عرض مشاركة واحدة
  #343  
قديم 19-12-2025, 12:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 152الى صـــ 161
(343)







ثم الحكم المتعلق بالولاء يبقى بعد مضي قرن كالحكم المتعلق بالنسب فلو لم تجز الشهادة عليه بالتسامع تعطلت الأحكام المتعلقة بالولاء والشرع جعل الولاء كالنسب في حق وجوب الانتماء فقال صلى الله عليه وسلم { من انتسب إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا } وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن العتق إزالة ملك اليمين بالقول فلا تجوز الشهادة عليه بالتسامع كالبيع وبيانه فيما قررنا أن العتق كلام يسمعه الناس كالبيع ، وليس كالولادة فلا حاجة إلى إقامة التسامع فيه مقام البينة ، ثم لا يقترن لسبب الولاء ما يشتهر به فالإنسان يعتق عبده ولا يعلم به غيره فكان هذا دون البيع ; لأن البيع لا ينعقد ما لم يعلم به المشتري والعتق نافذ ، وإن لم يعلم المعتق بخلاف الطلاق وما تقدم ; لأنه مقترن بأسبابها ما يشتهر من الوجه الذي قررنا .
وكذلك لو شهدوا أن فلانا أعتق أبا فلان ، وأن فلان ابن فلان عصبة فلان الذي أعتق وعصبة فلان المعتق فإني لا أجيز شهادتهما حتى ينسبا الذي أعتق وعصبته إلى أب واحد يلتقيان إليه ، وإن لم يدركا ذلك لم يضرهما بعد أن يشهدا على سماع العتق من المعتق ، ثم أن المعتق مات وترك ابنه ، ثم مات ابنه ولا يعلمان له وارثا غيره ، وأنه لا ينسب له ولا ولاء سواه فحينئذ تقبل شهادتهم ; لأن القاضي لا يقضي بالميراث ما لم يفسروا بنسب الوراثة ، وإنما يسير مفسرا معلوما عنده بما ذكر غير أن في النسب شهادتهم بالتسامع مقبولة ، وفي الولاء لا تقبل شهادتهم ما لم يسمعوا العتق من المعتق إلا عند أبي يوسف رحمه الله كما بينا قال ولست أكلفهم في المواريث أنه لا وارث له غيره .

وقال ابن أبي ليلى رحمه الله ما لم يشهدوا بذلك لا يقضي القاضي بالميراث له ; لأن سبب استحقاقه لا يصير معلوما للقاضي إلا به لجواز أن يكون هناك من يزاحم أو يترجح عليه فلا يكون هو وارثا مع ثبوت ما فسر الشهود من السبب ، ولكنا نقول قولهم لا وارث له غيره نفي لا طريق لهم إلى معرفة ذلك فلو كلفهم القاضي أن يشهدوا بذلك لكلفهم على ذلك شططا وحملهم على الكذب وإليه أشار في الكتاب ( فقال ) من قبل أن هذا عيب يحملهم القاضي عليه ، أو قال عنت يحملهم القاضي عليه وهو يعلم أنهم يشهدون بما لا يعلمون ، وإن قالوا لا نعلم له وارثا غيره فهذا يكفي وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله لا يكفي ; لأن هذا ليس من الشهادة في [ ص: 153 ] شيء فإنهم يشهدون بما يعلمون لا بما لا يعلمون وكما أنهم لا يعلمون ذلك فالقاضي لا يعلم ونحن نسلم أن المشهود به لا يثبت به بهذا اللفظ ، ولكن استحقاق الميراث له بالسبب الذي أثبته الشهود مفسرا إلا أنهم إذا لم يذكروا هذه الزيادة كان على القاضي أن يتلوم فربما يظهر وارث آخر مزاحم له أو مقدم عليه فهم بهذا اللفظ كفوا القاضي مؤنة التلوم .

ونظروا في ذلك لأنفسهم فتحرزوا عن الكذب والمجازفة ; لأنهم لو قالوا لا وارث له غيره كانوا مجازفين في ذلك فتحرزوا بقولهم لا نعلم له وارثا غيره ، وفي الحقيقة مرادهم هو الأول فما يكون من سباب التحرز عن الكذب لا يكون قدحا في شهادتهم ، ولو شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله ولم يجز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حتى يقولوا مبهمة لا نعلم له وارثا غيره ; لأن في تخصيصهم مكانا إيهاما أنهم يعلمون له وارثا في غير ذلك المكان أرأيت لو قالوا لا نعلم له وارثا سواه في هذا المجلس أكان يقتضي بالميراث لهم وأبو حنيفة يقول هذا اللفظ مبهم للمبالغة في بيان أنه لا وارث له غيره ومعناه أن بلده كذا ومولده كذا ومسقط رأسه كذا ولا نعلم له بها وارثا غيره فأحرى أن لا يكون له وارثا آخر في مكان آخر ، ثم تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو ; لأن ما لا يعلم المرء لا يختص بمكان دون مكان فهو ، وما لو أطلقوا سواء .

وقولهما أن هذا إيهام فلان كان كذلك فهو مفهوم والمفهوم لا يقابل المنطوق والأصل في ذلك ما روي { أن ثابت بن الدحداح لما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قبيلته هل تعرفون له فيكم نسبا قالوا لا إلا أن ابن أخت له فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه لأبن أخته ابن لبانة بن عبد المنذر رضي الله عنه } فقد ذكروا أنهم لا يعرفون له فيهم وارثا ونسبا ولم يكلفهم أكثر من ذلك .

ولو ادعى رجلان ولاء رجل واحد فأقام كل واحد منهما بينة أنه أعتقه وهو يملكه ولا يعلمون له وارثا غيره جعلت الولاء بينهما والميراث ; لأنهما استويا في سبب الاستحقاق والولاء إما أن يعتبر بالنسب ولو أقاما البينة على نسبه كان الميراث بينهما لاستوائهما في النسب ، أو يجعل الولاء كالملك ; لأنه أثر من آثار الملك . وإذا استويا في إقامة البينة على الملك يقضى بالملك بينهما نصفان فإن أقام أحدهما بينة قبل صاحبه وقضيت له ، ثم أقام الآخر بعد ذلك بينة لم تقبل منه ولم يشارك الأول ; لأن الولاء كالنسب من حيث إنه لا يحتمل النقض والفسخ ولا يحتمل النقل من شخص إلى شخص ، ثم في النسب إذا ترجحت البينة الأولى بالقضاء لم تقبل الثانية بعد ذلك . فكذلك [ ص: 154 ] في الولاء .
ولو شهد رجل على رجل أن مولاه أعتق أمه ، ثم ولدت بعد العتق لستة أشهر من فلان وهو عبد لفلان فقضى القاضي له بالولاء ، ثم جاء مولى العبد وأقام البينة أنه كان أعتق أباه فلانا قبل موته وهو لا وارث له غيره جعلت له الميراث والولاء ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو عاينا ذلك حكمنا بجر الولاء إلى قوم الأب . فكذلك إذا ثبت بالبينة ، وهذا ; لأنه ليس في هذه البينة إبطال القضاء الأول فإن القضاء الأول كان قضاء بالولاء لمعتق الأم ; لأنه لا ولاء له من قبل الأب وهو صحيح ، ثم بقي ذلك الولاء عند الموت لعدم الدليل المحول لا لوجود الدليل المنفي . فإذا أثبت الثاني الدليل المحول ببينته وجب القضاء بالولاء والميراث له بخلاف الأول فهناك البينة الثانية تقوم لإبطال القضاء الأول بطريق المعارضة ، وقد بينا أن عند المعارضة الأولى يترجح بالقضاء فإن نقض القضاء بدليل محتمل لا يجوز
وإذا شهدا على موت رجل وأقر أنهما لم يعاينا ذلك لم تجز إلا أن يكون مشهور الموت ; لأنه إذ لم يكن مشهورا وأقر أنهما لم يعانيا فقد أقر أنهما يشهدان بغير علم . وإذا كان مشهور الموت فإنما يشهدان بما يعلمانه بالشهرة ، وإن قالا نشهد بأنه مات أجزت ذلك وإلا استفسرهما ; لأن مطلق الشهادة يجب حملها على سبب صحيح كما لو شهد بمطلق الملك قبلت شهادتهما ولا يستفسران أنهما يشهدان بذلك بظاهر اليد ، أو غيره ، وكذلك إن قال نحن دفناه ، أو شهدنا جنازته فهذا منهما شهادة بموته ; لأن الحي لا يدفن ولا يصلى على جنازته . وإذا أخبر الرجل المديون به ، أو المرأة أنه عاين موت فلان فالذي انتهى إليه الخبر في سعة من يشهد على موته قيل معنى هذا إذا اشتهر عند الناس حتى سمعه الشاهد من واحد بعد واحد . فأما إذا لم يسمعه إلا من هذا الواحد فإنه لا يجوز له أن يشهد بموته كما في النسب والنكاح ، وقد بينا وقيل بل في الموت يسعه ذلك إذا كان المخبر ثقة موثوقا به ; لأن أمر الناس هكذا يكون فالميت إنما يعاينه من يغسله ، ثم يخبر الناس بذلك فيعتمدون خبره ويعلمون أنه صادق في مقالته فيجوز له أن يعتمد هذا الخبر في الشهادة على موته .

وإذا جاء موت الرجل من أرض أخرى فصنع أهله ما يصنعون على الميت فإنه لا يسع أحد أن يشهد على موته حتى يخبر به من شهده ممن يثق به ; لأن مثل هذا الخبر قد يكون حقا ، وقد يكون باطلا والغالب عند بعد المسافة أنه باطل فلا يعتمده حتى يخبره من يثق به عن معاينة . فإذا أخبره بذلك وسعه أن يشهد ( ألا ترى ) أنه لو مات ميت فأخرجت جنازته حتى يدفن وسع الجيران أن يشهدوا بموته ، وإن لم يعاينوا ذلك ; لأنهم سمعوا [ ص: 155 ] ذلك مما عاين . وإذا تزوج امرأة نكاحا ظاهرا ودخل بها علانية وأقام معها أياما ، ثم ماتت فإنه يسع الجيران أن يشهدوا على أنها امرأته ، وإن لم يشهدوا النكاح ; لأنه اقترن بالنكاح ما أوجب تشهيره أرأيت لو كان بينهما ولد أما كان يسعهم أن يشهدوا أنه ولدهما ، وإن لم يعاينوا الولادة . فإذا كان يجوز هذا فيما ينبني على النكاح . فكذلك في النكاح .
وإذا شهد شاهدان أن فلانا مات وترك هذه الدار ميراثا لفلان ابنه هذا لا يعلمون له وارثا غيره ولم يدركوا فلانا الميت فشهادتهم باطلة ; لأنهم يشهدون بالملك للميت فإن الوراثة خلافة فما لم يثبت الملك للميت لا يخلفه وارثه فيه ولا تجوز الشهادة على الملك بالتسامع . وإذا كان القاضي يعلم أنهم لم يدركوا فلانا الميت فقد علم أنهم جازفوا في هذه الشهادة وبهذا يستدل أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله في مسألة الولاء فيقولان إن الولاء بالعتق لا يثبت للعتق إلا أن يكون مالكا فهم يشهدون بالملك له أولا ولا تجوز الشهادة على الملك بالتسامع ; ولهذا قال كثير من مشايخنا رحمهم الله في الوقف إن الشهادة عليه بالتسامع ممن لا يدرك الواقف لا تقبل ; لأنه ما لم يثبت الملك للواقف لا يثبت الوقف من جهته والشهادة على الملك بالتسامع لا تجوز إلا أن أكثرهم على جواز ذلك في الوقف استحسانا للضرورة الداعية إلى ذلك وتحقيق مقصود الواقف وهو التأبيد في صدقته .

ولو شهدوا على دار في يدي رجل أنها دار جد هذا المدعي وخطته ، وقد أدركوا الحد لم تجز شهادتهما حتى يجيزوا المواريث ; لأن المدعي يحتاج إلى إثبات سبب انتقال الملك إليه من الجد وبثبوت الملك للجد لا يحصل هذا المقصود ولا يتمكن القاضي من القضاء له حتى يجيزوا المواريث ، ولو شهد على إقرار الذي في يديه أنها دار جد هذا أجزت ذلك وجعلتها له إن لم يكن له وارث غيره ; لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة ، وهذا ; لأن الإقرار موجب بنفسه قبل أن يتصل به القضاء بخلاف الشهادة فإنها لا توجب شيئا إلا بقضاء القاضي ولا يتمكن القاضي من القضاء إلا بسبب ثابت عنده .

ونظير هذه المسألة ما بينا في كتاب الدعوى أنهم إذا شهدوا أنها كانت لابنه ، وقد مات أبوه لا يقضى له بشيء إلا في قول أبي يوسف الآخر بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار ذي اليد بأنها كانت لابنه ، وكذلك لو شهدوا أنها كانت من يد المدعي لا يستحق بهذا شيئا بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار ذي اليد أنها كانت في يد المدعي ، وفي الكتاب أشار إلى الفرق . وقال إذا أقر ذو اليد بهذا فقد أخرجها من نصيبه فيخرجها من يده إلا أن يأتي ببينة بحق له فيها . وإذا أخرجناها من يده فلا مستحق لها سوى المدعي فتدفع [ ص: 156 ] إليه . وإذا شهد الشهود بغير إقرار فهم لم يثبتوا للمدعي شيئا إذا لم يجيزوا المواريث إليه ، وهذا في الحقيقة إشارة إلى ما ذكرنا أن الإقرار موجب بنفسه والشهادة لا توجب شيئا بدون قضاء القاضي

وإذا كانت الدار في يد رجل فأقام ابن أخيه البينة أنها دار جده مات وتركها ميراثا لابن الابن وعمه ولا يعلمون له وارثا غيرهما ، وإن أباه مات وترك نصيبه منها ميراثا له لا يعلمون له وارثا غيره ، وإن أقام الآخر البينة أن أخاه مات قبل أبيه ، وإن أباه قد ورث منه السدس ، ثم مات أبوه فورثه هذا فإني أقبل شهادة شهود ابن الأخ ; لأنه هو المدعي ومعنى هذا أنه هو يثبت الملك لنفسه في نصف الدار ببينته وذو اليد لا يثبت لنفسه شيئا عليه ، ولكن يبقى ببينته ما أثبت هو من نصف الدار لنفسه والبينات للإثبات لا للنفي .

يوضحه أنا إذا قبلنا بينة ابن الأخ صار ذو اليد بها مقضيا عليه في نصف الدار . وإذا قبلنا بينة ذي اليد لا يصير ابن الأخ مقضيا عليه في شيء والقضاء يستدعي مقضيا عليه وكانت بينة ابن الأخ أولى بذلك فإن كان لأب الغلام ميراث من تركة سوى الدار لم أقبل بينة واحد منهما على صاحبه ; لأن كل واحد منهما هنا يثبت لنفسه ببينته شيئا في يد ابن الأخ وهو نصف الدار والآخر سدس تركة أخيه التي كانت في يد أبيه بطريق الميراث له من أبيه وكل واحد منهما يصير مقضيا عليه لو قبلنا بينة صاحبه عليه فاستويا من هذا الوجه والأصل أن كل أمرين ظهرا ولا يعرف التاريخ بينهما يجعل كأنهما وقعا معا .

( ألا ترى ) أن الأب والابن إذا غرقا جميعا في سفينة أو وقع عليهما بيت ولا يعلم أيهما مات أولا لم يرث واحد منهما صاحبه . فكذلك هنا لما تحققت المساواة بينهما في التاريخ جعلا كأنهما ماتا معا فيكون ميراث كل واحد منهما لابنه فلا يرث كل واحد منهما من صاحبه .

ولو أقام رجل البينة على ميراث رجل أنه مات يوم كذا وهو ابنه لا وارث له غيره وأقامت امرأة البينة أنه تزوجها يوم كذا بعد ذلك اليوم ، ثم مات بعد ذلك فإني آخذ ببينة المرأة ; لأنها تثبت المهر والميراث فلا بد من قبول بينتها على ذلك طاعنة في بينة الابن على تاريخ الموت فمن ضرورة الحكم بصحة النكاح منه بعد ذلك الحكم بحياته ، ولو أقامت امرأة أخرى البينة بعد ما قضيت بموته في يوم وورثت امرأته أنه تزوجها بعد ذلك الوقت الذي ذكروا فيه موته قبلت ذلك أيضا ; لأن هذه الأخرى مدعية مثبتة المهر والميراث لنفسها ، ثم بينتها طاعنة في البينة الأخرى على تاريخ الموت ولو كان الوارث أقام البينة أن فلانا قتل أباه يوم كذا قضيت بذلك ، ثم أقامت المرأة البينة أنه تزوجها بعد ذلك اليوم ، ثم التفت إلى بينتها [ ص: 157 ] قال ; لأن القتل حق لازم والموت ليس فيه حق لازم .

ومعنى هذا الكلام أن الابن بإثبات فعل القتل على القاتل يثبت لنفسه موجبه من قصاص ، أو دية فكانت بينته مثبتة وبينة المرأة على النكاح أيضا مثبتة للمهر والميراث لها فلما استويا في الإثبات وترجحت بينة الابن باتصال القضاء بها لم تقبل بينة المرأة بعد ذلك ; لأن القضاء النافذ لا يجوز إبطاله بطريق المعارضة . فأما في الموت الابن لا يثبت لنفسه في إقامة البينة على تاريخ الموت حقا فإن الميراث مستحق له بالموت لا بالتاريخ فإنما بقي هو بتلك البينة النكاح بعده وبينة المرأة تثبت ، وقد بينا أن النافي من البينتين لا يعارض المثبت فيترجح بينتها ويتبين به بطلان الطلاق الأول كما إذا أثبتت سبب إرث مقدم على ما قضى القاضي به .

يوضح الفرق أن القتل فعل يتعلق به حكم شرعا والفعل لا يتحقق من العبد إلا في زمان فكان الابن متمكنا من إثبات الفعل عليه في ذلك الزمان بالبينة لإثبات حكمه . فأما الموت ليس بفعل من العبد يتعلق به حكم ليتمكن الابن من إثباته في زمان بالبينة ، وإنما يمكنه من إثبات الخلافة لنفسه بعد موته ، وفي ذلك لا فرق بين موته في وقت دون وقت ، ثم الأصل أن بعد المساواة في الإثبات إذا تيقن القاضي بالكذب في إحدى البينتين ، وقد اتصل القضاء بأحدهما فإنه يعين الكذب في الأخرى .

( ألا ترى ) أنه لو قامت عليه بينة أنه تزوج هذه المرأة يوم النحر بملكه فقضى القاضي بها ، ثم شهد شاهدان آخران أنه تزوج هذه الأخرى يوم النحر في ذلك اليوم بخراسان لم تجز الشهادة الثانية ; لأنا نتيقن بكذب أحد الفريقين ، وقد ترجح جانب الصدق في البينة الأولى باتصال القضاء بها فيتعين الكذب في البينة الثانية . فكذلك فيما تقدم من مسألة القتل والله أعلم .
باب طعن الخصم في الشاهد

( قال رحمه الله . وإذا شهد شاهد أن لرجل حقا من الحقوق فقال المشهود عليه هما عبدان فإني لا أقبل شهادتهما حتى أعلم أنهما حران ) ; لأن الناس أحرار إلا في أربعة الشهادة والحدود والقصاص والعقل كذا مروي عن علي رضي الله عنه وتفسيره في الشهادة هذا ، وفي الحي إذا قذف إنسان ، ثم زعم القاذف أن المقذوف عبد فإنه لا يحد القاذف حتى يثبت المقذوف حريته بالحجة ، وفي القصاص إذا قطع يد إنسان ، ثم زعم القاطع أن المقطوعة يد عبد فإنه لا يقضى بالقصاص حتى يثبت حريته بالحجة ، وفي القتل إذا قتل إنسان خطأ وزعمت العاقلة أنه عبد فلان فإنه لا [ ص: 158 ] يقضي عليهم بالدية حتى تقوم البينة على حريته وهذا ; لأن ثبوت الحرية لكل أحد باعتبار الظاهر إما ; لأن الدار دار حرية أو ; لأن الأصل في الناس الحرية فإنهم أولاد آدم وحواء عليهما السلام ، وقد كان حرين إلا أن الظاهر يدفع به الاستحقاق ، ولكن لا يثبت به الاستحقاق ; لأن الاستحقاق لا يثبت إلا بدليل موجب له ويقال ما عرف ثبوته ليس بدليل منفي بل لعدم الدليل المزيل والدليل عليه أن ظاهر اليد يدفع به استحقاق المدعي ولا يستحق به حتى إذا كانت في يده جارية ولها ولد في يد غيره لا يستحق ولدها باعتبار يده فيها إذا عرفنا هذا فنقول في الشهادة إثبات الاستحقاق على المشهود عليه بقول الشاهد الظاهر ولا يكفي لذلك .

وكذلك في القذف إلزام الحد على القاذف في القصاص وإيجاب العقوبة على القاطع ، وفي العقل إيجاب الدية على العاقلة ، وذلك لا يكون إلا باعتبار الحرية فما لم تثبت الحرية بالحجة لا يجوز القضاء بشيء من ذلك فإن قال الشهود نحن أحرار لم نملك قط لم يقبل قولهما حتى يأتيا بالبينة على ذلك ، وإنما أراد به أنه لا تقبل شهادتهما . فأما في قولهما إنا أحرار لم نملك مصدقان في حقهما بطريق الظاهر ، ولكن لا نقضي بشهادتهما حتى يقيم البينة على حريتهما ، وإن سأل القاضي عنهما فأخبر أنهما حران فقبل ذلك وأجاز شهادتهما كان حسنا ; لأن حريتهما من الأسباب التي تعمل شهادتهما إلا بها بمنزلة العدالة فكما أن العدالة تصير معلومة عند القاضي بهذا الطريق . فكذلك الحرية قال والباب الأول أحب إلي وأحسن يعني الإثبات بالبينة ; لأن الأهلية للشهادة لا تثبت بدون الحرية وتثبت بدون العدالة ، ولأن الحرية والرق من حقوق العباد تجري فيهما الخصومة وطريق الإثبات في مثله البينة .

. فأما العدالة لا تجري فيها الخصومة فيمكن معرفتها بالسؤال عن حاله والحاصل أن الحرية في هذه الحالة أخذت شبهين من أصلين من العدالة ; لأنها من أسباب قبول الشهادة ومن الملك ; لأنها لا تجري فيها الخصومة ، وفيها حق العباد فيوفر حظه عليهما فلشبهها بالعدالة تصير معلومة بالسؤال ولشبهها بالملك تصير معلومة بالبينة ، وهذا الوجه أقوى وأحسن ; لأن الحرية تصير مقضيا بها ، ولو قالا قد كنا عبدين فأعتقنا المولى لم نصدقهما إلا ببينة ; لأن الملك يثبت للمولى عليهما بإقرارهما وإزالة الملك الثابت لا يكون إلا بحجة البينة فإن جاء بالبينة على ذلك قبلت ذلك وأعتقهما ، وإن كان المولى غائبا ; لأن المشهود عليه انتصب خصما عن المولى فإنه لا يتمكن من دفع المشهود به عن نفسه إلا بإنكار حريتهما .

والأصل أن حق الحاضر متى كان متصلا بحق الغائب فإن الحاضر ينتصب خصما عن الغائب ومتى [ ص: 159 ] قضى القاضي بالبينة على خصم حاضر فذلك قضاء على من انتصب لهذا الحاضر خصما عنه . فإذا جاء المولى ، وأنكر ذلك لم يلتفت إلى إنكاره وكان من القضاء بالعتق ماضيا ; لأن الحاضر بمنزلة الوكيل عن الغائب ، وهذا عندنا . وقال زفر رحمه الله لا يقضي بالعتق حتى يحضر المولى ويقام عليه البينة ; لأن المعتق مدعى عليه واستدل على زفر رحمه الله بما قال أرأيت لو ادعى قتل رجل أنه قطع يده عمدا ، أو ادعى عليه قذفا وميراثا وأقام البينة أن مولاه أعتقه ، وأن هذا قطع يده بعد ذلك ، أو قدمه ألم أحكم عليه بما حكم به الحر على الحر فيكون ذلك قضاء على مولاه ، وإن كان غائبا ، وكذلك لو أقام رجل البينة على عبد أن مولاه أعتقه ، وأنه قطع يده بعد ذلك لو استدان منه دينا ، أو باعه أجزت ذلك ، وإن جاء المولى فأنكر عتقه لم أكلفه إعادة البينة وزفر رحمه الله في هذا كله مخالف إلا أن من عادة محمد رحمه الله الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام والله أعلم بالصواب .

باب الشهادة في الشراء والبيع

( قال رحمه الله . وإذا ادعى رجل شراء دار في يد رجل وشهد شاهدان ، وإن لم يسميا الثمن والبائع ينكر ذلك فشهادتهما باطلة ) ; لأن الدعوى إن كانت بصفة الشهادة فهي فاسدة ، وإن كانت مع تسمية الثمن فالشهود لم تشهد بما ادعاه المدعي ، ثم القاضي يحتاج إلى القضاء بالعقد ويتعذر عليه القضاء بالعقد إذا لم يكن الثمن مسمى ; لأنه كما لا يصح البيع ابتداء بدون تسمية الثمن . فكذلك لا يظهر بالقضاء بدون تسمية الثمن ولا يمكنه أن يقضي بالثمن حين لم تشهد به الشهود ، وكذلك لو سمى الثمن واختلفا في جنسه ، أو في مقداره ; لأن المدعي يكذب أحدهما لا محالة ، ولأن كل واحد منهما يشهد بعقد غير ما يشهد به صاحبه فالبيع بالدنانير غير البيع بالدراهم ولا يتمكن القاضي من القضاء بواحد من العقدين لانعدام شهادة شاهدين عليه ، وكذلك إذا شهد أحدهما بالبيع بألف والآخر بالبيع بألف وخمسمائة ويستوي إن كان البائع هو المدعي للبيع ، أو الشراء ، وفي الخلع إن كانت المرأة هي التي تدعي . فكذلك الجواب ; لأنها تكذب أحد الشاهدين ، وإن كان الزوج هنا المدعي في الخلع فشهد أحد الشاهدين على ألف والآخر على ألف وخمسمائة فشهادتهما مقبولة في مقدار الألف ; لأن الفرقة وقعت بإقرار الزوج ، وهذا منه دعوى الدين عليها في الحاصل ، وقد اتفق الشاهدان على الألف لفظا [ ص: 160 ] ومعنى .

وفي النكاح لو كان الزوج هو المدعي للعقد فالشهادة لا تقبل ; لأن النكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة والزوج يكذب أحد شاهديه ، وإن كانت المرأة هي التي تدعي النكاح بألف وخمسمائة فعند أبي حنيفة رحمه الله تقبل شهادتهما على مقدار الألف ; لأن دعواها دعوى المال ، وقد اتفق الشاهدان إلى الألف لفظا ومعنى كما في الخلع ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا تقبل الشهادة ; لأن عقد النكاح معاوضة المرأة بالمال كالبيع فكما أن اختلاف الشاهدين في مقدار البدل في البيع يمنع قبول الشهادة . فكذلك في النكاح وفرق أبو حنيفة رحمه الله بينهما وهو أن صحة النكاح تستغني عن تسمية المهر بخلاف البيع فمن هذا الوجه المال كالزائد في النكاح ودعواها فيه دعوى الدين وتمام بيان هذا الفصل في الجامع الصغير ، وإن اتفق في جميع ذلك غير أنهما اختلفا في المكان والوقت في البيع ، أو في الإقرار والإنشاء فشهادتهما جائزة ، وقد بينا هذا .
وإن شهدا على إقرار البائع بالبيع ولم يسميا ثمنا ولم يشهدا بقبض الثمن فالشهادة باطلة ; لأن حاجة القاضي إلى القضاء بالعقد ولا يتمكن من ذلك إذا لم يكن الثمن مسمى ، وإن قالأقر عندنا أنه باعها منه واستوفى الثمن ولم يسم الثمن فهو جائز ; لأن الحاجة إلى القضاء بالعقد بالملك للمدعي دون القضاء فقد انتهى حكم العقد باستيفاء الثمن ، ولأن الجهالة إنما تؤثر ; لأنها تقضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم ( ألا ترى ) أن ما لا يحتاج إلى قبضه فجهالته لا تضر وهو المصالح عنه بخلاف ما يحتاج إلى قبضه وهو المصالح عليه . فإذا أقر باستيفاء الثمن فلا حاجة هنا إلى تسليم الثمن فجهالته لا تمنع القاضي من القضاء بحكم الإقرار . وإذا لم يقبض الثمن لا يجب على البائع تسليم البيع ما لم يصل إليه الثمن فجهالة الثمن في هذه الحالة تمنع القضاء بموجب إقراره ، وفي الموضعين جميعا الثابت من الإقرار بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولو قال بعتها منه ولم استوف الثمن لم يؤمر بتسليمها إليه ، ولو قال بعتها منه واستوفيت الثمن أمر بتسليمها إليه . فكذلك إذا ثبت بالبينة .
وإذا ادعى شراء دار وأقام شاهدين عليها غير أنهما لا يعرفان الدار والحدود ولم يسميا شيئا من ذلك فهو باطل ; لأن المشهود به مجهول ، ولأن المدعي غير المشهود به فالمدعى شراء دار معينة معلومة والمشهود به شراء دار مجهولة فإن قالا قد سمى البائع والمشتري موضع الدار وحددوها ، ثم وصفوا ذلك وسموه فهو جائز ; لأنهم شهدوا بمعلوم وهو الشراء في دار معلومة بذكر الحدود والموضع غير أني أسأل المدعي البينة على ما سمى الشهود من موضع الدار والحدود ; لأن القاضي يقول للمدعي قد يثبت عندي أنك اشتريت [ ص: 161 ] منه دارا حدودها ما سمى الشهود ، ولكن لا أدري أن هذه الدار المعينة التي يدعيها هي تلك الدار ، وإن حدودها ما سمى الشهود فثبت ذلك عندي بالبينة . فإذا أقام البينة على ذلك حينئذ يتمكن القاضي من القضاء له بالمدعي له بالبينة السابقة ، وكذلك لو حددوها بثلاثة حدود فقد بينا في أدب القاضي أن ذكر أكثر الحدود وذكر الجميع عندنا سواء استحسانا ، وإن الشهرة لا تقوم مقام ذكر الحدود في العقار عند أبي حنيفة رحمه الله ، وكذلك لو ادعى البائع وجحد المشتري في جميع هذه الوجوه ; لأن الحاجة إلى القضاء بالعقد لا فرق بين أن يكون المدعي هو البائع ، أو المشتري .
دار في يد رجل فأقام رجل عليها شاهدين أنها داره اشتراها من فلان وأقام ذو اليد البينة أنها داره اشتراها من فلان ذلك أيضا فهي للذي في يده ; لأنهما تصادقا على أن أصل الملك فيهما كان للبائع وادعى كل واحد منهما سبب انتقال الملك إليه وسبب ذي اليد أقوى ; لأن الشراء مع القبض أقوى من الشراء بدون القبض ، ولأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده فهو أولى إلا أن يؤرخا وتاريخ الخارج أسبق فحينئذ يقضي بها له ; لأنه أثبت الشراء في وقت لا ينازعه الآخر فيه ، ولو أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من رجل آخر قضيت بها للمدعي ; لأن كل واحد منهما هنا يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه أولا فكأن البائعين حضرا وادعيا الملك المطلق وبينة الخارج في ذلك أولى عندنا . فأما في الأول الملك ثابت للبائع بتصادقهما ، وإنما يحتاج كل واحد منهما إلى إثبات سبب الانتقال إليه يوضح الفرق أن هناك الخارج محتاج إلى إثبات الاستحقاق على البائع وعلى ذي اليد في تثبته ما يثبت له الاستحقاق على البائع ، وليس فيها مال يثبت الاستحقاق على ذي اليد من غير المالك حادث لجواز أن يكون شراء ذي اليد سابقا وحاجة ذي اليد إلى إثبات الاستحقاق على البائع خاصة ولا حاجة له إلى إثبات الاستحقاق على صاحبه ; لأن صاحبه غير مستحق لها بيد له فيها ، وفي بينته ما يثبت له ذلك . فأما هنا كل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الاستحقاق لبائعه أولا ليترتب عليه استحقاقه بالشراء ، وفيما هو المقصود بينة الخارج أولى من بينة ذي اليد .
دار في يد رجل ادعاها رجلان كل واحد منهما يقيم البينة أنه اشتراها منه بألف درهم فإن وقت أخذ بأول الوقتين ; لأن صاحب أسبق التاريخين أثبت الملك لنفسه بالشراء في وقت لا ينازعه فيه غيره والآخر بينة إنما أثبت الشراء من غير المالك ، وإن وقت أحد البينتين دون الأخرى فهي لصاحب الوقت ; لأن الشراء من غير المالك حادث فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات حتى يثبت سبق [ ص: 162 ] التاريخ فالذي لم توقت شهوده إنما أثبت شراءه في الحال وصاحبه أثبت الشراء من حين أرخت شهوده فهو أولى إلا أن تكون الدار في يد الآخر فهي لصاحب اليد حينئذ ; لأن تمكن ذي اليد من القبض دليل سبق عقده ، وهذا دليل معاين ، وفي حق الآخر التاريخ مخبر به ، وليس الخبر كالمعاينة ، ولأن حاجة الخارج إلى إثبات الاستحقاق على ذي اليد ، وليس في بينته ما يوجب ذلك ، وإن أرخت شهوده لجواز أن يكون شراء ذي اليد سابقا فإن لم يوقتا فكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن ، وإن شاء ترك ; لأن استواء الحجتين الحكم هو القضاء بها بينهما نصفان فقد تفرقت الصفقة على كل واحد منهما وببعض الملك قبل البعض والتبعيض في الأملاك المجتمعة عيب فيخير كل واحد منهما إن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن ، وإن شاء ترك ، وكذلك لو كان أحدهما ابن البائع ، أو مكاتبه ; لأنه في حكم الشراء منه هو كأجنبي آخر . فكذلك في دعوى الشراء عليه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]