
19-12-2025, 05:09 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 182الى صـــ 191
(346)
وقضاؤه بأمر الله تعالى يكون نافذا حقيقة لاستحالة القول بأن يأمر الله تعالى بالقضاء ، ثم لا ينفد ذلك القضاء منه وبيان الوصف أنه لما تفحص عن أحوال الشهود وزكوا عنده سرا وعلانية وجب عليه القضاء بشهادتهم حتى لو امتنع من ذلك يأثم ويخرج ويعزل ويعذر فعرفنا أنه صار مأمورا بالقضاء ، وهذا ; لأنه لا طريق له إلى معرفة حقيقة الصدق والكذب من الشهادة ; لأن الله تعالى لم يجعل لنا طريقا إلى معرفة حقيقة الصدق من خبر من هو غير معصوم عن الكذب ولا يتوجه عليه شرعا لوقوف على ما لا طريق له إلى معرفته ; لأن التكليف بحسب الوسع والذي في وسعه التعرف عن أحوال الشهود فإن استقصى ذلك غاية الاستقصاء فقد أتى بما في وسعه وصار مأمورا بالقضاء ; لأن ما وراء هذا ساقط عنه باعتبار أنه ليس في وسعه ، ثم إنما يتوجه عليه الأمر بحسب الإمكان والمأمور به أن يجعلها بقضائه زوجته فلذلك طريقان إظهار نكاح إن كان ، وإنشاء عقد بينهما . فإذا لم يسبق منهما عقد تعذر إظهاره بالقضاء فيتعين الإنشاء إذا ليس هنا طريق آخر فيثبت له ولاية الإنشاء بهذا النوع من الدليل الشرعي ويجعل إنشاءه كإنشاء الخصمين فيثبت الحل به بينهما حقيقة بل قضاؤه أولى وأقوى من إنشاء الخصمين عن اتفاق .
( ألا ترى ) أن في المجتهدات صفة اللزوم يثبت بإنشاء القاضي ولا يثبت بإنشاء الخصمين فعرفنا أن قضاءه أقوى من إنشاء الخصمين .
وشرط صحة الإنشاء الشهادة والمحل القابل له ولا شك أن المحل شرط حتى إذا كانت المرأة منكوحة الغير ، أو محرمة عليه بسبب لا ينفذ قضاؤه لانعدام المحل . فكذلك الشهادة شرطه إلا أن مجلس القضاء لا يخلو عن شاهدين ; فلهذا لم يذكر الشهادة . فأما الولي ليس بشرط عندنا ولا حاجة إلى ذكر المهر ويجب هذا التحقيق حكمه بألفة وهو أن لا يجتمع رجلان على امرأة واحدة أحدهما [ ص: 183 ] بنكاح ظاهر له والآخر بنكاح باطن له ففي ذلك من القبح ما لا يخفى والدين مصون عن مثل هذا القبح ولا يكون القاضي بقضائه ممكنا من الزنا ففيه من الفساد ما لا يخفى . وإذا كان يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين المتلاعنين وبين امرأته لنفيها به عن الزنا ويثبت له ولاية تزويج الصغير والصغيرة لمعنى النظر لهما فلإن يثبت له ولاية انعقاد العقد هنا لنفيها به عن الزنا ويصون قضاؤه به عن التمكين من الزنا أولى .
وكذلك يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين المتلاعنين لقطع المنازعة مع يقينه بكذب أحدهما كما { قال صلى الله عليه وسلم الله يعلم أن أحدكما لكاذب }
فكذلك يثبت له ولاية الإنشاء مع كذب الشهود لتوجه الأمر بالقضاء عليه شرعا وأمر القبلة على هذا فإنه لما توجه عليه الأمر بالصلاة إلى جهة القبلة وأتى بما في وسعه في طلب القبلة يثبت له ولاية نسب القبلة حتى الجهة التي أدى إليها اجتهاده تنتصب قبلة في حقه فتجوز صلاته إليها ، وإن تبين له الخطأ بعد ذلك وبهذا يتبين فساد ما قالوا أن المدعي عالم بما لو علمه القاضي امتنع من القضاء ففي اللعان الكاذب منهما عالم بما لو علمه القاضي امتنع من التفريق ومع ذلك نفذ القضاء في حقه لتوجه الأمر على القاضي وتوجه الأمر بالانقياد واتباع أمر القاضي في حق الناس ، وهذا بخلاف ما إذا ظهر أن الشهود عبيد ، أو كفار أو محدودون في قذف فإن هذه أسباب يمكن الوقوف عليها عند الاستقصاء ، ولكن ربما يلحقه الحرج في ذلك فللحرج تعذر بترك الاستقصاء ، ولكن لم يسقط الخطاب بإصابتها حقيقة فلا يتوجه الأمر بالقضاء بدونها حقيقة . فأما حقيقة الصدق فلا طريق إلى الوقوف عليه والأمر بالقضاء يتوجه بدونه وهو بمنزلة ما لو توضأ بماء ، أو صلى في ثوب لم يتبين أنه كان نجسا فإنه يلزمه الإعادة لهذا المعنى ، أو هو بمنزلة ما لو قضى باجتهاده ، ثم ظهر نص بخلافه .
فأما الأملاك المرسلة فليس للقاضي هناك ولاية الإنشاء ; لأن تمليك المال من الغير بغير سبب ليس فيه ولاية القاضي ولا لصاحب المال أيضا ، وفي أسباب تمليك المال كثرة فلا يمكن تعيين شيء منها فعرفنا أنه ليس له في ذلك الموضع إلا ولاية إظهار الملك . فإذا لم يكن هناك ملك سابق فلا تصور لإظهاره بالقضاء والتكليف بحسب الوسع فبهذا تبين أنه لم يكن مأمورا بالقضاء باطنا . فأما هنا له ولاية الإنشاء وطريقه متعين من الوجه الذي قلنا فباعتباره يصير مأمورا بالقضاء بالنكاح بينهما حقيقة يوضحه أن هناك القاضي لا يقول للمدعي ملكتك هذا المال ، وإنما يقصر يد المدعى عليه عن المال ويأمره بالتسليم إليه ليأخذه على أنه ملكه كما يدعيه وقضاؤه بهذا نافذ .
فأما هنا نقول قضيت [ ص: 184 ] بالنكاح بينكما وجعلتها زوجة لك فينبغي أن يثبت النكاح بينهما بقضائه إذا عرفنا هذا فنقول إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها ثلاثا وأقامت على ذلك شاهدي زور فقضى القاضي بالفرقة بينهما فتزوجها أحد الشاهدين بعد انقضاء العدة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يحل للثاني أن يطأها ولا يحل للأول ذلك ; لأن الفرقة وقعت بينهما وبين الأول حقيقة وصح النكاح بينهما وبين الثاني بعد انقضاء المدة وعلى قول أبي يوسف رحمه الله ليس للأول أن يطأها لقضاء القاضي بالفرقة بينهما وكيف يطؤها ، ولو فعل ذلك كان زانيا عند القاضي ، وعند الناس فلا يجوز للمرء أن يعرض نفسه لهذه التهمة ولا يحل للثاني أن يطأها ; لأنه يعلم أنها منكوحة الغير ، وأنه كان كاذبا فيما يشهد به من الطلاق ، وذلك كان كبيرة منه فلا يحل له ما كان حراما عليه .
وقال محمد رحمه الله ليس للثاني أن يطأها لهذا ويحل للأول أن يطأها ما لم يدخل بها الثاني . فإذا دخل بها الثاني لا يحل للأول أن يطأها بعد ذلك لوجوب العدة عليها من الثاني بالوطء بالشبهة والمنكوحة إذا وجبت عليها العدة من غير الزوج حرم على الزوج وطؤها . وقال الشافعي رحمه الله لا يجب عليها العدة من الثاني ; لأنهما زانيان في هذا الوطء يعلمان حقيقة الأمر فهو يقول يطؤها الأول سرا بنكاح باطن له والثاني علانية بنكاح ظاهر له ، وهذا قبيح فإنه يؤدي إلى اجتماع رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا أنهم يقولون معنى الصيانة عن هذا القبح يحصل بالنهي ونحن ننهى كل واحد عن مثل هذا التلبيس وهو نظير ما يقولون فيما إذا كان ادعى جارية في يد رجل أنها له وقضى القاضي له بشهادة شاهدي زور فإنها في الباطن مملوكة للأول يطؤها سرا ، وفي الظاهر مملوكة للثاني يطؤها علانية ، وهذا القبح يتقرر فيه ، ولكن معنى الصيانة عن هذا القبح يحصل بالنهي ، ثم التمكن من هذا الظاهر يلتبس والناس أطوار وقليل منهم الشكور ، وما ذهب إليه أبو يوسف فيه نوع ضرر أيضا فإن المرأة تبقى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة إذ هي لا تحل للأول ولا للثاني ، وليس لها أن تتزوج بزوج آخر ولدفع هذا الضرر أمر الشرع بالتفريق بين العنين وامرأته فعرفنا أن الوجه بطريق الفقه ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله واتبع فيه عليا رضي الله عنه ، وإن قضاء القاضي ينفذ ، وأنها تحل بالنكاح للثاني .
رجل ادعى على رجل أنه باع منه جاريته هذه بألف درهم والمشتري يجحد ذلك فأقام عليه شاهدين فألزمه القاضي البيع والمشتري يعلم أنه لم يشترها منه ، ثم رجعا عن شهادتهما لم يصدقا على نقض البيع ; لأن شهادتهما ما تأدت بحكم الحاكم وتناقض كلامهما [ ص: 185 ] في الرجوع ولا ضمان عليهما ; لأنهما أتلفا على المشتري الثمن بعوض يعدله وهو الجارية فإن ماليتها مثل مالية الثمن والإتلاف بعوض لا يوجب الضمان على المتلف ; لأن وجوب الضمان للجبران والنقصان هنا منجبر بعوض يعدله المشتري في حل من وطئها في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن القاضي له ولاية الإنشاء في البيوع فإنه يبيع التركة في الدين ويبيع مال اليتيم والغائب لمعنى النظر فيكون قضاؤه كإنشاء البيع لمعنى النظر للخصمين في ذلك ، وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد رحمه الله لا يحل له أن يطأها ; لأن قضاءه إمضاء لبيع كان . فإذا لم يكن بينهما بيع كان باطلا في الباطن .
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه قذف امرأته بالزنا والرجل يعلم أنهما شهدا بباطل فأمره القاضي بأن يلتعن هو وامرأته وفرق بينهما لم يسع للزوج أن يطأها ، ولو تزوجت بعد انقضاء العدة وسعها ذلك أما عند أبي حنيفة رحمه الله ظاهر وعندهما ; لأن للقاضي هنا إنشاء التفريق بينهما فينفذ قضاءه على الوجه الذي قصده ، وقد بينا نظيره في بيع التركة في دين ثبت بشهادة الزور قال .
( ألا ترى ) أن الزوج لو قذفها وهو يعلم أنه كاذب فكره أن يكذب نفسه فلاعن القاضي بينهما وفرق لم يسع الزوج أن يطأها ، وإن كان يعلم أنها لم تزن ، ولو تزوجت بعد انقضاء العدة وسعها ذلك ، وإن كانت تعلم أن الزوج كاذب فيما رماها به لما أن للقاضي إنشاء التفريق وهو قضاء منه في موضعه لولاية التفريق له بسبب اللعان عند اشتباه الحال حتى إذا كان الحال معلوما لا يفرق بينهما فالاشتباه لا يؤثر في المنع من نفوذ قضائه على الوجه الذي قصده في اللعان وأبو حنيفة رحمه الله يقول في هذا كله بعد قضائه ; لأنه مأمور باتباع الظاهر ، وما سوى ذلك مما لا طريق له إلى معرفته ساقط عنه
( ألا ترى ) أنه لو خلا بامرأته ولم يدخل بها ، ثم طلقها وأقرت هي بذلك أن لها المهر كاملا يسعها أن تأخذه ، وإن كانت قد علمت أن الزوج لم يقربها ، ولكن لما سقط عنها ما ليس في وسعها وأتت بما عليها من التسليم تقرر حقها في المهر ولزمها العقد فلا يسعها أن تتزوج قبل انقضاء عدتها ولا يسع الزوج أن يتزوج أختها في عدتها فيه يتضح مما سبق من فصول اللعان والشهادة .
وكذلك لو قذف امرأته بالزنا وهو صادق فجحدته المرأة ولاعن القاضي بينهما وفرق وانقضت عدتها فهي في سعة من أن تتزوج غيره وله أن يتزوج أختها ، وإن كانا يعلمان من زناها ما لو علمه القاضي لم يفرق بينهما .
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق أمته هذه فأجاز القاضي ذلك وأعتقها وتزوجت ، ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا قيمتها للمولى [ ص: 186 ] لأن ملك المولى فيها كان مالا متقوما ، وقد أبطلا ذلك بشهادتهما . فإذا زعما بالرجوع أنهما أتلفاه بغير حق صدقا على أنفسهما وضمنا قيمتها للمولى ولم يسع المولى وطؤها ; لأنها عتقت بحكم الحاكم ومن ضرورة سلامة الضمان للمولى أن لا تبقى هي على ملكه وبدون ملك الرقبة لا يثبت له عليها ملك الحل بغير سبب .
ولو أن صبيا وصبية سبيا وكبرا وعتقا وتزوج أحدهما الأخرى ، ثم جاء حربي مسلما وأقام بينة أنهما ولداه فقضى القاضي بذلك وفرق بينهما ، ثم رجعا عن شهادتهما لم يقبل رجوعهما ولا يسع الزوج أن يطأها ، وإن علم أنهما شهدا بزور وكيف يطؤها ، وقد جعلها القاضي أخته ولم يضمن الشاهدان شيئا عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله يضمنان له مهر مثلها ، وهذا بناء على أصل نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وهو أن البضع عند خروجه من ملك الزوج لا يتقوم عندنا فلم يتلفا عليه مالا متقوما بشهادتهما ، وعند الشافعي رحمه الله يتقوم بمهر المثل عند خروجه من ملكه كما يتقوم عند دخوله في ملكه .
ولو كانت صبية في يدي رجل يزعم أنها أمته فشهد شاهدان أنه أقر أنها ابنته فقضى بذلك القاضي لم يسع المولى أن يطأها ، وإن علم أنهما شهدا زور ; لأن القاضي حكم بأنها ابنته فإن رجعا ضمنا قيمتها ; لأنهما أقرا بالرجوع أنهما أتلفا عليه مالا متقوما بشهادتهما وهو ملكه في رقبتها ولو ماتت وتركت ميراثا وسعه أن يأكل ميراثها . وكذلك لو مات الأب كانت في سعة من أكل ميراثه أما في جانبها فهو واضح ; لأنه لا علم لها بحقيقة الأمر فحالة العلوق غيب عنها ، وفي مثله عليها اتباع قضاء القاضي فيسعها أن تأكل ميراثه وأما في جانبه فهو مشكل ; لأن الميراث والنسب مما ليس للقاضي فيه ولاية الإنشاء وهو يعلم أنها ليست بابنته حقيقة فينبغي أن لا يسعه أن يأكل ميراثها حتى قيل تأويله أنه يأكل ميراثها بسبب الولاء ; لأن القاضي قضى بالعتق وله فيه ولاية الإنشاء فيثبت الولاء له والأصح أن يقال لما كان للقاضي ولاية الإنشاء في قطع النسب باللعان . فكذلك له ولاية الإنشاء في القضاء بالنسب إذا صادف محله فقد صادف محله وهنا فإنه ليس لها نسب معروف ; فلهذا يسعه أن يأكل ميراثها .
ولو شهدا على مال فقضى به القاضي فقبضه ، أو لم يقبضه ، ثم رجعا ضمنا المال إذا أخذه المقضي له من المقضي عليه وقبل الأخذ لا يضمنهما المقضي عليه شيئا ; لأن تحقق النقصان عند تسليم المال إلى المقضي له . فأما ما بقيت يده على ماله فلا يتحقق الخسران في حقه ، ولأن الضمان مقدر بالمثل وهما أتلفا عليه دينا حين ألزماه ذلك بشهادتهما فلو ضمنهما عينا قبل الأداء كان قد استوفى منهما عينا مماثلة الدين ولا مماثلة بين العين والدين ، وفي الأعيان يثبت الملك للمقضي [ ص: 187 ] له بقضاء القاضي ، ولكن المقضي عليه يزعم أن ذلك باطل ; لأن الملك في يده ملكه فلا يكون له أن يضمن الشاهدين شيئا ما لم يخرج المال من يده بقضاء القاضي .
وكذلك هذا في العقار فإن بالشهادة الباطلة يضمن العقار كالمنقول ; لأن فيها إتلاف الملك واليد على المقضي عليه والعقار يضمن بمثل هذا السبب فإن إتلاف الملك يتحقق فيها بخلاف الغصب على قول من يقول العقار لا يضمن بالغصب .
ولو شهد ثلاثة نفر على رجل بمال وقضى به القاضي ، ثم رجع أحدهم لم يضمن شيئا ; لأن الأصل في ضمان الرجوع أنه يعتبر بقاء من بقي على الشهادة لا رجوع من رجع ، وقد بقي على الشهادة حجة تامة فلا يضمن الراجع شيئا ، وهذا ; لأن الراجع ، وإن زعم أنه متلف بشهادته عليه فما أتلفه يستحق عليه بشهادة غيره واستحقاق ذلك عليه بالحجة يمنعه من الرجوع عليه على المتلف بالضمان كمن غصب مال إنسان ، أو أتلفه ، ثم استحق رجل ذلك المال بالبينة فلا ضمان للمتلف عليه إذا لم يضمنه المستحق شيئا ، ولو رجع اثنان منهم ضمنا نصف المال ; لأنه بقي على الشهادة لم يثبت نصف المال بشهادته ، وإنما انعدمت الحجة في النصف خاصة فيضمن الراجعان ذلك .
ولو شهد رجل وامرأتان ، ثم رجعت امرأة فعليها ربع المال ; لأن الثابت بشهادتهما ربع المال ، ولأنه قد بقي على الشهادة من يثبت بشهادته ثلاثة أرباع المال فعلى الراجع ربع المال ، وإن رجعت المرأتان فعليها النصف ، وإن رجع الرجل وحده فعليه نصف المال ، وإن رجع رجل وامرأة فعليهما ثلاثة أرباع المال على الرجل النصف وعلى المرأة الربع ، وإن رجعوا جميعا فعلى الرجل نصف المال وعلى المرأتين النصف ; لأن الثابت بشهادة الرجل مثل ما ثبت بشهادة المرأتين فقد قامتا في الشهادة مقام رجل واحد كما { قال صلى الله عليه وسلم في نقصان عقل النساء عدلت شهادة اثنتين منهن شهادة رجل . }
فإن شهد رجل وعشر نسوة فقضى القاضي ، ثم رجعوا جميعا فعلى الرجل سدس المال وعلى النساء خمسة أسداس المال في قول أبي حنيفة رحمه الله . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على الرجل النصف وعلى النساء النصف ; لأن النساء ، وإن كثرن في الشهادة لا يقمن إلا مقام رجل واحد .
( ألا ترى ) أن الحجة لا تتم ما لم يشهد معهن رجل فكان الثابت بشهادته نصف المال وبشهادتهن نصف المال يوضحه أن الرجل متعين في هذه الشهادة للقيام بنصف الحجة ; ولهذا لا تتم الحجة إلا بوجوده فلا يتغير هذا الحكم بكثرة النساء .
وإذا ثبت نصف الحق بشهادته ضمن ذلك عند الرجوع والنصف الآخر يثبت بشهادة النساء فعليهن ضمانه عند الرجوع وأبو حنيفة رحمه الله يقول كل [ ص: 188 ] امرأتين في الشهادة يقومان مقام الرجل الواحد فعشر نسوة بخمسة من الرجال وهذه المسألة بمنزلة ما لو شهد ستة من الرجال ، ثم رجعوا فيكون الضمان عليهم أسداسا ودليل صحة هذا الكلام أن حكم الشهادة كحكم الميراث ، وفي الميراث عند كثرة البنات مع الابن يجعل كل اثنتين كابن واحد ولم يجعل حالة الاختلاط كحالة انفراد البنات فعند الانفراد لا يزاد لهن على الثلثين ، ثم عند الاختلاط يجعل كل اثنتين كابن . فكذلك في الشهادة ، وهذا ; لأن النقصان على أدنى العدد في الشهادة يمنع القضاء . فأما الزيادة على النصاب معتبر في أن القضاء يكون بشهادة الكل فبكثرة النساء عند وجود الرجل يزداد النصاب ، ويكون القضاء بشهادة الكل على أن كل امرأتين كرجل واحد فعند الرجوع كذلك يقضي بالضمان ، ولو رجع ثمان نسوة لم يكن عليهن شيء ; لأنه قد بقي على الشهادة من يثبت الاستحقاق بشهادته وهو رجل وامرأتان فإن رجعت امرأة بعد ذلك كان عليها وعلى الثمان ربع المال ; لأن الحجة إنما بقيت في ثلاثة أرباع الحق فيجب الضمان بقدر ما انعدمت الحجة فيه ، وليس البعض بأولى من البعض في وجوب ذلك عليه ; فلهذا ضمن التسع ربع المال عليهن بالسوية ، وإن رجعت العاشرة فعليها وعلى التسع نصف المال أما عندهما ظاهر ; لأن الثابت بشهادتهن نصف المال ، وعند أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه بقي على الشهادة من يثبت نصف المال بشهادته بمنزلة ما لو شهد ستة من الرجال ، ثم رجع خمسة .
ولو شهد رجلان وامرأة بمال ، ثم رجعوا كان الضمان على الرجلين دون المرأة ; لأن المرأة الواحدة لا تكون شاهدة فإن المرأتين شاهد واحد فالمرأة الواحدة شطر العلة في كونها شاهدا وبشطر العلة لا يثبت شيء من الحكم فكان القضاء بشهادة رجلين دون المرأة فلا يضمن عند الرجوع شيئا .
ولو شهد رجل وثلاث نسوة ، ثم رجع رجل وامرأة ضمن الرجل نصف المال ; لأن الحجة بقيت في نصف المال فقد بقي امرأتان على الشهادة ، ثم هذا النصف عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على الرجل خاصة لما بينا أن عندهما نصف المال متعين في أنه ثابت بشهادة الرجل ونصف ثابت بشهادة النساء ، وقد بقي من النساء على الشهادة من يثبت نصف المال بشهادته فعرفنا أن الحجة انعدمت في النصف الذي هو ثابت بشهادة الرجل خاصة فيكون الضمان عليه دون المرأة وينبغي في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله أن يكون النصف أثلاثا على الرجل والمرأة ; لأن القضاء هنا بشهادة الكل فكل امرأة منهن إذا ضمتها إلى الأخرى كانتا شاهدا فلا يكون القضاء محالا به على شهادة البعض دون البعض [ ص: 189 ] وقد بقيت الحجة في نصف الحق فيجب ضمان نصف الحق على الراجعين أثلاثا ; لأن الثابت بشهادة الرجل ضعف ما يثبت بشهادة المرأة ولو رجعوا جميعا كان على الرجل النصف وعلى النسوة النصف في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله على الرجل خمسا المال وعلى النسوة ثلاثة أخماسه كما ذكرنا في الفصل الأول .
وإذا شهد رجلان وامرأتان ، ثم رجعوا فالضمان أثلاث ; لأن المرأتين قامتا مقام رجل واحد فكأنه شهد ثلاثة بالمال ، ثم رجعوا
وإذا شهد شاهدان بمال قضى به القاضي ، ثم ادعى المشهود عليه أنهما رجعا وأراد يمينهما فلا يمين عليهما في ذلك ولا تقبل عليهما به بينة ; لأنه ادعى عليهما رجوعا باطلا لما بينا أن الرجوع فسخ للشهادة فيختص بمجلس الحكم كالشهادة فلما أن شهادتهما في غير مجلس القاضي باطلة . فكذلك رجوعهما والحدود والقصاص في هذا كالأموال .
وإذا رجعا عن شهادتهما وأشهدا بالمال على أنفسهما من قبل الرجوع ، ثم جحدا ذلك فشهدت عليهما شهود بالمال عليهما قبل الرجوع والضمان لم يقبل ذلك ; لأن الرجوع في غير مجلس القضاء باطل فإنما أشهدا على أنفسهما بالمال بسبب باطل ، وذلك لا يلزمهما شيء .
وكذلك لو شهدوا على زنا واحصان فرجمه القاضي بذلك ، ثم أشهد الشهود عليهم بالرجوع لم يكن عليهم بالرجوع حد ولا ضمان ; لأنهم بالرجوع ما صاروا قاذفين له ، ولكن الشهادة تنفسخ بالرجوع فيصير كلام الشاهدين قذفا عند ذلك وفسخ الشهادة بالرجوع مختص بمجلس الحكم ( قال ) ولو أوجبت عليهما الحد لأوجبت عليهما الضمان ، وقد بينا أنهم لا يضمنون بالرجوع في غير مجلس الحكم فلا يحدون أيضا .
وإذا لم يقض القاضي بشهادة شاهدين حتى رجعا عنها لم يقض بها ; لأن القضاء يستدعي قيام الحجة عنده ولم تبق الحجة حين رجعا ، ولأن شهادتهما تتأكد بالقضاء فبالرجوع قبل التأكد يبطل بحيث لا يبقى له أثر ولا ضمان عليهما ; لأنهما لم يتلفا شيئا على أحد أما المشهود عليه فقد بقي المال على ملكه وأما المشهود له فلم يثبت له استحقاق قبل القضاء
ولو اشترى رجل دارا بألف درهم وهي قيمتها ونقده الثمن فشهد شاهدان أن هذا الرجل شفيعها ، وأن هذه الدار التي هي في يديه ملزقة بداره فقضى القاضي له بالشفعة ، ثم رجعا عن شهادتهما فلا ضمان عليهما ; لأنهما أتلفا على المشتري ملكه فيها بعوض يعدله وهو الثمن الذي أخذه من الشفيع فإن كان المشتري قد بنى فيها بناء فأمره القاضي بنقضه ضمن الشاهدان له قيمة بنائه ; لأنه كان مستحقا لقرار البناء بملكه الدار ، وقد شهد أن الشفيع أحق بملكها منه فكانا متلفين للبناء عليه فيضمنان له قيمة البناء مبنيا ، ويكون النقض لهما بالضمان بمنزلة ما لو [ ص: 190 ] هدماه بأيديهما .
وإذا رجع الشاهدان عن شهادة شهدا بها عند غير القاضي الذي شهدا عنده فإنه يقضي عليهما بالضمان ; لأن شرط صحة الرجوع مجلس القاضي لا مجلس ذلك القاضي الذي شهدا عنده فرجوعهما في مجلس القاضي الآخر كرجوعهم في مجلس القاضي الذي شهدا عنده أرأيت لو مات الأول ، أو عزل فرجع في مجلس القاضي الذي قام مقامه أليس يقضي عليهما بالضمان . فكذلك إذا رجعا في مجلس القاضي الآخر فإن قضى بذلك عليهما فلم يؤديا حتى تخاصما إلى القاضي الذي شهدا عنده أول مرة وجحدا الرجوع فقامت عليهما البينة بالرجوع وبقضاء القاضي عليهما بالضمان فإنه ينفذ ذلك عليهما ويضمنها المال ; لأن المدعي أثبت المال عليهما بالحجة بسبب صحيح فيضمنهما المال به ، وكذلك لو رجعا عند القاضي الذي شهدا عنده فيضمنهما ذلك ، ثم اختصموا إلى غيره ، وكذلك لو شهد عليهما شاهدان بإقرارهما أنهما رجعا عند قاض من القضاة ، وأنه ضمنهما ذلك فالثابت من إقرارهما بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولو سمع القاضي إقرارهما بذلك ضمنها المال . فكذلك إذا أثبت المدعي ذلك بالحجة .
ولو رجع عند غير قاض وضمنهما المال وكتبا به على أنفسهما صكا وبسبب المال إلى الوجه الذي هو له منه ، ثم جحدا ذلك عند القاضي لم يقض بذلك عليهما ; لأنهما كتبا على أنفسهما الصك بمال بسبب باطل وهو رجوعهما عند غير القاضي ، وكذلك لو أقر بذلك ضمنهما المال . فكذلك إذا أثبت المدعي ذلك بالحجة ، ولو رجعا عند غير قاض وضمنهما المال على الوجه الذي هو له منه ، ثم جحدا ذلك عند القاضي لم يقض بذلك عليهما ; لأنهما كتبا على أنفسهما الصك بسبب باطل وهو رجوعهما عند غير القاضي ، وكذلك لو أقر بذلك عند صاحب الشرط ، أو عامل كورة ليس القضاء إليه ; لأن الرجوع معتبر بالشهادة فكما أن الشهادة عند هؤلاء كالشهادة عند غيرهم من الرعايا . فكذلك الرجوع
. وإذا شهدا على رجل أنه باع عبده هذا من فلان بألف درهم والبائع يجحد والمشتري يدعي ، ثم رجعا عن الشهادة فإن كانت قيمة العبد ألف درهم ، أو أقل فلا ضمان على الشاهدين ; لأنهما أدخلا في ملك البائع ما يعدل ما أخرجاه عن ملكه ، أو يزيد عليه وهو الثمن الذي استوفاه من المشتري ، وإن كانت قيمة العبد أكثر من ألف ضمنا الفضل ; لأنهما أتلفا الفضل عليه بغير عوض يعدله والبعض معتبر بالكل ، وكذلك كل بيع ، أو صرف شهدا به ، وإن أخر المقضي عليه الضمان عنهما جاز ; لأن هذا تأجيل دين واجب في الذمة وهو وسائر الديون سواء ، ثم إذا أجل رب الدين للمدين صح هذا التأجيل فكذا هنا ، ولأن الواجب عليهما [ ص: 191 ] ليس ببدل الصرف ، وإنما هو بدل الغصب ، أو مال مستهلك ، وقد تقدم بيان صحة التأجيل به .
وإذا كان لرجل على رجل دين فشهد شاهدان أنه وهبه ، أو تصدق به عليه ، أو أبرأه منه ، أو حلله ، أو أوفاه ، ثم رجع ضمنا المال ; لأنهما أتلفا عليه المال بشهادتهما فإن ( قيل ) قد أتلفا عليه الدين فكيف يضمنان له العين ( قلنا ) قد أتلفا عليه دينا يتعين بالقبض فيضمنان له مثل ذلك دينا في ذمتهما يتعين بالقبض منهما .
وإن شهدا أنه أجله سنة فقضى بذلك ، ثم رجع قبل الحل ، أو بعده ضمنا المال للطالب ; لأنهما فوتا عليه حق القبض بالشهادة بالتأجيل إلى انقضاء الأجل ، وذلك موجب للضمان عليهما ، وهذا ; لأن التأجيل في الحكم كالإبراء .
( ألا ترى ) أن المريض إذا أجل في دين له يعتبر خروجه من الثلث كما لو أبرأ ، ثم هذا يتضح في رجوعهما قبل حل الأجل ، وكذلك لو رجعا بعد حل الأجل ; لأن الضمان عليهما عند الرجوع بالشهادة لا بالرجوع فالإتلاف بالشهادة يحصل . وإذا صار ضامنين بها لا يسقط الضمان عنهما بحلول الأجل كالوكيل بالبيع بثمن حال إذا باع بثمن حال ، ثم أجل عن المشتري كان ضامنا للموكل قبل حلول الأجل ، وبعده لهذا المعنى ، ولأن الضامن كان ضامنا للموكل قبل حلول الأجل ، وبعده ، ولأن الضمان إنما وجب عليهما بسبب الإتلاف لما بينا أنهما بشهادتهما فوتا عليه حق القبض وبحلول الأجل لم يتبين أن ذلك لم يكن إتلافا ; فلهذا كان له حق الرجوع عليهما وكان الخيار له إن شاء أخذ المطلوب ، وإن شاء أخذ الشاهد . فإذا أخذ الشاهد كان لهما حق الرجوع به على المطلوب إلى أجله ; لأنهما ملكا ذلك المال بالضمان في ذمة المطلوب ، ولأن الطالب حين ضمنهما فقد أقامهما مقام نفسه في الرجوع على المطلوب فإن نوى على المطلوب برئ من الشاهدين ; لأنهما قاما في ذلك مقام الطالب لو اختار الرجوع على المطلوب ولا يكون لهما حق الرجوع على الطالب ; لأنهما قاما مقامه ، ثم إذا أدى للطالب لا يكون له حق الرجوع على أحد . فكذلك للذي قام مقامه بخلاف الحوالة فإنه إذا نوى المال على المحتال عليه يرجع به على المحيل ; لأن تحول الحق إلى ذمة المحتال عليه كان بشرط سلامة المال للطالب من المحتال عليه . فإذا لم يسلم عاد إلى ذمة المحيل وهنا أصل المال صار للشاهدين بالضمان مطلقا فإن خرجا كانا لهما ، وإن نوى كانا عليهما ; لأنهما قاما في ذلك مقام الطالب .
ولو شهدا على رجل أنه وهب عبده لهذا الرجل وقبضه وقضى القاضي بشهادتهما ، ثم رجعا ضمنا قيمة العبد ; لأنهما أتلفا ملكه بغير عوض ولا رجوع للمولى في الهبة إذا أخذ القيمة إما ; لأن القيمة عوض له من هبته ، أو ; لأنه يزعم أنه ملك العبد من الشاهدين بما أخذ [ ص: 192 ] منهما من الضمان فلا سبيل له على الموهوب له ولا للشاهدين ; لأن رجوعهما فيما يرجع إلى إبطال قضاء القاضي باطل والقاضي بقضائه جعل العبد هبة للموهوب له من جهة المقضي عليه لا من جهة الشاهدين ، وليس لغير الواهب حق الرجوع في الهبة ، ولو لم يضمن المقضي عليه للشاهدين فله الرجوع في العبد بقضاء القاضي ; لأنه هو الواهب للعبد بحكم القاضي وللواهب أن يرجع في الهبة ما لم يصل إليه العوض فإن ( قيل ) . فإذا ضمن الشاهدان القيمة ينبغي أن يكون لهما حق الرجوع في الهبة باعتبار أنهما قاما مقام الواهب في ذلك كما في مسألة الدين ( قلنا ) الدين في الذمة مال وهو يحتمل التمليك بعوض ; ولهذا جاز الاستبدال بالدين مع من عليه الدين فيمكن أن يجعل مملكا ولك من الشاهدين بما استوفى منهما . فأما في حق الرجوع في الهبة ليس بمال محتمل للاعتياض فيه فلا يكون مملكا ذلك من الشهود بالرجوع عليهما بالضمان ولا يمكن إثبات حق الرجوع لهما باعتبار أنهما يقومان مقامه ; لأنه بعد ما وصل إليه العوض لا يكون له حق الرجوع في الهبة فلا يكون ذلك لمن قام مقامه أيضا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|