عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 18-12-2025, 11:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 82الى صـــ 91
(336)




( قال ) ولا يقبل الهدية وقبول الهدية في الشرع مندوب إليه قال { صلى الله عليه وسلم نعم الشيء الهدية إذا دخلت الباب ضحكت الأسكفة } . وقال صلى الله عليه وسلم { الهدية تذهب وجر الصدر ، أو وغر الصدر } . وقال صلى الله عليه وسلم { تهادوا تحابوا } ، ولكن هذا في حق من لم يتعين لعمل من أعمال المسلمين . فأما من تعين لذلك كالقضاة والولاة فعليه التحرز عن قبول الهدية خصوصا ممن كان لا يهدي إليه قبل ذلك ; لأنه من جوالب القضاء وهو نوع من الرشوة والسحت والأصل فيه ما روي أن النبي { صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية على الصدقات فجاء بمال فقال هذا لكم ، وهذا مما أهدي إلي فقال صلى الله عليه وسلم في خطبته ما بال قوم نستعملهم فيقدموا بمال ويقولون هذا لكم ، وهذا مما أهدي إلي فهلا جلس أحدكم عند حفش أمه فينظر أيهدى إليه أم لا } واستعمل عمر رضي الله عنه أبا هريرة رضي الله عنه فقدم بمال فقال من أين لك هذا قال تناتجت الخيول وتلاحقت الهدايا قال أي عدو الله هلا قعدت في بيتك فنظرت أيهدى إليك أم لا فأخذ ذلك منه وجعله في بيت المال فعرفنا أن قبول الهدية من الرشوة إذا كان بهذه الصفة ومن جملة الأكل بالقضاء ومما يدخل به عليه التهمة ويطمع فيه الناس فليتحرز من ذلك إلا من ذي رحم محرم منه فقد كان التهادي بينهم قبل ذلك عادة ، ولأنه من جوالب القرابة وهو مندوب إلى صلة الرحم ، وفي الرد معنى قطيعة الرحم وقطيعة الرحم من الملاعن . فأما في حق الأجانب قبول القاضي الهدية من جملة ما يقال إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوة .
ولا ينبغي له أن يخلو في منزله مع أحد الخصمين كما لا يسار أحد الخصمين ولا بأس بأن يقضي في منزله وحيث أحب ; لأن عمل القضاء لا يختص بمكان ، ولأنه في كونه طاعة لا يكون فوق الصلاة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } فأحسن ذلك وأحب إلي أن يقضي حيث تقام جماعة الناس يعني في المسجد الجامع ، أو غيره من مساجد الجماعات ; لأن ذلك يكون أبعد عن التهمة ، ولأنه يتمكن كل واحد من أن يحضر مجلسه عند حاجته ولا يشتبه عليه موضعه ولا يحتاج إلى من يهديه إلى ذلك من الغرباء كان أو من أهل المصر

ولا يقضي وهو يمشي ويسير على الدابة فإني أتخوف عليه من [ ص: 83 ] ذلك الزلل ; لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال فيكون قلبه مشغولا بما هو فيه من المشي أو السير فلا يتفرغ بالنظر في الحجج ، ولأنه نوع من الاستخفاف وهو مأمور بأن يصون قضاءه عن أسباب الاستخفاف ظاهرا وباطنا
ولا بأس بأن يقضي وهو متكئ ; لأن التكأة نوع جلسة كالتربع ونحوه وطباع الناس في الجلوس تختلف فمنهم من يكون اتكاؤه أروح له واعتدال حاله عند ذلك أظهر والأصل فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها في الرجلين اللذين اختصما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال وكان متكئا فاستوى جالسا فقد نظر في خصومتهما حين كان متكئا فعرفنا أنه لا بأس بذلك
وينبغي له أن يقضي بما في كتاب الله فإن أتاه شيء لم يجده فيه قضى فيه بما أتاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجده فيه نظر فيما أتاه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فقضى ، وقد بينا هذا فيما سبق والحاصل أنه إذا صح له قول عن واحد من المعروفين من الصحابة رضي الله عنهم قضى به وقدمه على القياس لقوله صلى الله عليه وسلم { أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم } ، ولأن فيما يبلغه عن الصحابي رضي الله عنه احتمال السماع فقد كانوا يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يفتون به تارة ويرون أخرى ، وفيه أيضا احتمال ترجيح الإصابة في نفس الرأي فقد وفقوا لما لم يوفق غيرهم بعدهم فإن كانوا اختلفوا فيه تخير من أقاويلهم أحسنها في نفسه ، وليس له أن يخالفهم جميعا ويبتدع شيئا من رأيه ; لأنهم لو اجتمعوا على قول لم يجز لأحد أن يخالفهم . فإذا اختلفوا على أقاويل محصورة فذلك إجماع منهم على أن الحق لا يعدو مما قالوا فلا يجوز لأحد أن يخالفهم ويبتدع شيئا من رأيه ، ولكنه يختار أحسن الأقاويل في نفسه ; لأنهم لما اختلفوا ولم تجر المحاجة بينهم بالرواية فقد انقطع احتمال السماع وتعين القول بالرأي فتعارض أقاويلهم كتعارض الأقيسة ، وعند ذلك على القاضي أن يصير إلى الترجيح ويعمل بما ظهر الرجحان فيه . فكذلك عند اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم يصير إلى الترجيح فإن لم يبن له وجه الترجيح فله أن يعمل بأي الأقاويل شاء ; لأن بالتعارض لا تنعدم الحجة في أقاويلهم فينبغي أن يعمل بأحسنها في نفسه ، ويكون ذلك عملا منه بالحجة فإن لم يجده في ما جاءه عن أحد منهم اجتهد رأيه في ذلك وقاسه بما جاء منه ، ثم قضى بالذي يجتمع رأيه عليه من ذلك ويرى أنه الحق ; لأنه مأمور بفصل القضاء .

والتكليف بحسب الوسع والذي في وسعه اجتهاد الرأي عند انقطاع سائر الأدلة عنه فيشتغل به إذ كان من أهله كمن اشتبه عليه القبلة عند انقطاع الأدلة والأصل فيه قوله تعالى [ ص: 84 ] { فاعتبروا يا أولي الأبصار } والاعتبار رد الشيء إلى نظيره فالعبرة هو البيان قال الله تعالى { إن كنتم للرؤيا تعبرون } والبيان يرد الشيء إلى نظيره .

فإن أشكل عليه شاور رهطا من أهل الفقه فيه ، وكذلك إن لم يكن من أهل الاجتهاد فعليه أن يشاور الفقهاء ; لأنه يحتاج إلى معرفة الحكم ليقضي به ، وقد عجز عن إدراكه بنفسه فليرجع إلى من يعرف ذلك كما إذا احتاج معرفة قيمة شيء فإن اختلفوا فيه نظر إلى أحسن أقاويلهم وأشبهها بالحق فأخذ به كما بينا عند اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم إلا أن هنا إن رأى خلاف رأيهم فإن استحسن وأشبه الحق قضى بذلك ; لأن إجماعهم لا ينعقد بدون رأيه وهو واحد منهم ، ولأن رأيه أقوى في حقه من رأي غيره فلو قضى برأيه كان قاضيا بما هو الصواب عنده . وإذا قضى برأي غيره كان قاضيا بما عنده أنه خطأ وقضاؤه بما عنده أنه هو الصواب أولى ، وإن لم يكن من أهل اجتهاد الرأي ليختار بعض الأقاويل نظر إلى أفقههم عنده وأورعهم فقضى بفتواه فهذا اجتهاد مثله ولا يعجل بالحكم إذا لم يبن له الأمر حتى يتفكر فيه ويشاور أهل الفقه ; لأنه مأمور بالقضاء بالحق ولا يستدرك ذلك إلا بالتأمل والمشورة .

وقال صلى الله عليه وسلم { التأني من الله والعجلة من الشيطان } والأصل في الباب حديث الشعبي رضي الله عنه قال كانت القضية ترفع إلى عمر رضي الله عنه وربما يتأمل في ذلك شهرا ويستشير أصحابه واليوم يفصل في المجلس ما به قضية وحديث ابن مسعود رضي الله عنه في المفوضة معروف فإنه ردهم شهرا ، ثم قال أقول فيه برأيي فإن يك صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان الحديث فعرفنا أنه ينبغي للقاضي أن يتأنى ويشاور عند اشتباه الأمر .

وإذا قضى بقضاء ، ثم بدا له أن يرجع عنه فإن كان الذي قضى به خطأ لا يختلف فيه رده وأبطله يعني إذا كان مخالفا لنص ، أو لإجماع فالقضاء بخلاف النص والإجماع باطل وهو جهل من القاضي ، وفي الحديث { ردوا الجهالات إلى السنة } فإن كان خطأ مما يختلف فيه أمضاه على حاله وقضى فيما يستقبل بالذي أدى إليه اجتهاده ويرى أنه أفضل ; لأن القضاء الأول حصل في موضع الاجتهاد فنفذ ولزم على وجه لا يجوز إبطاله والأصل فيه ما روي أن عمر رضي الله عنه كان يقضي في حادثة بقضية ، ثم ترفع إليه تلك الحادثة فيقضي بخلافها فكان إذا قيل له في ذلك قال تلك كما قضينا وهذه كما يقضى وقال الشعبي رحمه الله حفظت من عمر رضي الله عنه في الحد سبعين قضية لا يشبه بعضها بعضا وبهذا يتبين أن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله ، ولكنه فيما يستقبل يقضي بما أدى إليه اجتهاده وأصله في التحري للقبلة وذكر عن شريح [ ص: 85 ] رحمه الله أنه كان يقضي بالقضاء ، ثم يبدو له فيرجع عنه ولا يرجع فيما كان قضى به يعني في المجتهدات كان إذا تحول رأيه بني فيما يستقبل على ما أدى إليه اجتهاده ولم ينقض ما كان قضى به ، وفيه دليل أن التابعي إذا أدرك من الصحابة رضي الله عنهم وسوغوا له الاجتهاد معهم فإن رأيه يعارض رأيهم ; لأن شريحا رحمه الله كان قاضيا في زمن عمر وعلي رضي الله عنهما ، ثم كان يبني القضاء على رأيه ولا يرجع إليهما فيما كان يبدو له ، وقد سوغوا له ذلك حتى كان عليا رضي الله عنه يقول له قل لي يا أيها العبد ألا تنظر ، وقد رجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى قول مسروق رحمه الله في مسألة نحر الولد وعن عامر قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بالقضاء فينزل عليه القرآن بخلافه فيمضي ما قضى به ويستأنف القضاء } ، وفي هذا دليل على أنه كان يقضي باجتهاده في ما لم يوح إليه فيه ، وقد بينا أنه كان لا يعجل بذلك ، ولكن كان ينتظر الوحي .

فإذا انقطع طمعه عن الوحي فيه قضى باجتهاده وصار ذلك شريعة ، ثم ينزل القرآن بخلافه بعد ذلك فيكون ناسخا له ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا ونظيره أمر القبلة فإنه صلى الله عليه وسلم بعد ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم انتسخ ذلك بالأمر بالتوجه إلى الكعبة وكان يستأنف القضاء بالناسخ ولا يبطل ما قضى به ; لأن النسخ ينهي مدة الحكم ولا يبين أنه لم يكن حقا قبل نزول الناسخ واستدل بهذا الحديث على ما تقدم من المجتهدات فإنه لا ينقض ما كان قضى به إلا أنهما يفترقان من حيث إن الرأي لا ينسخ الرأي وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من مال أخيه بغير حق فإنما أقضي له بقطعة من النار } معنى قوله ألحن أفطن وأقدر على البيان فاللحن في اللغة هو الفطنة ، وفيه دليل لمن يقول إن بقضاء القاضي لا يحل ما كان حراما فيكون حجة لمحمد رحمه الله في مسألة قضاء القاضي في العقود والفسوخ وأبو حنيفة رحمه الله يقول المراد الأملاك المرسلة والمراد بيان الوعيد لمن يدعي الباطل ويقيم عليه شهود الزور فالوعيد يلحقه بذلك عندنا ، وإن كان الملك يثبت له بقضاء القاضي بسببه

قال وأكره للقاضي أن يفتي للخصوم في القضاء كراهة أن تعلم الخصوم قوله فتحترز منه بالباطل لحديث شريح رحمه الله حين سئل عن مسألة الحبس قال إنما أقضي ولست أفتي ، وقد كره بعض الناس للقاضي أن يفتي في المعاملات أصلا وقالوا يفتي في العبادات وكره بعضهم أن يفتي في مجلس القضاء وقالوا لا بأس به في [ ص: 86 ] غير مجلس القضاء ; لأن كل واحد من الأمرين مهم . فإذا جمع بينهما في مجلس يخاف الخلل فيهما والأصح أنه لا بأس بأن يفتي في المعاملات والعبادات في مجلس القضاء ، وفي غير مجلس القضاء فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتي ويقضي والخلفاء رضي الله عنهم بعده كذلك وللقضاء فتوى في الحقيقة إلا أنه ملزم ، وإنما الذي يكره له أن يفتي للخصم فيما خاصم فيه إليه لما قيل إن الخصم إذا وقف على رأيه ربما اشتغل بالتلبيس للتحرز عن ذلك فلا يفتي له في ذلك حتى تنقضي الخصومة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال { اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهما عالم بالخصومة والآخر جاهل بها فلم يلبسه العالم أن قضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام المقضي له وقعد المقضي عليه فقال يا رسول الله عليك السلام والله الذي لا إله غيره إن حقي لحق فقال صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فأتى به فأخبره بالذي حلف عليه فقال يا رسول الله إن شئت عاودته الخصومة فقال صلى الله عليه وسلم عاوده فعاوده فلم يلبسه أن قضى له فقام المقضي له وقعد المقضي عليه فقال والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الذي أنزل عليك الكتاب بالحق إن حقي لحق يعلم ذلك نفسه فقال صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فأتى به فأخبره فقال إن شئت عاودته فقال عليه السلام لا ، ولكن اعلم أن من اقتطع بخصومته وجدله حق امرئ مسلم فإنما يقتطع قطعة من نار فقال الرجل الحق حقه فكان النبي صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس . وقال من اقتطع بخصومته وجدله حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار }

قال أبو هريرة فكانت هذه أشد من الأولى ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يكف عن القضاء مخافة تلبيس بعض الخصوم عليه فقد كانوا يفعلون ذلك عند من كان ينزل عليه الوحي وهو معصوم ، وفيه دليل أنه لا بأس للمرء أن يحلف مختارا فقد حلف الرجل مرتين من غير أن يطلب ذلك منه ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وفيه دليل على أن القاضي إذا ارتاب في شيء من قضائه ينبغي له أن يتثبت في ذلك ويحتاط .

( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمعاودة حين حلف المقضي عليه أن حقه حق وكان ذلك احتياطا منه ، وفيه دليل أن مال الغير لا يحل للغير بقضاء القاضي فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظين في الوعيد الثاني أشد من الأول كما قاله أبو هريرة رضي الله عنه ، وهذا ; لأن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه قال صلى الله عليه وسلم { سباب المسلم فسق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة نفسه } فكما أن من قصد قتل [ ص: 87 ] المسلم بغير حق فجزاؤه ما قال الله تعالى { فجزاؤه جهنم خالدا فيها } . فكذلك إذا قصد أخذ ماله بالباطل والتلبيس .
( قال ) وينبغي للقاضي أن لا يلقن الشاهد ، ولكن يدعه حتى يشهد بما عنده فإن كانت شهادته جائزة قبلها ، وإن كانت غير جائزة ردها ولا يقول له اشهد بكذا فإن هذا تلقين وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ومحمد . وقال أبو يوسف رحمه الله لا أرى بأسا أن يقول أتشهدا بكذا وكذا ، وإنما قال هذا حين ابتلي بالقضاء فرأى ما بالشهود من الخبر عند أداء الشهادة بالحق فإن لمجلس القضاء هيبة وللقاضي حشمة ومن لم يعتد التكلم في مثل هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يعنه القاضي على ذلك وأداء الشهادة بالحق من باب البر قال الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } وأمرنا بإكرام الشهود قال صلى الله عليه وسلم { أكرموا الشهود فإن الله تعالى يحيي بهم الحقوق } ، وهذا القدر من التلقين يرجع إلى إكرامه بأن يذكر ما يسمع منه فيقول أتشهد بكذا لما لم يسمع منه فهو التلقين المكروه ، وفي مذهبه نوع رخصة والعزيمة فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد ; لأن القاضي منهي عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل ، وما يكون فيه إعانة أحد الخصمين إما صورة ، أو معنى وتلقين الشاهد لا يخلو من ذلك . وإذا لم يجز له أن يلقن المدعي مع أن الدعوى لا تكون ملزمة فلأن لا يجوز له أن يلقن الشاهد أولى ، ولأن عادة بعض الناس أن المحتشم إذا لقن أحدهم شيئا ترك ما كان قصد التكلم به وتكلم بما لقنه تعظيما له فلا يأمر القاضي أن يفعل الشاهد مثل ذلك فيدع ما كان عنده من الشهادة ويتكلم بما لقنه القاضي والتلقين تعليم والقاضي إنما جلس لسماع الشهادة وفصل القضاء بالشهادة لا لتعليم الشاهد ; فلهذا أكره له أن يلقنه .

ولا يضر القاضي أن يقدم الشهود جميعا ، أو واحدا واحدا ; لأن الثابت بالنص اشتراط العدد والعدالة في الشهود وبذلك يظهر جانب رجحان الصدق فالتفريق بينهم في المجلس يكون زيادة والقاضي لا يتكلف لها إلا أن يرتاب في أمرهم فعند ذلك عليه أن يحتاط لقوله صلى الله عليه وسلم { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك } ومن الاحتياط أن يفرق بينهم إلا أنه لا ينبغي له أن يتعنت معهم فإن التعنت يخلط على الرجل عقله ، وإن كان صحيحا في شهادته ، ولأن الشاهد أمين فيما يؤدي من الشهادة ولم يظهر خيانته للقاضي فلا يتعنت معهم ، وقد أمرنا بإكرامهم إلا أنه إذا اتهمهم وفرق بينهم فلا بأس أن يسأل كل واحد منهم أين كان هذا وكيف ومتى كان فهو من باب الاحتياط ودفع الريبة لا من باب التعنت ، وإن اختلفوا في ذلك اختلافا يفسد الشهادة أبطلها ، وإن كان لا يفسدها أجازها ولا يطرحها بالتهمة والظن فإن الظن لا يغني من الحق شيئا .

[ ص: 88 ] قال صلى الله عليه وسلم { إذا ظننت فلا تحقق } فما لم يعلم منهم سواء ، أو يسمع منهم عند السؤال اختلافا مفسدا لشهادتهم لم يمنع من القضاء بالشهادة بمجرد الظن

وإذا لم يطعن الخصم في الشاهد فلا ينبغي أن يسأل عنه في قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولكنه يقضي بظاهر العدالة إلا أن يطعن الخصم . وقال أبو يوسف ومحمد يسأل عنهم ، وإن لم يطعن الخصم وقيل هذا اختلاف عصر وزمان فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يفتي في القرن الثالث ، وقد شهد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق والخيرية بقوله صلى الله عليه وسلم { خير الناس قرني } الحديث وكانت الغلبة للعدول في ذلك الوقت ; فلهذا كان يكتفي بظاهر العدالة وهما أفتيا بعد ذلك في القرن الذي شهد رسول الله على أهله بالكذب بقوله صلى الله عليه وسلم { ، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد } وكانت الغلبة في ذلك الوقت لغير العدول فقال لا بد للقاضي أن يسأل عن الشهود وحجتهما أن اشتراط العدالة في الشاهد للقضاء بشهادته ثابت بالنص قال الله تعالى { اثنان ذوا عدل منكم } وقيل السؤال عنهما صفة العدالة محتملة فيهما والشرط لا يثبت بما هو محتمل توضيحه أن على القاضي أن يصون نفسه عن القضاء بشهادة الفاسق فقد أمر بالتثبت في خبر الفاسق فإنما يسأل عن الشهود صيانة لقضائه فلا يتوقف ذلك على طلب الخصم ولئن كان ذلك لحق الخصم فليس لكل خصم يبصر حجته فربما يهاب الخصم الشهود فلا يجاهر بالطعن فيهم والقاضي مأمور بالنظر لكل من عجز عن النظر لنفسه .

( ألا ترى ) أن في الحدود يسأل عن الشهود ، وإن لم يطعن الخصم لهذا المعنى .

فكذلك في الأموال وأبو حنيفة رحمه الله استدل بظاهر الحديث { المسلمون عدول بعضهم على بعض } فهذا من صاحب الشرع تعديل لكل مسلم فتعديل صاحب الشرع أقوى من تعديل المزكي ، ثم العدالة هي الاستقامة يقال للجادة طريق عدل وللبيان طريق عدل جائز ، وقد علم القاضي منهم الاستقامة واعتقد ، وذلك يحمله على الاستقامة في التعاطي فعليه أن يتمسك به ما لم يظهر خلافه فهذا دليل شرعي فوق خبر مزكى ، وإنما يعتمد هذا الدليل إذا لم يطعن الخصم . فأما بعد طعنه يقع التعارض ; لأن الخصم مسلم ودينه يمنعه من أن يجازف بالطعن فيهم فللتعارض وجب على القاضي أن يسأل حتى يظهر المرجح لأحد الجانبين بخبر المزكي . فأما في الحدود يسأل ، وإن لم يطعن الخصم احتيالا للدرء ، وقد أمر بدرء الحدود ; لأن الحدود إن وقع فيها غلط لا يمكن تداركه وبظاهر العدالة لا تنتفي الشبهة ففيما يندرئ بالشبهات لا يكتفى بذلك . فأما المال مما يثبت مع [ ص: 89 ] الشبهات . وإذا وقع الغلط فيه أمكنه التدارك فيكتفي بظاهر العدالة في ذلك ما لم يطعن الخصم . وإذا سأل عن الشهود لم يقض بشهادتهم حتى تأتي مسألته مزكاة يعني أن المزكي إن كتب في جوابه أنهم عدول لا يكتفي بذلك فالعدل قد لا يكون من أهل الشهادة كالعبد عدل في روايته ، وكذلك إن كتب عدول أحرار فالمحدود في القذف بعد التوبة حر عدل ، وكذلك إن كتب أنه نفذ فقد بطل هذا اللفظ على المستور الذي لا يعرف حاله فإن كتب أنه مزكى فهو تنصيص على وجوب العمل بشهادته ، ولأن القاضي إنما طلب من المزكي التزكية فينبغي أن يجيبه إلى ما طلب بلفظه كما أنه طلب من الشاهد أن يشهد فما لم يأت بلفظة الشهادة لا تقبل شهادته

وإذا اختصم إلى القاضي قوم يتكلمون بغير العربية وهو لا يفقه لسانهم فإنه ينبغي له أن يترجم عنهم له رجل مسلم ثقة واتخاذ الترجمان للحاجة قد كان عليه الناس في الجاهلية ، وبعد الإسلام ولما جاء سلمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم ترجم يهودي كلامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخان في ذلك حتى نزل الوحي حديث فيه طول وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية وكان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمن كان يتكلم بين يديه بتلك اللغة ، ثم لا خلاف أنه يشترط في المترجم أن يكون عدلا مسلما ; لأن نفس الخبر محتمل للصدق والكذب فإنما يترجح جانب الصدق بالعدالة ويشترط الإسلام أيضا ; لأن الكفار معادون للمسلمين فالظاهر أنهم يقصدون الجناية في مثل هذا قال الله تعالى { لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } أي لا يقصرون في إفساد أموركم ; فلهذا لا يقبل القاضي الترجمة إلا من مسلم عدل والواحد لذلك يكفي والمثنى أحوط في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

وقال محمد رحمه الله يشترط في المترجم لكلام الخصم أو لشهود الشاهدين ما يشترط في الشهادة من العدد ، وذلك رجلان ، أو رجل وامرأتان ، وكذلك الخلاف في التزكية عندهما تزكية الواحد يكفي والمثنى أحوط ، وعند محمد رحمه الله لا بد من عدد الشهادة في ذلك ، وكذلك الخلاف في رسول القاضي إلى المزكي فمحمد رحمه الله يقول ما لم يفهم القاضي فكأنه لم يسمعه ومعنى هذا وهو أنه إنما يسمع من المترجم ; لأنه يفهم قول المترجم وعليه ينبني الحكم فكانت الترجمة في حقه بمنزلة الشهادة .

( ألا ترى ) أنه يعتبر فيها ما يعتبر في الشهادة من الحرية والإسلام والعدالة . فكذلك العدد وهذا ; لأنه يلزم على القاضي القضاء ، وهذا آكد ما يكون من الإلزام فيشترط العدد فيه لطمأنينة القلب كالشهادة إلا أنه لا يشترط [ ص: 90 ] لفظة الشهادة ; لأن اشتراط ذلك في الشهادة ليس لمعنى الإلزام بل هو ثابت بالنص بخلاف القياس أو لمعنى الزجر عن الشهادة بالباطل فقوله أشهد بمنزلة قوله أحلف ; ولهذا أعظم الوزر في شهادة الزور كما في اليمين الغموس والمدعي هو الذي يأتي بالشهود فلمكان احتمال المواضعة والتلبيس بينهم شرطنا لفظة الشهادة وأما المترجم بحيازة القاضي فينعدم في حقه مثل تلك التهمة ; فلهذا لا يشترط في حقه لفظة الشهادة وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قال المترجم مخير غير ملزم وخبر الواحد مقبول بشرط العدالة والإسلام ، وإن كان ملزما كما في رواية الأخبار وكما في الشهادة على رؤية هلال رمضان والدليل عليه أنه لا يعتبر لفظة الشهادة فيه ، ولو كان هذا في معنى الشهادة لاستوى فيما اختص به الشهادة كاختصاص الشهادة من بين سائر الأخبار بلفظ الشهادة . فإذا لم يجعل هذا الخبر بمنزلة الشهادة فيه ففي العدد أولى واشتراط الإسلام والعدالة هنا بمنزلة اشتراط ذلك في رواية الأخبار واشتراط الحرية ; لأنه يلزم الغير ابتداء من غير أن يلتزم شيئا فكان من باب الولاية والرق تبقى الولاية على الغير بخلاف رواية الأخبار والشهادة على هلال رمضان فإنه يلتزم ذلك بنفسه ، ثم يتعدى إلى غيره فلا تشترط الحرية فيه لذلك ومع أن الواحد يكفي لذلك كما في رواية الأخبار ، ولكن رجل وامرأتان أوثق ; لأنه في الاحتياط أقرب .

قال وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا من أهل العفاف والصلاح ; لأنه محتاج إلى أن يكتب ما جرى في مجلسه وربما يعجز عن مباشرة جميع ذلك بنفسه فيتخذ كاتبا لذلك والكاتب نائبه فينبغي أن يشبهه في العفاف والصلاح والكاتب من أقوى ما يعتمد عليه القاضي فلا يفوضه إلا إلى من هو معروف بالصلاح والعفاف حتى لا يخدع بالرشوة ، ثم لم يقعده حيث يرى ما يكتب وما يصنع أما لأنه يحتاج إلى الرجوع إلى ما في يده من المكتوب في كل حادثة فليكن بمرأى العين منه ، أو لأنه لا يأمن عليه من أن يخدعه بعض الخصوم بالرشوة إذا لم يكن بمرأى العين من القاضي ، ثم يكتب خصومة كل خصمين ، وما بينهما من الشهادة في صحيفة بيضاء وحدها ، ثم يطويها ويخرمها ويختمها بخاتمه للتوثق كي لا يزاد فيها ، ثم يكتب عليها خصومة فلان بن فلان وفلان بن فلان في شهر كذا في سنة كذا حتى يتيسر عليه تمييزها من سائر الصحائف إذا اختلفت بها ولا يحتاج في ذلك إلى فتح الخاتم فقد يشق عليه ذلك في كل وقت ويجعل خصومة كل شهر في قطمر على حدة لا يخالطها شيء آخر والقطمر اسم لخريطة القاضي ، وفيه لغتان قمطرة وقطمر ، وإنما يتخذ لخصومة كل شهر خريطة على حدة ليتيسر عليه وجودها [ ص: 91 ] عند الحاجة إليها ويجدها بأدنى طلب ويكتب التاريخ ; لأنه قد يحتاج إليه عند منازعة الخصوم والأصل في كتاب التاريخ ما روي أن عمر رضي الله عنه لما أراد أن يكتب إلى الآفاق قيل له إن الملوك لا يقبلون الكتاب إذا لم يكن مؤرخا فجمع الصحابة وشاورهم في التاريخ ، ثم اتفقوا على أن جعلوا التاريخ من وقت الهجرة وبقي ذلك إلى يومنا هذا قال وليباشر هو بنفسه مسائل الشهود فيكتبها ، أو يكتب بين يديه ، ثم يبعث بها في السر إلى أهل الثقة عنده والعفاف والصلاح فيبعث كل مسألة مع رجلين كل واحد منهما ثقة ولا يطلع واحد منهما على ما يبعث به مع صاحبه ; لأن قضاءه ينبني على الشهادة فلا يدع في بابها أقصى ما في وسعه من الاحتياط والمباشرة بنفسه .
وقد كانت التزكية في الابتداء علانية ، ثم أحدث شريح رحمه الله تزكية السر فقيل له أحدثت يا أبا أمية فقال أحدثتم فأحدثنا فكان يجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية فيسأل عن حال الشهود في السر ، ثم يحضر الشهود والمزكون ليزكوهم علانية فيقول هؤلاء الذين زكيناهم وهو أتم ما يكون من الاحتياط غير أن القضاة تركوا بعد ذلك تزكية العلانية واكتفوا بتزكية السر إبقاء للستر على الناس وتحرزا عن الغيبة التي تقع بين المزكين وبعض الشهود في تزكية العلانية إذا ميزوا المجروح ; فلهذا يكتفى بتزكية السر في زماننا ، وإنما لا يطلع واحدا من الرسولين على ما يبعث به مع صاحبه كي لا يتواضعا بينهما على شيء

وإن استطاع أن لا يعرف له صاحب مسألة فليفعل ; لأنه إذا كان معروفا فيرجع إليه بعض الخصوم فيخدعه بالرشوة أو تخوفه بعض الشهود فيزكي المجروح لذلك ويلبس على القاضي فكان الاحتياط أن لا يعرف له صاحب مسألة ، ولكن في زماننا اتخذوا التزكية عملا فيشتهر المزكي لذلك لا محالة والاحتياط للقاضي أن يسأل عنه وعن غيره من العدول وأهل الصلاح ممن يقف عليه القاضي ولا يعرفه الخصوم . وإذا أتاه تزكية رجل من ثقة وأتاه من ثقة آخر أنه غير عدل أعاد المسألة لوقوع التعارض بين الخبرين فإن النافي معارض للمثبت فيما طريقه الخبر ، وقد بينا في كتاب الاستحسان وذكرنا هناك أنه إذا اتفق رجلان على التزكية عمل بقولهما ولم يعمل بقول الواحد الذي خرج ; لأن المثنى حجة في الأحكام فلا يعارضه خبر الوحد . وإذا اجتمع رهط على التزكية ورجلان عدلان على الجرح أخذ بقولهما ; لأن الذين زكوا اعتمدوا ظاهر الحال وخفي عليهم ما عرفه اللذان جرحا من العارض الموجب للجرح فيه ، وقد ثبت ذلك بحجة كاملة فإن خبر المثنى حجة في إثبات الحكم
( قال ) وينبغي أن يكتب الشاهد اسمه ونسبه وحليته ومنزله في دار نفسه [ ص: 92 ] أو في دار غيره ; لأنه ما لم يصر معلوما عند من يسأل عن حاله لا يمكنه أن يسأل ، وإنما يصير معلوما بما ذكرنا ، وإنما يكتب منزله ; لأن أعرف الناس بحال المرء جيرانه ( ألا ترى ) أن ذلك { الرجل لما قال يا رسول الله عليك السلام كيف أنا قال صلى الله عليه وسلم سل جيرانك } ، وإنما لا يتمكن من أن يسأل جيرانه عن حاله إلا إذا عرف منزله ، ولأنه قد يتسمى رجل باسم غيره للتلبيس على القاضي فيتحرز عن ذلك بأن يكتب منزله ويسأل عن التزكية في العلانية بعد التزكية في السر ; لأنه ربما يشتبه على المزكي ، أو يلتبس عليه فيزكي غير من شهد وينعدم هذا الوهم عند تزكية العلانية إلا أنه استحسن ترك ذلك في زماننا للتحرز عن الفتنة .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]