
18-12-2025, 11:58 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 92الى صـــ 101
(337)
وإذا وجد القاضي في ديوانه صحيفة فيها شهادة شهود لا يحفظ أنهم شهدوا عنده بذلك فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله أن يتفكر في ذلك حتى يتذكر ، وليس له أن يقضي بذلك إن لم يتذكر ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا وجد ذلك في قمطرة تحت خاتمه فعليه أن يقضي به ، وإن لم يتذكر ، وهذا منهما نوع رخصة فالقاضي لكثرة اشتغاله يعجز أن يحفظ كل حادثة ; ولهذا يكتب ، وإنما يحصل المقصود بالكتاب إذا جاز له أن يعتمد على الكتاب عند النسيان فإن الآدمي ليس في وسعه التحرز عند النسيان .
( ألا ترى ) إلى ما ذكر الله تعالى في حق من هو معصوم فقال الله تعالى { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } ، وفي تخصيصه بذلك بيان أن غيره ينسى وسمي الإنسان إنسانا ; لأنه ينسى قال الله تعالى { . ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } فلو لم يجز له الاعتماد على كتابه عند نسيانه أدى إلى الحرج والحرج مدفوع ، ثم ما كان في قمطرة تحت خاتمه فالظاهر أنه حق ، وإن لم يصل إليه يد معتبرة ولا زائدة فيه والقاضي مأمور باتباع الظاهر ومذهب أبي حنيفة رحمه الله هو العزيمة فالمقصود من الكتاب أن يتذكر إذا نظر فيه ; لأن الكتاب للقلب كالمرآة للعين ، وإنما تعتبر المرآة ليحصل الإدراك بالعين . فإذا لم يحصل كان وجوده كعدمه .
فكذلك الكتاب للتذكر بالقلب عند النظر فيه فإذ لم يتذكر كان وجوده كعدمه ، وهذا ; لأن الكتاب قد يزور ويفتعل به والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم ، وليس للقاضي أن يقضي إلا بعلم وبوجود الكتاب لا يستفيد العلم مع احتمال التزوير والافتعال فيه وهذه ثلاثة فصول أحدهما ما بينا والثاني في الشاهد إذا وجد شهادته في صك وعلم أنه خطه وهو معروف ، ولكن لم يتذكر الحادثة والثالث إذا سمع الحديث فوجده مكتوبا بخطه ووجد سماعه مكتوبا غيره وهو خط معروف ، ولكنه لم يذكر في الفصول الثلاثة عند أبي حنيفة رحمه الله ليس له أن يعتمد الكتاب ; ولهذا قلت له [ ص: 93 ] روايته ; لأنه كان يشترط في الرواية الحفظ من حين سمع إلى أن يروي وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ، ثم أداها إلى من يسمعها } ومحمد رحمه الله في الفصول الثلاثة أخذ بالرخصة للتيسير على الناس .
وقال يعتمد خطه إذا كان معروفا وأبو يوسف رحمه الله في مسألة القاضي ورواية الحديث أخذ بالرخصة ; لأن المكتوب كان في يده ، وفي مسألة الشهادة أخذ بالعزيمة فقال الصك الذي فيه الشهادة كان في يد الخصم فلا يأمن الشاهد التغيير والتبديل فيه فلا يعتمد خطه في الشهادة ما لم يتذكر الحادثة ، وإن وجد القاضي سجلا في خريطته ولم يتذكر الحاجة فهو على الخلاف الذي بينا ، وإن نسي قضاءه ولم يكن سجل فشهد عنده شاهد أنك قضيت بكذا لهذا على هذا فإن تذكر أمضاه ، وإن لم يتذكر فلا إشكال أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي بذلك وقيل على قول أبي يوسف رحمه الله لا يعتمد ذلك ، وعند محمد رحمه الله يعتمد ذلك فيقضي به وعلى هذا من سمع من غيره حديثا ، ثم نسي ذلك راوي الأصل فسمعه ممن يروي عنده فعند أبي يوسف رحمه الله ليس له أن يعتمد رواية الغير عنه كما لا يفعل ذلك شاهد الأصل إذا شهد عنده شاهد الفرع على شهادته ، وعند محمد رحمه الله له أن يعتمد ذلك للتيسير من الوجه الذي قلنا وعلى هذه المسائل التي اختلف فيها أبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الرواية في الجامع الصغير وهي ثلاث مسائل سمعها محمد من أبي يوسف رحمهما الله ، ثم نسي ذلك أبو يوسف رحمه الله فكان لا يعتمد رواية محمد رحمه الله بناء على مذهبه في ذلك ومحمد رحمه الله كان لا يدع الرواية مع ذلك بناء على مذهبه فحال القاضي كذلك .
وما وجد في ديوان القاضي بعد أن يعدل من شهادة ، أو قضاء ، أو إقرار فهو غير مأخوذ به ولا مقبول إلا أن تقوم بينة أنه قضى به ، وأنفذه وهو قاض يومئذ ; لأن القاضي الثاني لا يعلم حقيقة شيء من ذلك وولاية القاضي فوق ولاية الشهادة . فإذا كان لا يجوز للمرء أن يشهد بما لا يعلم فلئلا يجوز له أن يقضي بما لا يعلمه أولى والأصل فيه قوله تعالى { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } .
وقال صلى الله عليه وسلم للشاهد { إذا رأيت مثل هذه الشمس فاشهد وإلا فدع } ، ثم طريق إثباته عند القاضي إقامة البينة ويشترط أن يشهدوا أنه كان قاضيا حين قضى بهذا فلعله أنفذه بعد العزل والقضاء منه بعد العزل لا يكون نافذا
ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا من أهل الذمة بلغنا أن أبا موسى الأشعري قدم على عمر رضي الله عنهما فسأله عن كاتبه فقال هو رجل من أهل الذمة فغضب عمر رضي الله عنه من ذلك [ ص: 94 ] وقال لا تستعينوا بهم في شيء وأبعدوهم وأذلوهم فاتخذ أبو موسى كاتبا غيره ، ولأن ما يقوم به كاتب القاضي من أمر الدين وهم يخونون المسلمين في أمور الدين ليفسدوه عليهم ( قال ) الله تعالى { لا تتخذوا بطانة } الآية ، وإن عمر رضي الله عنه أعتق عبدا له نصرانيا يدعى بحنس . وقال لو كنت على ديننا لاستعنا بك في شيء من أمورنا ، ولأن كاتب القاضي يعظم في الناس ، وقد نهينا عن تعظيمهم قال صلى الله عليه وسلم { أذلوهم ولا تظلموهم ولا تتخذوا كاتبا مملوكا ولا محدودا في قذف ولا أحدا ممن لا تجوز شهادته } ; لأن الكاتب ينوب عن القاضي فيما هو من أهم أعماله فلا يختار لذلك إلا من يصلح للقضاء وربما يحتاج القاضي إلى الاعتماد على شهادته في بعض الأمور ، أو يحتاج بعض الخصوم إلى شهادته فلا يختار إلا من يصلح للشهادة
ولا بأس بأن يكلف القاضي الطالب صحيفة يكتب فيها حجته وشهادة شهوده ; لأن منفعة ذلك له والذي يحق على القاضي مباشرة القضاء . فأما الكتابة ليست عليه فلا يلزمه اتخاذ الصحائف لذلك من مال نفسه ، ولكن لو كان في بيت المال سعة فرأى أن يجعل ذلك من بيت المال فلا بأس بذلك ; لأنه يتصل بعمله وكفايته في مال بيت المال فما يتصل به لا بأس بأن يجعل في مال بيت المال
وعلى هذا أجر كاتب القاضي فإنه إن جعل كفايته في بيت المال لكفاية القاضي ليحتسب في عمله فهو حسن ، وإن رأى أن يجعل ذلك على الخصوم فلا بأس به ; لأنه يعمل لهم عملا لا يستحق على القاضي مباشرته ، وكذلك أجر قاسم القاضي .
وإذا هلك ذكر شهادة الشهود من ديوان القاضي فشهد عنده كاتبان له أن شهوده فلان وفلان ، وقد شهدوا عنده بكذا وكذا لم يقبل ذلك ; لأنه ما أشهد الكاتبين على شهادتهما ولا يقبل شهادة الإنسان على شهادة غيره . وإذا لم يشهده على شهادته
وينبغي للقاضي أن يكتب شهادة الشاهدين بمحضر المشهود عليه ، أو وكيله حتى لا يغير شيئا من موضعه ; لأن الشهود إن زادوا ، أو حرفوه طعن فيه وخاصم ورفع ذلك إلى القاضي نائبه وكون الكاتب بمحضر منه أقرب إلى النظر له وإلى نفي التهمة عن القاضي ، وإن كتبها بغير محضر منه لم يضره ذلك ; لأنه يكتب ما سمع وهو أمين في ذلك ما لم تظهر خيانته .
وينبغي للقاضي أن يعرض كتاب الشهادة بعد ما يكتبها على الشاهد حتى يعرف هل زاد شيئا ، أو حرفه عن موضعه ; لأن حجة القضاء شهادة الشهود فيستقصي في الاحتياط فيه ، وذلك في العرض على الشاهد بعد ما يكتب ; ولهذا قيل إذا لم يكن ماهرا في العربية ينبغي له أن يكتب شهادة الشهود بلفظه ولا يحوله إلى لغة أخرى مخافة الزيادة والنقصان والله أعلم بالصواب .
[ ص: 95 ] باب كتاب القاضي إلى القاضي قال رحمه الله اعلم بأن القياس يأبى جواز العمل بكتاب القاضي إلى القاضي ; لأن كتابه لا يكون أقوى من عبارته ، ولو حضر بنفسه مجلس القضاء المكتوب إليه وعبر بلسانه عما في الكتاب لم يعمل به القاضي . فكذلك إذا كتب به إليه ، ولأن الكتاب قد يزور ويفتعل والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم فكان محتملا والمحتمل لا يصلح حجة للقضاء ، ولكنا جوزنا العمل بكتاب القاضي إلى القاضي فيما يثبت مع الشبهات لحديث علي رضي الله عنه أنه جوز ذلك ولحاجة الناس إلى ذلك فقد يكون الشاهد للمرء في حقه على بلدة وخصمه في بلدة أخرى فيتعذر عليه الجمع بينهما وربما لا يتمكن من أن يشهد في شهادتهما وأكثر الناس يعجزون عن أداء الشهادة على الشهادة على وجهها ، ثم يحتاج بعد ذلك إلى معرفة عدالة الأصول ويتعذر معرفة ذلك في تلك البلدة فتقع الحاجة إلى نقل شهادتهم بالكتاب إلى مجلس ذلك القاضي ليتعرف القاضي من الكتاب عدالتهم ويكتب ذلك إلى القاضي المكتوب إليه فللتيسير جوزنا ذلك ، ولكن فيما يثبت مع الشبهات ; لأنه لا ينفك عن شبهته كما أشرنا إليه في وجه القياس فلا يكون حجة فيما يندرئ بالشبهات ، ولأن ذلك نادر لا تعم البلوى به فلما جعل هذا حجة للحاجة اقتصر على ما تعم البلوى به ; لأن الحاجة تمشي إلى ذلك .
فإذا أتى القاضي كتاب قاض سأل الذي جاء به البينة على أنه كتابه وخاتمه ; لأنه غاب عن القاضي علمه فلا يثبت إلا بشهادة شاهدين ، ثم يقرؤه عليهم ويشهدون على ما فيه فمن أصل أبي حنيفة رحمه الله أن علم الشهود بما في الكتاب شرط لجواز القضاء بذلك وهو قول أبي يوسف الأول ، ثم رجع فقال إذا شهدوا أنه خاتمه وكتابه قبله ، وإن لم يعرف ما فيه وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله ; لأن كتاب القاضي إلى القاضي قد يستعمل على شيء لا يعجبهما أن يقف عليه غيرهما ; ولهذا يختم الكتاب ومعنى الاحتياط يحصل إذا شهدوا أنه كتابه وخاتمه ، ولكنا نقول ما هو المقصود لا بد من أن يكون معلوما للشاهد والمقصود ما في الكتاب لا عين الكتاب والختم وكتب الخصومات لا يستعمل على شيء سوى الخصومة فللتيسير يطلب كتابا آخر على حدة .
فأما ما يبعث على يد الخصم لا يشتمل إلا على ذكر الخصومة ولفظ الشهادة ( قال ) ولا يفتح الكتاب إلا بمحضر من الخصم ; لأن ذلك في معنى الشهادة على الشهادة فإن الكاتب ينقل [ ص: 96 ] ألفاظ الشهادة كتابة إلى القاضي المكتوب إليه كما أن شاهد الفرع ينقل شهادة شاهد الأصل بعبارته ، ثم لا تسمع الشهادة على الشهادة إلا بمحضر من الخصم . فكذلك لا يفتح الكتاب إلا بمحضر من الخصم . فإذا قرأه عليه وعلم ما فيه فإنه ينبغي له أن يخرمه ويختمه لكي لا يغير شيئا منه ويكتب عليه اسم صاحبه ليتسير عليه وجوده في قمطره عند الحاجة إليه .
وإذا وصل الكتاب إلى هذا القاضي بعد ما مات الكاتب ، أو عزل لم يعمل به ; لأنه ما أتاه كتاب القاضي ; لأن الكاتب قد انعزل حين عزل ، أو مات فإنما أتاه كتاب واحد من الرعايا ، وذلك لا يصلح حجة للقضاء ، وإن مات ذلك ، أو عزل بعد ما وصل الكتاب إلى هذا القاضي وقرأ ما فيه فإنه يعمل به ; لأن الذي أتاه كتاب القاضي ، وقد بينا أن الكتاب في معنى الشهادة على الشهادة والشاهد على الشهادة إذا مات بعد أداء الشهادة يجوز العمل بشهادته بخلاف ما إذا مات قبل الأداء . فكذلك كتاب القاضي إلى القاضي ; لأن وصول الكتاب إليه وقراءته في معنى أداء الشهادة في مجلسه ، وإن مات المكتوب إليه ، أو عزل قبل أن يصل إليه الكتاب ، ثم وصل إلى الذي ولي بعده لم يعمل به ; لأن الكتاب إلى غيره فلا يكون حجة للقضاء في حقه ، وكذلك لو وصل إليه وقرأه ، ثم مات قبل أن يقضي به لم يعمل به من بعده بمنزلة ما لو شهد الشهود في مجلسه فمات قبل أن ينفذه إلا أن يكون الكتاب إلى كل من يصل إليه من حكام المسلمين فقد جوز ذلك مع جهالة المكتوب إليه لحاجة الناس إلى ذلك استحسانا إلا أنه يكلف الخصم إعادة البينة على الكتاب والختم بين يديه ; لأن ما قام من البينة في المجلس الأول قد بطل بموته قبل تنفيذه
وإن كتب القاضي إلى قاض في حق لرجل شهادة شهود شهدوا عنده عليه فإنه ينبغي له أن يسمي الشهود في الكتاب وينسبهم إلى آبائهم وقبائلهم والأصل أن الغائب عن مجلس القضاء يجب تعريفه بأقصى ما يمكن ( ألا ترى ) أنه لا يعرف المحدودات إلا بذكر الحدود فيعرف الآدمي بالنسب والاسم ; لأن ذلك أقصى ما يمكن في تعريفه إذا تعذر إحضاره وتمام ذلك بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده فالمقصود تمييزه عن غيره والتمييز يحصل بهذا فقل ما يتفق رجلان في الاسم والنسب بهذه الصفة ولإن كان فهو نادر ويذكر قبيلته أيضا ، ولو اكتفى بذكر اسمه واسم أبيه واسم قبيلته جاز أيضا فقل ما يتفق رجلان في قبيلة واحدة باسمهما واسم أبيهما ويقام ذكر القبيلة مقام ذكر الجد فهو الجد الأعلى ، وإن ذكر اسمه واسم أبيه فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أن ذلك يكفي إذا عرفه بصناعة وهو معروف بها ، وعند أبي حنيفة [ ص: 97 ] رحمه الله لا يكفي ; لأن ذكر الصناعة ليس بشيء فقد يتحول الإنسان من صناعة إلى صناعة فإن كان قد عرفهم بالصلاح كتب بذلك ، وإن لم يعرفهم وأخبر بذلك عنهم كتب به ; لأن المقصود إعلام عدالتهم للقاضي المكتوب إليه ليتمكن من القضاء فالقضاء يقع بشهادتهم .
وإن حلاهم فحسن ، وإن ترك التحلية لم يضر ; لأن المقصود وهو التعريف قد حصل بذكر الاسم والنسب إلا أنه إذا كان من رأي الكاتب أن يذكر التحلية فينبغي أن يذكر من ذلك ما لا يشينه ولا يعير به في الناس فيتحرز عن ذكر ما يشينه فذلك نوع غيبة فإن أراد الذي جاء به من المكتوب إليه أن يكتب به إلى قاض آخر فعله ; لأن شهادة الشهود تثبت عنده بالكتاب فكأنه تثبت بسماعه منهم وكما جوزنا الكتاب من القاضي الأول للحاجة . فكذلك نجوزه من الثاني ; لأن الخصم قد يهرب إلى بلدة أخرى قبل قضاء المكتوب إليه بذلك عليه . وإذا سمع القاضي شهادة الشهود وكتب بها إلى قاض آخر فلم يخرج الكتاب من يده حتى حضر المدعى عليه لم يحكم بذلك عليه ; لأن سماعه الأول كان للنقل فلا يستفيد به ولاية القضاء كشاهد الفرع إذا استقصى بعد ما شهد الأصليان عنده وأشهداه على شهادتهما لم يجز له أن يقضي بذلك وهذا ; لأن جواز القضاء بالبينة والذي سمع شهادة لا بينة فالبينة ما يحصل البيان بها ولا يكون ذلك إلا بمحضر من الخصم بعد إنكاره أو سكوته القائم مقام إنكاره فإن أعاد المدعي تلك البينة بمحضر من الخصم فالآن يقضي له بها ; لأن شرط قبول البينة للقضاء إنكار الخصم ، وقد وجد ذلك حين أعادها ، وما تقدم من الأداء وجوده كعدمه .
وإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه وقرأه بحضرة الخصم وشهد الشهود على الختم ، وما فيه وهو مما يختلف فيه الفقهاء لم ينفذه المكتوب إليه إلا أن يكون من رأيه ; لأن الأول لم يحكم به ، وإنما نقل الشهادة بكتابه إلى مجلسه فلا يحكم به إلا إذا كان ذلك من رأيه كما إذا شهد الفروع عنده على شهادة الأصول ، وهذا بخلاف ما إذا كان الأول قد قضى به وأعطى الخصم سجلا فالثاني ينفذ ذلك ، وإن لم يكن من رأيه ; لأن قضاء القاضي في المجتهدات نافذ .
( ألا ترى ) أنه ليس للأول أن يبطل قضاءه ، وإن تحول رأيه . فكذلك ليس للثاني أن يبطل ذلك .
فأما في الكتاب الأول ما قضى بشيء ( ألا ترى ) أن له أن يبطل كتابه قبل أن يبعث به إلى الثاني ، وأن الخصم لو حضر مجلسه لم يلزمه من ذلك شيء . فكذلك الثاني لا ينفذ كتابه إلا أن يكون ذلك من رأيه
ولا يقبل كتاب القاضي في شيء من الحدود والقصاص ; لأن ذلك مما يندرئ بالشبهات [ ص: 98 ] وللشافعي رحمه الله قول أن ذلك مقبول إلا في الحدود التي هي لله تعالى خالصا وأصل ذلك في الشهادة على الشهادة وسيأتيك بيانه في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى .
ولا يقبل كتاب قاضي رستاق ولا قرية ولا كتاب عاملها ; لأن المعمول به كتاب القاضي والقاضي الرستاق متوسط ، وليس بقاض فالمصر من شرائط القضاء في ظاهر الرواية ; لأن القضاء من أعلام الدين كالجمع والأعياد فيكون مختصا بالمصر ، وذلك في بعض النوادر أن قاضي القرية إذا قضى بشيء بعد تقليد مطلق فقضاؤه نافذ فعلى هذا إذا كان قاضي الرستاق بهذه الصفة يقبل كتابه وعلى هذا قالوا إذا خرج قاضي المصر إلى قرية وهي خارجة من فناء المصر فقضى هناك بالحجة لا ينفذ قضاؤه في ظاهر الرواية لانعدام شرط القضاء وهو المصر وعلى رواية النوادر ينفذ قضاؤه وكثير من المتأخرين رحمهم الله أخذوا بذلك قالوا أرأيت لو كانت الخصومة في ضيعة في بعض القرى فرأى القاضي الأحوط أن يحضر ذلك الموضع ليسمع الدعوى والمشاهدة ويحكم عند الضيعة أما كان ينفذ حكمه بذلك ومن قال بهذا قال تأويل ما قال في الكتاب أنه لا حاجة إلى قبول كتاب القاضي الرستاق فإنه يتيسر إحضار الخصم مع الشهود في مجلس القضاء في المصر ، ولكن هذا بعيد فقد ذكر بعده أنه لا يقبل إلا كتاب قاضي مدينة فيها منبر وجماعة ، أو كتاب الأمير الذي استعمل القاضي لا له بما كفل كتاب من تلك تنفيذ القضاء والأمير الذي استعمل القاضي لو نفذ القضاء بنفسه جاز ذلك منه وكيف لا يجوز ، وإنما ينفذ قضاء القاضي بأمره .
فكذلك قاضي المدينة ينفذ قضاؤه لو قضى بنفسه فيقبل كتابه بخلاف قاضي الرستاق
ولا تجوز شهادة أهل الذمة على كتاب قاضي المسلمين لذمي على ذمي ولا على قضائه ; لأنهم يشهدون على فعل المسلم وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في إثبات فعل المسلم ، وهذا ; لأن قبول شهادة بعضهم على بعض كان للحاجة والضرورة فقل ما يحضر المسلمون معاملاتهم خصوصا الأنكحة والوصايا ، وهذا لا يتحقق في قضاء قاضي المسلمين وكتابه وخاتمه ; لأن الإشهاد على ذلك منه في مجلسه ومجلس قاضي المسلمين يحضره المسلمون دون أهل الذمة .
وإذا جاء بكتاب القاضي أن لفلان علي كذا وكذا من الدين لم يجز حتى ينسبه إلى أبيه وإلى فخذه التي هو بها أو ينسبه إلى تجارة يعرف بها مشهورة ، وقد بينا قول أبي حنيفة رحمه الله في النسبة إلى التجارة ; لأنها لا تقوم مقام النسبة إلى الفخذ إلا أن يكون شيئا مشهورا لا يخفى على أحد ، وإن كان في تلك الفخذ ، أو إلى التجارة اثنان [ ص: 99 ] كذلك لم يجز حتى ينسب إلى شيء يعرف به من الآخر ; لأنه لا بد من تميز المشهود عليه من غيره .
( ألا ترى ) أنهما لو شهدا على أحد الرجلين بحضرتهما لم يقبل ذلك بدون التعيين . فكذلك في حق الغائب لا بد من تمييز المشهود عليه من الآخر على وجه لا يبقى فيه شبهة ، وإن لم يكن كذلك إلا واحدا فأقام الخصم البينة أنه قد كان فيهم رجل على ذلك الاسم والنسب ، وأنه قد مات لم يقبل ذلك منه إذا كان موته قبل تاريخ الكتاب ، وإن كان بعده قبلته وأبطلت الكتاب الذي جاء به المدعي ; لأن الثابت بالبينة بمنزلة المعلوم للقاضي ، ولو كان معلوما عند القاضي وجوده وموته قبل تاريخ الكتاب لم يمتنع لأجله من العمل بالكتاب ; لأن في الكتاب ذكر الاسم والنسب مطلقا فإنما ينصرف ذلك إلى الحي دون الميت ; لأنه إذا كان المقصود الميت يذكر في الكتاب فلان الميت وأما إذا كان موته بعد تاريخ الكتاب فكل واحد منهما كان حيا حين كتب القاضي ، وليس في الكتاب ما يميز أحدهما عن الآخر أرأيت لو ادعى هذه الدعوى على ورثة الميت واحتج ورثة الميت بالحي أكان يتمكن القاضي من القضاء على ورثة الميت بشيء ، وليس في الكتاب ما يميز مورثهم من الآخر إلا أن يكون في الكتاب فلان بن فلان لفلان ، وقد مات فيعلم بذلك أن المشهود عليه الميت منهما دون الحي ، وإن كان نسبه في ذلك الكتاب إلى أبيه وإلى بكر بن وائل ، أو إلى تميم أو همدان لم أجزه حتى ينسبه إلى فخذه التي هو منها أدناها إليه بعد أن يقول قبيلته عليها العرافة ; لأن المقصود التعريف ، وذلك لا يحصل إلا بنسبته إلى أدنى الأفخاذ أرأيت لو قالوا فلان بن فلان العربي أو نسبوه إلى آدم صلى الله عليه وسلم أكان يحصل التعريف بذلك
( قال ) إلا أن يكون رجلا مشهورا أشهر من القبيلة فيقبل ذلك إذا نسبه إلى تلك الشهرة فالتمييز بينه وبين غيره يحصل بالشهرة فيقوم ذلك مقام ذكر الاسم والنسب .
، ولو جاء بكتاب قاض بشهادة شهود على دار ليس فيها حدود لم يجز ذلك كما لو شهدوا به في مجلسه ، وهذا ; لأن المشهود به مجهول ففيما لا يمكن إحضاره مجلس القاضي التعريف بذكر الحدود فيبقى مجهولا بدونه ، وكذلك لو كانوا حدوها بحدين إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله قال إذا ذكروا أحد حدي الطول وأحد حد العرض يجوز للقاضي أن يقضي ويكتفي به ، وهذا ليس بصحيح ; لأن بذكر الحدين لا يصير مقدار المشهود به معلوما فإن حدوها بثلاثة حدود جاز عندنا استحسانا وعلى قول زفر رحمه الله لا يجوز لبقاء بعض الجهالة حين لم يذكروا الحد الرابع وقياس هذا بما لو ذكروا الحدود الأربعة وغلطوا في أحدها ، ولكنا نقول [ ص: 100 ] قد ذكروا أكثر الحدود وإقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع ، ثم مقدار الطول بذكر الحدين صار معلوما ومقدار العرض بذكر أحد الحدين بعد إعلام الطول يصير معلوما أيضا ، وقد تكون الأرض مثلثة لها ثلاثة حدود . فإذا كانت بهذه الصفة فلا خلاف أنه يكتفى بذكر الحدود الثلاثة ، وهذا بخلاف ما إذا غلطوا في ذكر أحد الحدود ; لأن المشهود به بما ذكروا صار شيئا آخر
والفرق ظاهر بين المسكوت عنه ، وما إذا خالفوا في ذكره كما إذا ادعى شراء شيء بثمن منقود فإن الشهادة على ذلك تقبل ، وإن سكت الشهود عن ذكر جنس الثمن ، ولو ذكروا ذلك واختلفوا فيه لم تقبل الشهادة فهذا مثله ، وإن لم يحدوها ونسبوها إلى اسم معروف لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وجاز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأن التعريف بالشهرة كالتعريف بذكر الحدود ، أو أبلغ وذكر الحدود في العقارات كذكر الاسم والنسب في الآدمي ، ثم هناك الشهرة تغني عن ذكر الاسم والنسب فهذا مثله وأبو حنيفة رحمه الله يقول بالشهرة يصير موضع الأصل معلوما . فأما مقدار المشهود به لا يصير معلوما إلا بذكر الحدود وجهالة المقدار تمنع من القضاء ومعنى هذا أن الدار المشهودة قد يزاد فيها وينقص منها ولا تتغير الشهرة بذلك بخلاف الآدمي فإنه لا يزاد فيه ولا ينقص منه والحاجة هناك إلى إعلام أصله وبالشهرة يصير معلوما
ولو جاء بكتاب قاض أن لفلان على فلان الذي عند فلان بن فلان الفلاني كذا كذا أجزته ; لأن المملوك يعرف بالنسبة إلى مالكه فالنسبة إلى الأب والقبيلة تتعطل بالرق ، وإنما ينسب إلى مالكه .
( ألا ترى ) أن الولاية على المملوك لمالكه دون أبيه . فإذا نسبه إلى مالك معروف بالشهرة ، أو بذكر الاسم والنسب فقد تم تعريفه بذلك ، وكذلك إن نسب العبد إلى عمل أو تجارة يعرف بها فالتعريف في الحر يحصل بذلك في ظاهر الرواية . فكذلك في العبد ، وإن جاء بالكتاب أن العبد له لم يجز ذلك وهما في القياس سواء ، وقد بينا هذه المسألة في كتاب الآبق ما يقبل فيه كتاب القاضي ، وما لا يقبل .
( قال ) وقال محمد رحمه الله لا يجوز عندنا كتاب القضاة في شيء بعينه إلا في العقار فإنه لا يتحول عن موضعه . فأما فيما سوى ذلك من الأعيان لا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي ; لأن الإشارة إلى عينه عند الدعوى والشهادة شرط ; ولهذا لا بد من إحضاره بمجلس القضاء
وإذا أتى كتاب القاضي إلى القاضي ، وليس عليه عنوان وهو مختوم بخاتمه فشهدت الشهود أنه كتابه إليه وخاتمه فإنه يفتحه ; لأنه لو كان على ظهره عنوان فيه لا يصير معلوما محكوما أنه كتاب القاضي إليه ، وإنما يصير معلوما [ ص: 101 ] بشهادة الشهود . فكذلك إذا لم يكن عليه عنوان ، وقد ترك بعض القضاة كتبه العنوان على ظاهر الكتاب لغرض له في ذلك ، وليس على عنوان الظاهر اعتماد فإنه ليس يجب الختم فإن فتح الكتاب فلم يكن في داخله اسم الكاتب والمكتوب إليه ، أو كان فيه اسمهما دون اسم أبيهما لم يقبله ; لأنه إنما يقبل كتاب القاضي إليه ولا يصير ذلك معلوما إلا بالعنوان في داخله على وجه يحصل به تعريف الكاتب والمكتوب إليه . فإذا لم يكن ذلك لا يقبله
والحاصل أن العنوان الداخل عليه الاعتماد ; لأنه تحت الختم يؤمن فيه تغيير ذلك . فإذا كان فيه تعريفا تاما يقبل الكتاب وإلا فلا ، وإن كان فيه أسماؤهما وأسماء آبائهما قبله إذا شهدت الشهود على ما في جوفه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإن كان فيه كنايتهما دون أسمائهما لم يقبله فالتعريف لا يحصل بذلك على ما قيل المكني بأكنى إلا أن يكون مشهورا كشهرة أبي حنيفة رحمه الله فحينئذ يقبل ذلك للشهرة ، وإن كان فيه من فلان إلى ابن فلان لم يجز ; لأنه لا يصير معلوما بهذا فقد ينسب الفلان إلى الأب الأدنى ، وقد ينسب إلى من فوقه ، وقد يكون لابنه بنون سواه فإن كان مشهورا مثل ابن أبي ليلى وابن شبرمة رحمهما الله جاز ذلك لحصول المقصود بذكر ما هو مشهور ، ولو كتب اسم القاضي ونسبه إلى جده ولم ينسبه إلى أبيه لم يجز ; لأن التعريف يحصل بالنسبة إلى الأب الأدنى فالنسبة إليه حقيقة وإلى الجد مجازا .
( ألا ترى ) أنه ينفى عنه بإثبات غيره ، ولو كان على عنوانه أسماؤهما وأسماء آبائهما لم يجز ذلك إلا أن يكون ذلك في داخله ; لأن العنوان الظاهر ليس تحت الختم فوجوده وعدمه سواء .
ولو كتب القاضي إلى الأمير الذي استعمله وهو في المصر معه أصلح الله الأمير ، ثم اقتص القصة وجاء بكتابه معه فعرفه الأمير ففي القياس لا يقبل ذلك ; لأن كتاب القاضي لا يثبت عند الأمير موجبا للقضاء إلا بشهادة شاهدين كالمكتوب من مصر إلى مصر وكذا لا بد من ذكر اسم الكاتب واسم أبيه واسم المكتوب إليه واسم أبيه ولم يوجد ذلك ، ولأنه لا حاجة في المصر إلى هذا فإنه يتيسر عليه أن يحضر بنفسه فيخبر الأمير بما يريد إعلامه ، ولكن في الاستحسان يجوز للأمير أن يمضي هذا ; لأنه متعارف ويشق على القاضي أن يأتي الأمير بنفسه في كل حادثة ليخبر بها ، ولأنه لو أرسل إليه بذلك رسولا ثقة كان عبارة رسوله كعبارته في حق جواز العمل به .
فكذلك إذا كتب إليه بذلك رقعة ولم يجر الرسم بمثله في الكتاب من مصر إلى مصر آخر فشرطنا هناك شرائط كتاب القاضي إلى القاضي ويجوز على كتاب القاضي الشهادة على الشهادة وشهادة امرأتين مع رجل [ ص: 102 ] لأنه مما يثبت مع الشبهات والشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال ، حجة القضاء فيما يثبت مع الشبهات

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|