
19-12-2025, 12:16 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 122الى صـــ 131
(340)
فدل أنه كان ظاهرا فيما بينهم أن شهادة الولد لوالده لا تقبل إلا أنه وقع لعلي رضي الله عنه في الابتداء أن للحسن رضي الله عنه خصوصية في ذلك لما خصه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من السيادة ووقع عند شريح رحمه الله أن السبب المانع وهو الولاد قائم في حقه ولا طريق لمعرفة الصدق والكذب حقيقة في حق من هو غير معصوم عن الكذب فيبني الحكم على السبب الظاهر وهو كما وقع عند شريح رحمه الله وإليه رجع علي رضي الله عنه والمعنى فيه تمكن تهمة الكذب فإن العدالة تدل على رجحان جانب الصدق عند استواء الخصمين في حقه ولا تدل على ذلك عند عدم الاستواء .
( ألا ترى ) أن في شهادة المرء لنفسه ، أو فيما له فيه منفعة لا يظهر رجحان جانب الصدق باعتبار العدالة لظهور ما يمنع من ذلك بطريق العادة . فكذلك في حق الآباء والأولاد إما لشبهة البعضية بينهما ، أو لمنفعة الشاهد في المشهود به والمنافع بين الآباء والأولاد متصلة قال الله تعالى { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } بخلاف الإخوة وسائر القرابات فدليل العادة هناك مشترك متعارض فقد تكون القرابة سببا للتحاسد والعداوة وأول ما يقع من ذلك إنما يقع بين الإخوة بيانه في قوله تعالى { قال لأقتلنك } وبيان ذلك في حال يوسف عليه السلام وإخوته فمكان التعارض يظهر رجحان جانب الصدق في الشهادة له بظهور عدالته ومثل هذه المعارضة لا توجد في الآباء والأولاد ولا يشكل هذا على من نظر في أحوال الناس عن إنصاف .
فأما في شهادة أحد الزوجين لصاحبه يخالفنا الشافعي رحمه الله فيقول تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ; لأنه ليس بينهما بعضية والزوجية قد تكون سببا للتنافر والعداوة ، وقد تكون سببا للميل والإيثار فهي نظير الإخوة [ ص: 123 ] أو دون الأخوة فإنها تحتمل القطع والأخوة لا تحتمل ودليل هذا الوصف جريان القصاص بينهما في الطريقين في النفس ، وأن كل واحد منهما لا يعتق على صاحبه إذا ملكه ، ولأن هذه وصلة بينهما باعتبار عقد لا يؤثر في المنع من قبول الشهادة كالصداق والإظهار والأختان ، وهذا ; لأن عقد النكاح يثبت أحكاما مشتركة بينهما ففيما وراء ذلك ينزل كل واحد منهما من صاحبه منزلة الأجنبي كشريكي العنان وحجتنا في ذلك أن ما بينهما من وصلة الزوجية يمكن تهمة في شهادة كل واحد منهما لصاحبه .
وبيان ذلك من وجوه أحدها أن عقد النكاح مشروع لهذا وهو أن يألف كل واحد منهما بصاحبه ويميل إليه ويؤثره على غيره وإليه أشار الله تعالى في قوله { خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } وهو مشروع لمعنى الاتحاد في القيام بمصالح المعيشة ; ولهذا { جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمور داخل البيت على فاطمة رضي الله عنها وأمور خارج البيت على علي رضي الله عنه } ، وبهما تقوم مصالح المعيشة فكان في ذلك كشخص واحد ولا يقال هذا الاتحاد بينهما في حقوق النكاح خاصة ; لأن معنى الاتحاد في حقوق النكاح مستحق شرعا ، وفيما وراء ذلك ثابت عرفا فالظاهر ميل كل واحد منهما إلى صاحبه وإيثاره على غيره كما في الآباء والأولاد بل أظهر فإن الإنسان قد يعادي والديه لترضى زوجته ، وقد تأخذ المرأة من مال أبيها فتدفعه إلى زوجها والدليل عليه أن كل واحد منهما يعد منفعة صاحبه منفعته ويعد الزوج غنيا بمال الزوجة قيل في تأويل قوله تعالى { ووجدك عائلا فأغنى } أي غنى بمال خديجة رضي الله عنها ولما جاء إلى عمر رضي الله عنه رجل فقال إن عبدي سرق مرآة امرأتي فقال مالك سرق بعضه بعضا والدليل على أن الزوجة بمنزلة الأولاد حكما استحقاق الإرث بها من غير حجب بمن هو أقرب .
توضيح الفرق ما قلنا إن الزوجة بمنزلة الأصل للولاد فإن الولاد تنشأ من الزوجية والحكم الثابت للفرع يثبت في الأصل ، وإن انعدم ذلك المعنى فيه .
( ألا ترى ) أن المحرم إذا كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء ، وليس في البيض معنى الصيدية ، ولكنه أصل الصيد فيثبت فيه من الحكم ما يثبت في الصيد إلا أن هذا الأصل إنما يلحق بالولاد في حكم يتصور قيام الزوجية عند ثبوت ذلك الحكم دون ما لا يتصور كالقصاص فإنه يجب بعد القتل ولا زوجية بعد قتل أحدهما صاحبه والعتق إنما يثبت بعد الملك ولا زوجية بعد الملك . فأما حكم الشهادة يكون في حال قيام الزوجية فيلحق الزوجية فيه بالولاد وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول شهادة الزوج لزوجته تقبل وشهادة المرأة لزوجها لا تقبل ; لأنها في [ ص: 124 ] حكم المملوك له المقهور تحت يده فيتمكن تهمة الكذب في شهادتها له ، وذلك تنعدم في شهادته لها واعتمد فيه حديث علي رضي الله عنه فإنه شهد لفاطمة رضي الله عنها في دعوى فدك مع امرأة بين يدي أبي بكر رضي الله عنه فقال لها أبو بكر رضي الله عنه ضمي إلى الرجل رجلا أو إلى المرأة امرأة فهذا اتفاق منهما على جواز شهادة الزوج لزوجته .
ولكنا نقول دليل التهمة تعم الجانبين من الوجه الذي قررنا فربما يكون ذلك في جانب الزوج أظهر ; لأنها لما كانت في يده فما لها في يده من وجه أيضا فهو يثبت اليد لنفسه في المشهود به ، وكذلك بكثرة مالها تزداد قيمة ملكه فإن قيمة المملوك بالنكاح تختلف بقلة مالها وكثرة مالها . بيان ذلك في مهر المثل فمن هذا الوجه يكون الزوج شاهدا لنفسه ولا حجة في حديث علي رضي الله عنه ; لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يعمل بتلك الشهادة بل ردها وكان للرد طريقان الزوجية ونقصان العدد فأشار إلى أبعد الوجهين تحرزا عن الوحشة ، وكذلك علي رضي الله عنه علم أن أبا بكر رضي الله عنه لا يعمل بتلك الشهادة لنقصان العدد وكره انحسامها بالامتناع من أداء الشهادة ; فلهذا شهد لها ، وقد قيل إن شهادة علي رضي الله عنه لها لم تشتهر ، وإنما المشهور أنه شهد لها رجل وامرأة .
وأما قول شريح ولا العبد لسيده فهو مجمع عليه ; لأن شهادة العبد لا تقبل لسيده ولا لغير سيده وحكي عن محمد بن سلمة رضي الله عنه قال كان يحيى بن أكثم رحمه الله أعلم الناس باختلاف العلماء رحمهم الله وكان إذا قال في شيء اتفق العلماء رحمهم الله على كذا نزل أهل العراق على قوله ، وقد قال اتفق العلماء على أن العبد لا شهادة له ، وقد يروى أن عليا وزيدا رضي الله تعالى عنهما اختلفا في المكاتب إذا أدى بعض بدل الكتابة فقال علي رضي الله عنه يعتق بقدر ما أدى منه . وقال زيد رضي الله عنه لا يعتق ما بقي عليه درهم فقال زيد لعلي رضي الله تعالى عنهما أرأيت لو شهد أكان تقبل بعض شهادته دون البعض فهذا دليل الاتفاق منهما على أن لا شهادة للعبد واختلف عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما في العبد إذا شهد في حادثة فردت شهادته ، ثم أعتق فأعادها فقال عثمان رضي الله عنه لا تقبل . وقال عمر رضي الله عنه تقبل فذلك اتفاق منهما على أنه لا شهادة للعبد وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لا شهادة للعبد ، وهذا ; لأن في الشهادة معنى الولاية فإنه قول ملزم على الغير ابتداء ، وليس معنى الولاية إلا هذا والرق يبقي الولاية فالأصل ولاية المرء على نفسه . فإذا كان الرق يخرجه من أن يكون أهلا للولاية على نفسه فعلى غيره أولى ، وقد استدلوا في الكتاب على أن العبد ليس من أهل الشهادة بقوله تعالى { ولا يأب الشهداء إذا ما [ ص: 125 ] دعوا } والعبد لا يدخل في هذا الخطاب ; لأن خدمته ومنفعته لمولاه فلا يجب عليه الحضور لأداء الشهادة ، وإن دعي إلى ذلك بل لا يحل له ذلك ; لأن منافعه في هذا الزمان غير مستثنى من حق المولى .
وذكر عن شريح رحمه الله أنه قبل شهادة الأخ لأخيه ، وقد بينا الفرق بين هذا وبين شهادة الولد لوالده واستدل في الكتاب بقوله صلى الله عليه وسلم { أنت ومالك لأبيك } فمطلق هذه الإضافة يدل على أن الولد كالمملوك لوالده ، وإن مال الولد لوالده ، وقد دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم { إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه } ومثل ذلك لا يوجد في الإخوة وسائر القرابات
ويجوز شهادة الرجل لوالده من الرضاعة ووالدته ; لأن الرضاع تأثيره في الحرمة خاصة ، وفيما وراء ذلك كل واحد منهما من صاحبه كالأجنبي .
( ألا ترى ) أنه لا يتعلق به استحقاق الإرث واستحقاق النفقة حالة اليسار والعسرة ، وبه يفرق بين الإخوة والولاد فالإخوة لا يتعلق بها استحقاق النفقة عند عدم اليسار بخلاف الولادة والزوجية فإنه يتعلق بهما استحقاق حالتي اليسار والعسرة
. ويجوز شهادة الرجل لأم امرأته ولزوج ابنته ; لأن المصاهرة التي بينهما تأثيرها في حرمة النكاح فقط . فأما ما سوى ذلك لا تأثير للمصاهرة فهي بمنزلة الرضاع أو دونه .
وعن إبراهيم رحمه الله قال لا تجوز شهادة المحدود في القذف ، وإن تاب إنما توبته فيما بينه وبين الله تعالى وعن شريح رحمه الله مثله وبذلك يأخذ علماؤنا رحمهم الله وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما فإنه كان يقول إنما يؤتيه فيما بينه وبين الله تعالى . فأما نحن فلا نقبل شهادته . وقال الشافعي رحمه الله تقبل شهادته بعد التوبة وهو قول عمر رضي الله عنه ، وقد كان يقول لأبي بكرة تب تقبل شهادتك واستدل الشافعي رحمه الله بظاهر الآية فإن الله تعالى قال { إلا الذين تابوا } والاستثناء متى يعقب كلمات منسوقة بعضها على البعض ينصرف إلى جميع ما تقدم إلا ما قام الدليل عليه كقول القائل امرأته طالق وعبده حر وعليه حجة إلا أن يدخل الدار ، ثم قام الدليل من حيث الإجماع على أن الاستثناء لا ينصرف إلى الجلد فيبقى ما سواه على هذا الظاهر مع أن عندنا الاستثناء ينصرف إلى الجلد أيضا إلا أن الجلد حق المقذوف فتوبته في ذلك أن يستعفيه فلا جرم إذا استعفاه فعفي عنه سقط الجلد والمعنى فيه أن الموجب لرد الشهادة فسقه ، وقد ارتفع بالتوبة ، وإنما قلنا ذلك ; لأن الموجب لرد شهادته إما أن يكون نفس القذف ، أو إقامة الحد عليه ، أو سمة الفسق لا جائز أن يكون الموجب لرد شهادته نفس القذف ; لأنه خبر متمثل بين الصدق والكذب فباعتبار الصدق لا يكون موجبا رد الشهادة ولا ترد [ ص: 126 ] الشهادة على التأبيد
وكذلك باعتبار الكذب فلا تأثير للكذب في رد الشهادة على التأبيد ، ولأن هذا افتراء منه على عبد من عباد الله فلا يكون أعظم من افترائه على الله تعالى وهو الكفر ، وذلك لا يوجب رد الشهادة على التأبيد ، ولأنه نسبة الغير إلى الزنا فلا يكون أقوى من مباشرة فعل الزنا ، وذلك لا يوجب رد الشهادة على التأبيد ، وهذا على أصلكم أظهر فإنكم تقولون قبل إقامة الحد عليه تقبل شهادته ، وإن لم يتب وبالاتفاق إذا تاب قبل إقامة الحد عليه تقبل شهادته ولا جائزة أن يكون الموجب لرد الشهادة إقامة الحد عليه فإن ذلك فعل الغير به وتعتبر إقامة هذا الحد بإقامة سائر الحدود ، وهذا ; لأن الحد من وجه يقام تطهيرا قال صلى الله عليه وسلم الحدود كفارات لأهلها فلا يصلح أن تكون سببا لرد شهادته على التأبيد وحاله إذا تاب بعد إقامة الحد عليه أحسن من حاله قبل إقامة الحد عليه . فإذا بطل الوجهان صح أن الموجب لرد شهادته سمة الفسق ، وقد ارتفع ذلك بالتوبة بدليل قبول خبره في الديانات ; ولهذا قلت قبل إقامة الحد عليه لا تقبل شهادته عليه إذا لم يتب ; لأن الفسق ثبت بنفس القذف لما فيه من هتك ستر العفة على المسلم ; ولهذا لزمه الحد به والحد لا يجب إلا بارتكاب جريمة موجبة للفسق ، ولأن هذا محدود في قذف حسنت توبته فتقبل شهادته كالذمي إذا أسلم بعد إقامة الحد عليه
وحجتنا في ذلك من حيث الظاهر قوله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } والأبد ما لا نهاية له فالتنصيص عليه في بيان رد شهادته دليل على أنه يتناول الشهادة على التأبيد ومعنى قوله لهم أي للمحدود في القذف وبالتوبة لا يخرج من أن يكون محدودا في قذف بخلاف قوله تعالى { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ومعناه من المنافقين وبالتوبة يخرج من أن يكون منافقا والمراد بالآية شهادته في الحوادث لا ما يأتي به من الشهود على صدق مقالته فالصحيح من المذهب عندنا أنه إذا أقام المحدود أربعة من الشهداء على صدق مقالته بعد إقامة الحد عليه تقبل ويصير هو مقبول الشهادة وقوله تعالى لهم شهادة بمنزلة قوله شهادتهم كما يقال هذه دارك وهذه دار لك ، وفي التنكير ما يدل على أن المراد ما قلنا دون أربعة يشهدون له فإنه لو كان المراد ذاك لقال ولا تقبلوا لهم الشهادة فإن المنكر إذا أعيد يعاد معرفا قال الله تعالى { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول }
ولا كلام في المسألة من طريق القياس فإن مقادير الحدود لا تعرف بالقياس ، ولكن الكلام على طريق الاستدلال بالمنصوص فنقول إن رد الشهادة من تمام حده وأصل الحد لا يسقط بالتوبة فما هو متمم له لا يسقط [ ص: 127 ] أيضا وبيان هذا أن نفس القذف لا يكون موجبا للحد كما قاله الخصم ، ولأن القذف متمثل بين الصدق والكذب وربما يكون حسبه من القاذف إذا علم إضراره ووجد أربعة من الشهداء ليقيم عليه الحد ; ولهذا يتمكن من إثباته بالبينة ، ولكن وجوب الحد عليه بالقذف مع عجزه عن الإتيان بأربعة من الشهداء وإليه أشار الله تعالى في قوله عز وجل { ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } فالمعطوف على الشرط شرط ، ثم العجز عن ذلك يظهر بما يظهر به العجز عن الدفع في سائر الحوادث فعند ذلك يصير القذف موجبا جلدا مؤلما محرما لقبول الشهادة ، وذلك منصوص عليه في قوله تعالى { فاجلدوهم } والفاء للتعقيب وقوله تعالى { ولا تقبلوا لهم } معطوف على الجلد والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه .
فإذا كان المعطوف عليه حدا كان المعطوف من تمام الحد كما قال الشافعي رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم وتغريب عام إنه من تمام حد البكر ، ولكن نقول هناك التغريب لا يصلح أن يكون حدا لما فيه من الإغراء على ارتكاب الفاحشة دون الزجر وهنا رد الشهادة صالح لتتميم الحد ; لأنه مؤلم قلبه كما أن الجلد مؤلم بدنه ففيه معنى الزجر ، ثم حرمة القاذف باللسان ورد شهادته حد في المحل الذي حصل به الجريمة ، وذلك مشروع كحد السرقة والمقصود من هذا الحد دفع الشين عن المقذوف ، وذلك في إهدار قوله أظهر منه في إقامة الحد عليه ; فلهذا جعلنا رد الشهادة متمما للحد ، وهذا بخلاف قوله صلى الله عليه وسلم للسارق { اقطعوه ، ثم احسموا } فإن الحسم لا يكون متمما للحد ; لأنه دواء فلا يصلح أن يكون متمما للحد ، ثم حرف النفي في قوله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة } لا يمنع العطف فقد يعطف النهي على الأمر كما يقول لغيره اجلس ولا تتكلم وأما قوله تعالى { وأولئك هم الفاسقون } ليس بعطف بل هو ابتداء بحرف الواو ، وقد يكون ذلك لحسن نظم الكلام كقوله تعالى { والراسخون في العلم } وقوله تعالى { ولباس التقوى } وقوله تعالى { ويمح الله الباطل } وبيان أنه ليس بعطف أن قوله تعالى { فاجلدوهم } أمر بفعل وهو خطاب الأمة وقوله تعالى { ولا تقبلوا لهم } نهي عن فعل وهو خطاب الأمة أيضا
وقوله تعالى { وأولئك هم الفاسقون } إثبات وصف لهم فكيف تتحقق المشاركة بينه وبين ما تقدم ليكون عطفا ، ولأن قوله تعالى { وأولئك هم الفاسقون } بيان لجريمتهم وإزالة الإشكال أنهم لما أدى استوجبوا هذه العقوبة ، وما تقدم بيان الواجب بالجريمة ولا يتحقق عطف الجريمة على الواجب بها والدليل عليه أنه لو كان هذا عطفا لكان من الحد أيضا فينبغي أن لا يرتفع بالتوبة كما لا يرتفع بالحد فلا تأثير للتوبة في الحد [ ص: 128 ] وإنما يسقط عنده بعفو المقذوف ويستوي في ذلك إن تاب القاذف ، أو لم يتب وكان ينبغي أن يقال إذا تاب حتى حرم بفسقه أن لا يقام عليه الحد ; لأن الحد لا يحتمل الوصف بالتحري والذي يوضح ما قلنا أن الثابت بالنص هو التوقف في خبر الفاسق كما قال الله تعالى { فتبينوا } والمنصوص عليه هنا حكم آخر وهو الرد دون التوقف فعرفنا أنه ليس بسبب الفسق بل هو متمم للحد كما قررنا ، ولو كان رد الشهادة بسبب الفسق لكان في الآية عطف العلة على الحكم ، وذلك لا يحسن في البيان ; ولهذا الأصل قلنا بقبول شهادته قبل إقامة الحد عليه ، وإن لم يتب ; لأنه من تمام حده ، أو أنه بعد إقامة الحد ، وهذا ; لأن بإقامة الحد يصير محكوما بكذبه والمتهم بالكذب لا شهادة له فالمحكوم بالكذب أولى ويستدل بهذا في تعيين المسألة فإنه بعد إقامة الحد عليه في جميع الحوادث بمنزلة الفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته فتلك الشهادة لا تقبل منه بعد ذلك ، وإن تاب ; لأنه صار محكوما بكذبه فيها .
فكذلك المحدود في جميع الشهادة وبيان ما قلنا فيما روي أن هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك ابن سحماء قال المسلمون الآن يجلد هلال فتبطل شهادته في المسلمين فذلك دليل على أنه لا تبطل شهادته قبل إقامة الحد ، وأن بطلان الشهادة من تمام الحد وتأويل قول عمر رضي الله عنه لأبي بكرة تقبل شهادتك في الديانات .
( ألا ترى ) أن ما روي أن أبا بكرة كان إذا استشهد في شيء قال وكيف تشهدني ، وقد أبطل المسلمون شهادتي وهو أعلم بحاله من غيره . فأما الذمي إذا أقيم عليه حد القذف سقطت شهادته وتم به حده ; لأنه كان من أهل الشهادة ، ثم بالإسلام استفاد شهادة لم تكن موجودة عند إقامة الحد وهذه الشهادة لم تصر مردودة ، وبه فارق العبد إذا أقيم عليه الحد ، ثم عتق ; لأن العبد لم يكن أهلا للشهادة وتمام الحد يرد الشهادة فيتوقف على ما بعد العتق فإن عتق الآن ، ثم حده ترد شهادته ، وهذا الفرق على الرواية التي يقول إن خبر المحدود في القذف في الديانات تقبل وأما على الرواية التي يقول لا يقبل خبره في الديانات وهو رواية المنتقى فوجه الفرق بينهما أن الكافر بالإسلام استفاد عدالة لم تكن موجودة عند إقامة الحد وهذه العدالة لم تصر مجروحة بخلاف العبد فهو بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن موجودة من قبل ، وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد عليه فلا تقبل شهادته بحال فإن ( قال ) القاذف عندي لا يكون أهلا للشهادة عند إقامة الحد عليه ; لأنه فاسق ، وإنما يستفيد الأهلية بعد ذلك بالتوبة
( قلنا ) لا كذلك فقد قامت الدلالة لنا على أن الفاسق من أهل الشهادة ، وفي قوله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة } ما يدل [ ص: 129 ] على ذلك ، ثم مذهبه هذا من أقوى دليل لنا عليه فإن عنده قبل التوبة لا شهادة له فلا تتصور رد شهادته ويتبين بهذا أن المراد من قوله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة } رد لشهادته بعد وجودها بالأهلية ، وذلك بعد التوبة .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه شهد عنده أعمى فقالت أخت المشهود عليه إنه أعمى فذكر ذلك لعلي رضي الله عنه فرد شهادته ، وبه نأخذ وكان مالك رحمه الله يقول إن شهادة الأعمى مقبولة ; لأن الأعمى لا يقدح في الولاية والعدالة فباعتبارهما يجب قبول الشهادة بيانه أنه من أهل الولاية على نفسه فتتعدى ولايته إلى غيره عند وجود سبب التعدي وهو أهل للعدالة لانزجاره عما يعتقده حراما في دينه ; ولهذا قبلت رواية الأعمى فقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من هو أعمى ، وقد كان في الأنبياء عليهم السلام من ابتلى بذلك فدل أن الأعمى لا يقدح في العدالة وفوات العينين كفوات الرجلين واليدين فلا يؤثر في المنع من قبول شهادته ونحن نسلم هذا كله ، ولكن نقول يحتاج في تحمل الشهادة وأدائها إلى التمييز بين من له الحق وبين من عليه ، وقد عدم آلة التمييز حقيقة ; لأن الأعمى لا يميز بين الناس إلا بالصوت والنغمة فتتمكن من شهادته شبهة يمكن التحرز عنها بجنس المشهود ، وذلك مانع من قبول الشهادة . وقال زفر رحمه الله فيما لا يجوز الشهادة عليه إلا بالمعاينة لا شهادة للأعمى . فأما فيما تجوز الشهادة فيه بالتسامع تقبل شهادة الأعمى ; لأنه في السماع كالبصير ، وإنما عدم آلة العينين ، ولكنا نقول في أداء الشهادة هو محتاج إلى الإشارة إلى المشهود له والمشهود عليه ولا يتمكن من ذلك إلا بدليل مشتبه وهو الصوت والنغمة وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف والشافعي رضي الله عنهما إذا تحمل الشهادة وهو بصير ، ثم أداها وهو أعمى تقبل شهادته ; لأن تحمله قد صح بطريق ثبت له العلم به ، وبعد صحة العلم إنما يحتاج إلى الحفظ والأعمى في ذلك كالبصير ويحتاج إلى الأداء باللسان والأعمى في ذلك كالبصير فتعريف المشهود له والمشهود عليه بذكر الاسم والنسب والإشارة إليهما بالطريق الذي يعلم أنه مصيب في ذلك يكفي لأداء الشهادة
( ألا ترى ) أن الأعمى يباح له وطء زوجته وجاريته ولا يميزهما من غيرهما إلا بالصوت والنغمة ، وأن البصير إذا شهد على ميت أو غائب يقام ذكر الاسم والنسب مقام الإشارة إلى العين في صحة أداء الشهادة فهذا مثله وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا لا تقبل شهادته لحديث علي رضي الله عنه فإنه لا يستفسر أنه وقت التحمل كان بصيرا ، أو أعمى ، وفي هذا الحديث دليل أن ذلك معروفا بينهم حتى لم يخف على النساء ، ولكن أبو يوسف رحمه الله يقول يحتمل [ ص: 130 ] أن ذلك كان في الحد ، وأنا أقول في الحدود إذا عمى قبل الأداء ، أو بعد الأداء قبل الإمضاء فإنه لا تعمل بشهادته ; لأن الحدود تندرئ بالشبهات والصوت والنغمة في حق الأعمى تقام مقام المعاينة في حق البصير والحدود لا تقام بما يقوم مقام الغير بخلاف الأموال والمعنى فيه أن في شهادة الأعمى تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود ، وذلك يمنع قبول الشهادة كما في شهادة الأب لولده وبيان الوصف أنه يحتاج عند أداء الشهادة إلى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه والإشارة إليهما وإلى المشهود به فيما يجب إحضاره وآلة هذا التمييز البصير ، وقد عدم الأعمى ذلك المعنى ، وإنما يميز بالصوت والنغمة ، أو بخبر الغير فكما لا يجوز له ولا للبصير أن يشهد بخبر الغير .
فكذلك لا تقبل شهادته إذا كان تمييزه بخبر الغير والأعمى في أداء الشهادة كالبصير إذا شهد من وراء الحجاب ، وهذا بخلاف الوطء فإنه يجوز أن يعتمد فيه على خبر الواحد إذا أخبره أن هذه امرأته ، وقد زفت إليه ، وهذا ; لأن الضرورة تتحقق فيه فالأعمى يحتاج إلى قضاء الشهوة والنسل كالبصير ولا ضرورة هنا ففي الشهود كثرة ، وهذا بخلاف الموت فإن ذلك لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود فالمدعي ، وإن استكثر من الشهود يحتاج إلى إقامة الاسم والنسبة مقام الإشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته على أن هناك الإشارة تقع إلى وكيل الغائب ووصي الميت وهو في ذلك قائم مقامه ولا يقال بأنه ما كان يعلم عند الاستشهاد أن الشاهد يبتلى بالعمى ; لأن هذا المعنى يضعف بما إذا فسق الشاهد بعد التحمل فإن شهادته لا تقبل والمدعي ما كان يعلم أن الشاهد يفسق بعد التحمل ، ثم هذا في القصاص والحدود التي فيها حق العباد موجود وكم يعتبر مع عظم حرمتها فلأن لا يعتبر في الأموال مع خفة حرمتها أولى ، ثم بماذا يعرف أنه كان بصيرا وقت التحمل فإن قول الشاهد في ذلك غير مقبول وقول المدعي كذلك والمدعى عليه منكر للمشهود به أصلا ( قال ) ويتصور هذا فيما إذا جاء وهو بصير ليؤدي الشهادة فلم يتفرغ القاضي لسماع شهادته حتى عمى ، أو كان القاضي يعرف الوقت الذي عمى هو فيه وتاريخ المدعي سابق على ذلك .
ولا تجوز شهادة الأخرس ; لأن أداء الشهادة يختص بلفظ الشهادة حتى إذا قال الشاهد أخبر وأعلم لا يقبل ذلك منه ولفظ الشهادة لا يتحقق من الأخرس ، ثم شهادة الأخرس مشتبه فإنه يستدل بإشارته على مراده بطريق غير موجب للعلم فتتمكن في شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود ولا تكون إشارته أقوى من عبارة الناطق لو قال أخبر .
ولا تقبل شهادة الفاسق ; لأن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ [ ص: 131 ] فتبينوا أن تصيبوا } والأمر بالتوقف يمنع العمل بالشهادة ، وهذا ; لأن رجحان جانب الصدق لا يظهر في شهادة الفاسق ; لأن اعتبار اعتقاده يدل على صدقه واعتبار تعاطيه يدل أنه كاذب في شهادته فلتعارض الأدلة يجب التوقف ، ثم لما لم ينزجر عن ارتكاب محظور دينه مع اعتقاده حرمته فالظاهر أنه لا ينزجر عن شهادة الزور مع اعتقاده حرمته وعن أبي يوسف رحمه الله يقول إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة تقبل شهادته ; لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في شهادته فلوجاهته لا يتجاسر أحد من استئجاره لأداء الشهادة ولمروءته يمتنع من الكذب من غير منفعة له في ذلك .
والأصح أن شهادته لا تقبل ; لأن قبول الشهادة في العمل بها لإكرام الشهود كما قال صلى الله عليه وسلم { أكرموا الشهود فإن الله تعالى يحيي الحقوق بهم } ، وفي حق الفاسق أمر بخلاف ذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا لقيت الفاسق فألقه بوجه مكفهر ومن يكون معلنا للفسق فلا مروءة له شرعا ; فلهذا لا تقبل شهادته ولا شهادة آكل الربا المشهور بذلك والمعروف به المقيم عليه فإنه فاسق محارب قال الله تعالى { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ، ولكنه شرط أن يكون مشهورا به مقيما عليه ; لأن العقود الفاسدة كلها ربا قال الله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } والإنسان في العادة لا يمكنه أن يتحرز عن الأسباب المفسدة للعقد في جميع معاملاته فقد لا يهتدي إلى بعض ذلك ; فلهذا لا تسقط عدالته إذا لم يكن مشهورا بأكل الربا مصرا عليه ولا شهادة مدمن الخمر ولا مدمن السكر ; لأنه مرتكب للكبيرة مستوجب للحد على ذلك .
وذلك تسقط عدالته ، وإنما شرط الإدمان ليكون ذلك ظاهرا منه فإن من يتهم بالشرب ، ولكن لا يظهر ذلك لا يخرج من أن يكون عدلا ، وإنما تسقط عدالته إذا كان يظهر ذلك أو يخرج سكران يسخر منه الصبيان فلا مروءة لمثله ولا يبالي من الكذب عادة ولا شهادة المخنث ; لأنه فاسق ومراده إذا كان مخنثا في الردي من أفعاله . فأما إذا كان في كلامه لين ، وفي أعضائه تكسر ولم يشتهر بشيء من الأفعال الردية فهذا عدل مقبول الشهادة .
( ألا ترى ) أن { هبت المخنث كان يدخل بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم منه كلمة شنيعة أمر بإخراجه } ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرهن لشدة غفلته فالظاهر أن يكون قلبه مع ذلك في عامة أحواله ، وأنه يقل نظره في سائر الأمور ، ثم هو مصر على نوع لعب . وقال صلى الله عليه وسلم { ما أنا من در ولا الدر مني } والغالب أنه ينظر إلى العورات في السطوح وغيرها ، وذلك فسق . فأما إذا كان يمسك الحمام في بيته يستأنس بها ولا [ ص: 132 ] يطيرها عادة فهو عدل مقبول الشهادة ; لأن إمساك الحمام في البيوت مباح .
( ألا ترى ) أن الناس يتخذون بروج الحمامات ولم يمنع من ذلك أحد ولا شهادة صاحب الغناء الذي يخادن عليه ويجمعهم والنائحة ; لأنه مصر على نوع فسق ويستخف به عند الصلحاء من الناس ولا يمتنع من المحازقة والإقدام على الكذب عادة ; فلهذا لا تقبل شهادته .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|