عن دبر منه منذ سنة فإنه يقضى بها مدبرة لمدعي التدبير ; لأن تاريخ شهوده أسبق فإنهم أثبتوا الملك والتدبير له منذ سنة والملك المتأكد بالتدبير لا يحتمل النقض فشهود الآخر إنما شهدوا بالعتق فيمن لا يملكها وذلك غير مفيد ذكره في بعض النسخ وفي قول أبي يوسف رحمه الله الأول البينة بينة مدعي العتق وهي حرة البتة وهذا بناء على ما سبق أن الخارجين إذا أرخا الملك بتاريخين في قوله الأول يقضى بها بينهما نصفان ولا يترجح أحدهما لسبق التاريخ وقد بينا هذا في باب دعوى الميراث فهنا لما استويا في إثبات الملك على هذا القول بقي الترجيح بما أثبتوا من العتق والعتق والتدبير إذا اجتمعا يترجح العتق لاستحالة أن يوطأ بملك اليمين وقد قامت البينة على حريتها من جهة من [ ص: 57 ] أثبت ملكه فيها بالحجة .
قال دار في يد رجل ادعى رجل أنه اشتراها منه بمائة درهم ونقده الثمن وادعى آخر أنه اشتراها منه بمائتي درهم ونقده الثمن ولم توقت واحدة من البينتين وقتا فكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصفه بنصف الثمن الذي بين شهوده وإن شاء ترك لأنهما تصادقا على أن الملك في الأصل كان لذي اليد وادعى كل واحد منهما التملك عليه بسبب الشراء وقد استويا في ذلك ولو استويا في إقامة البينة على الملك المطلق عليه قضي به بينهما نصفان فكذلك هنا فإن ( قيل ) قد تيقن القاضي بكذب أحد الفريقين ; لأن التعين على دار واحدة من رجلين من كل واحد منهما بكماله لا يتصور في وقت واحد فينبغي أن تبطل البينتان ( قلنا ) الشهود شهدوا بنفس البيع لا بصحته ولم يشهدوا بوقوع البيعين معا ويتصور بيعان في وقتين من واحد لعين واحدة من كل واحد منهما وكل واحد منهما اعتمد سببا أطلق له الشهادة فيجب العمل بها بحسب الإمكان ولأن البيعين يتصور وقوعهما في وقت واحد من وكيل المالك ويضاف عقد الوكيل إلى الموكل مجازا فلعل الوكيلين باعا معا - فيقضى لكل واحد من المشتريين بنصفها ويخير كل واحد منهما لتفرق الصفقة عليه فإنه أثبت عقده في الكل فلتبعض الملك حين لم يسلم له إلا النصف خيرهما فإن رضيا به فعلى كل واحد منهما من الثمن بقدر ما يسلم له من البيع وذلك النصف ، فإن رضي به أحدهما وأبى الآخر فليس للذي رضي به إلا نصفه ; لأن القاضي حين خيرهما فقد فسخ بيع كل واحد منهما في النصف حين قضى به لصاحبه فلا يعود بيع أحدهما بترك صاحبه المزاحمة معه إلا أن يكون ترك المزاحمة قبل أن يقضي القاضي بشيء فحينئذ تكون الدار للآخر بجميع الثمن فإنه أثبت شراءه في الكل ولم يفسخ القاضي بيعه في شيء وإنما كان القضاء له بالنصف لمزاحمة صاحبه معه فإذا زالت المزاحمة قضى له بالكل كالشفيعين إذا أسلم أحدهما قبل قضاء القاضي لهما يقضي للآخر بجميع الدار بخلاف ما لو كان تسليمه بعد القضاء فإنه لا يكون للآخر إلا نصف الدار .

ولو وقتت كل واحدة من البينتين وقتا قضيت بها لصاحب الوقت الأول ; لأنه أثبت شراءه في وقت لا ينازعه الآخر فيه فاستحقها من ذلك الوقت فتبين أن الآخر اشتراها من غير المالك فكان شراؤه باطلا وإن وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى قضيت بها لصاحب الوقت ; لأن شراءهما حادث فإنما يحال بحدوثه على أقرب الأوقات ما لم يثبت التاريخ فإنما يثبت شراء الذي لم توقت شهوده في الحال وقد أثبت الآخر شراءه سابقا فكان هو أولى وهذا بخلاف ما إذا ادعى الشراء من [ ص: 58 ] رجلين ووقته أحدهما ولم يوقت الآخر يقضي بها بينهما نصفين ; لأن كل واحد منهما هناك خصم عن تابعه في إثبات الملك له وتوقيت أحدهما لا يدل على سبق ملك بائعه فلعل ملك البائع الآخر أسبق فلهذا قضينا به بينهما فأما هنا اتفقا على الملك لبائع واحد فإنما حاجة كل واحد منهما إلى إثبات سبب الانتقال إليه لا إلى إثبات الملك للبائع وسبب الملك في حق الذي وقت شهوده أسبق فكان هو بالدار أحق ، وإن لم يوقت واحد منهما وكانت الدار في يد أحدهما وقد قبضها قضيت بها لذي اليد ; لأن قبضه صادر عن العقد الذي أثبته بالبينة حملا لفعله على الصحة فكان شراؤه متأكدا بالقبض فيترجح به لمعنيين أحدهما أن قبضه اقترن بعقد الآخر وهو صادر عن عقده فلا بد من أن يكون عقدا سابقا ولأنه يحتاج إلى إثبات الاستحقاق على البائع فقط وذلك في بينته فأما الخارج يحتاج إلى إثبات الاستحقاق على ذي اليد كما يحتاج إلى إثباته على البائع وليس في بينته ما يوجب الاستحقاق على ذي اليد لجواز أن يكون عقد ذي اليد سابقا وهذا بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من اثنين وأحدهما قابض فإن الخارج أولى هناك ; لأن كل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه أولا ; فاجتمع في حق البائعين ببينة الخارج وبينة ذي اليد فكانت بينة الخارج أولى فأما هنا لا يحتاج إلى إثبات الملك للبائع بل هو ثابت بتصادقهما عليه إنما حاجتها إلى إثبات سبب الاستحقاق .

وسبب القابض أقوى فكان هو أولى فإن شهد شهود الخارج على وقت لم ينتفع به ; لأن تمكن القابض من القبض دليل سبق عقده وهو دليل معاين والتاريخ في حق الخارج مخبر به وليس الخبر كالمعاينة ثم يد ذي اليد ثابتة بيقين فلا ينقض إلا بيقين مثله وبذكر الوقت من شهود الخارج لا يزيل احتمال سبق عقد ذي اليد فلا ينقض قبضه إلا أن يشهدوا أن بيع الخارج كان قبل بيع ذي اليد فحينئذ يكون بيع الخارج أولى ; لأن تقدم العقد ثبت بنص من شهوده وتبين أن القابض اشترى من غير المالك وإن كان المدعيان أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من رجل آخر والدار في يد المدعى عليه قضي بها بينهما نصفين ; لأن كل واحد منهما ثبت الملك لبائعه أولا وقد استوت البينتان في إثبات الملك للبائع فيقضى بها بينهما نصفين ويتخير كل واحد من المشتريين لما بينا وإذا اختار الأخذ رجع كل واحد منهما على بائعه بنصف الثمن إن كان نقده إياه ; لأنه لم يسلم له إلا نصف المبيع ولو وقتا وقتين كان صاحب الوقت الأول أولى لإثباته الملك لبائعه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ويرجع الآخر بالثمن على بائعه لاستحقاق المبيع من يده .

ولو أقام أحدهما [ ص: 59 ] البينة أنه اشتراها من فلان بثمن مسمى وهو يملكها وأقام الآخر البينة أن فلانا آخر وهبها له وقبضها منه وهو يومئذ يملكها قضي بها بينهما نصفين لأن كل واحد منهما ينتصب خصما عمن ملكه في إثبات الملك له أولا ثم لنفسه فالحجتان في إثبات الملك لهما سواء فيقضي بها بينهما نصفين وكذلك لو أقام ثالث البينة على الصدقة من ثالث مع القبض وأقام رابع البينة على إرثه من أبيه قضى بينهم أرباعا لما بينا أن كل واحد منهما خصم عمن ملكه فإن ( قيل ) إنما وضع المسألة في الدار فكيف يجوز القضاء بالهبة والصدقة في جزء منهما مشاعا ؟ ( قلنا ) قيل موضوع هذه المسألة في الدابة ولئن كان في الدار فكل واحد منهما أثبت استحقاقه في الكل إلا أنه لأجل المزاحمة يسلم له البعض ، وهذه المزاحمة بعد القبض فكان شيوعا طارئا وذلك لا يبطل الهبة والصدقة وهذا بخلاف ما إذا كانت الدار في يد رجل فأقام آخر البينة أنه اشتراها من فلان بثمن مسمى وتقابضا وأقام آخر البينة أن فلانا ذلك وهبها منه وقبضها قضى بها لصاحب الشراء ; لأنهما لا يحتاجان هنا إلى إثبات الملك لمن ملكها فإنه ثابت بتصادقهما وإنما الحاجة إلى إثبات سبب الملك عليه والشراء أقوى من الهبة ; لأنه عقد ضمان يوجب الملك في العوضين والهبة تبرع ; لأن الشراء يوجب الملك بنفسه والهبة لا توجب الملك إلا بعد القبض فكان ملك مدعي الشراء سابقا فلهذا جعل أولى وكذلك لو ادعى أحدهما الشراء والآخر الصدقة وادعى أحدهما الشراء والآخر الرهن فالشراء أولى لما بينا وإذا ادعى رجل الشراء وادعت المرأة أن فلانا ذلك تزوجها عليها فعلى قول أبي يوسف رحمه الله يقضى لكل واحد منهما بالنصف ثم للمرأة نصف القيمة على الزوج ويرجع المشتري بنصف الثمن إن كان نقده إياه وقال محمد رحمه الله يقضى بها لصاحب الشراء وللمرأة على الزوج قيمة الدابة .

وجه قول محمد رحمه الله أن تصحيح البينات والعمل بها واجب ما أمكن ; لأنها حجج وهنا يمكن تصحيح البينتين بأن يجعل الشراء سابقا فإن تسمية ملك الغير صداقا تسمية صحيحة موجبة لقيمة المسمى عند تعذر تسليم عينه فلهذا جعلنا الشراء سابقا ولأن الشراء مبادلة مال بمال موجب الضمان في العوضين والنكاح مبادلة مال بما ليس بمال غير موجب للضمان في المنكوحة ; فكان الشراء أقوى من هذا الوجه فجعل أولى وأبو يوسف رحمه الله يقول كل واحد من البينتين يثبت الملك لنفسهما فتتحقق المساواة بينهما في الاستحقاق كما في دعوى الشراءين ومن وجه النكاح أقوى ; لأن الملك في الصداق يثبت بنفس العقد متأكدا حتى لا يبطل بالهلاك قبل التسليم بخلاف [ ص: 60 ] الملك في المشترى ويجوز التصرف في الصداق قبل القبض بخلاف المشترى فإن لم يترجح جانب النكاح بهذا فلا أقل من المساواة وفيما قال محمد رحمه الله إثبات تاريخ لم يشهد به الشهود والتاريخ بين العقدين يثبت من غير حجة فإذا قضينا به بينهما نصفين استحق على المرأة نصف الصداق فيرجع بقيمة المستحق واستحق على المشتري نصف المبيع فيرجع بثمنه وإن ادعى أحدهما الرهن والقبض والآخر الهبة والقبض فالرهن أولى وذكر في كتاب الشهادات أن الهبة أولى في القياس .

ووجهه أن الهبة تفيد ملك العين والرهن لا يوجب فكان السبب الموجب لملك العين أقوى وجه الاستحسان أن الرهن عقد ضمان والهبة عقد تبرع وعقد الضمان أقوى من عقد التبرع ولأنه يثبت بدلين المرهون والدين والهبة لا تثبت إلا بدلا واحدا فكان الرهن أولى من الهبة وكذلك الرهن أولى من الصدقة والنكاح أولى من الهبة والصدقة ; لأنه يوجب الملك بنفسه كالشراء فأما الهبة والصدقة سواء ، حتى لو ادعى أحدهما الهبة والآخر الصدقة يستويان ; لأن كل واحد منهما تبرع لا يتم إلا بالقبض فإن ( قيل ) الصدقة لا رجوع فيها بخلاف الهبة فكانت الصدقة أقوى ( قلنا ) امتناع الرجوع لحصول المقصود بها وهو الثواب لا لقوة السبب ولو حصل المقصود بالهبة وهو صلة الرحم لم يرجع فيها أيضا .

قال دار في يد رجل فأقام آخر البينة أنه اشتراها من ذي اليد بألف درهم ونقده الثمن وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراها من المدعي ونقده الثمن فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تتهاتر البينتان جميعا سواء شهدوا بالقبض أو لم يشهدوا ويترك الدار في يد ذي اليد وعند محمد رحمه الله يقضي بالبينتين جميعا فإن لم تشهد الشهود بالقبض يجعل شراء ذي اليد سالما فيأمن بتسليمه إلى الخارج وإن شهدوا بالقبض يجعل شراء الخارج سابقا فيسلم لذي اليد .

وجه قول محمد رحمه الله أن البينات حجج فمهما أمكن العمل بالبينتين لا يجوز إبطال شيء منها كالحجج الشرعية وهنا العمل بالبينتين ممكن أما إذا لم تشهد الشهود بالقبض فإمكان العمل بها في جعل شراء ذي اليد سابقا ; لأنا لو جعلنا شراء الخارج سابقا لم يصح بيعه من بائعه قبل القبض ولأن قبض ذي اليد صادر عن عقده الذي أثبته بالبينة وذلك دليل سبق عقده فإن شهد الشهود بالقبض يجعل عقد الخارج سابقا ; لأن انقضاء قبضه دليل سبق عقده ، وقيام قبض الآخر دليل تأخر عقده ولأنا لو جعلنا عقد ذي اليد سابقا كان قبضه غصبا حراما ولو جعلنا عقده متأخرا كان قبضه بحق فلهذا أثبتنا التاريخ بين العقدين بهذه الصفة وهذا عمل بالدليل وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله [ ص: 61 ] قال كل واحد منهما بدعوى الشراء أثبت إقرار صاحبه بالملك له فكل بائع مقر بوقوع الملك للمشتري فكان هذا بمنزلة ما لو أقام كل واحد منهما البينة على إقرار صاحبه بالملك له ولو كان كذلك تهاتر الإقرار ; لأن الثابت من الإقرارين بالبينة كالثابت بالمعاينة .

ولو عاين إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه معا بطل الإقراران جميعا فهذا مثله لمعنى أن شهود كل واحد منهما لم يشهدوا بالتاريخ فكل أمرين ظهرا ولا يعرف سبق أحدهما جعل كأنهما وقعا معا فلا يجوز إثبات التاريخ بينهما ; لأنه قضاء بما لم تشهد به الشهود فإذا جعلناهما كالواقع معا بطلا للمنافاة بينهما وإنما يعتبر إمكان العمل بالبينتين بما شهدوا به دون ما لم يشهدوا به فإن وقت الشهود وقتين فهذا على وجهين إما أن يكون وقت الخارج سابقا أو وقت ذي اليد وكل وجه على وجهين إما أن تشهد الشهود بالقبض أو لم يشهدوا به فإن كان وقت الخارج سابقا فإن لم تشهد الشهود بالقبض قضي بها لذي اليد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ; لأن شراءه ثبت سابقا ثم اشتراه منه ذو اليد قبل التسليم وبيع العقار قبل القبض عندهما جائز وعند محمد رحمه الله يقضى بها للخارج لأنه لا يجوز بيع العقار قبل القبض وإن شهد الشهود بالقبض يقضى بها لذي اليد عندهم جميعا ; لأن الخارج باعها من بائعه بعد ما قبضها وذلك صحيح وإن كان وقت ذي اليد سابقا يقضي بها للخارج سواء كان الشهود شهدوا بالقبض أو لم يشهدوا أما إذا شهدوا بالقبض فلا إشكال وكذلك إن لم يشهدوا به ; لأن ذا اليد قابض وقد ثبت شراؤه سابقا فيجعل قبضه صادرا لا عن عقده ثم الخارج إنما اشتراها منه بعد قبضه فيؤمر بتسليمها إليه .
قال أمة في يد رجل فأقام رجل البينة على الشراء منه وأقامت الأمة البينة على العتق أو التدبير فإن بينتها أولى ; لأن كل واحد من البينتين موجب للحق بنفسه والعتق أقوى فإنه لا يحتمل النقض بعد وقوعه وكذلك التدبير بخلاف الشراء ولأن العبد بالعتق يصير قابضا لنفسه ولأن العتق ينفرد به المعتق والشراء لا يتم إلا بالإيجاب والقبول وكان العتق والتدبير سابقا من هذا الوجه ولو استويا لم يمكن القضاء بالشراء لإقران العتق به فإن معتق البعض لا يحتمل البيع فلهذا جعلنا بينتها أولى وإن وقتت البينتان فأولهما أولاهما إن كان العتق أولا فغير مشكل وإن كان الشراء أولا فلأن المشتري أثبت الملك لنفسه في وقت لا تنازعه الأمة فيه ثم هي أثبتت العتق والتدبير من غير المالك وذلك لا يوجب لها حقا ولو وقتت بينة الشراء ولم توقت بينة العتق أو التدبير كان العتق والتدبير أولى لما بينا أن العتق والتدبير يقع مسلما بنفسه فوجد القبض [ ص: 62 ] في أحد الجانبين والوقت في الجانب الآخر وكان القبض أولى .

فإن كان المشتري قد قبضه فهو أولى ; لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده ولأن قبضه معاين وقبض الآخر ثابت حكما فكان المعاين أولى وحمل فعل المسلم على الصحة والحل واجب ما أمكن إلا أن تقوم البينة أن العتق أول أو وقتوا وقتا يعرف أنه أول فحينئذ يكون العتق أولى ; لانعدام مزاحمة المشتري في ذلك الوقت وكذلك إن لم يوقت بينة الشراء إلا أن المشتري قد قبضه فهو أولى لما بينا أن قبضه دليل تقدم عقده إلا أن تقوم البينة أن العتق أول وكذلك الهبة والصدقة مع العتق في جميع ما ذكرنا من التفريع لأن الهبة والصدقة مع القبض موجبة للملك كالشراء ولو كانت الدار أو الأمة في يد رجل فأقام آخر البينة أن ذا اليد وهبها له وقبضها منه وأقام ذو اليد البينة على المدعي بمثل ذلك فإنه يقضي بها لذي اليد أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لتهاتر البينتين كما بينا وعند محمد رحمه الله لأن الشهود شهدوا بالقبض فانقضى وقبض الخارج دليل سبق عقده وقيام قبض ذي اليد دليل بآخر عقده .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]