
19-12-2025, 12:31 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,591
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 142الى صـــ 151
(342)
ولو وكل كافر مسلما بخصومة فشهد عليه كافران بالدين قبلت البينة يوضحه أن قضاء الدين من حق الميت وهو إنما نصب الصبي ليتدارك به ما فرط في حياته ، وإنما يتم له هذا المقصود إذا اعتبرنا فيما يقام عليه من الحجة لا حال الوصي .
فكذلك تجوز شهادة الكافر على المكاتب الكافر والعبد المأذون الكافر ، وإن كان مولاه مسلما يتصرفان لأنفسهما ; ولهذا لا يرجعان بعهدة التصرف على أحد فالاستحقاق بهذه الشهادة يقتصر عليهما ، ثم المولى بالإذن وإيجاب الكتابة فقد صار راضيا بالاستحقاق عليهما بشهادة الكفار لما باشر العقد مع علمه بحالهما كما صار راضيا باستحقاق الكسب بإقرارهما .
ولو كان العبد المأذون له مسلما ومولاه كافرا لم تجز شهادة الكفار على العبد ; لأنه يقوم الاستحقاق على المسلم
ولو وكل كافر مسلما بشراء ، أو بيع لم يجز على الوكيل في ذلك شهادة الكفار ; لأن الوكيل بالشراء والبيع في حقوق العقد كالعاقد لنفسه فإنما تقوم هذه البينة على المسلم ، ولو وكل مسلم كافرا بذلك جازت شهادة الكفار على الوكيل ; لأنه بمنزلة العاقد بنفسه ، ثم إيجابه العقد كلامه فيثبت بهذه الشهادة كإقراره ، ولو شهد على إقراره بذلك قبلت الشهادة وجعلت بمنزلة ما لو ثبت إقراره بالمعاينة . فكذلك إذا شهد على العقد والله أعلم بالصواب .
باب شهادة النساء
( قال رحمه الله ولا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا فيما ينظر إليه الرجال الولادة والعيب يكون في موضع لا ينظر إليه إلا النساء ) ; لأن الأصل أن لا شهادة له للنساء فإنهن ناقصات العقل والدين كما وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالنقصان يثبت شبهة العدم ، ثم الضلال والنسيان غلب عليهن وسرعة الانخداع والميل إلى الهوى ظاهر فيهن ، وذلك يمكن تهمة في الشهادة وهي تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود فلا تكون شهادتهن على الانفراد حجة تامة لذلك ، ولكنا تركنا القياس فيما لا يطلع عليه الرجال بالأثر وهو حديث مجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس رضي الله عنهم قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه } ، ولأن الضرورة تتحقق [ ص: 143 ] في هذا الموضع فإنه يتعلق به أحكام يحتاج إلى بيانه في مجلس القاضي ويتعذر إثباته بشهادة الرجال ; لأنهم لا يطلعون عليه فلا بد من قبول شهادة النساء فيه ; لأن الحجة لإثبات الحقوق مشروعة بحسب الإمكان .
ثم يثبت ذلك بشهادة امرأة واحدة إذا كانت حرة مسلمة عدلا عندنا والمثنى والثلاث أحوط ، وعند الشافعي لا تثبت إلا بشهادة أربع نسوة ، وعند ابن أبي ليلى شهادة امرأتين فالشافعي يقول كل امرأتين يقومان مقام رجل واحد في الشهادة كما في المذكورات فشهادة أربع نسوة بمنزلة شهادة رجلين فيما يطلع عليه الرجال توضيحه أن حال الرجال في الشهادة أقوى من حال النساء . وإذا كان لا يجوز إثبات شيء مما يطلع عليه الرجال بشهادة رجل واحد لمعنى الإلزام فلأن لا يجوز إثباته بشهادة امرأة واحدة أولى ولا معنى لقول من يقول أن هذا خبر ، وليس بشهادة .
فإن الحرية فيه شرط بالاتفاق قال في الكتاب لو شهدت أمة أو كافرة لا تقبل ، وكذلك لفظ الشهادة لا بد منه فعرفنا أنه بمنزلة الشهادة في الحقوق وبهذا يستدل ابن أبي ليلى رحمه الله أيضا إلا أنه يقول المعتبر في الشهادات شيئان العدد والذكورة ، وقد تعذر اعتبار أحدهما وهو الذكورة هنا ولو لم يتعذر اعتبار العدد فيبقى معتبرا كافي سائر الشهادات ولا معنى لقول من يقول إن نظر الواحدة أحق من نظر المثنى ; لأنه بالاتفاق المثنى والثلاث أحوط فلو كان معتبرا لما جاز النظر إلا لامرأة واحدة وحجتنا في ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة على الولادة . وقال شهادة النساء جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال } والنساء اسم جنس فيدخل فيه أدنى ما يتناوله الاسم والمعنى فيه أن هذا خبر لا يشترط في قبوله الذكورة ولا يشترط فيه العدد كرواية الأخبار .
وحقيقة المعنى فيه أن نظر الرجال إلى هذا الموضع غير متعذر ولا ممتنع ، ولكن نظر الجنس إلى الجنس أحق . فإذا أمكن تحصيل المقصود بشهادة النساء سقط اعتبار صفة الذكورية لهذا المعنى ، وهذا موجود في العدد فإن نظر الواحدة أحق من نظر الجماعة فسقط اعتبار العدد بالمعنى الذي يسقط اعتبار الذكورة ; ولهذا لا يسقط اعتبار الحرية فيه ; لأن نظر المملوكة ليس بأخف من نظر الحرة ; ولهذا لا يسقط اعتبار الإسلام فيه ; لأن نظر الكافرة ليس بأخف من نظر المسلمة فينعدم من الشرائط ما يمكن اعتباره ولا يعتبر ما لا يمكن اعتباره فعلى هذا الحرف نسلم أنه شهادة ، ولكن يدعي أنه سقط اعتبار العدد فيه بالمعنى الذي يسقط اعتبار الذكورة .
وفي الحاصل هذا أحد شبهها من الأصلين من الشهادة لمعنى الإلزام ومعنى الإخبار ; لأن صفة الذكورة [ ص: 144 ] فيه لا تشترط فوفرنا خطه على الشبهين وقلنا لشبهه بالإخبار يسقط اعتبار العدد فيه شرطا ويبقى معتبرا احتياطا كما في رواية الإخبار الواحد يكفي والمثنى والثلاث أحوط لزيادة طمأنينة القلب ولاعتباره بالشهادات فيه شرطنا الحرية والإسلام ولفظ الشهادة ، وهذا ; لأنه مختص بمجلس القاضي .
فلهذا يشترط فيه لفظ الشهادة ولم يذكر في الكتاب أنه لو شهد بذلك رجل بأن قال فأجأتها فاتفق نظري إليها والجواب أنه لا يمنع قبول الشهادة إذا كان عدلا في هذا الموضع ، ثم الصحيح أنه لا يشترط العدد ; لأن شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة . فإذا كان ثبت المشهود به هنا بشهادة امرأة واحدة فشهادة رجل واحد أولى ، وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله أنه قال ، وإن قال تعمدت النظر تقبل شهادته في ذلك كما في الزنا واستدلوا عليه بقول أبي حنيفة رحمه الله أن النسب لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين على الولادة إن لم يكن هناك حبل ظاهر ولا فراش قائم ولا إقرار الزوج بالحبل ، وقد بينا هذا في كتاب الطلاق .
فأما الاستهلاك فإني لا أقبل فيه شهادة النساء عليه إلا في الصلاة عليه . فأما في الميراث فلا أقبل في ذلك أقل من رجلين أو رجل وامرأتين في قول أبي حنيفة رحمه الله . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهم الله تقبل في ذلك شهادة امرأة واحدة حرة مسلمة عدل لحديث علي رضي الله عنه أنه أجاز شهادة القابلة في الاستهلال والمعنى فيه أن استهلال الصبي يكون عند الولادة وتلك حالة لا يطلع عليها الرجال ، وفي صوته عند ذلك من الضعف ما لا يسمعه إلا من شهد تلك الحالة وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجل كشهادة الرجال فيما يطلعون عليه ; ولهذا يصلى عليه بشهادة النساء . فكذلك يرث وأبو حنيفة رحمه الله يقول الاستهلال صوت مسموع ، وفي السماع من رجال يشاركون النساء .
فإذا كان المشهود به مما يطلع عليه الرجال لا تكون شهادة النساء فيه حجة تامة ، وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال كالشهادة على جراحات النساء في الحمامات بخلاف الولادة فهو انفصال الولد من الأم والرجال لا يشاركون النساء في الاطلاع عليه وحديث علي رضي الله عنه محمول على قبول شهادة النساء في الصلاة ، وإنما قبلنا ذلك في حق الصلاة عليه ; لأن ذلك من أمر الدين وخبر المرأة الواحدة حجة تامة في ذلك كشهادتهما على رؤية هلال رمضان بخلاف الميراث فإنه من حقوق العباد فلا يثبت بشهادة النساء في موضع يكون المشهود به مما يطلع عليه الرجال والله أعلم .
[ ص: 145 ] باب شهادة الزور وغيرها
( قال رحمه الله ذكر عن شريح رحمه الله أنه كان إذا أخذ شاهد الزور بعث به إلى أهل سوقه إن كان سوقيا وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما كانوا فيقول إن شريحا رحمه الله يقرئكم السلام ويقول أنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس ) وبهذا أخذ أبو حنيفة رحمه الله فقال القاضي يكتفى في شهادة الزور بالتشهير ولا يعزره . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يعاقبه بالتعزير والحبس على قدر ما يرى حتى يظهر توبته ولا يبلغ بالتعزيرات سبعين سوطا . وقال أبو يوسف بعد ذلك يبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطا ، وقد بينا الكلام في مقدار التعزير في كتاب الحدود . فأما الكلام في التعزير في حق شاهد الزور فهما استدلا بحديث عمر رضي الله عنه حيث قال في شاهد الزور يضرب أربعين سوطا ويسخم وجهه ويطاف به إلا أن الدليل قد قام على انتساخ حكم التسخيم للوجه فإن ذلك مثلة { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، ولو بالكلب العقور } .
فبقي حكم التعزير والتشهير بأن يطاف به ، ثم التشهير لإعلام الناس حتى لا يعتمد وإشهاده بعد ذلك والتعزير لارتكابه كبيرة فشهادة الزور من أعظم الكبائر فإنها عدلت بالشرك بالله تعالى قال الله تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } ، وفيه إشارة إلى عظم حرمة المسلم فقد جعل الله تعالى الشهادة عليه بالزور كالشهادة على نفسه بالزور . وإذا ثبت أنه مرتكب للكبيرة قلنا يعزر على ذلك وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بقول شريح رحمه الله فإنه كان قاضيا في زمن عمر وعلي رضي الله عنهما فما يشتهر من قضاياه كالمروي عنهما ، ثم التشهير لمعنى النظر للمسلمين ، وذلك من حقهم . فأما التعزير لحق الله تعالى ، وذلك يسقط بالتوبة وشاهد الزور من يقر على نفسه بذلك وإقراره على نفسه بذلك دليل توبته ; فلهذا لا يعزر ويكتفى بالتشهير .
ثم في التشهير نوع تعزير وهو تعزير لائق بجريمته ; لأن بالشهادة لا يحصل له سوى ماء الوجه وبالتشهير يذهب ماء وجهه عند الناس فكان هذا تعزيرا لائقا بجريمته فيكتفى به ، وما نقل عن عمر رضي الله عنه محمول على معنى السياسة إذا علم الإمام أنه لا ينزجر إلا به .
( ألا ترى ) أنه ذكر تسخيم الوجه ، وذلك بالاتفاق بطريق السياسة إذا علم المصلحة فيه . فكذلك التقرير ( قال ) وشاهد الزور عندنا المقر على نفسه بذلك ; لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في إقراره على نفسه فلا طريق إلى ثبات ذلك بالبينة عليه ; لأنه نفي لشهادته والبينة حجة للإثبات دون النفي ، وكذلك من ردت شهادته [ ص: 146 ] لتهمة أو للدفع عن نفسه أو بالاختلاف في الشهادة ، أو بتكذيب الذي شهد له فإنه لا يكون شاهد الزور فيما ذكرنا من الحكم ; لأني لا أدري أيهما الصادق المشهود له أو الشاهد فلعل المشهود له أراد بالشاهد العقوبة والتهمة فقصر في دعواه عما شهد به شاهده ، وكذلك من ردت شهادته للتهمة فلعله صادق في شهادته .
وإذا اختلف الشاهدان في الشهادة فلا يعرف الكاذب منهما ; فلهذا لا يعزر واحد من هؤلاء والرجال والنساء وأهل الذمة في شهادة الزور سواء لقيام الأهلية في حقهم جميعا فيما تعلق بشهادة الزور
وإذا شهد أحد الشاهدين على قتل ، أو جراحة عمدا أو خطأ وشهد الآخر على الإقرار بذلك لم تجز شهادتهما لاختلاف المشهود به فأحدهما يشهد بفعل معاين والآخر بقول مسموع والقول غير الفعل ، وكذلك لو اختلفا في الوقت ، أو في المكان الذي كان به القتل . فأما في البيع اختلاف الشهود في المكان والزمان والإنشاء والإقرار لا يمنع قبول الشهادة إلا على قول زفر رحمه الله فإنه يقول لا تقبل لاختلافهما في المشهود به فالموجود في مكان غير الموجود في مكان آخر كالأفعال ، ولكنا نقول القول يعاد ويكرر ، ويكون الثاني هو الأول في الحكم فبهذا الاختلاف لا يتحقق بينهما اختلاف في المشهود به . وكذلك صيغة الإقرار والإنشاء في البيع واحدة بخلاف الأفعال فإنها لا تحتمل التكرار .
ولو شهد أحدهما في قرض مائة درهم وشهد الآخر على الإقرار بذلك جاز كما في البيع ; لأن البيع والقرض كلام كله . وقال بعضهم هنا الجواب في القرض غلط فإن الإقراض فعل فإنه لا يتحقق إلا بتسليم المال والقبض بحكم القرض موجب ضمان المثل كالغصب وكما أن اختلاف الشهود في الغصب في الإقرار والإنشاء يمنع قبول الشهادة . فكذلك في القرض ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ; لأن حكم القرض إنما يثبت بقوله أقرضتك لا بتسليم المال إليه فإن تسليم المال إليه بدون هذا القول يكون إيداعا وقوله أقرضتك صيغة الإقرار والإنشاء فيه واحد كما في البيع
ولو شهد أحدهما على مائة والآخر على خمسين لم تقبل هذه الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله لاختلاف الشاهدين في المشهود به لفظا ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقبل على الأقل إذا كان المدعي يدعي الأكثر حتى لا يصير مكذبا أحد شاهديه ، وقد بينا في كتاب الطلاق في التطليقة والتطليقتين .
ولا يجوز شهادة دافع عن نفسه مغرما ، أو جار إليها مغنما ; لأنه متهم في شهادته . وقال صلى الله عليه وسلم { لا شهادة لمتهم } ، ولأنه في معنى الشاهد لنفسه وشهادة المرء لنفسه دعوى .
ولا تجوز شهادة المفاوض لشريكه في شيء ما خلا [ ص: 147 ] الحدود والقصاص والنكاح فذلك ليس من شركة ما بينهما فنزل كل واحد منهما في المشهود به من صاحبه منزلة الأجنبي وأما في الأموال هما بعقد المفاوضة صار في ذلك كشخص واحد فكل واحد منهما فيما يشهد به لصاحبه بمنزلة الشاهد لنفسه .
وشهادة الشريك لشريكه ، وإن كانا غير متفاوضين لا تجوز في تجارتهما للتهمة ; لأن فيما يكون من تجارتهما الشاهد يثبت الحق لنفسه وصاحبه كالوكيل عنه فهو كشهادة الموكل لوكيله فيما وكله به . فأما فيما ليس من تجارتهما فهو كسائر الأجانب ; لأن تهمة الميل بسبب عقد الشركة لا تتمكن عند ظهور العدالة فإن بسبب الشركة يحصل بينهما الصداقة والصديق إذا كان عدلا عاقلا يمنع صديقه من أكل الحرام ولا يحمله على ذلك بالشهادة ، وكذلك شهادة أجير أحد الشريكين للشريك الآخر وشهادة الأجير لأستاذه لا تجوز في شيء ، وإن كان عدلا أخذ في ذلك بالثقة واستحسن لما بلغنا في ذلك عن شريح رحمه الله ولحالة الناس التي هم عليها اليوم والمراد الإشارة إلى التهمة فالأجير هنا هو التلميذ الخاص ، وقد ظهر مثله إلى أستاذه وإيثاره على غيره فكان بمنزلة الزوجية في المنع من قبول الشهادة ، ولأنه هو الذي يقبض ما يجب لأستاذه فكأنه يثبت حق القبض لنفسه بشهادته ، وقد ورد الحديث بأن لا شهادة للقانع بأهل بيته ومعنى ذلك أنه يعد خيرهم خير نفسه وشرهم شر نفسه والأجير في حق أستاذه بهذه الصفة وقيل مراده أجيرا استأجره مسانهة ، أو مشاهرة فإنما يستوجب الأجر بتسليم نفسه ، وفي الزمان الذي يسلم نفسه لأداء الشهادة له يستوجب الأجر فكان بمنزلة من استؤجر على أداء الشهادة ; فلهذا لا تقبل شهادته لأستاذه في شيء .
ولو أن رجلا كان عليه مال فشهد ابناه أن الطالب أبرأ أباهما واحتال به على فلان والطالب منكر لم تجز شهادتهما ; لأنهما يسقطان بشهادتهما مطالبة الطالب عن أبيهما فدفعهما عن أبيهما كدفعهما عن أنفسهما ، ولو كان المال على غير أبيهما فشهدا أن الطالب احتال به على أبيهما والطالب ينكر والمطلوب يدعي الحوالة والبراءة جازت شهادتهما ; لأنهما يشهدان على أبيهما بالمال ويلزمانه المطالبة بشهادتهما ، وإنما يسقطان بها مطالبة الطالب عن المطلوب وهو أجنبي عنهما ; فلهذا قبلنا شهادتهما .
ولو شهد رجلان أن لهما ولفلان على فلان كذا لم تجز شهادتهما ; لأنهما شاهدان لأنفسهما ، وهذا ; لأنهما يشهدان بدين مشترك أو ينصرف واحد يثبت به المال لهما ولفلان . فإذا لم تقبل شهادتهما في حق أنفسهما وكان مدعيين في ذلك . فكذلك في حق الثالث كما لو شهدا أنه قذف هذا وأمنا في كلمة واحدة ، وكذلك لو شهدا أن فلانا أبرأهما [ ص: 148 ] وفلانا من مال كان له عليهما وعليه ; لأن المشهود به كلام واحد وهو في حقهما دعوى لا شهادة وبين الدعوى والشهادة مغايرة . فإذا كان كلامهما دعوى في البعض لا تكون شهادة معتبرة في الباقي ، وكذلك شهادة ولدهما ; لأنهما في البعض يشهدان لوالديهما ولا يجوز شهادة الأجير لمعلمه يريد به التلميذ ، وقد بينا المعنى فيه .
وإذا ادعى رجل دابة في يد رجل فقال هي دابة فلان دفعها إلي وديعة فردها عليه وجاء أحد الورثة فخاصمه في ذلك . وقال هي دابتي تصدق بها علي أبي فجاء الذي كانت في يده أولا وشهد أنها دابته ( قال ) إن كان يعلم أن هذا أودعها أباه ، ثم ردها عليه فشهادته جائزة وإلا فلا تجوز شهادته ; لأن هذا دافع مغرم ، ومعنى هذا أنه إذا علم أنه هو الذي أودعها إياه ، وأنه قد ردها عليه فقد خرج من ضمانها بيقين ; لأن المستودع يستفيد البراءة بالرد على من أودعه غاصبا كان ، أو مالكا فلا تتمكن تهمة في شهادته بالملك للمدعي بعد ذلك وأما إذا لم يعلم ذلك فقد صار هو مقرا على نفسه بثبوت يده عليها ، وذلك موجب للضمان عليه لمالكها ما لم تصل يده إليها فهو بهذه الشهادة يريد اتصالها إلى يده ليبرئ نفسه عن ضمانها فتتمكن تهمة في شهادته ( قال ) وكذلك الدار قيل هذا على قول من يقول العقار يضمن بالغصب وقيل بل هو قول الكل ; لأنه يخاف أن يرفع إلى قاض يرى العقار كالمنقول في إيجاب الضمان على مثبت اليد عليها فيقضي عليه بالضمان فهو بهذه الشهادة يدفع المغرم على نفسه أيضا .
رجل معه شاة فمر رجل فقال اذبحها فذبحها ، ثم جاء رجل فأقام البينة أن هذا أغصبها منه وأقام شاهدين أحدهما الذابح لم تجز شهادة الذابح ; لأنه دافع المغرم عن نفسه فالمدعي إذا ثبت ملكه يتمكن من تضمين الذابح والذابح بشهادته يصير مقرا بالضمان له عن نفسه فإنما يقصد بإخراج الكلام مخرج الشهادة دفع المغرم عن نفسه بأن يتوصل صاحبها إلى حقه في تضمين الغاصب ، ولأن ضمان الغصب إذا تقرر أوجب الملك للغاصب فهو بهذه الشهادة يريد أن يقرر الضمان على من أمره بالذبح ليثبت الملك له فيعتبر عند ذلك أمره في إسقاط الضمان عن الذابح فكان دافع المغرم من هذا الوجه والثاني يحتمل أن المالك غيره وغيره يضمنه وهو لا يضمنه باعتبار أن بينهما محبة ومودة فقد تمكنت التهمة في هذه الشهادة .
( قال ) ومن التهاتر أن يشهد الشاهدان أن هذا الشيء لم يكن له ; لأن هذا نفي والشهادة للإثبات دون النفي فإن النفي مما لا يعرف ; لأن الإنسان ما لم يصحب غيره أناء الليل وأطراف النهار لا يعلم أن هذا الشيء ليس له وهو ، وإن صحبه لا يعلم ذلك أيضا فقد لا يعرف الإنسان ذلك من نفسه بأن يكون ورث شيئا فيكون [ ص: 149 ] مملوكا له وهو لا يعلم بذلك . فإذا كان لا يعرف هذا من نفسه فكيف يعرف غيره منه ، وكذلك لو شهد أنه لم يكن لفلان على فلان دين ; لأنه لا طريق إلى معرفة ما شهد به من نفي الدين عن ذمته ، وكذلك كل شهادة هكذا أنها لم تكن ، وإن فلانا لم يصنع كذا ، وأنه لم يحضر مكان كذا ، وإن كان بمكان كذا فهو كله باطل ; لأن القاضي يعلم أنه مجازف في شهادته إذ لا طريق له إلى معرفة ذلك حقيقة . فإذا علم الحاكم أن الشاهد كاذب أو مجازف في شهادته لا تقبل شهادته ، وكذلك قولهم أنه لم يحضر يومئذ ذلك المكان فهذا نفي ، وكذلك قولهم إنه كان يومئذ بمكان كذا وكذا ; لأن المقصود ليس هو إثبات كونه في ذلك المكان ، وإنما المقصود نفي كونه في المكان الذي يدعيه المدعي يومئذ والمعتبر ما هو المقصود ، أو من التهاتر أن يقيم الرجل البينة على حق فيقضى له به فيقول المقضي عليه أنا أقيم بينة أنه لي فهذا لا يقبل منه ; لأنه يقيم البينة لإبطال قضاء القاضي عليه ودعواه ذلك غير مسموع فكيف تقبل بينة عليه وهذه البينة لو كانت قائمة له عند القضاء يمتنع القاضي من القضاء للمدعي فلأن لا يبطل القضاء بها أولى .
( قال ) ولو قبلت مثل هذا لقبلت من الآخر مثلها فيؤدي إلى ما لا يتناهى وذكر في الأصل المسألة التي بيناها في كتاب الحدود إذا شهد أربعة على شهود الزنا أنهم التزماه ، وقد بيناها ثمة والله أعلم .
باب الشهادة في النسب وغيره
( قال رحمه الله . وإذا شهد شاهدان على رجل أنه فلان ابن فلان الفلاني ، وإن الميت فلان ابن فلان ابن عمه وورثته لا يعلمون له وارثا غيره ولفلان ذلك الميت دار في يد رجل وهو مقر أنها له غير أنه لا يعرف له وارثا فأنا أجيز شهادة هؤلاء على النسب وأدفع إليه الدار ، وإن كانوا لم يذكروا أباه استحسانا ) وهذه فصول أربعة النسب والنكاح والقضاء والموت ، وفي القياس لا تجوز الشهادة في شيء منها بالتسامع ; لأن الشهادة لا تجوز إلا بعلم ، وإنما يستفيد العلم بمعاينة السبب ، أو بالخبر المتواتر . فأما بالتسامع لا يستفيد العلم . وقال الله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } وحكم المال أخف من حكم النكاح . فإذا كانت الشهادة على المال بالتسامع لا تجوز ففي النكاح أولى ، وفي التسامع القاضي والشاهد سواء ، ثم لا يجوز للقاضي أن يقضي بالتسامع . فكذلك لا يجوز للشاهد إلا أنا استحسنا جواز الشهادة على هذه الأشياء الأربعة لتعامل الناس في ذلك [ ص: 150 ] واستحسانهم .
( ألا ترى ) أنا نشهد أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ماتا ولم ندرك شيئا من ذلك ونشهد أن فاطمة رضي الله عنها زوجة علي رضي الله عنه ، وأن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه ونشهد أن شريحا رضي الله عنه كان قاضيا ونشهد أنهم قد ماتوا ولم ندرك شيئا من ذلك ، ثم هذه أسباب يقضون بها على ما يشتهر فإن النسب يشتهر فيها بالتهنئة والموت بالتعزية والنكاح بالشهود والوليمة والقضاء بقراءة المنشور فنزلت الشهرة منزلة العيان في إفادة العلم بخلاف الأموال وغيرها .
يوضحه أن هذه الأمور قل ما يعاين سببها حقيقة فسبب النسب الولاة ولا يحضرها إلا القابلة وسبب القضاء تقليد السلطان ولا يعاين ذلك إلا الخواص من الناس والميت أيضا قل ما يعاينه كل أحد والنكاح كذلك إنما يحضره الخواص من الناس فلو لم تجز الشهادة عليها بالتسامع أدى إلى الحرج بخلاف البيوع وغيرها فإنه كلام يسمعه كل واحد وسبب الملك هو اليد وهو ما يعاينه كل أحد والنكاح كذلك إنما يحضره الخواص ; فلهذا لا تجوز الشهادة عليها بالتسامع ، ثم الأحكام التي تتعلق بهذه الأشياء الأربعة تبقى بعد انقضاء قرون فلو لم تجز الشهادة عليها بالتسامع لتعطلت تلك الأحكام بانقضاء تلك القرون ; ولهذا قلنا في الصحيح من الجواب إن الشهادة على أصل الوقف بالتسامع جائزة ، ولكن على شرائط الوقف لا تجوز الشهادة بالتسامع ; لأن أصل الوقف يشتهر .
فأما شرائطه لا تشتهر ولا بد للشاهد من نوع علم ليشهد فإن كان الشاهد لا يعرف الرجل إلا أن المدعي أخبره بذلك ، أو شهد به عنده رجل ما ينبغي له أن يشهد حتى يكون النسب مشهورا ، أو شهد به عنده رجلان عدلان لئلا يقول المدعي بشهادة رجل واحد عنده لا يحصل الاشتهار ولا يتم شرعا ، وإنما ثبت له العلم هنا بالاشتهار عرفا أو شرعا فالاشتهار عرفا بأن يعلمه أكثر الناس والاشتهار شرعا بشهادة رجلين ( ألا ترى ) أن الإعلان في النكاح شرط ، ويكون ذلك شرعا بشهادة رجلين إلا أن فيما يتردد بين الصدق والكذب لا بد من عدالة الرجلين كما في الشهادة عند القاضي . فإذا شهد بذلك عنده رجلان فقد وجد الإشهاد عنده شرعا وولاية الشهادة دون ولاية القضاء . فإذا كان يجوز للقاضي أن يقضي بشهادة رجلين عنده فلأن لا يجوز له إذا شهد عنده به رجلان عدلان أولى ولو قدم عليه رجل من بلد آخر وانتسب له وأقام معه دهرا لم يسعه أن يشهد على نسبه حتى يلقى من أهل بلده رجلين عدلين ممن يعرفه يشهدان له على ذلك ، ثم يسعه الشهادة عليه ; لأنه يحصل له بذلك نوع علم ، وذلك كاف فيما لا يشترط [ ص: 151 ] عليه معاينة السبب ولو نظر إلى رجل مشهود باسمه ونسبه غير أنه لم يخالطه ولم يتكلم معه وسعه أن يشهد أنه فلان ابن فلان لحصول نوع علم له بالاشتهار ، وكذلك إذا رأى إنسانا في مجلس القضاء يقضي بين المسلمين فهو في سعة من الشهادة على أنه قاضيا لحصول العلم له بذلك الإشهاد والشهادة إنما تجب عليه بالعلم لا بالتكلم والمخالطة . فإذا حصل العلم له بالإشهاد حل له أداء الشهادة .
ولو مات رجل فأقام آخر البينة أن الميت فلان ابن فلان ، وأنه فلان ابن فلان حتى يلتقوا إلى أب واحد وهو عصبته وأقاربه لا يعلمون له وارثا غيره قضيت له بالميراث ; لأنه أثبت سبب الوراثة مفسرا بالحجة فإن جاء آخر وأقام البينة أن الميت ابنه ولد على فراشه ، وإن هذا أبوه لا وارث له غيره جعلت الميراث لهذا وأبطلت القضاء للأول ; لأن البينة الثابتة طاعنة في البينة الأولى دافعة لها فإنه يتبين بها أن الأول لم يكن خصما في إثبات نسب الميت ، وأنه كان محجوبا عن الميراث بمن هو أقرب منه ولا تقبل البينة من غير خصم ; فلهذا يبطل القضاء الأول .
وإن أقام الثاني البينة أن الميت فلان ابن فلان ونسبه إلى أب آخر وقبيلة أخرى ، وأنه فلان ابن فلان عمه إلى أب واحد لا وارث له غيره لم أحول النسب بعد أن يثبت من فخذ ومن أب إلى أن يجيء من هو أقرب من الذي جعلت له الميراث ; لأن البينة الثانية ليست بطاعنة في الأولى ، ولكنها معارضة للأولى ، وعند المعارضة الأولى ترجح الأولى لاتصال القضاء بها فلا تقبل البينة الثانية ; لأن الجمع بينهما متعذر والقضاء النافذ لا يجوز إبطاله بدليل مشتبه وهو كمن ادعى دابة في يد إنسان أنها له ، ثم أقام البينة فقضى القاضي بها له ، ثم أقام ذو اليد البينة أنها له لم يقبل ذلك منه ولو أقام البينة على النتاج قبل ذلك منه ; لأن هذه البينة طاعنة في البينة الأولى دافعة لها ، وكذلك إن أقام رجل البينة على نكاح امرأة بتاريخ وقضى القاضي له بذلك ، ثم أقام آخر البينة على نكاحه بذلك التاريخ أيضا لم تقبل ولو أقام البينة على النكاح بتاريخ سابق قبلت بينته ; لأنها طاعنة في البينة الأولى
وإذا شهد شاهد أن هذا أعتق فلانا ، وأنه مولاه وعصبته لا وارث له غيره فإن كان قد أدرك المعتق وسمع العتق منه فشهادتهما جائزة ، وإن كان لم يدركاه ولم يسمعا العتق منه لم تجز شهادتهما في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي رواية أبي حفص رحمه الله فلا ، وهذا قول أبي يوسف الأول رحمهما الله ، ثم رجع أبو يوسف رحمه الله فقال إذا شهدوا على ولاء مشهور فهو كشهادتهم بالنسب ، وإن لم يسمعوا ذلك منه ولم يدركوه ; لأن الولاء كالنسب ، ثم الشهادة على النسب بطريق التسامع والشهرة [ ص: 152 ] جائزة . فكذلك على الولاء ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بينهما فقال { الولاء لحمة كلحمة النسب } ( ألا ترى ) أنا نشهد أن قنبرا مولى علي رضي الله عنه وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما ، وإن لم ندرك ذلك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|