
19-12-2025, 12:48 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 172الى صـــ 181
(345)
باب اختلاف الشهادة
( قال رحمه الله شاهدان شهدا أن فلانا طلق امرأته فشهد أحدهما أنه طلقها يوم الجمعة بالبصرة والآخر أنه طلقها في ذلك اليوم بعينه بالكوفة لم تقبل شهادتهما ; لأنا تيقنا بكذب أحدهما ) فإن الإنسان في يوم واحد لا يكون بالبصرة والكوفة .
( ألا ترى ) أنه لو شهد بكل واحد من اللفظين رجلان لم تقبل الشهادة لهذا . فإذا شهد لكل واحد منهما رجل واحد أولى بخلاف ما إذا شهد أحدهما أنه طلقها بالكوفة والآخر أنه طلقها بالبصرة ولم يوقتا وقتا فهناك الشهادة تقبل ; لأن الطلاق كلام يتكرر فلا يختلف المشهود به باختلاف الشاهدين في المكان .
رجل يدعي دارا في يد رجل أنها له وشهد له بها شاهدان أحدهما بالشراء والآخر بالهبة فالشهادة باطلة ; لأن المدعي لا بد أن يدعي أحد السببين ، وبه يكون مكذبا أحد الشاهدين لا محالة ، ولأن الهبة غير البيع ، وليس على واحد من السبيين حجة تامة ، وكذلك لو شهد أحدهما بالهبة والآخر بالصدقة ، أو الرهن ، أو الميراث أو الوصية فهو باطل للمعنيين ، وكذلك لو شهد أحدهما بالميراث والآخر بالوصية فهو باطل للمعنيين . وإذا ادعى دارا في يد رجل أنه وهبها له ، وأنه لم يتصدق بها عليه وأقام شاهدين على الصدقة . وقال لم يهبها لي قط ، وقد ادعى الهبة عند القاضي فهذا إكذاب منه لشاهديه وهو تناقض منه في الكلام فقد زعم مرة أنه لم يتصدق بها عليه ، ثم ادعى الصدقة بعد ذلك وزعم مرة أنه وهبها له ، ثم قال لم يهبها لي قط ولا تناقض أظهر من هذا ومع التناقض لا يسمع دعواه والبينة لا تقبل إلا بعد دعوى صحيحة ، ثم إكذاب المدعي شاهده تخرج شهادته من أن تكون حجة له ، وكذلك لو ادعى أنها ميراث لم يشترها قط ، ثم جاء بعد ذلك فقال هي بشراء ولم أرثها قط وجاء بشاهدين على الشراء منذ سنة فهو باطل لمعنى التناقض والإكذاب فإن ادعاها هبة ولم يقل لم يتصدق بها علي قط ، ثم جاء بعد ذلك بشهود على الصدقة . وقال لما جحدني الهبة سألته أن يتصدق بها علي ففعل أجزت هذا ; لأنه وفق بين كلاميه بتوفيق صحيح فينعدم له الإكذاب والتناقض [ ص: 173 ]
( ألا ترى ) أنا لو عاينا ما أخبر به كان الملك ثابتا له بجهة الصدقة . فكذلك إذا أخبر به وأثبته بالبينة ، وكذلك لو قال ورثتها ، ثم قال جحدني الميراث فاشتريتها منه وجاء بشاهدين على الشراء ; لأن معنى التناقض والإكذاب انعدم بتوفيقه ، وهذا بخلاف ما لو كان ادعى الشراء أولا ، ثم جاء بشاهدين يشهدان على أنه ورثه من أبيه ; لأن في هذا الموضع لا وجه للتوفيق ; لأنه لا يمكنه أن يقول اشتريتها منه كما ادعيت ، ثم جحدني الشراء فورثتها من أبي .
وإذا اختلف شاهدا الرهن في جنس الدين ، أو مقداره فالشهادة لا تقبل لإكذاب المدعي أحد الشاهدين ، ولأن الدين مع الرهن يتحاذيان محاذاة الثمن للمبيع ، ثم اختلاف الشاهدين في الثمن يمنع قبول شهادتهما على البيع . فكذلك في الرهن فإن اتفقا على ذلك واختلفا في الأيام والبلدان وهما يشهدان على معاينة القبض فالشهادة جائزة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله استحسانا ، وفي القياس لا تقبل وهو قول محمد وزفر رحمهما الله وعلى الخلاف الهبة والصدقة ، وإن شهدوا على إقرار الرهن والوهب والمتصدق بالقبض جازت الشهادة بالاتفاق وجه القياس أن تمام هذه العقود بالقبض والقبض فعل واختلاف الشاهدين في الوقت والزمان في الأفعال يمنع قبول الشهادة كالغصب والقتل ، وهذا ; لأن المشهود به مختلف فالفعل الموجود في مكان غير الموجود في مكان آخر بخلاف ما إذا شهدوا على الإقرار فالإقرار كلام مكرر يوضحه أنه لو شهد أحدهما بمعاينة القبض والآخر بإقرار الراهن به لم تقبل الشهادة وجعل الرهن في هذا كالغصب ولم يجعل كالبيع . فكذلك إذا اختلفا في المكان والزمان وللاستحسان وجهان أشار إلى أحد الوجهين هنا ( فقال ) ; لأن القبض قد يكون غير مرة وأشار إلى الوجه الآخر في كتاب الرهن ( فقال ) ; لأنه لا يكون رهنا ولا قبضا إلا بإقرار الراهن ومعنى ما ذكر هنا أن القبض بحكم الرهن فعل صورة ، ولكنه بمنزلة القول حكما ; لأنه يعاد ويكرر ، ويكون الثاني هو الأول .
( ألا ترى ) أن المرتهن إذا قبض الرهن ، ثم استرده الراهن منه غصبا ، أو أعاره المرتهن إياه ، ثم قبضه منه ثانية فهذا يكون هو القبض الأول حتى يكون مضمونا باعتبار قيمته عند القبض الأول فعرفنا أنه مما يعاد ويكرر فلا يختلف المشهود به باختلاف الشاهدين في وقته بخلاف الغصب والقتل ولما أخذ شبها من أصلين توفر حظه عليهما ( فنقول ) لشبهه بالأفعال صورة .
إذا اختلف الشاهدان في الإنشاء والإقرار لا تقبل الشهادة ولشبهه بالأقوال حكما لا يمتنع قبول الشهادة باختلاف الشاهدين فيه في الوقت والمكان ومعنى ما ذكر في كتاب الرهن أن حكم ضمان الرهن [ ص: 174 ] لا يثبت إلا بإقرار الراهن أنه مرهون عندك بالدين فإن بدون هذا القول إذا قبضه المرتهن بغير إذن الراهن فهو غاصب . وإذا سلمه الراهن إليه فهو مودع فعرفنا أن حكمه لا يثبت إلا بإقرار الراهن فباعتبار حكمه جعلناه كالأقوال وجعل شهادة الشاهدين على المعاينة فيه وشهادتهما على الإقرار به سواء فكما أن في الشهادة على الإقرار اختلافهما في الوقت والزمان لا يمنع العمل بشهادتهما . فكذلك في الشهادة على المعاينة .
وإذا طلب الرجل شفعة في دار وأقام شاهدين على الشراء واختلفا في الثمن ، أو في البائع فشهادتهما باطلة لاختلافهما في المشهود به ; لأن المدعي مكذب أحدهما لا محالة ، ولو اتفقا على الإقرار بالشراء من واحد بمال واختلفا فقال أحدهما كنا جميعا في مكان كذا . وقال الآخر كنا فرادى أو قال أحدهما كنا في البيت . وقال الآخر في المسجد ، أو قال أحدهما كان ذلك بالغداة . وقال الآخر كان بالعشي فشهادتهما جائزة ; لأنهما اتفقا في المشهود به وهو الإقرار واختلفا فيما لم يكلفا حفظه وفعله في الوقت والمكان فلا يقدح ذلك في شهادتهما كما لو اختلفا في الثياب التي كانت عليهما ، أو المراكب أو فيمن حضرهما وبيان الوصف أنهما لو سكتا عن بيان الوقت والمكان والوصف لم يسألهما القاضي عن ذلك ، ولو سألهما فقالا لا نحفظ ذلك لا تبطل شهادتهما ، ثم ذكر بعض مسائل أدب القاضي وروى فيه حديث الشعبي رحمه الله في كتاب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما في القضاء ، وقد تقدم بيان ذلك في أدب القاضي وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من الحزم أن يستشير أولى الرأي ، ثم يطيعهم } ، وفيه دليل أنه لا ينبغي للقاضي أن يترك الاستشارة ، وكذلك غير القاضي إذا حزبه أمر فالمشورة تلقيح للعقول ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { ما هلك امرؤ عن مشورة } { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه رضي الله عنهم في كل شيء حتى في قوت أهله وإدامهم } ، وفيه دليل على أنه إنما يستشار أولى الرأي الكامل ويتحرز عن مشورة ناقصات العقل من النسوان ، وأن من استشار أولى الرأي الكامل من الرجال فعليه أن يطيعهم إذا لم يتهمهم فيما أشاروا عليه ; لأن فائدة المشورة لا تظهر إلا بالطاعة .
وإذا شهد شاهدان أن فلانا أقر أن هذا الثوب ثوب فلان وهو في يده وشهد آخر أن فلانا الذي شهدا له أقربها لفلان الذي شهد عليه فهو لذي اليد ; لأن البينتين تعارضتا في الإقرار فيها رأيا كما لو عاين الإقرارين ويبقى الثوب في يد ذي اليد مستحقا له بيده ، وإن كان في يدهما فهو بينهما نصفان لاستوائهما في استحقاقه باليد .
دار بين رجلين فأقام كل واحد منهما البينة [ ص: 175 ] أن فلانا أقر له بها ووقتا فهي لصاحب الوقت الآخر ولا نسبة لهذا البيع يعني إذا أقام كل واحد منهما البينة أن فلانا باعها منه ووقتا فهي لصاحب الوقت الأول والفرق بينهما أن كل واحد منهما يدعي أن وصولها إليه من جهة فلان ففي مسألة الإقرار الذي أقام البينة على الوقت الآخر أثبت إقرار فلان بها له منذ شهر ، وذلك يمنع دعوى فلان الملك لنفسه فيها منذ سنة . فكذلك يمنع دعوى من يثبت الملك لنفسه ببينته منذ سنة بإقرار فلان له بها منذ سنة ، وذلك يمنع فلانا من أن يثبت الملك لنفسه فيها منذ شهر بإقرار فلان له بها ; فلهذا رجحنا صاحب الوقت الآخر ، وفي البيع ثبوت الشراء منذ شهر لا يمنع فلانا من دعوى الملك فيها لنفسه منذ سنة . فكذلك لا يمنع من يدعي تملكها من جهته من أن يثبت بيعها منه منذ سنة . وإذا وجب قبول بينته على ذلك ثبت شراؤه في وقت لا ينازعه الآخر فيه فإنما أثبت الآخر بعد ذلك الشراء من غير المالك وعلى هذا لو أقام البينة أنه باع هذه الدار من فلان منذ سنة وأقام الآخر البينة منذ سنتين فهي للذي أقام البينة على سنتين ; لأن كل واحد منهما مثبت الملك لنفسه بإقامته البينة على تمليكها من فلان بالبيع فيترجح أسبق التاريخين لانعدام منازعة الآخر معه في ذلك الوقت . وإذا لم يوقتا فهي لذي اليد لاتفاقهما على أنها مملوكة مسلمة إليه ، وإنما يدعي كل واحد منهما الثمن في ذمته لنفسه ، وقد أثبته بالبينة ، وفي الذمة سعة .
وإذا ادعى على رجل ألفي درهم أو ألفا وخمسمائة وشهد له شاهد بالألف والآخر بألف وخمسمائة قضى له بالألف لاتفاق الشاهدين على الألف لفظا ومعنى فالألف وخمسمائة جملتان أحدهما معطوفة على الأخرى فبعطف أحدهما الخمسمائة على الألف لا يخرج من أن يكون شاهدا له بألف لفظا بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله فيما إذا شهد أحدهما بعشرة والآخر بخمسة عشر ; لأن هناك اختلفا في المشهود به لفظا فخمسة عشر اسم واحد لعدد .
( ألا ترى ) أنه ليس فيه حرف العطف فهو نظير الألف والألفين فإن كان المدعي يدعي ألفا فقد أكذب الذي شهد على ألف وخمسمائة فلا تقبل شهادتهما له إلا أن يوفق فيقول كان أصل حقي ألفا وخمسمائة لكني استوفيت خمسمائة ، أو أبرأته منها ولم يعلم به هذا الشاهد فحينئذ تقبل شهادتهما على الألف ; لأنه وفق بتوفيق صحيح محتمل ، وإن اختلفا في جنس المال فشهادتهما باطلة ; لأن المدعي يكذب أحدهما ، ولأن المشهود به مختلف ، وليس على واحد من المالين شهادة شاهدين .
ولو شهدا على قتل أو قطع ، أو غصب أو عمل واختلفا في الوقت ، أو المكان ، أو فيما وقع به القتل كانت الشهادة باطلة [ ص: 176 ] لاختلافهما في المشهود به ، وكذلك إن شهد أحدهما على الفعل والآخر على الإقرار به فهذا اختلاف في المشهود به ، وإن شهد على إقرار القائل به في وقتين مختلفين ، أو في مكانين مختلفين قبلت الشهادة ; لأن الإقرار قول فلا يختلف المشهود به باختلافهما في الوقت والمكان به .
ولو ادعى ثوبا في يد رجل أنه رهنه منه منذ عشرة أيام فجاء بشاهدين فشهد أحدهما أنه وهبه منه منذ عشرة أيام والآخر منذ خمسة عشر يوما فالشهادة باطلة ; لأن المدعي مكذب أحد شاهديه ، وقد أقر بأنه كان مملوكا للواهب قبل عشرة أيام ، وذلك يمنع دعواه ما شهد به هذا من هبته منذ خمسة عشر يوما ، ولو لم يوقت المدعي جازت الشهادة ; لأنه غير مكذب واحدا منهما والمشهود به قول ، أو ما هو كالقول حكما فاختلاف الشاهدين في الوقت لا يمنع قبول الشهادة فيه .
وإذا شهد الوصي على الميت بدين أو على رجل بدين للميت فشهادته بالدين على الميت صحيحة وبالدين للميت مردودة ; لأنه فيما شهد به للميت يثبت حق القبض لنفسه فيكون متهما ولا تهمة فيما شهد به على الميت إلا أن يكون قد قضاه من التركة فحينئذ هو متهم في شهادته من حيث إنه يقصد به إسقاط الضمان عن نفسه .
وإذا شهد الوصي على الميت بدين لبعض الورثة فإن ذلك جائز للكبار لخلوها عن التهمة ولا يجوز للصغار لتمكن التهمة في شهادته فحق القبض في ذلك إليه ، وكذلك لو شهد لبعض الورثة على البعض بحق في شهادته للكبار جائزة وللصغار مردودة ; لأنه لا يقبض للكبار شيئا وهو يقبض ما يجب للصغار فيكون في معنى الشاهد لنفسه . وإذا قضى القاضي على رجل بأرض ، أو دار في يديه ببينة قامت عليه بذلك ودفعها إلى المقضي له ببنائها ، ثم إن المقضي له أقر ببنائها للمقضي عليه فإنه يدفع ذلك إليه بإقراره ولا يكون هذا الإقرار إكذابا منه لشهوده في الأرض ; لأن المشهود به الأرض والبناء إنما يدخل تبعا كما يدخل في البيع تبعا من غير ذكر ، وليس من ضرورة كون البناء للمشهود عليه إلا أن يكون الأرض للمدعي كما شهد به الشهود ، وكذلك إن أقام المقضي عليه البينة أنه قد بنى فيها هذا البناء فهو له لما بينا أنه إنما صار مقضيا عليه بالأصل والبناء تبع في ذلك . فكذلك القضاء لا يمنعه من إثبات حق نفسه في البناء ، وإن كان المدعي حين أقام البينة شهد الشهود أن هذه الدار لهذا المدعي ببنائها فأقر هو بالبناء للمقضي عليه أبطلت الشهادة ; لأنه أكذب شهوده ; لأنهم صرحوا في شهادتهم بملك البناء له مقصودا ، وقد كذبهم في ذلك والمدعي متى أكذب شاهده في بعض ما شهد له به بطلت شهادته في الكل كما إذا ادعى ألفا وشهد له بألف وخمسمائة
. وإذا وكلت امرأة رجلين بأن تزوجاها [ ص: 177 ] ثم شهدا أن الزوج طلقها ثلاثا وهي تدعي ، أو تنكر جازت الشهادة لخلوها عن التهمة ، وكذلك إن كان عمين فزوجا ابنت أخ لهما وهي صغيرة ، ثم شهدا على الطلاق ، أو كانا أخوين لها زوجاها ، ثم شهدا بالطلاق قبلت الشهادة ; لأنهما يثبتان الحرمة حقا لله تعالى ولا يجران إلى أنفسهما شيئا فوجب العمل بشهادتهما والله أعلم .
كتاب الرجوع عن الشهادة
( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن أداء الشهادة بالحق مأمور به شرعا ) قال الله تعالى { وأقيموا الشهادة لله } أمروا به للوجوب . وقال الله تعالى { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } والنهي عن الإباء عند الدعاء أمر بالحضور للأداء . وقال الله تعالى { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } واستحقاق الوعيد بترك الواجب { . وقال صلى الله عليه وسلم كاتم الشهادة بالحق كشاهد الزور } وشهادة الزور من الكبائر { قال صلى الله عليه وسلم في خطبته أيها الناس عدلت شهادة الزور بالأشراك بالله تعالى ، ثم تلا قوله تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } } ، وفي هذا بيان كرامة المؤمن فقد جعل الله تعالى الشهادة عليه بما لا أصل له بمنزلة شهادة الكافر على ذاته بما لا أصل له من شريك ، أو صاحب ، أو ولد { . وقال صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا نعم قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فاستوى جالسا ، ثم قال ألا وقول الزور فجعل يكررها حتى قلنا ليته يسكت } ، وفي رواية { سأله رجل عن الكبائر فقال صلى الله عليه وسلم الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق وقول الزور } ، وفي حديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشاهد بالزور لا يرفع قدميه من مكانهما حتى تلعنه الملائكة في السموات والأرض } فيحق على كل مسلم الاجتناب عنها بجهده والتوبة عنها متى وقع فيها خطأ ، أو عمدا ، وذلك بأن يرجع عن الشهادة وليكن رجوعه في مجلس القضاء ; لأنه فسخ للشهادة التي أداها .
وقد اختصت الشهادة بمجلس القضاء فالرجوع عنها كذلك ، وهذا لأن التوبة بحسب الجريمة { قال صلى الله عليه وسلم السر بالسر والعلانية بالعلانية } . فإذا كانت جريمته في مجلس القضاء جهرا فلتكن توبته بالرجوع كذلك ولا يمنعه الاستحياء من الناس وخوف اللائمة من إظهار الرجوع في مجلس القضاء فلأن يراقب الله تعالى خير له من [ ص: 178 ] أن يراقب الناس ورجوعه صحيح مقبول في حقه ، وإن كان مردودا فيما يرجع إلى حق غيره حتى إذا رجع قبل القضاء لم يقض القاضي بشهادته لبطلانها بالرجوع . وإذا رجع بعد القضاء لم يبطل برجوعه حق المقضي له والأصل فيه الحديث الذي بدأ الكتاب به ورواه عن الشعبي رحمه الله أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده ، ثم آتيا بعد ذلك بآخر فقال أوهمنا إنما السارق هذا فقال علي رضي الله عنه لهما لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية يد الأول ، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما ففيه دليل أن الرجوع عن الشهادة صحيح في حقه ، وأنه عند الرجوع ضامن ما استحق بشهادته ، وأنه غير مصدق في حق غيره للتناقض في كلامه والمناقض لا قول له في حق غيره ، ولكن التناقض لا يمنع إلزامه حكم كلامه ، ثم الشافعي رحمه الله يستدل بالحديث في فصلين أحدهما في وجوب القصاص على الشهود إذا رجعوا بعد ما استوفى العقوبة بشهادتهم وزعموا أنهم تعمدوا ذلك في شهادتهم ، وفي أن اليدين يقطعان بيد واحدة فقد قال ، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما .
فإذا جاز قطع اليدين في يد واحدة بطريق الشهادة فبالمباشرة أولى ، ولكنا نقول هذا اللفظ منه على سبيل التهديد بدون التحقيق ، وقد تهدد الإمام بما لا يتحقق قال عمر رضي الله عنه ، ولو تقدمت في المتعة لرجمت والمتعة لا توجب الرجم بالاتفاق ، ثم لم يكن من علي رضي الله عنه هكذا كذبا ; لأنه علق بما لا طريق إليه وهو العلم بأنهما فعلا ذلك عمدا فلم يكن هذا كذبا بهذا التعليق ويحصل المقصود وهو الزجر وهو نظير قوله تعالى { بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ، ثم لم يكن هذا الكلام من إبراهيم صلوات الله عليه كذبا ; لأنه علقه بما لا يكون ومعناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم والدليل عليه أن من مذهب علي رضي الله عنه أن اليدين لا يقطعان بيد واحدة فقد روي ذلك عنه في الكتاب فهذا تبين أن مراده التهديد .
وذكر عن حماد رحمه الله أنه كان يقول في الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة بعد قضاء القاضي فإنه ينظر إلى حالهما يوم رجعا فإن كان حالهما أحسن منه يوم شهدا صدقهما القاضي في الرجوع ورد القضاء وأبطله ، وإن كان حالهما يوم رجعا مثل حالهما يوم شهدا دون ذلك لم يصدقهما القاضي ولم يقبل رجوعهما ولم يضمنهما شيئا وكان القضاء الأول ماضيا وبهذا كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا ، ثم رجع فقال لا أبطل القضاء بقولهما لآخر ، وإن كان أعدل منهم يوم شهدا ، ولكن أضمنهما المال الذي شهدا به وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله .
وجه قوله الأول [ ص: 179 ] أن كل واحد من الخبرين متردد بين الصدق والكذب فإنما يترجح جانب الصدق فيه بالعدالة وحسن حال المخبر . فإذا كانت عدالته عند الرجوع أظهر وحاله عند ذلك أحسن فرجحان جانب الصدق في هذين الخبرين بين والظاهر أن رجوعه توبة واستدراك لما كان منه من التفريط والقاضي يتبع الظاهر ; لأنه ما وراء ذلك غيب عنه . وإذا كان حاله عند الرجوع دون حاله عند الشهادة فرجحان جانب الكذب في الرجوع أبين والظاهر أنه بالرجوع قاصد إلى الإضرار بالمقضي له ، وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند أداء الشهادة فعند المساواة يترجح الأول بالسبق واتصال القضاء به فإن الشيء لا ينقضه ما هو مثله ، أو دونه وينقضه ما هو فوقه ولا ضمان عليه ; لأنه ما يتناول شيئا إنما أخبر بخبر ، وذلك لم يكن موجبا للإتلاف بدون القضاء والقاضي يختار في قضائه فذلك يمنع إضافة الإتلاف إلى الشهادة ; فلهذا لا يضمن الشاهد شيئا .
وجه قوله الآخر أن ظاهر العدالة ترجح جانب الصدق في الخبر ، ولكن لا ينعدم به معنى التناقض في الكلام وهو بالرجوع مناقض في كلامه فعدالته عند الرجوع لا تعدم التناقض وكما أن القاضي لا يقضي بالكلام المتناقض . فكذلك لا ينقض ما قضاه بالكلام المتناقض . فكذلك لا ينقض ما قضاه بالكلام المتناقض ، ثم جانب الصدق يعين في الشهادة وتأكد ذلك بقضاء القاضي في حق المقضي له فيه بتعين جانب الكذب في الرجوع . وإذا كان تهمة الكذب عند الرجوع لفسقه يمنع القاضي من إبطال القضاء فتعين الكذب فيه بدليل شرعي ; لأنه يمنعه من إبطال القضاء أولى فلو أبطل القضاء باعتبار هذا المعنى أدى إلى ما لا يتناهى ; لأنه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع فيجب إعادة القضاء الأول ، ولكن يجب الضمان عليه لإقراره عند الرجوع أنه أتلف المال على المشهود عليه بشهادته بغير حق والتناقض لا يمنع ثبوت حكم إقراره على نفسه والإتلاف ، وإن كان يحصل بقضاء القاضي فسبب القضاء شهادة للشهود ، وإنما يحال بالحكم على أصل السبب ، وهذا ; لأن القاضي بمنزلة الملجأ من جهتهم فإن بعد ظهور عدالتهم يحق عليه القضاء شرعا ، ثم السبب إذا كان تعديا بمنزلة المباشرة في إيجاب ضمان المال ، وقد أقر بالتعدي في السبب الذي كان منهما وبهذا السبب سلط المشهود له على مال المشهود عليه ، ولو تسلطا عليه بإثبات اليد لأنفسهما ضمنا . فكذلك إذا سلطا الغير عليه ; لأن وجوب الضمان للحاجة إلى الجيران ودفع الضرر والخسران عن المتلف عليه ، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك ولا يمكن إيجاب الضمان على القاضي ; لأنه غير متعد في القضاء بل هو مباشر لما فرض عليه ظاهرا فتعين الشهود لإيجاب الضمان عليهم .
وعن إبراهيم [ ص: 180 ] رحمه الله قال شهد شاهدان على قطع يد فقضى القاضي بذلك ، ثم رجعا عن الشهادة فعليهما الدية ، وإن رجع أحدهما فعليه نصف الدية ، وبه نأخذ ; لأنهما سببا لقطع اليد بطريق هو تعد منهما وهو سبب معتاد في الناس فقد يقصد المرء الإضرار بغيره في نفسه ، أو ماله بالشهادة الباطلة عند عجزه عن تحصيل مقصوده بالمباشرة والتسبب بهذه الصفة موجب ضمان الدية كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق إلا أن ضمان الدية في مالهما ; لأن وجوبه بقولهما وهو إقرارهما على أنفسهما عند الرجوع وقولهما ليس بحجة على العاقلة . وإذا كان ضامنين للدية إذا رجعا كان أحدهما ضامنا لنصف الدية إذا رجع ; لأن بشهادة كل واحد منهما يقوم بنصف الحجة فببقاء أحدهما على الشهادة تبقى الحجة في النصف أيضا فيجب على الراجع من الضمان بقدر ما انعدمت الحجة فيه ، وذلك النصف ، وكذلك لو شهدا بمال فقضى القاضي به ، ثم رجع أحدهما فعليه نصف المال فإن رجعا جميعا فعليهما المال كله ، وهذا بخلاف ما إذا رجع قبل قضاء القاضي حتى امتنع القاضي من القضاء للمشهود له ; لأنهما لم يتلفا عليه شيئا مستحقا له فالشهادة قبل القضاء لا توجب شيئا للمشهود له . فأما بعد القضاء فقد أتلفا على المشهود عليه ما كان مستحقا له من المال فيضمنان له ذلك .
وعن الشعبي رحمه الله أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وفرق القاضي بينهما ، ثم تزوجها أحد الشاهدين ، ثم رجع عن شهادته فلم يفرق بينهما الشعبي ، وبه كان يأخذ أبو حنيفة رحمه الله وكان يقول فرقة القاضي جائزة ظاهرا وباطنا ولا يرد القاضي المرأة إلى زوجها برجوع الشاهدين ولا يفرق بينهما وبين الزوج الثاني إن كان هو الشاهد .
وقال محمد رحمه الله لا يصدق الشاهد على إبطال شهادته الأولى ، ولكنه يصدق على نفسه فيفرق بينه وبينها إن كان هو تزوجها وإلى هذا رجع أبو يوسف رحمه الله وأصل المسألة أن قضاء القاضي بالعقود والفسوخ والنكاح والطلاق والعتاق بشهادة الزور تنفذ ظاهرا وباطنا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد والشافعي رحمهم الله ينفذ قضاؤه ظاهرا لا باطنا حتى إذا ادعى نكاح امرأة وأقام شاهدي زور فقضى القاضي له بالنكاح وسعه أن يطأها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول رحمهما الله ولا يحل له ذلك في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد والشافعي رحمهم الله وحجتهم في ذلك قوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } فقد نهى الله تعالى عن أكل مال الغير بالباطل محتجا بحكم الحاكم فهو تنصيص على أنه ، وإن قضى القاضي له بالشراء [ ص: 181 ] بشهادة الزور لا يحل له تناوله ، ويكون ذلك منه أكلا باطلا .
{ وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار } والمعنى فيه أن قضاءه اعتمد سببا باطلا فلا ينفذ باطنا كما إذا قضى بشهادة العبيد أو الكفار ، أو المحدودين في القذف وبيان الوصف أن قضاءه اعتمد شهادة الزور وهو سبب باطل فإنه كبيرة وحجة القضاء مشروعة والكبيرة ضدها . وإذا كانت تهمة الكذب تخرج الشهادة من أن تكون حجة للقضاء فحقيقة الكذب أولى ، ولأن ما قضى به لا كون له فيكون قضاؤه باطلا كما لو قضى بنكاح منكوحة الغير لإنسان بشهادة الزور وبيان الوصف أنه أظهر بقضائه نكاحا كان قد تقدم . وإذا لم يكن بينهما نكاح فلا يتصور إظهاره بالقضاء عرفنا أنه قضى بما لا كون له .
ولا يجوز أن يجعل قضاؤه إنشاء ; لأن ولاية الإنشاء لم تثبت له فإن سبب ولايته دعوى المدعي وشهادة شهوده وهو إنما ادعى عقدا سابقا وبذلك شهد شهوده فلا يتمكن القاضي من القضاء بما لم يدعه المدعي ولا يشهد به الشهود ، ولأن القاضي لم يقصد إنشاء العقد بينهما ، وإنما ينفذ قضاءه على الوجه الذي قصده .
( ألا ترى ) أن قضاءه في الأملاك المرسلة لا ينفذ باطنا لهذا المعنى ولا يجعل ذلك إنشاء تمليك منه ، وبه فارق قضاء القاضي بالفرقة بين المتلاعنين وبيعة التركة في الدين الثابت بشهادة الزور ; لأنه قصد الإنشاء هنا ، وما ظهر عنده من الحجة يصلح للإنشاء أيضا ، وكذلك في المجتهدات يثبت له ولاية الإنشاء بما لاح عنده من الدليل وقضاؤه إنشاء أيضا بطريق القصد منه إلى ذلك .
فأما هنا إنما قصد الإمضاء فلا يمكن أن يجعل منشئا .
( ألا ترى ) أن رجلا وامرأة لو أقرا بالنكاح وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما لم يثبت النكاح بينهما باطنا بهذا الإقرار وهما يملكان الإنشاء ، ولكنهما بالإقرار أظهرا عقدا قد كان بينهما فلا يجعل ذلك إنشاء منهما ، ولأن المدعي متيقن بما لو تبين القاضي به امتنع من القضاء فلا ينفذ قضاؤه في حقه ، وإن كان القاضي معذورا لخفاء هذه الحقيقة عليه كما لو كانت امرأة مجوسية ، أو مرتدة ، أو منكوحة الغير ، أو أخته من الرضاعة والدليل على أن قضاءه ليس بإنشاء أنه لا يستدعي شرائط الإنشاء من الشهود والمهر والولي وأبو حنيفة رحمه الله احتج بما روي أن رجلا ادعى على امرأة نكاحا بين يدي علي رضي الله عنه وأقام شاهدين فقضى علي رضي الله عنه بالنكاح بينهما فقالت المرأة إن لم يكن بدا يا أمير المؤمنين فزوجني منه فإنه لا نكاح بيننا فقال علي شاهداك [ ص: 182 ] زوجاك فقد طلبت منه أن يعفها عن الزنا بل يعقد النكاح بينهما فلم يجبها إلى ذلك ولا يقال إنما يجبها إلى ذلك ; لأن الزوج لم يرض بذلك ; لأنا نقول ليس كذلك بل الزوج راض ; لأنه يدعي النكاح والمرأة رضيت أيضا حيث قالت فزوجني منه وكان يتيسر عليه ذلك فقد كان الزوج راغبا فيها ، ثم لم يشتغل به وبين أن مقصودهما قد حصل بقضائه فقال شاهداك زوجاك أي ألزماني القضاء بالنكاح بينكما فثبت النكاح بقضاء ، وما نقل عنه في هذا الباب كالمرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا طريق إلى معرفة ذلك حقيقة بالرأي ويتبين بهذا أن ما استدلوا به من الآية والحديث في الأملاك المرسلة ، وبه يقول والمعنى فيه أنه قضى بأمر الله تعالى فيما له فيه ولاية الإنشاء

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|