عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 18-12-2025, 11:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 72الى صـــ 81
(335)





وقال صلى الله عليه وسلم { لأن يقام حد في أرض خير من أن تمطر السماء فيها أربعين صباحا } وعن علي رضي الله عنه عنه قال القضاة ثلاثة فاثنان في النار وواحد في الجنة . فأما اللذان في النار فرجل علم علما فقضى بخلافه ورجل جاهل يقضي بغير علم وأما الآخر آتاه الله علما فقضى به فذلك في الجنة ولا شبهة في حق من قضى بخلاف ما علم فإنه أقدم على النار عن بصيرة وكتم ما علم من الحق فكان فعله كفعل رؤساء اليهود ، وفيه نزل قوله تعالى عز وجل { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات } .

وقال الله تعالى { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } وأما الجاهل فما كان ينبغي له أن يتقلد القضاء ويلتزم أداء هذه الأمانة ; لأنه لا يقدر على أدائها إلا بالعلم ففي التزام ما لا يقدر على القيام به ظلم نفسه ، وبعد التقلد لا ضرورة له إلى القضاء بغير علم لتمكنه من أن يتعلم ، أو يسأل العلماء ويقضي بفتواتهم ; فلهذا جعله في النار حين قضى بغير علم والذي قضى بعلمه أظهر الحق بحكمه ، وأنصف المظلوم من خصمه فهو في الجنة ومثل هذا لا يعرف إلا بالرأي فإنما يحمل على أن عليا رضي الله عنه كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم فيما يسمعون ربما يرفعون وربما يرسلون وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال يجاء بالقاضي يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ، ثم يلتفت . فإذا أقبل دفعه دفعة في مهواة أربعين خريفا

وأهل الحديث يروون هذا الحديث ( يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة ) ليعلم أن حال من يعدل إذا كان بهذه الصفة فما ظنك في حال من يجور في قوله وملك آخذ بقفاه إشارة إلى ما يلقى من الذل يوم القيامة ، وإن كان عادلا في قضائه في الدنيا فإنما يفهم من الأخذ بالقفاء في عرف الناس الاستخفاف والذل وقيل في تأويله أنه ، وإن كان عادلا فقد نال بعض الوجاهة في الدنيا بسبب تقلد القضاء فهذا له في الآخرة لما نال من الجاه في الدنيا بطريق هو طريق العمل للآخرة ومعنى قوله دفعه في مهواة أربعين خريفا أي [ ص: 73 ] دفعه على وجهه في النار كما قال الله تعالى { يوم يسحبون في النار على وجوههم } وكأن المراد من هذا أن من نافق وأظهر ما يعلم الله منه خلافه فقد كان قصده من ذلك حفظ ماء وجهه يلقى في النار على وجهه ولا يستقر إلا في قعر جهنم هو المراد من قوله في مهواة أربعين خريفا ، وهذا بيان في قوله تعالى { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } قال وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من ابتلي أن يقضي بين اثنين فكأنما يذبح نفسه بغير سكين } والحصاف يروي هذا { من ابتلي بالقضاء فكأنما ذبح بغير سكين } ، وفيه بيان التحريز عن طلب القضاء والتحرز عن التقلد فكل عاقل ممتنع من أن يذبح نفسه بغير سكين فينبغي أن يكون تحرزه عن طلب القضاء بتلك الصفة فذكر المثل من النبي صلى الله عليه وسلم كان للتقريب من الفهم .

( قال ) رحمه الله وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول لا ينبغي لأحد أن يزدري بهذا اللفظ كي لا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي فقد حكي أن قاضيا روي له هذا الحديث فازدرى به . وقال كيف يكون هذا ، ثم دعا في مجلسه بمن يسوي شعره فجعل الحلاق بعض الشعر من تحت ذقنه إذ عطس فأصابه الموسى فألقى رأسه بين يديه
قال ومن ابتلي أن يقضي بين اثنين فلينصفهما في الكلام والنظر ولا ينبغي له أن يرفع صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر ، وقد بينا فائدة هذا اللفظ ، وما يؤمر به القاضي من التسوية وعن عامر أن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما اختصما في شيء فحكما زيد بن ثابت رضي الله عنه فأتياه في منزله قال زيد رضي الله عنه هلا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين قال عمر رضي الله عنه في بيته يؤتى الحكم ، وفي هذا بيان أنه كان يقع بينهم منازعة وخصومة ولا يظن كل واحد منهم سوى الجميل ، وإنما كان يقع ذلك عند اشتباه حكم الحادثة عليهم ويتقدمون إلى القاضي لطلب البيان لا للقصد إلى التلبيس والإنكار ; ولهذا كان القاضي يدعى مفتيا ، وفيه دليل جواز التحكيم فقد حكما زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وإنما حكماه لفقهه فقد كان مقداما معروفا فيهم بذلك حتى روي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يختلف إليه وأخذ بركابه لما أراد أن يركب . وقال هكذا أمرنا أن نصنع بفقهائنا فقبل زيد رضي الله عنه يده . وقال هكذا أمرنا أن نصنع بأشرافنا .

وفيه دليل على أن الإمام لا يكون قاضيا في حق نفسه فعمر رضي الله عنه في خصومة حكم زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وفيه دليل على أن من احتاج إلى العلم ينبغي له أن يأتي العالم في منزله ، وإن كان وجيها في الناس ولا يدعوه إلى نفسه فإن وجاهته بسبب الدين فيبقى ذلك له إذا عظم الدين ، والذهاب [ ص: 74 ] إلى منزل العالم عند الحاجة إلى علمه من تعظيم الدين ولما استعظم ذلك زيد رضي الله عنه قال هلا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين قال في بيته يؤتى الحكم وتأويل استعظام زيد رضي الله عنه أنه خاف فتنة على نفسه بسبب الوجاهة حين أتاه عمر رضي الله عنه في منزله وظن أنه أتاه زائرا ، وما أتاه محكما له راغبا في علمه ; فلهذا استعظم ذلك .

( ألا ترى ) أن عمر رضي الله عنه بين له أنه أتاه للتحكيم فقال في بيته يؤتى الحكم فأتى زيد لعمر رضي الله عنهما بوسادة وكان هذا منه امتثالا لما ندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه } ، وقد بسط رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رداءه حين أتاه

ولكن عمر رضي الله عنه لم يستحسن ذلك منه في هذا الوقت فقال هذا أول جورك ، وفيه دليل وجوب التسوية بين الخصمين في كل ما يتمكن القاضي منه ، وما كان ذلك يخفى على زيد رضي الله عنه ، ولكن وقع عنده أن الحكم في هذا ليس كالقاضي ، وإن الخليفة في هذا ليس كغيره فبين له عمر رضي الله عنه أن الحكم في حق الخصمين كالقاضي ( قال ) وكانت اليمين على عمر رضي الله عنه فقال لأبي بن كعب رضي الله عنه لو أعفيت أمير المؤمنين من اليمين فقال عمر رضي الله عنه لا ، ولكن أحلف فترك له أبي رضي الله عنه ذلك وأهل الحديث يروون أن عمر رضي الله عنه قال لزيد رضي الله عنه ، وهذا أيضا يبين أن على الحاكم أن يتحرز عن الميل إلى أحد الخصمين صريحا ودلالة ، وأن مجلس الشفاعة غير مجلس الحكومة ، ثم فيه دليل على أنه لا بأس للمرء أن يحلف إذا كان صادقا فقد رغب عمر رضي الله عنه في ذلك مع صلابته في الدين ، وإن تحرز عن ذلك فهو واسع له أيضا كما روي أن عثمان امتنع عن ذلك . وقال أخشى أن يوافق قدر يميني فيقال أصبت بذلك ففيه دليل أن اليمين حق المدعي قبل المدعى عليه يستوفي بطلبه ويترك إذا ترك .

( ألا ترى ) أن أبيا رضي الله عنه ترك له ذلك وبيان هذا فيما { قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدعي ألك بينة فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم ألك يمين } وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال لا أحسد إلا في اثنين رجل أتاه الله مالا فهو ينفقه في طاعة الله ورجل أتاه الله علما فهو يعلمه ويقضي به رضي الله عنه ومعناه الحسد يضر إلا في الاثنين فيكون في ذلك بيان أن الحسد مذموم يضر الحاسد إلا فيما استثناه فهو محمود في ذلك ، وهذا ليس بحسد في الحقيقة بل هو غبطة والغبطة محمودة فمعنى الحسد هو أن يتمنى الحاسد أن تذهب نعمة المحسود عنه ويتكلف لذلك ومعنى الغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ذلك من غير أن يتكلف ويتمنى ذهاب ذلك عنه .

وهذا في أمر الدنيا غير مذموم ففي أمر الدين [ ص: 75 ] أولى أن يكون محمودا والذي ينفق ماله في طاعة الله تعالى يكتسب الآخرة بدنياه والذي يعلم ويقضي به بالحق يكتسب المحمدة في الدنيا والثواب في الآخرة فمن يتمنى لنفسه مثل ذلك يكون محمودا على هذا المعنى . فأما الحسد المذموم فهو ما قيل الحاسد جاحد لقضاء الواحد فهو أن يتكلف لذهاب ذلك عنه ويعتقد أن تلك نعمة في غير موضعها وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { لا ينجو أحدكم من الحسد والظن والطيرة قيل ، وما المخلص من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم إذا حسدت فلا تبغ أي لا تتكلف لإزالة النعمة عن المنعم عليه . وإذا ظننت فلا تحقق وإذا نظرت فلا ترجع }

وعن سوار بن سعيد قال شهدت أنا ورجل عند شريح رحمه الله تعالى بشهادة ففيه صاحبي عن حجته أي عجز عن إظهار حجته وغفل عن ذلك فقلت له أتفسد شهادتي إن أعربت عنه فقال لا فأعربت عنه فقضى له ، وإنما قال هذا ; لأن من يكون خصما في حادثة لا تقبل شهادته في تلك الحادثة فخاف إن أظهر حجة صاحبه أن يجعله خصما ويفسد شهادته فبين له شريح رحمه الله تعالى أنه لا يصير خصما بهذا القدر إذا لم يوكله صاحبه به بل هو متبرع فيما يظهر من حجة صاحبه ، وليس فيه أكثر من أن يعين المدعي ، وما حضر مجلس القاضي إلا لتعيين المدعي وتوصله إلى حقه فلا يفسد به شهادته

وعن سوار قال اختصم قوم عند شريح رحمه الله تعالى فذكرت له ذلك فقال ما أراه فهم وسأذكر ذلك له الليلة فذكرت ذلك له فقال ما فهمت فمرهم أن يرجعوا لي فرجعوا إليه فقضى لهم ، وفيه دليل على أنه ينبغي لمن وقف على خطأ القاضي في قضائه أن ينبهه ولا يجاهره بذلك مراعاة لحشمته ، ولكنه يأمر أقرب الناس منه ليخبره بذلك في حال خلوته ، وفيه دليل أن القاضي إذا تبين له خطأ في قضائه ينبغي له أن يظهر رجوعه عن ذلك ولا يمنعه الاستيحاء عن الناس من ذلك ولا الخوف فالله تعالى يحفظه من الناس والناس لا يحفظونه من عذاب الله تعالى وعن مكحول قال لأن أكون قاضيا أحب إلي من أن أكون خازنا يعني أن خازن بيت المال عامل للمسلمين والقاضي كذلك إلا أن الخازن يحفظ على المسلمين مالهم والقاضي يحفظ عليهم دينهم وتمكن الخازن من المال خوف الفتنة على نفسه بسببه أكثر من تمكن القاضي ; فلهذا آثر القضاء ، وقد بينا أن المتقدمين فيهم من كان يؤثر تقلد القضاء على الامتناع منه وعن شريح رحمه الله تعالى قال ما شددت على لهواة خصم أي ما منعته من إظهار حجته ، وما قويت أحد الخصمين على الآخر بتلقين شيء قط ; ولهذا بقي في القضاء مدة طويلة .

وعن علي رضي الله عنه أنه أضاف رجلا فلما مكث أياما [ ص: 76 ] قرب إليه في خصومة فقال له علي رضي الله عنه أخصم أنت فقال نعم { فقال علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا أن يكون خصمه معه } ، وفيه دليل أنه لا بأس للإمام أن يخص بعض الناس بالضيافة إذا لم يكن له خصومة ، وأنه لا ينبغي له أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر ; لأن ذلك يكسر قلب الخصم الآخر ويلحق به تهمة الميل ولا بأس بأن يضيفهما جميعا ; لأن تهمة الميل تنتفي عنه إذا سوى بينهما

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه اقض بين هذين قال أأقضي ، وأنت حاضر ، أو جالس قال صلوات الله عليه وسلامه نعم قال على ماذا أقضي قال سلام الله عليه على أنك إن اجتهدت فأصبت فلك عشر حسنات ، وإن أخطأت فلك حسنة } ، وفيه دليل لأهل السنة رحمهم الله المجتهد يصيب ويخطئ وعليه دل قوله تعالى { ففهمناها سليمان } والفهم هو إصابة الحق فقد خصه بذلك ففيه دليل على أنه معذور ، وإن أخطأ ، وهذا إذا لم يكن طريق الإصابة بينا وهو مثاب على اجتهاده فإن أصاب المطلوب بالاجتهاد فله ثواب الاجتهاد وثواب إظهار الحق بجهده وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم فلك عشر حسنات ، وإن أخطأ فله حسنة على اجتهاده إذا كان مصيبا في طريق الاجتهاد ، وإن لم يصب المطلوب بالاجتهاد وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله تعالى مع القاضي ما لم يخف عملا يشدده للحق ما لم يرد غيره } ، وهذا في كل عامل يبتغي بعمله وجه الله تعالى فالله تعالى يعينه على ذلك ويوفقه قال الله تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } { . وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها } ، ثم هذا الوعد للقاضي ما لم يظلم عمدا فالحيف هو الظلم . فإذا اشتغل به وكله الله إلى نفسه ، وكذلك إذا أراد بعمله غير الله تعالى { قال صلى الله عليه وسلم فيما يؤثر عن الله عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملا وأشرك فيه غيري فهو كل لذلك الشريك ، وأنا منه بريء . }
قال وينبغي للقاضي أن ينصف الخصمين في مجلسهما ، وفي النظر إليهما ، وفي المنطق أي يسوي بينهما فالإنصاف عبارة عن التسوية مأخوذ من المناصفة ففي كل ما يتمكن من مراعاة التسوية فيه فعليه أن يسوي بينهما في ذلك إلا ما لا يكون في وسعه الامتناع منه من النهي فعليه أن يظهر حجة أحدهما فهو غير مؤاخذ بذلك لما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي في القسم بين نسائه ، ثم يقول اللهم هذا في [ ص: 77 ] ما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك } يعني من الميل بالقلب إلى عائشة رضي الله عنها ولا ينبغي أن يرفع صوته على أحدهما ما لا يرفعه على الآخر ; لأن التسوية بينهما في ذلك ممكنة وتخصيص أحدهما برفع الصوت عليه تجر تهمة إليه وهو مكسر لقلب من يرفع صوته عليه ولا ينطلق بوجهه إلى أحدهما في شيء من المنطق ما لا يفعله بالآخر ; لأنه يزداد به قوة وجراءة على الخصم ويطمع أن يميل بالرشوة إليه ولا ينبغي له أن يشد على عضد أحدهما ولا يلقنه حجته فإن ذلك نوع من الخصومة وبين كونه قاضيا وخصما منافاة وهو مكسر لقلب الخصم وسبب لجر تهمة الميل إليه وهو إنشاء الخصومة ، وإنما جلس لفصل الخصومة لا لإنشائها .
وينبغي له أن لا يشتري شيئا ولا يبتع في مجلس القضاء لنفسه ; لأنه جلس للقضاء فلا يخلط به ما ليس من القضاء ومعاملته لنفسه في شيء ، ولأن الإنسان فيما يبيع ويشتري يماكس عادة ، وذلك يذهب حشمة مجلس القضاء ويضع من جاهه بين الناس ، وفي قوله لنفسه إشارة إلى أنه لا بأس بأن يفعل ذلك في مجلس القضاء ليتيم ، أو ميت مديون فإن ذلك من عمل القضاء ، وإنما جلس لأجله ومباشرة ذلك في مجلس القضاء يكون أبعد عن التهمة منه إذا باشره في غير مجلس القضاء ولا بأس بأن يبيع ويشتري لنفسه في غير مجلس القضاء عندنا ومن العلماء رحمهم الله من كره ذلك للقاضي ويروون في ذلك حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال لا يبيع القاضي ولا يبتاع } ، ولأن العادة أن الناس يسامحون في المعاملة مع القضاء بين أيديهم خوفا منهم ، أو طمعا فيهم فيكون من هذا الوجه في معنى من يأكل بدينه والمقصود يحصل إذا فوض ذلك إلى غيره ليباشر على وجه لا يعلم أنه يباشر ، ولكن نقول نستدل بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { اشترى سراويل بدرهمين } الحديث فقد باشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشراء لنفسه وكان رؤساء القضاء والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم كانوا يباشرون ذلك بأنفسهم حتى أن أبا بكر رضي الله عنه بعد ما استخلف حمل متاعا من متاع أهله إلى السوق ليبيعه ، ولأنه بعد تقلد القضاء يحتاج لنفسه وعياله إلى ما كان محتاجا إليه قبل التقلد وبأن تقلد هذه الأمانة لا يمتنع عليه معنى النظر لنفسه والقيام بمصالح عياله وتهمة المسامحة موهومة ، أو هو نادر فلا يمتنع عليه التصرف لأجله ، ولأن ذلك إذا لم تكن مباشرة هذا التصرف من عادة القاضي في كل وقت .

فأما إذا كان ذلك من عادته فقلما يسامح في ذلك فوق ما يسامح به غيره وتأويل النهي إن صح في مجلس القضاء ولا يسار أحد الخصمين بشيء ; لأن ذلك يجر إليه تهمة الميل وينكسر بسببه قلب الآخر [ ص: 78 ] وبه ينتقص حشمة مجلس القضاء فلا ينبغي أن يشتغل به .

وإذا تقدم إليه الخصمان فهو بالخيار إن شاء ابتدأهما فقال مالكما ، وإن شاء تركهما حتى يبتدئاه بالمنطق وبعض القضاة يختار السكوت ليكون الخصم هو الذي يبتدئ بالكلام ; لأن القاضي إذا ابتدأهما كان ذلك منه تهيجا للخصومة ، وإنما جلس لفصل الخصومة لا لتهيجها ، ولكنا نقول الرأي في ذلك إليه فحشمة مجلس القضاء قد تمنعهما من الكلام ما لم يبتدئ القاضي بالكلام . فإذا كان بهذه الصفة كان له أن يبتدئ فيقول مالكما ، وما تقدم إليه إلا بعد المنازعة والخصومة بينهما فلا يكون هذا اللفظ منه تهيجا للخصومة ، ولكن لا يكلمهم بشيء آخر سوى ما تقدم لأجله فإن ذلك يذهب حشمة مجلس القضاء ; ولهذا لا يسلمان عليه إذا تقدم بين يديه مع أن السلام سنة
فإن تكلم صاحب الدعوى أسكت الآخر واستمع من صاحب الدعوى حتى يفهم حجته ; لأنه إذا تكلما معا لا يتمكن من أن يفهم كلام كل واحد منهما قال الله تعالى { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } ، ولأن تكلمهما معا نوع شغب ، وبه ينتقص حشمة مجلس القضاء قال ، ثم يأمره بالسكوت بعد ذلك ويستنطق الآخر وظاهر هذا اللفظ يدل على أنه يستنطق الآخر ، وإن لم يسأل المدعي ذلك واختيار بعض القضاة أنه لا يفعل ذلك إلا عند سؤال المدعي ، ولكنه إذا نظر في دعواه فإن لم تكن صحيحة يقول له قم فصحح دعواك ; لأن بالدعوى الفاسدة لا يستحق الجواب ، وإن صحت الدعوى قال أخبرتني فماذا أصنع فإن قال أريد جوابه فسأله عن ذلك حينئذ يستنطق الآخر والأصح عندنا أنه يستنطق الآخر ، وإن لم يلتمس المدعي ذلك ; لأنه ما تقدم بين يديه وما أحضر خصمه إلا ملتمسا لذلك فلا يحتاج بعد ذلك إلى التماس الآخر فإن سأله فأقر بحقه أمره بالخروج من حقه ، وإن أنكر قال للمدعي سمعت إنكاره ، أو هو منكر فما نقول . فإذا قال حلفه يطلب المدعي بعد أن سأله بينة ولا يسأله ذلك ما لم يطلب يمينه ; لأنه نوع تلقين ولا ينبغي للقاضي أن يلقن أحد الخصمين حجته ، ولكن إذا طلب يمينه فحينئذ جاء أوان الاستحلاف إذا لم يكن للمدعي بينة حاضرة فسأله عند ذلك ألك بينة .
ولا ينبغي للقاضي أن يقضي إلا وهو مقبل على الحجج مفرغ نفسه لذلك ; لأن القضاء أمر مهم فلا يتمكن من النظر فيه ومباشرته لما التزم ما لم يفرغ نفسه لذلك عن سائر الأشغال . فإذا دخله هم ، أو غضب أو نعاس كف عن ذلك حتى يذهب ذلك ; لأن اعتدال حاله زال بما دخله فالهم يغلب على القلب حتى لا يجد شيئا آخر معه فيه مساغا والغضب كذلك والنعاس كذلك فالناعس لا يفهم بعض ما يذكر عنده ( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 79 ] قال { إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد فلا يدري لعله يريد أن يدعو فيسب نفسه } ، ثم يقبل على القضاء وهو متفرغ له مستمع غير معجل للخصوم عن حجتهم ; لأن الاستعجال يضر بالخصم كما أن ترك النظر فيما يقيم من الحجة يضر به فكل واحد منهما من نوع الشر والإضرار ، وقد روينا أن القاضي لا يشار ولا يضار قال ولا يخوفهم فإن الخوف مما يقطع حجة الرجل يعني أن الخائف يعجز عن إظهار حجته
وينبغي أن يكون القاضي مهيبا يحتشم منه ، ولكن لا ينبغي أن يكون مخيفا للناس يخافونه فإن ذلك يمنعهم من إظهار الحق بالحجة والأصل في ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى صلاة الفجر بمسجد الخيف فرأى رجلين لم يصليا معه فقال علي بهما فأتي بهما وفرائصهما ترتعد فقال صلى الله عليه وسلم لا تخافا فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد } الحديث فإن ( قيل ) أليس أنه ذكر في سيرة عمر رضي الله عنه أن الناس كانوا يهابونه حتى قيل لابن عباس رضي الله عنهما لم لم يذكر قولك في القول لعمر فقال كان رجلا مهيبا فهبته ، أو قال خفت درته ( قلنا ) هذا لا يكاد يصح فإن عمر رضي الله عنه كان ألين من غيره في قبول الحق وكان يشاورهم وربما كان يقدم قول ابن عباس رضي الله عنهما في الأخذ عند الشورى على قول بعض الكبار من الصحابة رضوان الله عليهم ، ثم كون القاضي مهيبا غير مذموم عندنا ، وإنما المذموم أن يتكلف لتخويف الخصوم إذا تقدموا بين يديه ولم ينقل ذلك عن عمر رضي الله عنه ولا عن غيره ، وإن كان خيرا للقاضي أن يقعد عنده أهل الفقه فقعدوا عنده فربما يحتاج إلى أن يستشيرهم ، وقد روينا أن عمر رضي الله عنه كان يفعل ذلك وربما يخفى عليه بعض ما يقف عليه غيره من أهل الفقه فينبهه عليه وربما يحتاج إلى أن يشهدهم فيكون أهل الفقه والصلاح عنده من نوع الاحتياط فإن دخله حصر في قعودهم عنده ، أو شغله ذلك عن شيء من أمور المسلمين جلس وحده ; لأن طباع الناس في هذا تختلف فمنهم من يمنعه حشمة الفقهاء مما يريده من فصل القضاء ومنهم من يزداد قوة على ذلك والمقصود هو النظر للمسلمين . فإذا كان هو ممن يدخله حصر بحضرة الفقهاء جلس وحده ، ولكن إنما يتمكن من ذلك إذا كان معروفا بالفقه والعدالة فبالفقه يؤمن غلطه وبالعدالة يؤمن جوره .
ولا ينبغي للقاضي أن يتعب نفسه في طول الجلوس ; لأن بذلك يزول اعتدال الحال ، وقد بينا أنه لا ينظر في الحجج إلا عند اعتدال الحال قال فإني أتخوف عليه أن يضر ذلك بنظره في الحجج والخصوم يعني إذا أتعب نفسه ربما لا يفهم بعض كلام الخصوم وربما يضجر بسببه على بعض [ ص: 80 ] الخصوم ، وهذا أيضا في المدرس كذلك وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إن النفس تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها ظرائف الحكمة } ، وإن ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا مل من بيان أنواع العلم قال لأصحابه اخصموا أي خوضوا في ديوان العرب فتذكروا شيئا من الملح قال ، ولكنه يقعد في طرفي النهار ، أو ما أطاق من ذلك ; لأن عمل القضاء عبادة فالأولى أن يجلس له في طرفي النهار قال الله تعالى { وأقم الصلاة طرفي النهار } ، ولأن اعتدال حال المرء يكون في طرفي النهار عادة ، أو ما أطاق من ذلك ; لأن الطاعة بحسب الطاقة ، ولكن لا ينبغي أن يتبكر للخصومة قبل طلوع الشمس فقد كان شريح رحمه الله إذا ابتكروا قبل حضوره قال أتتظلمون بالليل فعرفنا أن ذلك غير محمود للقاضي
( قال ) وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة ; لأن الناس يزدحمون في مجلسه ، وفي اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة من الفتنة والقبح ما لا يخفى ، ولكن هذا في خصومة يكون بين النساء . فأما الخصومة التي تكون بين الرجال والنساء لا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال ، وأن يجعل لكل فريق يوما على قدر ما يرى من كثرة الخصوم فلا بأس بذلك ; لأنه إذا تركهم يزدحمون على بابه وربما يقتتلون على ذلك ، وفيه من الفتنة ما لا يخفى فيجعل ذلك مناوبة بينهم بالأيام ليعرف كل واحد يوم نوبته فيحضر عند ذلك والخصاف رحمه الله ذكر في أدب القاضي أن الأولى أن يجعل ذلك على الرقاع فيجزئ الخصوم أجزاء ويكتب باسم كل فريق رقعة ، ثم يخرج الرقاع على الأيام للسبت والأحد إلى آخره ، وذلك حسن ، ولكن محمدا رحمه الله اختار في الكتاب أن يقدم الناس على منازلهم الأول فالأول ولا يبتدئ بأحد جاء قبله غيره وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { سبقك بها عكاشة } ، وهذا ; لأن الذي جاء أولا استحق النظر في حجته أن لو كان القاضي جالسا عند ذلك فتأخر جلوس القاضي لا يغير استحقاقه ولا يبطل بحضور غيره ; فلهذا تقدمه عملا بقوله تعالى { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال ويضع على ذلك أمينا من قبله يقدمهم إليه ; لأنه لا يتمكن من تعرف ذلك بنفسه لكثرة أشغاله ، وفيما يعجل القاضي عن مباشرته يستعين بأمين من أمنائه وينبغي أن يبتكر ذلك الأمين إلى باب مجلس القاضي ليعلم منازل الناس في الحضور فلعلهم يكذبون في ذلك ، أو أن يلبسون عليه ، وإنما يجعل على ذلك أمينا لا يطمع ولا يرتشي فإن ذلك من عمل القضاة فكما لا يطمع هو فيما يقضي . فكذلك [ ص: 81 ] ينبغي أن يكون أمينه .

قال رحمه الله وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول قد جرى الرسم في زماننا أن البواب على باب مجلس القضاء يأخذ من كل خصم قطعة ليمكنه من الدخول والقاضي يعلم ذلك ولا يمنعه منه ، وفيه فساد عظيم فليس لأحد أن يمنع أحدا من دخول المسجد ولا من أن يتقدم إلى القاضي في حاجته فهو يرتشي ليكف ظلمه عنه ويمكنه مما هو مستحق له والقاضي يعلم ذلك ولا يمنع منه فهو بمنزلة ما لو علم أن أمينه يشرب الخمر ، أو يزني على بابه فلا يمنعه عن ذلك ، وإن رأى أن يجعل الغرباء مع أهل المصر فعل ، وإن رأى أن يبدأ بهم فلا يضره ذلك بعد أن تكون الغرباء غير كثير فإن كثروا في كل يوم فشغلوه عن أهل المصر قدمهم على منازلهم مع الناس ، وقد بينا أن الغريب على جناح السفر فربما يضر التأخير به وقلبه مع أهله . فإذا لم يقدمه القاضي ربما ترك حقه ورجع إلى أهله ، وقد أمر بتعاهد الغريب تعظيما لحق غربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فلهذا كان له أن يقدم الغرباء ، ولكن بشرط أن لا يضر بأهل المصر ضررا فإنهم جيرانه ، وإنما يقلد القضاء لينظر في حوائجه .

فإذا كان تقديم الغرباء يضر بأهل المصر قدمهم على منازلهم عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { لا ضرر ولا ضرار في الإسلام }

ولا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة ويعود المريض فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم بعده يفعلون ذلك ، ولأن هذا من حق المسلم على المسلم قال صلى الله عليه وسلم { للمسلم على المسلم ستة حقوق } وذكر في الجملة { أن يشيع جنازته ويعوده إذا مرض } ولا يمتنع عليه القيام بحقوق الناس عليه بسبب تقلده القضاء ولا بأس بأن يجيب الدعوة الجامعة فذلك من السنة قال صلى الله عليه وسلم { من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم } قال ولا تجب الدعوة الخاصة الخمسة والعشرة في مكان ; لأن ذلك يجر إليه تهمة الميل بأن يقول أحد الخصمين إن فلانا في دعوة فلان كلم القاضي وهو نائب عن خصمي وصانعه على رشوة ، ولأن إجابة الدعوة الخاصة مما يطمع الناس به في القاضي فعليه أن يحترز عن ذلك وأصح ما قيل في الفرق بين الدعوة الجامعة والخاصة أن كل ما يمتنع صاحب الدعوة من إيجاده إذا علم أن القاضي لا يجيبه فهو الدعوة الخاصة ، وإن كان لا يمتنع من إيجاده لذلك فهو الدعوة العامة ; لأنه عند ذلك يعلم أن القاضي لم يكن مقصودا بتلك الدعوة ، وإنما يمتنع من إجابة الدعوة الخاصة إذا لم يكن صاحب الدعوة ممن اعتاد إيجاد الدعوة له قبل أن يتقلد القضاء فإن كان ذلك من عادته قبل هذا فلا بأس بأن يجيب دعوته وإليه أشار في قوله ولا [ ص: 82 ] بأس بأن يجيب دعوة ذي القرابة ; لأن هذا بين القرابات ليس من جوالب القضاء عادة ولا صدق في ذلك كالأقارب إذا كان ذلك معروفا بينهم قبل تقلد القضاء ولا ينبغي له أن يضيف أحد الخصمين إلا أن يكون خصمه معه لما روينا من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]