عرض مشاركة واحدة
  #344  
قديم 19-12-2025, 12:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 162الى صـــ 171
(344)






دار في يد رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها من ذي اليد وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراها من المدعي ولا يدري أي ذلك أول فإنه يقضي بها لذي اليد وتبطل البينتان جميعا ; لأن كل واحد منهما أثبت إقرار صاحبه بالملك له فكل مشتر مقر بالملك لبائعه وكل بائع مقر بوقوع الملك للمشتري فيجعل هذا بمنزلة إقامة كل واحد منهما البينة على إقرار صاحبه بالملك له وهنا تتهاتر البينتان كما لو سمعنا الإقرار منهما معا ولم يذكر في المسألة اختلافا هنا ، وقد ذكر في الجامع أن هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله فإن عند محمد رحمه الله يقضي بالبينتين جميعا كأن ذي اليد اشتراها أولا وقبضها ، ثم باعها فيؤمر بتسليمها إلى الخارج ; لأن القضاء بالعقدين ممكن بهذا الطريق ، وقد بينا المسألة بفروعها في الجامع قال .

( ألا ترى ) أن كل واحد منهما لو أقام البينة أن القاضي قضى له بهذه الدار على صاحبه أنه يترك في يد ذي اليد وتتهاتر البينتان إلا أن محمدا رحمه الله يفرق بينهما فيقول في الشراء إثبات الترتيب بين العقدين ممكن باعتبار اليد ; لأني إن جعلت شراء ذي اليد سابقا جاز بيعه بعد القبض ، وإن جعلت شراء الخارج سابقا لم يجز بيعه من البائع قبل القبض ومثل هذا الترتيب في القضاء غير ممكن ، ولأن الشراء يتأكد بالقبض ; ولهذا يستفاد به ملك التصرف العقار في ذلك والمنقول عندي سواء فيستقيم أن يجعل قبض ذي اليد صادرا عند عقده ، أو يجعل ذلك دليل سبق عقده . فأما القضاء لا يتأكد بالقبض بل متأكد بنفسه فتتحقق فيه المعارضة بين البينتين .
دار في يد رجل فأقام البينة أنه باعها من فلان بألف درهم في رمضان وأقام فلان البينة أنه اشتراها [ ص: 163 ] منه في شوال بخمسمائة درهم ; لأن القضاء بالعقدين ممكن والبينات حجج فعند إمكان العمل بهما لا يجوز إلغاء أحدهما فيجعل كأنه باعها في رمضان بألف ، ثم باعها في شوال بخمسمائة فيكون العقد الثاني فاسخا للعقد الأول ولو عاينا الشراءين كان الشراء الثاني فاسخا للأول والدار له بالثمن الثاني

وكذلك لو أقام فلان البينة أنه وهبها له في شوال على أن يعوضه خمسمائة وقبضها جميعا ; لأن الهبة بشرط العوض بعد التقاضي بمنزلة البيع فهذا وإقامة البينة على الشراء في شوال بخمسمائة سواء ، ويكون العقد الثاني فاسخا للأول ، ولو كان أقام البينة أنه ارتهنها منه في شوال بخمسمائة أمضيت البيع بألف في رمضان وقضيت له من ذلك بخمسمائة سواء الذي أثبت أنه أعطاه في شوال ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

وقال محمد رحمه الله بينة المرتهن أولى والرهن في شوال ينقض دعوى البائع البيع في رمضان ومعنى هذا الكلام أن المرتهن أثبت ببينته إقرار الراهن بالرهن منه في شوال فكأنا سمعنا منه هذا الإقرار ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولو أقر هو بذلك لم يصح منه بعد ذلك دعوى البيع في رمضان للتناقض فالبائع لا يرهن المبيع من المشتري وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قالا البيع أقوى من الرهن ; لأن البيع يوجب الملك في البدلين والرهن لا يوجب ذلك فعند تعذر العمل بالبينتين يترجح الأقوى وهو البيع وكما أن المرتهن أثبت إقرار الرهن بالرهن فالبائع أثبت إقرار المشتري بالشراء منه في رمضان ، وذلك يمنعه من دعوى الرهن في شوال فلما وقع التعارض في هذا رجحنا أقوى الحجتين وهو حجة البيع ، وفي الكتاب ( قال ) ليس الرهن كالهبة بالعوض ; لأن الهبة بالعوض بيع والرهن ليس ببيع فقد يرهنك الرجل دارك ولا يبيعك دارك ومعنى هذا أن الرهن دون البيع فلا يكون ناقضا للبيع .

( ألا ترى ) أنا لو عاينا العقدين لم ينتقض البيع بالرهن وهو معنى قوله قد يرهنك دارك ولو عاينا البيعين انتقض الأول بالثاني فبانتقاض الأول الدار تعود إلى البائع فهذا معنى قوله لا يبيعك دارك .

دار في يد رجل فادعاها رجلان كل واحد منهما يقيم البينة أنه اشتراها بألف وكفل عنه صاحبه المدعي معه فإن علم الأول منهما قضى له بها ، وإن لم يعلم فلكل واحد منهما أن يأخذ نصفها بنصف الألف إن شاء لاستواء الحجتين فإن أخذاها فالكفالة لازمة لكل واحد منهما على صاحبه من قبل أنهما ليسا بشريكين ومعنى هذا أنه يقضي لكل واحد منهما بنصف الدار بشراء يفرد هو به بلا شركة بينهما في العقد ، ولو عاينا الشراءين بهذه الصفة بشرط الكفالة من كل واحد منهما على صاحبه [ ص: 164 ] وكفالة صاحبه له بذلك كانت الكفالة لازمة . فكذلك إذا قضى بذلك بالبينة .
وإذا أقام رجل البينة أنه اشترى دارا في يد رجل بألف درهم . وقال ذو اليد لم أبع ، ثم أقام البائع البينة على أنه قد رد عليه الدار فإني أقبل ذلك منه ، وأنقض البيع ولا يبطل إنكاره البيع ببينة ; لأن إنكاره ليس بإكذاب منه لشهوده ، وأنه في الإنكار يقول لا بيع بيننا فيها ، وبعد ما رد عليه الدار لا بيع بينهما فيها ولو قال لم يجر بيننا بيع فهو متمكن من دعوى الدار مع إصراره على الكلام الأول بأن يقول لم يكن بيننا بيع ، ولكنه ادعى هذه الدعوى مرة ، ثم بدا له فيها فرد الدار علي فعرفنا أن هذا الإنكار ليس بإكذاب منه لشهوده .
وإذا ادعى رجل دارا في يد رجل وأقام البينة أن أباه اشتراها منه بألف ، وقد مات أبوه والبائع ينكر فإني لا أكلفه البينة أنه مات وتركها ميراثا ، ولكن أسأله البينة أنه لا يعلم لابنه وارثا غيره . فإذا أقام على ذلك بينة أمرته أن ينقد الألف ويقبض الدار ; لأن الابن قائم مقام الأب بعد موته ، ولو حضر الأب في حياته وأقام البينة أنه اشتراها منه بألف درهم أمر بتسليم الثمن وقبض الدار ، وكذلك الابن إذا ثبت ذلك بعد موت أبيه إلا أن من الجائز أن معه من يزاحمه في الميراث فيؤمر بإقامة البينة على أنه لا يعلم له وارثا غيره ، وإن لم يقم البينة على ذلك تلوم القاضي فيه زمانا فقد بينا هذا في كتاب الدعوى ، ولو كانت الدار في يد رجل غير البائع سأله البينة أن أباه مات وتركها ميراثا له ; لأن هنا لو حضر الأب في حياته وأقام البينة على ذي اليد أنه اشترى هذه الدار من فلان بألف وذو اليد غير البائع لا يستحق به شيئا ما لم يثبت الملك لمورثه ، وذلك بأن يشهد الشهود أنه تركها ميراثا كما لو أقام الأب البينة أنها ملكه اشتراها من فلان ( قال ) في الكتاب ، وليس هذا كالأولى ; لأن الأولى هي في يده رهن بالثمن بمنزلة رجل أقام البينة أن أباه رهن هذه الدار عند هذا بألف درهم ، وقد مات الأب ولا وارث له غيره وجاء بالألف ينقدها ومعنى هذا أن الدار إذا كانت في يد البائع فالوارث بإقامة البينة على الشراء أثبت إقرار ذي اليد بالملك لمورثه ، ولكنها محبوسة في يده بالثمن كالمرهونة فيؤمر بأداء الثمن وقبضها . وإذا كانت في يد غير البائع فالوارث بإقامة البينة على الشراء ما أثبت إقرار ذي اليد بالملك لمورثه إنما أثبت إقرار البائع بذلك والملك للبائع غير ثابت فيها حتى يثبت بإقراره الملك لمورثه فلا بد له من إقامة البينة على ملك مورثه عند موته ، وذلك بأن يشهد الشهود أنه تركها ميراثا .
وإذا ادعى رجل دارا في يد رجلين فأقام البينة أن أحدهما باعه الدار وسلم الآخر ولا يعرف الشهود الذي [ ص: 165 ] باع من الذي سلم فشهادتهم باطلة ; لأن المشهود عليه بالبيع مجهول والمشهود عليه بالتسليم كذلك ، وما لم يبين الشاهد المشهود عليه بالبيع فهو مجهول والمشهود عليه بالتسليم كذلك وما لم يبين الشاهد المشهود عليه في شهادته لا تكون شهادته حجة ، ولأنهم تحملوا الشهادة على معين منهما ، ثم منعوا تلك الشهادة حين لم يعرفوا البائع بعينه ، وكذلك دار في يد رجل أقام البينة أنه باعها من أحد هذين الرجلين ولا يعرفونه بعينه فشهادتهم باطلة لجهالة المشهود عليه .

دار في يد رجل فادعى رجل أنه اشتراها كلها بألف وادعى آخر أنه اشترى نصفها بخمسمائة وادعى آخر أنه اشترى ثلثها بستمائة درهم وأقاموا البينة فهم بالخيار إن شاءوا أخذوها ، وإن شاءوا تركوها ; لأن عند تعارض البينات لا بد من أن تتفرق الصفقة على كل واحد منهم فيما أثبت شراءهم فيه فالخيار كذلك فإن أخذوها كان لصاحب الجميع المثلث خاصة وكان السدس بينه وبين صاحب الثلثين نصفين وكان النصف بينهم أثلاثا ولزم كل واحد منهم حصة ما أخذ من الثمن في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وأصل هذه المسألة أن القسمة في هذا الفصل على طريق المنازعة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على طريق العول ، وقد بينا هذا الفصل في شرح كتاب الدعوى وجمعنا فيها نظائر هذه المسألة وأضدادها فنقول في تخريج قول أبي حنيفة رحمه الله لا منازعة في الثلث لمدعي النصف ومدعي الثلثين ومدعي الجميع يدعي ذلك فيسلم له الثلث ، ثم ما زاد على النصف إلى تمام الثلثين وهو السدس لا منازعة فيه لصاحب الثلث ، وقد استوى فيه حجة صاحب الثلثين وصاحب الجميع فيقضي بينهما نصفان ، وفي النصف استوى حجة صاحب الكل والثلثين والنصف فيقضي به بينهم أثلاثا وسهام الدار في الحاصل اثني عشر لحاجتنا إلى سدس يقسم نصفين فصاحب الجميع أخذ مرة أربعة ومرة سهما ومرة سهمين فإنه ما يسلم له سبعة أسهم من اثني عشر سهما ، وذلك نصف الدار ونصف سدسها فيلزمه ذلك القدر من الثمن وصاحب الثلثين أخذ مرة سهما ومرة سهمين ، وذلك ثلاثة وهو ربع الدار وصاحب النصف ما أخذ إلا سهمين وهو سدس الدار .

فأما عندهما القسمة على طريق العول وأصل سهام الدار ستة فصاحب الجميع يضرب بستة وصاحب الثلثين بأربعة وصاحب النصف بثلاثة فتكون جملة هذه السهام ثلاثة عشر ويقسم الدار بينهم على ذلك فإن ادعاها رجلان وأقام أحدهما البينة على شراء الجميع والآخر البينة على شراء النصف ولصاحب الجميع ثلاثة أرباع الدار ; لأن النصف سالم له بلا منازعة ونصف النصف الآخر بالمنازعة ولصاحب [ ص: 166 ] النصف ربعها في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما القسمة على طريق العول فتكون الدار بينهما أثلاثا ، وإن ادعى أحدهما الرهن والقبض والآخر الشراء بألف والقبض وأقام البينة فإن عرف الأول فهي للأول ; لأن مدعي الرهن إذا أثبت حقه في وقت لا ينازعه الآخر فيه فشراء الآخر بعد لا يجوز بدون إجازته ، وإن لم يعلم فصاحب الشراء أولى ; لأن الشراء أقوى من الرهن ; لأن الشراء موجب الملك في البدلين والرهن لا يوجب ; لأن الشراء يلزم بنفسه ، وإن لم يتصل به القبض والرهن لا يتم إلا بالقبض والشراء يلزم من الجانبين والرهن لا يلزم في جانب المرتهن لتمكنه من الرد متى شاء والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي فإن أقام أحدهما البينة على الشراء والآخر على الهبة والصدقة فصاحب الشراء أولى ; لأن الشراء عقد معاوضة يلزم بنفسه وموجب الملك في البدلين فيكون أقوى من التبرع الذي لا يتم بالقبض فإن أثبت صاحب التبرع قبضه سابقا فهو أولى ; لأنه أثبت ملكه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ، وكذلك إن كانت الدار في يد صاحب الصدقة ولا يدري أيهما أول فصاحب الصدقة أولى ; لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده فيكون هو أولى إلا أن يقيم صاحب الشراء البينة أنه أولى ، وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه ارتهنها بألف ففي القياس لا يكون رهنا لواحد منهما وبهذا نأخذ ، وفي الاستحسان يكون لكل واحد منهما نصفها رهنا ; لأن كل واحد منهما أثبت الرهن منه بالبينة والقضاء بالبينتين ممكن فإن رهن الدار الواحدة من رجلين بدين لهما عليه صحيح

ووجه القياس أن الحجتين لما استوتا فلا بد من القضاء لكل واحد منهما بالنصف وإثبات حكم الرهن لكل واحد منهما في النصف شائعا غير ممكن فتبطل البينتان كما لو أقام رجلان كل واحد منهما البينة على نكاح امرأة واحدة وأخذنا بالقياس ; لأن وجه القياس أقوى فإن في الرهن من رجلين العقد واحد وكل واحد منهما راض بثبوت حق صاحبه في الحبس فأمكن إثبات ملك اليد الذي هو موجب الرهن لهما في المحل من غير شيوع بأن يجعل كأن العين كلها محبوسة بدين كل واحد منهما ولا يتأتى ذلك هنا ; لأن كل واحد منهما أثبت الملك لنفسه بعقد على حدة ولا يرضى كل واحد منهما بثبوت حق صاحبه معه فلا بد من القضاء لكل واحد منهما بالنصف ، وإن رهنها من رجلين النصف من هذا بدينه والنصف من هذا بدينه لم يجز ; فلهذا نأخذ بالقياس فإن ادعى أحدهما الرهن والقبض وادعى الآخر الهبة على عوض والتقابض فأقام البينة فإنه يقضي بهذا للذي يدعي الهبة على عوض ; لأن الهبة بشرط العوض بعد التقابض [ ص: 167 ] بمنزلة البيع ، وقد بينا أنه يترجح دعوى الشراء على دعوى الرهن عند تعارض الحجج ، ولو كانت هبة بغير عوض قضيت بها لصاحب الرهن من قبل أنه قد نفذ ماله فيه ، وقد كان ينبغي في قياس القول الذي قلنا قبل هذا أن يكون لصاحب الهبة ومعنى أن صاحب الهبة في القياس أولى ; لأنه يثبت ببينته مالك العين لنفسه والمرتهن لا يثبت ذلك ببينته وكل واحد من العقدين لا يتم إلا بالقبض فيترجح الموجب للملك في العين منهما

وفي الاستحسان الرهن أولى ; لأنه عقد ضمان فالمقبوض بحكم الرهن بما يقابله من الدين والمقبوض بحكم الهبة لا يكون مضمونا أقوى من عقد التبرع ; فلهذا كانت بينة صاحب الرهن أولى وللقياس وجه آخر وهو أن الرهن لا يرد على الهبة والهبة ترد على الرهن فإنه بعد الهبة منه لو رهنه كان بإطلاق ، وبعد الرهن لو وهبه من المرتهن كان صحيحا فعند التعارض يترجح الوارد لكن في الاستحسان قال لا بد من إثبات حق المرتهن فثبوت الملك للمرهون له لا يمنع ثبوت حق المرتهن فيها فإن الواهب إذا رهن الموهوب بدينه برضاء الموهوب له جاز ولا يمكن إثبات الهبة مع ثبوت حق المرتهن فإنه بعد الرهن لو وهب برضاء المرتهن وسلم يبطل حق المرتهن ; فلهذا جعلنا الرهن أولى من الهبة

وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه تصدق بها عليه وقبضها لم يقض لواحد منهما ; لأنه إنما يقضي لكل واحد منهما بنصفها والهبة لا تتم في المشاع الذي يحتمل القسمة وزعم بعض أصحابنا رحمهم الله أن هذا قول أبي حنيفة رحمه الله . فأما عندهما ينبغي أن يقضي بها بينهما نصفان بمنزلة هبة الدار من رجلين والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأنهما يجوزان ذلك عند اتحاد العقد والاتحاد في جانب الواهب .

فأما إذا وهب النصف من كل واحد منهما في عقد على حدة لا يجوز وهنا كل واحد منهما أثبت ببينته الهبة منه في عقد على حدة ; فلهذا لا يقضي لكل واحد منهما بنصفها فإن شهدت أحدهما أنه أول فهي له ; لأنه أثبت ملكه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ، وإن لم يشهدوا بذلك وهي في يد أحدهما فهي لذي اليد ; لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده .

وإذا كانت الدار في يد ثلاثة رهط فادعى أحدهم الجميع والآخر النصف وادعى الثالث الثلثين ، وليست لهم بينة فلكل واحد منهم ما في يده ; لأن في يد كل واحد منهم ثلث الدار فدعوى كل واحد منهم ينصرف إلى ما في يده ، ولأن قوله مقدم فيه على قول الخارج ; لأنه مستحق لما في يده باعتبار ظاهر اليد ويحلف كل واحد منهما على دعوى الآخر ; لأن صاحب الجميع يدعي لنفسه جميع ما في يد صاحبيه وهما ينكران ذلك وصاحب الثلثين يدعي نصف ما في يد كل [ ص: 168 ] واحد من صاحبيه وهما ينكران ذلك فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبيه فإن حلفوا فلكل واحد منهم الثلث باعتبار يده ، وإن نكلوا عن اليمين في دعوى صاحب الجميع وحلف صاحب الجميع لهما فالدار كلها له ; لأن نكولهما كإقرارهما له بذلك ، أو كبدلهما له ما في أيديهما ، ولكن هذا إذا حلف صاحب الجميع لهما وحلف كل واحد منهما لصاحبه أيضا ، وإن نكلوا عن اليمين لصاحب الثلثين وحلفوا لصاحب الجميع والنصف كان لصاحب الثلثين الذي في يده ويأخذ نصف ما في يد كل واحد من صاحبه ; لأنه يدعي ثلثي الدار ونصف ذلك وهو الثلث في يده ونصفه في يد كل واحد منهما سدس الجميع ، وذلك نصف ما في يد كل واحد منهما ونكولهما بمنزلة الإقرار

وإن نكلوا عن اليمين لصاحب النصف وحلفوا لصاحب الثلثين وصاحب الجميع فصاحب النصف يأخذ ربع ما في يد كل واحد من صاحبيه ; لأنه يدعي نصف الدار فثلثا ذلك النصف في يده والثلث في يد صاحبيه ، وذلك السدس في يد كل واحد منهما نصف سدس الجميع وهو ربع الثلث الذي في يده فكل واحد منهما بالنكول صار مقرا له بذلك ، وإن نكل صاحب الجميع عن اليمين لصاحب النصف وحده وحلف بعضهم لبعض فصاحب النصف يأخذ مما في يد صاحب الجميع ربع ما في يده وهو نصف سدس جميع الدار ; لأنه بالنكول صار مقرا له بالقدر الذي ادعاه في يده نصف سدس جميع الدار ، وإن قامت لهم جميعا البينة فلصاحب النصف الثمن ولصاحب الثلثين الربع ولصاحب الجميع خمسة عشر وسهما من أربعة وعشرين سهما في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن بينة كل واحد منهم لم تقبل فيما في يده وتقبل فيه بينة الآخر ، ثم القسمة عنده على طريق المنازعة في الثلث الذي في يد صاحب النصف تقبل فيه بينة صاحب الجميع وصاحب الثلثين ، ثم نصف ذلك الثلث يسلم لصاحب الجميع بلا منازعة والنصف الآخر بينهما نصفان للمنازعة فيحتاج إلى حساب ينقسم ثلاثة أرباع ، وذلك اثنا عشر فصارت سهام الدار على اثني عشر سهما ففي يد صاحب الجميع ثلث الدار وصاحب الثلثين يدعي نصف ذلك وصاحب النصف يدعي ربع ذلك فيقضي لكل واحد منهما بمقدار ما ادعى من ذلك ، وفي يد صاحب الثلثين أربعة صاحب الجميع يدعي جميع ذلك وصاحب النصف ربع ذلك وثلاثة أرباعه يسلم لصاحب الجميع والربع وهو سهم واحد استوت منازعتهما فيه فكان بينهما نصفان فانكسر بالإنصاف فأضعف السهام ; فلهذا صارت الدار سهام أربعة وعشرين في يد كل واحد منهم ثمانية ، ثم سلم لصاحب الجميع ما في يد صاحب النصف ستة ، وما في يد صاحب [ ص: 169 ] الثلثين سبعة وبقي له مما كان في يده سهمان فجملة ذلك خمسة عشر سهما وصاحب الثلثين أخذ من يد صاحب النصف سهمين ومن يد صاحب الجميع أربعة فذلك ستة وهو ربع جميع الدار وصاحب النصف أخذ من يد صاحب الجميع سهمين ومن يد صاحب الثلثين سهما فذلك ثلاثة وهو ثمن الدار

وقد بينا تخريج المسألة على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في كتاب الدعوى في اعتبار القسمة على طريق العول فإن السهام عندهما ترتفع إلى مائة وثمانين فلم يعد هنا كراهة التطويل ، وكذلك إذا لم يكن بينة ونكلوا عن اليمين فهو وما لو أقام البينة في حكم الاستحقاق والتخريج سواء .

وإذا كانت الدار في يد رجلين وعبد أحدهما والعبد مأذون عليه دين وكل واحد منهم يدعي الدار كلها فهي بينهم أثلاثا ; لأن المولى من كسب عبده المديون كالأجنبي فإن حق غرمائه في كسبه مقدم على حق المولى فتظهر يده في معارضة يد المولى كيد المكاتب فإن لم يكن على العبد دين فالدار بين الحرين نصفان ; لأن كسب العبد هنا حق مولاه ويده من وجه كيد مولاه فلا معتبر بيده في معارضة يد المولى ، وإنما يبقى المعتبر في الدار يد المولى ويد الأجنبي فهي بينهما نصفان بمنزلة ثوب ينازع فيه رجلان ، وفي يد أحدهما عامة الثوب ، وفي يد الآخر طرف الثوب فإنه يقضي به بينهما نصفان .
دار في يد رجل يدعي رجل أنه اشتراها من آخر وهو يملكها يوم باعها وأقام البينة وذو اليد يقول ليست لي فإني أقضي بالدار للمدعي ; لأنه أثبت لنفسه بإثباته الشراء ممن كان مالكها وذو اليد لم يخرج من خصومته بقوله ليست لي فإنه كان خصما له باعتبار يده فيها وبهذا اللفظ لا يتبين أن يده فيها ليست بيد خصومة فقضى بالدار للمدعي إلا أن يقيم ذو اليد البينة أنها عارية في يده ، أو بإجارة ، أو بوكالة بالقيام عليها من رجل غير البائع فإن أقام على ذلك بينة فلا خصومة بينهما ; لأنه أثبت بأن يده فيها يد حفظ لا يد خصومة وهذه مخمسة كتاب الدعوى فإن جاء المشتري ببينة أن ذلك الرجل سلطه على قبضها من هذا الساكن قبضها وقضى له بذلك ; لأنه أثبت ببينته أنه أحق بحفظها منه ، وأنه ثبت له حق نقلها من يد ذي اليد إلى يد نفسه بأمر صاحبها إياه بذلك ، ولو عاين ما أثبته البينة كان له حق قبضها . فكذلك إذا ثبت ذلك بالبينة والله أعلم .
باب ما يكون بين الرجلين فيه خصومة

( قال رحمه الله دار في يد رجل رهن والراهن غائب فادعاها رجل وأقام البينة فإن أقام [ ص: 170 ] المرتهن البينة أنها رهن في يده فلا خصومة بينهما ) ; لأنه أثبت ببينته أن يده فيها يد حفظ لا يد خصومة فالمرهون عينه أمانة في يد المرتهن بمنزلة الوديعة ولئن كان مضمونا فهو ضمان لا يوجب الملك له في العين بحال ، ولو كان مضمونا ضمانا يوجب الملك له إذا تقرر كالمغصوب لم يكن خصما فيه لمدعي الملك .

فإذا كان دون ذلك أولى ، وكذلك لو كان المرتهن الذي الدار في يده غائبا والراهن حاضرا فلا خصومة بينه وبين المدعي ; لأن دعوى الملك لا تسمع في العين إلا على ذي اليد واليد فيها مستحقة للمرتهن وهو غائب والإجارة والعارية في ذلك كالرهن ، وإن لم يقم ذو اليد البينة على ذلك فهو خصم لظهور يده فيها ومنفعة المدعي منها بيده فلا يخرج من خصومته بمجرد قوله ، وكذلك لو قال أنها ليست لي ولم ينسبها إلى أحد فهو خصم فيها ; لأن بينته على هذا لا تقبل وبدون البينة لا يخرج من خصومته يوضحه أنه إنما يخرج ذو اليد من الخصومة إذا أحال المدعي على رجل معروف يتمكن من الخصومة معه حتى لو قال هو لرجل عارية عندي وأقام البينة على ذلك لم تندفع الخصومة عنه فلأن لا تندفع بقوله ليست لي أولى ، وإن أقر المدعي أنها في يده بإجارة ، أو عارية ، أو رهن فلا خصومة بينهما فيها ; لأن إقراره ملزم إياه ، وقد أقر أنه ليس بخصم له ، وإن كان المدعي ادعى أنه اشتراها من فلان وادعى ذو اليد أن فلانا ذلك أسكنها إياه ولم يقم البينة على ذلك فلا خصومة بينهما ; لأنهما تصادقا على أن أصل الملك فيها لفلان فتكون أصولها إلى يد ذي اليد من جهة فلان وفلان ذلك لو حضر لم يكن بينه وبين ذي اليد خصومة لإقرار ذي اليد له بها عليه . فكذلك لا خصومة بينه وبين من يدعي تلقي الملك من جهة فلان إلا أن يقيم المدعي البينة أن البائع وكله بقبضها منه . فإذا أقام البينة على ذلك يجب على ذي اليد دفعها إليه ; لأنه أثبت البينة أنه أحق بإمساكها وإثبات اليد عليها من ذي اليد والعروض في جميع ما ذكر كالعقار .
وإذا كانت الدار بين شريكين فغاب أحدهما فادعى رجل أنه اشترى من الغائب نصيبه لم يكن الشريك خصما له في ذلك ; لأنه ادعى سبب ملك جديد بينه وبين الغائب في نصيبه والحاضر ليس بخصم عن الغائب فيما يدعي قبله ، ولأن ذا اليد مقر أن يده في نصيب الغائب من جهته فلا يكون خصما لمن يدعي بملكه عليه ، وإن ادعى أنه اشتراها ، أو بعضها من الميت الذي ورثوها منه كان الحاضر خصما عن نفسه وعن الغائب ; لأنه يدعي سبب الاستحقاق على الميت وأحد الورثة خصم عن الميت وعن سائر الورثة فيما يدعي على الميت كدعوى الدين ويستوي إن كانوا قسموا الدار ، أو لم يقسموا ; لأن قسمتهم في حق المدعي إذا [ ص: 171 ] ثبت فشراؤه باطل .

دار في يد رجل بشراء فاسد فادعاها آخر فالمشتري خصم فيها ; لأن المشتري يملك رقبتها وكل من يملك الرقبة أو يدعيها خصم له ، وهذا بناء على أصلنا أن الشراء الفاسد موجب للملك بعد القبض ، وإنما نص على حكم الملك هنا .
دار في يد رجل فادعاها آخر وأقام كل واحد منهما البينة أنه اشتراها من يد رجل واحد والمدعي هو الأول ولم ينقد الثمن والبائع غائب فإني أقضي بها للمدعي ; لأن ذا اليد زعم أنها ملكه فيكون خصما فيها للمدعي ، وإنما يزعم أنه يملكها من جهة البائع فيكون خصما عنه في إثبات سبب الملك عليه ، وقد أثبت المدعي تقدم شرائه بالبينة فيقضي بالدار له ويستوفي منه الثمن فإن كان ذو اليد قد نقد الثمن أعطيته الثمن قصاصا ; لأنه استحق الرجوع على البائع بما أدى إليه من الثمن ، وقد ظفر بماله من جنس حقه فيأخذ مقدار حقه من ذلك وللقاضي أن يعينه عليه لما يثبت حق الأخذ ، وإن كان فيه فضل أمسكه على البائع ; لأنه مال الغائب فيحفظه عليه ، وهذا إذا كان البائع أقر عند القاضي بقبض الثمن من ذي اليد قبل غيبته فإن لم يكن كذلك وأقام ذو اليد البينة على أنه كان أعطاه الثمن لم يقض القاضي بشيء ; لأنه يقيم البينة على الغائب ولا يقضي القاضي على الغائب بالبينة إذا لم يحضر عنه خصم ، وإن كان ذو اليد لم ينقد للبائع الثمن أو كانت الدار في يده بهبة أو صدقة دفعتها إلى المدعي لإثباته سبب الملك فيها بتاريخ سابق وأخذت الثمن منه للبائع ; لأنه مال الغائب فيحفظ عليه والحاصل أن المشتري يحتاج إلى إثبات الملك على البيع ينتفع به ويتصرف فيه ولا يتمكن من ذلك إلا بنقد الثمن فالقاضي ينظر لهما فيستوفي الثمن منه لمراعاة حق الغائب ويسلم الدار إليه ليتوصل الانتفاع بملكه .
رجل باع جارية من رجل ، ثم غاب المشتري ولا يدرى أين هو فأقام البائع على ذلك بينة فإن القاضي يسمع بينته ; لأنه يزعم أنه قد وجب على القاضي النظر له وللمفقود في ماله . فإذا أثبت ذلك بالحجة قبل القاضي ذلك منه وباع الجارية على المشتري بطريق حفظ ملكه عليه ; لأن عين الملك لا تبقى له بدون النفقة وحفظ الثمن أيسر عليه من حفظ العين . فإذا باعها نقد البائع الثمن ; لأنه ظفر بجنس حقه من مال غريمه واستوثق منه بكفيل نظرا منه للغائب لجواز أن يكون قد استوفى الثمن وابراء المشتري من ذلك فإن كان فيه فضل أمسك الفضل للمشتري ، وإن كان وضيعه فذلك على المشتري ; لأن قبض القاضي له الجارية كقبض المشتري إياها بنفسه فيه يتقرر عليه جميع الثمن ويطالبه البائع بمقدار الوضيعة إذا حضر ، وإن كان أبرأه المشتري لم يبع القاضي الجارية ; لأن ثبوت الولاية للقاضي بطريق [ ص: 172 ] النظر منه لهما ، وذلك عند الضرورة إذا كان لا يوقف على موضع المشتري . فأما إذا كان يعرف ذلك فالبائع متمكن من أن يبيعه ويطالبه بالثمن وملكه مضمون على البائع بالثمن فليس للقاضي أن يبطل عليه عين ملكه لاتصال البائع إلى حقه والله أعلم بالصواب .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.91 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]