عرض مشاركة واحدة
  #341  
قديم 19-12-2025, 12:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 132الى صـــ 141
(341)






وأما المحدود في الخمر والزنا والسرقة إذا تابوا فإن شهادتهم مقبولة لحديث شريح رحمه الله أنه أجاز شهادة أقطع من بني أسد فقال أتجيز شهادتي فقال نعم وأراك لذلك أهلا وكان أقطع في سرقة ، وهذا ; لأن التوقف في شهادته كان لفسقه ، وقد زال ذلك بالتوبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وليس هذا كالمحدود في القذف ; لأن رد الشهادة هناك من تمام الحد فلو جعلنا رد الشهادة هنا من تمام الحد كان بطريق القياس ولا مدخل للقياس في مقادير الحدود والزيادة على النص بالقياس لا تجوز مع أن هذا الحد ليس في معنى ذلك الحد ; لأن بإقامة حد القذف تتحقق جريمته وجريمة هؤلاء تتحقق قبل إقامة الحد فإقامة الحد في حقهم تكون تطهيرا إذا انضم إليه التوبة ، وقد قال الله تعالى { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح } الآية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { التائب من الذنب كمن لا ذنب له . }
وإذا أعمى الشاهد ، أو خرس ، أو ذهب عقله ، أو ارتد عن الإسلام والعياذ بالله بعد ما شهد قبل أن يقضي القاضي بشهادته فإن القاضي لا يقضي بشهادته ; لأن اقتران هذه الحوادث بأداء الشهادة تمنع العمل بها . فكذلك اعتراضها بعد الأداء قبل القضاء ; لأن الشهادة لا توجب شيئا بدون القضاء والقاضي لا يقضي إلا بحجة فاعتراض هذه المعاني قبل القضاء يخرج شهادته من أن تكون حجة بخلاف الموت فإن اقترانه بالأداء لا يمنع العمل بشهادته .

( ألا ترى ) أن شاهد الفرع إذا شهد بعد موت الأصول يقبل والقضاء يكون بشهادة الأصول . فكذلك اعتراض الموت لا يمنع القضاء بشهادته .

وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله شهادة أصحاب الأهواء جائزة وهو مذهب جميع أصحابنا رحمهم الله . وقال الشافعي رحمه الله لا تقبل شهادة أهل الأهواء ومنهم من يفصل بين من يكفر في هواه وبين من لا يكفر في هواه ; لأنهم فسقة ولا شهادة للفاسق والفسق من حيث الاعتقاد أغلظ من الفسق من حيث التعاطي .

( ألا ترى ) أن أخبار أهل الأهواء في الديانات لا يقبل وهو أوسع من الشهادة فلأن لا تقبل شهادتهم أولى ، وفي الكتاب استدل بما كان من الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم فإنهم اختلفوا واقتتلوا وقتل بعضهم بعضا ولا شك أن شهادة بعضهم على بعض كانت جائزة [ ص: 133 ] مقبولة ، وليس بين أصحاب الأهواء من الاختلاف أشد مما كان بينهم من القتال ، وفي موضع آخر علل فقال إنهم للتعمق في الذين ضلوا عن سواء السبيل ووقعوا في الهوى ، وذلك لا يلحق تهمة الكذب بهم في الشهادة فمن أهل الأهواء من يعظم الذنب حتى يجعله كفرا فلا يتهم باعتبار هذه الاعتقاد أن يشهد بالكذب ومنهم من يقول بالفسق يخرج من الإيمان فاعتقاده هذا يحمله على التحرز عن الكذب الموجب لفسقه ، وقد بينا أن شهادة الفاسق إنما لا تقبل لتهمة الكذب والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل على ذلك فهو نظير شرب المثلث معتقدا إباحته أو يتناول متروك التسمية عمدا معتقدا إباحة ذلك فإنه لا يصير به مردود الشهادة إلا الخطابية من أهل الأهواء وهم صنف من الروافض يستجبرون أن يشهدوا للمدعي إذا حلف عندهم أنه محق ويقولون المسلم لا يحلف كاذبا فاعتقاده هذا يمكن تهمة الكذب في شهادته .

قالوا ، وكذلك من يعتقد أن الإلهام حجة موجبة للعلم لا تقبل شهادته ; لأن اعتقاده ذلك يمكن تهمة الكذب فربما أقدم على أداء الشهادة بهذا الطريق . فأما رواية الأخبار عن أهل الأهواء فقد اختلف فيه مشايخنا رحمهم الله والأصح عندي أنه لا تقبل ; لأن المعتقد للهوى يدعو الناس إلى اعتقاده ومتهم بالنقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإتمام مراده فلا تقبل روايته لهذا ولا يوجد مثل ذلك منه في الشهادة في المعاملات .
وعلى هذا شهادة العدو على عدوه لا تقبل عند الشافعي رحمه الله ; لأن العداوة بينهما تحمله على التقول عليه ; ولهذا لم يجوز شهادة أهل الأهواء على أهل الحق . فأما عندنا إذا كانت العداوة بينهما بسبب شيء من أمر الدين فشهادة بعضهم على بعض تقبل لخلوها عن تهمة الكذب . فأما الكذب . فأما من يعادي غيره لمجاوزته حد الدين يمتنع من الشهادة بالزور ، وإن كان يعاديه بسبب شيء من أمر الدنيا أمر موجب فسقه فلا تقبل شهادته عليه إذا ظهر ذلك منه
وشهادة أهل الإسلام جائزة على أهل الشرك كلهم ; لأن الله تعالى أثبت للمؤمنين شهادة على الناس بقوله عز وجل { لتكونوا شهداء على الناس } ولما قبلت شهادة المسلم على المسلم فعلى الكافر أولى ومن عرف منهم بالخيانة لم تجز شهادته أهل الأهواء وغير أهل الأهواء في ذلك سواء فالمجون نوع جنون قال القائل في هذا المعنى
إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا
، ثم لما جن تشتد غفلته على وجه ينعدم به الضبط ، أو يقل وتظهر منه المجازفة فيما يقول ويفعل فيتهم بالمجازفة في الشهادة أيضا .
وشهادة أهل الشرك بينهم جائزة بعضهم على بعض عندنا . وقال [ ص: 134 ] مالك والشافعي رحمهما الله لا شهادة لهم على أحد وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول إذا اتفقت مللهم تقبل شهادة بعضهم على بعض ، وإن اختلفت لا تقبل لقوله صلى الله عليه وسلم { لا شهادة لأهل ملة على ملة أخرى إلا المسلمين فشهادتهم مقبولة على أهل الملل كلها } ، ولأن عند اختلاف الملة يعادي بعضهم بعضا ، وذلك يمنع من قبول الشهادة كما لا تقبل شهادتهم على المسلمين وعلى هذا كان ينبغي أن لا تقبل شهادة المسلمين عليهم إلا أنا تركنا ذلك لعلو حال الإسلام قال صلى الله عليه وسلم { الإسلام يعلو ولا يعلى عليه } ، ولأنهم يعادون أهل الشرك بسبب المسلمون فيه محقون وهو إصرارهم على الشرك فلا يقدح ذلك في شهادتهم بخلاف أهل الملل فاليهود يعادون النصارى والنصارى يعادون اليهود بسبب هم فيه غير محقين قال الله تعالى { . وقالت اليهود ليست النصارى على شيء . وقالت النصارى ليست اليهود على شيء . }
وقال الشافعي رحمه الله الكافر فاسق ولا تقبل شهادته كالفاسق المسلم وبيان قوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } . وقال الله تعالى والكافرون هم الفاسقون والفسق عبارة عن الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها وسمي المسلم بذلك لخروجه عن حد الدين تعاطيا والكافر لخروجه عن حد الدين اعتقادا . فإذا ثبت أنه فاسق وجب التوقف في خبره بالنص والشرط في الشاهد بالنص أن يكون مرضيا قال الله تعالى { ممن ترضون من الشهداء } والكافر لا يكون مرضيا والدليل عليه أن شهادته على المسلمين لا تقبل وكل من لا يكون من أهل الشهادة على المسلمين لا يكون من أهل الشهادة على أحد كالعبيد والصبيان بل أولى فالعبد المسلم أحسن حالا من الكافر .

( ألا ترى ) أن خبره في الديانات يقبل ولا يقبل خبر الكافر .

ولأن الرق من آثار الكفر . فإذا كان أثر الكفر يخرجه من الأهلية للشهادة فأصل الكفر أولى وقاس بالمرتد واستدل ببطلان شهادته على قضاء قاضي المسلمين وعلى شهادة المسلم فلو كان من أهل الشهادة لقبلت شهادته في هذا إذا كان الخصم كافرا وحجتنا في ذلك قوله تعالى { ، أو آخران من غيركم } أي من غير دينكم وهو بناء على قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم } إلى قوله { ، أو آخران من غيركم } ففيه تنصيص على جواز شهادتهم على وصية المسلم ومن ضرورة جواز شهادتهم على وصية المسلم جوازها على وصية الكافر ، وما يثبت بضرورة النص فهو كالمنصوص ، ثم انتسخ في لك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين فبقي حكم الشهادة فيما بينهم على ما ثبت بضرورة النص فليس من ضرورة [ ص: 135 ] انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية { ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديين دينا بشهادة أربعة منهم } .

وعن أبي موسى رضي الله عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض } وعن عمر وعلي رضي الله عنهما في ذميين دينا قالا يدفعان إلى أهل دينهما ليحكم بينهما ومن ضرورة جواز حكم بعضهم على بعض والسلف رحمهم الله كانوا مجمعين على هذا حتى قال يحيى بن أكثم رحمه الله تتبعت أقاويل السلف فلم أجد أحدا منهم لم يجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض إلا أني رأيت لربيعة فيه قولين والمعنى فيه أن الكافر من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة كالمسلم وبيان الوصف في قوله تعالى { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } والمراد منه الولاية دون الموالاة فإنه معطوف على قوله تعالى { ما لكم من ولايتهم من شيء } والدليل عليه أنها تصح الأنكحة فيما بينهم ولا نكاح إلا بولي والمسلم إذا خطب إلى كتابي ابنته الصغيرة فزوجها منه جاز النكاح .

ولأن الكافر من أهل الولاية على نفسه وماله على الإطلاق فيكون من أهل الولاية على غيره عند وجود شرط تعدي ولايته إلى الغير والشهادة نوع ولاية . فإذا ثبتت الأهلية للولاية تثبتت الأهلية للشهادة ، ثم المقبول يترجح جانب الصدق ، وذلك في انزجاره عما يعتقده حراما في دينه والكافر منزجر عن ذلك فتقبل شهادته واسم العدالة والرضاء ثبت في حق الكافر في المعملات بصفة الأمانة فقد وصفه الله تعالى بذلك في قوله عز وجل { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } ولا يقال إنهم أظهروا الكفر عنادا كما قال الله تعالى { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ; لأن هذا كان في الأحبار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تواطئوا على كتمان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته فلا شهادة لأولئك عندنا . فأما من سواهم يعتقدون الكفر ; لأن عندهم أن الحق ما هم عليه قال الله تعالى { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } . وقال عز وجل { ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق } وبهذا التحقيق يتبين أن فسقهم فسق اعتقاد ، وقد بينا أن هذا لا يمكن تهمة الكذب في الشهادة ، وإنما لا تقبل شهادتهم على المسلمين لانقطاع ولايتهم عن المسلمين .
وإنما لا تقبل شهادة العبد والصبي لانعدام الأهلية والولاية ، وبه يتبين أن أثر الرق فوق تأثير الكفر في حكم الولاية ، ثم هم يعادون المسلمين بسبب باطل فيحملهم ذلك على التقوي على المسلمين ; فلهذا لا تقبل شهادتهم على المسلمين وأما المرتد فلا ولاية له على أحد ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول في قبول شهادة بعضهم على البعض ضرورة ، ولأن [ ص: 136 ] المسلمين قل ما يحضرون معاملات أهل الذمة خصوصا الأنكحة والوصايا فلو لم تجز شهادة بعضهم على البعض في ذلك أدى إلى إبطال حقوقهم ، وقد أمرنا بمراعات حقوقهم ودفع ظلم بعضهم عن بعض فلهذه الضرورة قبلنا شهادة بعضهم على بعض كما قبلنا شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ولا تتحقق هذه الضرورة في شهادتهم على المسلمين ولا في شهادتهم على شهادة المسلم ، أو على قضاء قاض مسلم ، وهذا على أصل مالك رحمه الله أظهر فإنه يجوز شهادة الصبيان في الجراحات وتمزيق الثياب التي بينهم في الملاعب فقل أن يتفرقوا

( قال ) ; لأن العدول لا يحضرون ذلك الموضع ، وبعد التفرق لا تقبل ; لأن الظاهر أنهم يلقنون الكذب ، وقد أمرنا أن لا نمكنهم من الاجتماع للعب فيحصل المقصود بالزجر عن ذلك فلا حاجة إلى قبول شهادة الصبيان في ذلك ، وكذلك جراحات النساء في الحمامات ; لأنا أمرنا بمنعهن من الاجتماع لما في اجتماع النساء من الفتنة ، وكذلك الفسقة من أصحاب السجون ; لأنهم حبسوا بأسباب منع الشرع من ذلك فيحصل المقصود بالمنع .

فأما هنا فقد أمرنا بمراعاة حقوق أهل الذمة ، وأن نجعل دماءهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا مع أن أصحاب السجون لا يخلون عن أمناء السلطان عادة وبناء الأحكام معلى عرف الشريعة دون عادة الظلمة ولا حجة لابن أبي ليلى رحمه الله في الحديث ; لأن عندنا الكفر كله ملة واحدة قال الله تعالى { هذان خصمان اختصموا في ربهم } . وقال الله تعالى { لكم دينكم ولي دين } فعابد الحجر وعابد الوثن أهل ملة واحدة ، وإن اختلفت نحلهم كالمسلمين هم أهل ملة واحدة ، وإن اختلفت مذاهبهم ، ثم اليهود يعادون النصارى بسبب هم فيه محقون وهو دعواهم الولد لله تعالى والنصارى يعادون اليهود بسبب هم فيه محقون وهو إنكارهم نبوة عيسى عليه السلام والفريقان يعادون المجوس بسبب هم فيه محقون وهو إنكارهم التوحيد ظاهرا ودعواهم الاثنين فشهادة بعضهم على البعض كشهادة المسلمين على الكفار ولإن كان بعضهم يعادي البعض بسبب باطل فلم يصر بعضهم مقهور بعض ليحملهم ذلك على التقول بخلاف الكفار فقد صاروا مقهورين من جهة المسلمين ، وذلك يحملهم على التقول عليهم ; فلهذا لا تقبل شهادتهم على المسلمين . فأما شهادة العبيد فقد بينا الإجماع فيها بين الفقهاء رحمهم الله وأما شهادة المكاتب والمدبر وأم الولد لقيام الرق فيهم ومعتق البعض كذلك عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه بمنزلة المكاتب

ولا يجوز شهادة المولى لأحد من هؤلاء ; لأن شهادته لملكه كشهادته لنفسه باعتبار قيام الملك والحق له في المشهود به ، وكذلك شهادة أبي المولى وابنه وامرأته لهؤلاء بمنزلة شهادته [ ص: 137 ] للمولى .
وكذلك شهادة الزوج لامرأته الأمة وشهادة المرأة لزوجها المملوك ; لأن وصلة الزوجة كوصلة الولاد في المنع من قبول الشهادة . وإذا شهد المكاتب أو العبد ، أو الصبي عند القاضي بشهادة فردها ، ثم شهد بها بعد العتق والكبر جازت شهادته ; لأن المردود لم يكن شهادة فالشهادة لا تتحقق إلا ممن هو أهل بخلاف الفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته ، ثم أعادها بعد التوبة فإنها لا تقبل ; لأن المردود كان شهادة والفسق لا يخرجه من أن يكون أهلا للولاية فلا يخرجه من أن يكون أهلا للشهادة ، وإنما لا تقبل شهادته لتهمة الكذب . فإذا كان المردود شهادة فهي شهادة حكم الحاكم ببطلانها بدليل شرعي فليس له أن يصحها بعد ذلك وبعضهم يشير إلى فرق آخر فيقول لعل الفاسق قصد بالتوبة ترويج شهادته فلا يوجد ذلك في الرقيق والصغير فإنه ليس إليه إزالة الرق والصغر ، ولكن هذا ليس بقوي فالكافر إذا شهد على مسلم فردت شهادته ، ثم ادعاها بعد الإسلام تقبل ، وهذا المعنى موجود فيه فعرفنا أن الاعتماد على كون المؤدى شهادة كما قررنا . وإذا تحمل المملوك شهادة لمولاه فلم يؤدها حتى عتق ، ثم شهد بها جاز ; لأن التحمل بالمعاينة والسماع والرق لا ينافي ذلك ، وعند الأداء هو أهل لشهادته ولا تهمة في شهادته فهو نظير الصبي إذا تحمل وشهد بعد البلوغ ، وكذلك الزوج إذا أبان امرأته ، ثم أدى الشهادة لها جازت شهادته ; لأن التحمل كان صحيحا مع قيام الزوجية ، وعند الأداء ليس بينهما سبب التهمة .
ولو شهد الحر لامرأته بشهادة فردها القاضي ، ثم أبانها ونكحت غيره ، ثم شهد لها تلك الشهادة لم يجز ; لأن المردود شهادة فالزوج أهل للشهادة في حق زوجته ، وكذلك لو شهدت المرأة لزوجها ، ولو شهد العبد لمولاه فرده القاضي ، ثم شهد له بها بعد العتق جازت شهادته ; لأن المردود لم يكن شهادة فالعبد ليس بأهل للشهادة في حق أحد . وإذا شهد المولى لعبده بنكاح فردت شهادته ، ثم شهد له بها بعد العتق لم يجز ; لأن المردود كان شهادة فالمولى من أهل الشهادة ، ولو شهد كافر على مسلم فردها القاضي بها ، ثم أسلم فشهد بها جازت شهادته ; لأن المردود لم يكن شهادة بخلاف ما إذا شهد كافر لكافر فردها القاضي لتهمة ، ثم ادعاها بعد ما أسلم ; لأن هناك المردود شهادة ، وإنما ردها لتهمة الكذب فبعد ما ترجح جانب الكذب في تلك الشهادة بحكم الحاكم لا يجوز العمل بها قط كما في شهادة الفاسق من المسلمين والله أعلم بالصواب .
الشهادة على الشهادة

( قال رحمه الله ولا يجوز على شهادة رجل ، أو امرأة أقل من شهادة رجلين ، أو رجل [ ص: 138 ] وامرأتين عندنا . وقال مالك رحمه الله تجوز شهادة الواحد على شهادة الواحد ) ; لأن الفرع قائم مقام الأصلي معبر عنه بمنزلة رسول في اتصال شهادته إلى مجلس القاضي وكأنه حضر وشهد بنفسه واعتبر هذا برواية الأخبار فإن رواية الواحد على الواحد مقبولة ومذهبنا مروي عن علي رضي الله عنه والمعنى فيه أن شهادة الأصلي غابت عن مجلس القاضي فلا يثبت عنده إلا بشهادة شاهدين كإقرار المقر ، وهذا ; لأنها شهادة ملزمة فيما يجب على القاضي القضاء بشهادة الأصول والعدد شرط في هذه الشهادة إذا كان متمكنا بخلاف رواية الأخبار .

وإن شهد رجلان على شهادة رجلين جاز عندنا . وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا أن يشهد رجلان على شهادة كل واحد منهما ; لأن الفرعين يقومان مقام أصل واحد فلا تتم حجة القضاء بهما كالمرأتين لما قامتا مقام رجل واحد لم تتم حجة القضاء بشهادتهما والدليل عليه أن أحد الفرعين لو كان أصليا فشهد على شهادة نفسه وعلى شهادة صاحبه مع غيره لا تتم الحجة بالاتفاق . فكذلك إذا شهدا جميعا على شهادة الأصلين وحجتنا في ذلك أنهما يشهدان جميعا على شهادة كل واحد منهما وكما يثبت قول الواحد في مجلس القاضي بشهادة شاهدين يثبت قول الجماعة كالإقرار ، وهذا ; لأن الفرعين عدد تام لنصاب الشهادة وهما يشهدان على شهادة الأصول إلا على أصل الحق . فإذا شهدا على شهادة أحدهما تثبت شهادته في مجلس القضاء كما لو حضر فشهد بنفسه ، ثم إذا شهد على شهادة الآخر تثبت شهادته أيضا في مجلس القضاء إذ لا فرق بين شهادتهما على شهادته وبين شهادة رجلين آخرين بذلك بخلاف شهادة المرأتين فذاك ليس بنصاب تام للشهادة ، ولكن كل امرأة بمنزلة شطر العلة والمرأتان شاهد واحد وبالشاهد الواحد لا يتم نصاب الشهادة ، وليس هذا كما لو شهد أحدهما على شهادة نفسه ; لأن الشاهد على شهادة نفسه لا يصلح أن يكون شاهد الفرع في تلك الحادثة لمعنيين أحدهما أنه عنده علم المعاينة في هذه الحادثة فلا يستفيد شيئا بإشهاد الآخر إياه على شهادته في الثاني أن شهادة الفرع في حكم البدل ; ولهذا لا يصار إليه إلا عند العجز عن حضور الأصل بموته أو مرضه ، أو غيبته والشخص الواحد في الشهادة لا يكون أصلا وبدلا في حادثة واحدة توضيحه أن شهادة الأصلي تثبت نصف الحق فلو جوزنا مع ذلك شهادته وشهادة الآخر لكان فيه إثبات ثلاثة أرباع الحق بشهادة الواحد ، وذلك لا يجوز . فأما إذا شهدا جميعا على شهادة الأصلين فلا يثبت في الحاصل بشهادة كل واحد منهما إلا نصف الحق ، وذلك جائز والشهادة على الشهادة في كتب [ ص: 139 ] القضاة جائزة ; لأن ذلك يثبت مع الشبهات وتقبل فيه شهادة النساء مع الرجال . فكذلك الشهادة على الشهادة .
وإن شهد شاهدان على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانا حدا في قذف فهو جائز ; لأن المشهود به فعل القاضي لا نفس الحد وفعل القاضي مما يثبت مع الشبهات ، وإنما الذي يندرئ بالشبهات الأسباب الموجبة للعقوبة وإقامة القاضي حد القذف ليست بسبب موجب للعقوبة فإن ( قيل ) أليس إن إقامة الحد مسقطة لشهادته عندكم بطريق العقوبة ( قلنا ) ، ولكن رد شهادته من تمام حده فيكون سببه هو السبب الموجب للحد وهو القذف إلا أنه ترتب عليه ليكون متمما له فلا يظهر قبله . فأما في الحقيقة القذف مع العجز عن أربعة من الشهداء يوجب جلدا مؤلما ويبطل شهادته بناء عليه
وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهد ، وقد خرس المشهود على شهادته أو عمى ، أو ارتد أو فسق ، أو ذهب عقله لم تجز الشهادة على شهادته ، وإن كان الفرعيان عدلين ; لأن القضاء إنما يكون بشهادة الأصول . فأما الفرعي ينقل إلى مجلس القاضي بعبارته شهادة الأصول فكأن الأصلي حضر بنفسه وشهد ، ثم ابتلى بشيء من ذلك قبل قضاء القاضي فكما لا يجوز للقاضي أن يقضي بشهادته هناك ; لأنه لو قضى بها كان قضاء بغير حجة . فكذلك هنا وشهادة أهل الذمة على المستأمنين جائزة بخلاف شهادة المستأمنين على أهل الذمة ; لأن الذمي من أهل دارنا حتى لا يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب بخلاف المستأمن فشهادة الذمي على المستأمن كشهادة المسلم على الذمي وشهادة المستأمن على الذمي كشهادة الذمي على المسلم وشهادة المستأمنين بعضهم على بعض تقبل إذا كانوا من أهل دار واحدة ، وإن كانوا من أهل دارين كالرومي والتركي لا تقبل ; لأن الولاية فيما بينهم تنقطع بخلاف المنعتين ; ولهذا لا يجري التوارث بينهم بخلاف دار الإسلام فإنها دار حكم فيه اختلاف المنعة لا يختلف بالدار . فأما دار الحرب ليس بدار أحكام فيه اختلاف المنعت تختلف بالدار ، وهذا بخلاف أهل الذمة فإنهم صاروا من أهل دارنا فتقبل شهادة بعضهم على بعض ، وإن كانوا من منعاة مختلفة . فأما المستأمنون ما صاروا من أهل دارنا ; ولهذا يمكنون من الرجوع إلى دار الحرب ولا يمكنون من إطالة المقام في دار الإسلام .
( قال ) ومن ترك من المسلمين الصلوات في الجماعة والجمع مجانة لم تقبل شهادته ; لأنه مرتكب لما يفسق به ، ولأن الجماعة من أعلام الدين فتركها ضلالة ( ألا ترى ) أن عمر رضي الله عنه قال يوما لأصحابه قد خرج من بيننا من كان ينزل عليه الوحي وخلف فيما بيننا علامة يميز بها المخلص من المنافق وهي الجماعة فكل من لقيناه في [ ص: 140 ] جماعة المسلمين شهدنا بإيمانه ومن لقيناه يتخلف عن الجماعة شهدنا بأنه منافق ، وإن كان ترك ذلك سهوا وهي لا تتم شهادته أجزت شهادته ; لأن ترك الجماعة سهوا لا يوجب فسقه ; لأن الساهي معذور في بعض الفرائض دونه أولى .
وإذا شهد كافران على شهادة مسلمين لكافر على كافر بحق ، أو على قضاء قاضي المسلمين على كافر لمسلم ، أو كافر لم تجز شهادتهما ; لأن المشهود به فعل المسلم ولا حاجة إلى فعل بيان المسلم بشهادة الكافر ; لأن فعل المسلم يتيسر إثباته بشهادة المسلمين .
وشهادة العبد والأمة في هلال رمضان جائزة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله وحجتنا فيه حديث الأعرابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اعتبر في ذلك إلا الإيمان حيث قال { أتشهد أن لا إله إلا الله } الحديث ، وقد بينا في كتاب الصوم الفرق بين هذا وبين الشهادة على هلال الفطر والأضحى ، وإن الشهادة على هلال رمضان ليست بإلزام للغير ابتداء بل هو التزام والتزام المسلم الصوم في رمضان بإيمانه فبهذه الشهادة تبين الوقت ولا يكون الالتزام فيها ابتداء .
ولو شهد مسلمان على شهادة كافر جازت الشهادة ; لأنه إذا كان يثبت بشهادة المسلمين شهادة المسلم فلأن يثبت بشهادتهما شهادة الكافر وهي دون شهادة المسلم أولى ، وإن كان كافرا في يده أمة اشتراها من مسلم فشهد عليه كافران أنها لكافر أو مسلم لم تجز شهادتهما ، وكذلك لو كانت في يده بهيمة من مسلم ، أو صدقة ، وهذا في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول رحمهم الله ، ثم رجع فقال أقضي بها على الكافر خاصة ولا أقضي بها على غيره وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله ; لأن الملك في هذا للكافر في الحال وشهادة الكافر حجة في استحقاق الملك عليه ، وليس من ضرورة استحقاق الملك عليه الاستحقاق على البائع ، أو بطلان البيع كما لو أقر المشتري بها لإنسان فإن الملك يستحق عليه بقراره ولا يبطل به البيع ولا فرق بينهما فإن القضاء بحسب الحجة والإقرار حجة على المقر دون غيره . فكذلك شهادة الكافر حجة على الكافر دون المسلم ولأبي حنيفة ومحمد رحمهم الله طريقان أحدهما أن الملك بحجة البينة يستحق من الأصل ; فلهذا يستحق بزوائده ويرجع الباعة بعضهم على بعض باليمين . وإذا كان أصل الملك للمسلم فهذه الشهادة إنما تقوم على استحقاق الملك على المسلم وشهادة الكافر ليست بحجة في ذلك كما قيل التمليك من غيره ، وهذا ; لأن القاضي لا يتمكن من القضاء بملك حادث بعد شراء الكافر ; لأنه لا بد للملك الحادث من سبب حادث ولم يثبت عنده ولا يتمكن من القضاء بالملك من الأصل ; لأن هذه الشهادة ليست بحجة فيه بخلاف الإقرار فإن [ ص: 141 ] الإقرار يجعل في الحكم بمنزلة إيجاب الملك للمقر له ابتداء ; ولهذا لا تستحق به الزوائد المنفصلة فيتمكن القاضي من القضاء بملك حادث بعد الشراء .

والثاني أن هذه البينة تقوم على إبطال تصرف المسلم من البيع والهبة ( ألا ترى ) أن الشهود لو كانوا مسلمين بطل بها تصرف البائع والواهب
وشهادة الكفار على إبطال تصرف المسلم لا تقبل بخلاف الإقرار فإنه لا يتضمن إبطال تصرف المالك ، ولكن المقر يصير مبلغا بإقراره وإتلافه لا يتضمن انتقاض قبضه وبطلان تصرف البائع . فأما هنا بهذه البينة تصير يد الكافر مستحقة من الأصل وبهذا الاستحقاق يفوت قبضه ضرورة وفوات القبض المستحق بالعقد يبطل التصرف .

ولو مات كافر وترك اثنين وألفي درهم فاقتسماها ، ثم أسلم أحدهما فشهد كافران على أبيهما بدين أخرت ذلك في حصة الكافر خاصة ; لأن شهادة الكافر حجة على الكافر دون المسلم وبثبوت الدين على الميت يستحق تركته وتركته مال الاثنين في الحال فيثبت الدين بهذه الحجة في استحقاق نصيب الكافر من التركة دون نصيب المسلم كما لو أقر أحد الاثنين بالدين على الأب وجحد الآخر .
ولو مات كافر فادعى مسلم وكافر دينا عليه وأقام كل واحد منهما بينة من أهل الكفر أخذت ببينة المسلم وأعطيته حقه فإن بقي شيء كان للكافر وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمهما الله أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما ; لأن كل واحد منهما يثبت ببينته دينه على الميت فإن أقام كل واحد منهما حجة على الميت فكأن الدينين يثبت بإقرار الميت بخلاف ما تقدم فإن الوارث مستحق عليه باعتبار الحال . فأما كل واحد من الفرعين لا يستحق على صاحبه شيئا ، وإنما يستحق كل واحد منهما على الميت وعلى ورثته ووجه ظاهر الرواية أن دين المسلم ثبت في حق الميت ، وفي حق غريم الكافر ودين الكافر ثبت في حق الميت ولم يثبت في حق الغريم المسلم ; لأن بينته ليست بحجة في حقه والمزاحمة بينهما لا تكون إلا عند المساواة ولا مساواة بينهما إذا كان دين أحدهما ثابتا في حق الآخر ودين الآخر ليس بثابت في حقه فهو بمنزلة الدين المقر به في الصحة مع الدين المقر به في المرض تقدم دين الصحة فإن فضل شيء فهو للمقر له في المرض فهذا مثله .
ولو مات الكافر فأوصى إلى رجل مسلم فادعى رجل على الميت دينا وأقام شهودا من أهل الكفر جازت شهادتهم استحسانا ، وفي القياس لا تقبل ; لأنها لا تقوم على المسلم في إلزام قضاء الدين فالوصي يلزمه قضاء الدين والتركة في يده في الحال فبهذه البينة تستحق عليه يده وشهادة الكفار في ذلك ليست بحجة كما لو كان الوارث مسلما ووجه [ ص: 142 ] الاستحسان أن الثابت بهذه الشهادة تصرف وليه الكافر وشهادة الكفار حجة في ذلك والوصي نائب عنه بعد موته فيكون بمنزلة الوكيل في حياته .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]