
18-12-2025, 11:40 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(334)
( قال ) ولا يمنعك قضاء قضيت بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ، وفيه دليل أنه إذا تبين للقاضي الخطأ في قضائه بأن خالف قضاؤه النص أو الإجماع فعليه أن ينقضه ولا ينبغي أن يمنعه الاستحياء من الناس من ذلك فإن مراقبة الله تعالى في ذلك خير له وإلى ذلك أشار عمر رضي الله عنه حين ابتلي بالحديث في الصلاة ، الحديث إلى أن قال - كدت أن أمضي في صلاتي استحياء منكم ، ثم قلت لأن أراقب الله تعالى خير من أن أراقبكم فمن ابتلي بشيء من ذلك فليراقب الله تعالى ، وهذا ليس في القاضي خاصة بل هو في كل من يبين لغيره شيئا من أمور الدين الواعظ والمفتي والقاضي في ذلك سواء إذا تبين له أنه زل فليظهر رجوعه عن ذلك فزلة العالم سبب لفتنة الناس كما قيل إن زل العالم زل بزلته العالم ، ولكن هذا في حق القاضي أوجب ; لأن القضاء ملزم وقوله الحق قديم يعني هو الأصل المطلوب ، ولأنه لا تنكتم زلة من زل بل يظهر لا محالة . فإذا كان هو الذي يظهره على نفسه كان أحسن حالا عند العقلاء من أن تظهر ذلك عليه مع إصراره على الباطل .
ثم ( قال ) الفهم مما يتلجلج في صدرك ، وقد بينا تفسير هذا اللفظ ، وفي تكراره مرة بعد مرة بيان أنه ينبغي للقاضي أن يصرف العناية إلى ذلك خصوصا إذا تمكن الاستيفاء في قلبه فإنه عند ذلك مأمور بالتثبت ممنوع عن المجازفة خصوصا فيما لا نص فيه من الحوادث وإليه أشار في قوله ما لم يبلغك في القرآن والحديث ، وفيه بيان أنه لا ينبغي للمرء أن يتقلد القضاء مختارا إلا إذا كان مجتهدا وأقرب ما قيل في حق المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها ، وأن يكون مصيبا في القياس عالما بعرف الناس ومع هذا قد ابتلي بحادثة لا يجد لها في الكتاب والسنة ذكرا فالنصوص معدودة والحوادث ممدودة فعند ذلك لا يجد بدا من التأمل وطريق تأمله ما أشار إليه في الحديث فقال اعرف الأمثال والأشباه [ ص: 63 ] وقس الأمور عند ذلك فهو دليل جمهور الفقهاء رحمهم الله على أن القياس حجة فإن الحوادث كلها لا توجد في الكتاب والسنة بخلاف ما يقوله أصحاب الظواهر . ثم ( قال ) واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى ، وهذا هو طريق القياس أن ترد حكم الحادثة إلى أقرب الأشياء معنى ، ولكن إنما تعتبر السنة في المعنى الذي هو صالح لإثبات ذلك الحكم به
ثم ( قال ) اجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بينة آخذ بحقه وإلا وجهت القضاء عليه فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر ، وفيه دليل على أن القاضي عليه أن يمهل كل واحد من الخصمين بقدر ما يتمكن من إقامة الحجة فيه حتى إذا قال المدعي بينتي حاضرة أمهله ليأتي بهم فربما لم يأت بهم في المجلس الأول بناء على أن الخصم لا ينكر حقه لوضوحه فيحتاج إلى مدة ليأتي بهم ، وبعد ما أقام البينة إذا ادعى الخصم الدفع أمهله القاضي ليأتي بدفعه فإنه مأمور بالتسوية بينهما في عدله وليكن إمهاله على وجه لا يضر بخصمه فإن الاستعجال إضرار بمدعي الدفع ، وفي تطويل مدة إمهاله إضرار بمن أثبت حقه وخير الأمور أوسطها وقوله فإن أحضر بينته آخذ بحقه وإلا وجهت القضاء عليه إن كان مراده دعوى الدفع فهو أوضح ; لأنه إذا عجز عن إثبات ما ادعى من الدفع وجه القاضي إليه القضاء ببينة المدعي ، وما لم يظهر عجزه عن ذلك لا يوجه القضاء عليه ; لأن الحجة إنما تقوم عليه إذ ظهر عجزه عن الدفع بالطعن والمعارضة ، وإن كان مراده جانب المدعي فمعنى قوله وجهت القضاء عليه ألزمته الكف عن أذى الناس والخصومة من غير حجة وقوله فإن ذلك أجلى للعمى لإزالة الاشتباه وأبلغ في العذر للقاضي عند من توجه القضاء عليه ; لأنه إذا وجه القضاء عليه بعد ما أمهله حتى يظهر عجزه عن الدفع انصرف من مجلسه شاكرا له ساكتا . وإذا لم يمهله انصرف شاكيا منه يقول مال إلى خصمي ولم يستمع حجتي ولم يمكني من إثبات الدفع عنده .
ثم قال { والمسلمون عدول بعضهم على بعض } ، وقد نقل هذا اللفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله على جواز القضاء بشهادة المستور قبل السؤال عنه إذا لم يطعن الخصم ، وصفة العدالة ثابتة لكل مسلم باعتبار اعتقاده فإن دينه يمنعه من الإقدام على ما نعتقد الحرمة فيه فيدل على أنه صادق في شهادته فالكذب في الشهادة محرم في اعتقاد كل مسلم { قال صلى الله عليه وسلم في خطبته عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله تعالى ، ثم قرأ { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } ، ثم قال إلا مجلودا حدا } قيل المراد من ظهر عليه ارتكاب كبيرة بإقامة حد تلك الكبيرة عليه فالحدود مشروعة في ارتكاب الكبائر وبظهور ذلك عليه [ ص: 64 ] تنعدم العدالة الثابتة ما لم تظهر توبته وانزجاره عنه وقيل المراد المحدود في القذف ، وقد ذكره في بعض الروايات إلا مجلودا حدا في قذف فهو دليل لنا على أن المحدود في القذف لا تقبل شهادته ، وإن تاب ، وإن العدالة المعتبرة لأداء الشهادة تنعدم بإقامة حد القذف عليه كما أشار الله تعالى إليه في قوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ، ثم قال ، أو محرما عليه شهادة زور فإنه إذا عرف منه شهادة الزور فقد ظهر منه الجناية في هذه الأمانة ومن ظهرت جنايته في شيء لا يؤتمن على ذلك ، ولأنه ظهر منه ارتكاب الكبيرة على ما روي أن النبي قال { أكبر الكبائر الإشراك بالله تعالى وعقوق الوالدين ألا وقول الزور فما زال يقول ذلك حتى قلنا ليته سكت . }
ثم ( قال ) لو ظننا في ولاء ، أو قرابة أي منهما بسبب قرابة أو ولاء وهو الموالاة فهو دليل على أن شهادة الوالد لولده لا تكون مقبولة وهو دليل لنا على أن شهادة أحد الزوجين لصاحبه لا تقبل فالزوجية من أقوى أسباب الموالاة وهو مما يجعل كل واحد منهما مائلا إلى صاحبه ، وقد أشار إلى نفس الولاء والقرابة أنهما لا يقدحان في العدالة ، ولكن إذا تمكنت التهمة حينئذ يمتنع العمل بالشهادة حتى قيل في معناه إذا ظهر منه الميل إلى مولاه وقرابته في كل حق وباطل حتى يؤثره على غيره وهو تفسير القانع بأهل البيت كما ذكره في الحديث المرفوع .
ثم ( قال ) فإن الله تعالى تولى منكم السرائر يعني أن المحق والمبطل ليس للقاضي طريق إلى معرفته حقيقة فإن ذلك غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى ، ولكن الطريق للقاضي العمل بما يظهر عنده من الحجة وإليه أشار في قوله ودرأ عنكم بالبينات يعني درأ عنكم اللوم في الدنيا والإثم والعقوبة في الآخرة وهو معنى الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { القضاء جمرة فادفع الجمر عنك بعودين } يعني شهادة الشاهدين ، ثم قال إياك والضجر والقلق وهما نوعان من إظهار الغضب فالقلق الحدة ، والضجر رفع الصوت في الكلام فوق ما يحتاج إليه والقاضي منهي عن ذلك ; لأنه يكسر قلب الخصم به ويمنعه من إقامة حجته ويشتبه على القاضي بسببه طريق الإصابة وربما لا يفهم كلام أحد الخصمين عند ذلك ( قال ) والبادي بالناس يعني إظهار البادين بكثرة الخصوم بين يديه وإظهار الملال منهم والمراد البادي بما يسمع من بعض الخصوم مما لا حاجة به إليه فقد يطول أحد الخصمين كلامه ، ولكن لا ينبغي للقاضي أن يظهر البادي بذلك ما لم يجاوز الحد . فإذا تكلم بما يرجع إلى الاستخفاف بالقاضي أو يذهب به حشمة مجلس القضاء فحينئذ يمنعه عن ذلك ويؤدبه عليه
ثم ( قال ) والتنكر للخصوم وهو أن يقطب وجهه إذا تقدم إليه [ ص: 65 ] خصمان فإن فعل مع أحدهما فهو جور منه ، وإن فعله معهما ربما عجز المحق عن إظهار حقه فذهب وترك حقه .
( ألا ترى ) إلى قوله تعالى { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ، ثم قال في مواطن الحق التي يوجب الله تعالى بها الأجر ويحث بها على الذخر يعني في مجالس الحكم فالحلم وترك الضجر والقلق وإظهار البشر مع الناس محمود في كل موضع ، وفي مجلس القضاء البشر وطلاقة الوجه أولى بعد أن يكون فعله ذلك لوجه الله تعالى كما قال فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تعالى ، ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس وإلى نحوه أشار صلى الله عليه وسلم في قوله { من أخلص سريرته أخلص الله علانيته } ، ثم قال : ومن يتزين للناس بما يعلم الله منه خلافه يسبه الله يعني إذا راءى بعمله والمراءاة مذمومة حرام على كل أحد وهو في حق القاضي آكد ; لأنه غير محتاج إلى ذلك ، وإنما يفعل المرء ذلك عند حاجته ، ولأنه يقلد القضاء ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكم به بين الناس فينبغي أن يكون أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كان أبعد الناس عن المراءاة والنفاق وقوله يسبه الله أي يفضحه الله تعالى على رءوس الأشهاد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به } ، ثم قال فما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته معناه أي أن المرائي بعمله يقصد اكتساب محمد ، أو منال شيء مما في أيدي الناس ، وما يفوته به إذا ترك الإخلاص من ثواب الله تعالى فالعاقل إذا قابل ما هو موعود له من الله تعالى عند التقوى والإخلاص بما يطمع فيه من جهة الناس ترجح ما عند الله تعالى لا محالة ، وذلك عاجل الرزق كما قال الله تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } والمغفرة والرحمة كما قال الله تعالى { إن رحمة الله قريب من المحسنين } أي المتقين المخلصين فالحديث من أوله إلى آخره دليل على أن للقاضي أن يستشعر التقوى فيما يفعل فهو ملاك الأمر قال صلى الله عليه وسلم { ملاك دينكم الورع } .
وقال { التقي ملجم } وعن عامر قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه أما بعد فإنني كتبت كتابا في القضاء ما لم آلك ونفسي فيه خيرا ، وفيه دليل أن الإمام ينبغي له أن يكتب إلى عماله في كل وقت يوصيهم ، وقد كان معاوية رضي الله عنه عامله بالشام فكتب إليه في القضاء بهذا الكتاب وبين أنه لم يقصر بل بالغ في اكتساب الخير لنفسه وله ، ثم إن عمر رضي الله عنه قال الزم خمس خصال يسلم لك دينك وتأخذ فيه بأفضل خطك إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة واليمين القاطعة فهو الطريق للقاضي الذي لا يعلم الغيب فمن تمسك [ ص: 66 ] به سلم له دينه ونال أفضل الحظ من المحمدة في الدنيا والثواب في الآخرة فمعنى اليمين القاطعة للخصومة والمنازعة .
ثم قال وأدن الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه ولم يرد بهذا الأمر تقديم الضعيف على القوي ، وإنما أراد الأمر بالمساواة ; لأن القوي يدنو بنفسه لقوته والضعيف لا يتجاسر على ذلك والقوي يتكلم بحجته ، وربما يعجز الضعيف عن ذلك فعلى القاضي أن يدني الضعيف ليساويه بخصمه حتى يقوى قلبه وينبسط لسانه فيتكلم بحجته ، ثم قال وتعاهد الغريب فإنك إن لم تعاهده ترك حقه ورجع إلى أهله فربما ضيع حقه من لم يرفع به رأسه قيل هذا أمر بتقديم الغرباء عند الازدحام في مجلس القضاء فإن الغريب قلبه مع أهله فينبغي للقاضي أن يقدمه في سماع الخصومة ليرجع إلى أهله ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتعاهد الغرباء وقيل مراده أن الغريب منكسر القلب . فإذا لم يخصه القاضي بالتعاهد عجز عن إظهار حجته فيترك حقه ويرجع إلى أهله والقاضي هو المسبب لتضييع حقه حين لم يرفع به رأسه .
ثم قال : وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء ، وفيه دليل أن القاضي مندوب إليه أن يدعو الخصم إلى الصلح خصوصا في موضع اشتباه الأمر ، وبه كان يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول { ردوا الخصوم كي يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن } وعن شريح رحمه الله أن عمر رضي الله عنه كتب إليه أن لا يشار ولا يضار ولا يبيع ولا يبتاع في مجلس القضاء ولا ترتشي ولا تقضي بين اثنين وأنت غضبان
أما قوله لا يشار منهم من يروي بالشين قالوا المراد المشورة أنه لا ينبغي للقاضي في مجلس القضاء أن يشتغل بالمشورة وليكن ذلك في مجلس آخر فإنه إذا اشتغل بالمشورة في مجلس القضاء ربما يشتبه طريق الفصل عليه وربما يظن جاهل أنه لا يعرف حتى يسأل غيره فيزدري به ، وقد وقع مثل هذا لعمر رضي الله عنه في حادثة بيناها في المناسك والأظهر بالشين لا يشار معناه لا يشار أحد الخصمين ; لأن ذلك يكسر قلب الخصم الآخر ويلحق به تهمة الميل من حيث إن خصمه يظن أنه فيما يشار بصابعه على رشوة ولذلك لا يشار غير الخصمين في مجلس القضاء ; لأن مجلس القضاء يجمع الناس ومشارة الاثنين في مثل هذا المجلس تؤدي إلى فتنة الآخرين قال صلى الله عليه وسلم { إذا كان القوم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه } وقوله لا يضار من الضرر أي لا يقصد الإضرار بالخصوم في تأخير الخروج ولا ينغص الخصوم في استعجاله ليعجز عن إقامته حجته ، وفي رفع الصوت عليه أو في أخذه يسقط من كلامه إن زل فلمجالس القضاء من المهابة والحشمة ما يعجز كل [ ص: 67 ] أحد عن مراعاة جميع الحدود في الكلام . فإذا لم يعرض القاضي عن بعض ما يسمع كان ذلك منه مضارة والقاضي منهي عن ذلك ، وفيه دليل على أنه لا يشتغل بالبيع والشراء في مجلس القضاء ; لأن بذلك ينقص حشمة مجلس القضاء ، ولأنه مجلس إظهار الحق وبيان أحكام الدين فلا ينبغي أن يخلط به شيئا من عمل الدنيا وقوله لا يرتشي المراد الرشوة في الحكم وهو حرام قال صلى الله عليه وسلم { الراشي والمرتشي في النار } ولما قيل لابن مسعود رضي الله عنه الرشوة في الحكم سحت قال ذلك الكفر إنما السحت أن ترشو من تحتاج إليه أمام حاجتك .
وفي قوله ولا تقضي بين اثنين ، وأنت غضبان دليل على أن القاضي ينبغي أن لا يشتغل بالقضاء في حال غضبه ، ولكنه يصبر حتى يسكن ما به فإنه مأمور بأن يقضي عند اعتدال حاله ; ولهذا ينهى عن القضاء إذا كان جائعا ، أو كظيظا من الطعام ، أو كان يدافع الأخبثين ; لأنه ينعدم به اعتدال الحال . فكذلك بالغضب ينعدم اعتدال الحال وربما يجري على لسانه في غضبه ما لا ينبغي أن يسمع الناس ذلك منه وربما يتغير لونه على وجه لا ينبغي أن يراه الناس على تلك الصفة أو إذا ظهر به الغضب عجز صاحب الحق عن إظهار حقه بالحجة خوفا منه ; ولهذا قلنا يقوم ، أو ينحي الناس عن قربه حتى يسكن ما به ، وهذا إذا كان يعتريه ذلك في بعض الأوقات فإن كان ذلك من عادته ، وذلك نوع من الحدة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها تعتري خيار أمتي فلا يكف عند ذلك عن القضاء ; لأنه يلتبس به عقله ويشتبه عليه وجه القضاء بخلاف ما يعتريه من الغضب في بعض الأوقات .
وعن عمر رضي الله عنه أنه دعا قاضيا كان بالشام حديث السن فقال له بم تقضي قال أقضي بما في كتاب الله تعالى قال . فإذا لم تجد في كتاب الله تعالى قال أقضي بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، وفيه دليل على أنه يجوز أن يقلد القضاء من هو حديث السن إذا كان عالما فقد كان عمر رضي الله عنه أكثر الناس نظرا في ذلك ، ثم قلده مع حداثة سنه { وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد رضي الله عنه إلى مكة قاضيا وأميرا وكان حديث السن } ويحكى أن المأمون قلد يحيى بن أكثم قضاء البصرة وكان ابن ثمان عشرة سنة فطعن بعض الناس في ذلك لحداثة سنه فكتب إليه المأمون كم سن القاضي فكتب في جوابه أنا على سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر رضي الله عنه بلغه مثل هذا الطعن في مثل هذا القاضي لحداثة سنه فامتحنه بالعلم فقال بم تقضي قال أقضي بما في كتاب الله تعالى وأصاب في ذلك ; لأن كتاب الله تعالى إمام [ ص: 68 ] المتقين أنزل للعمل به قال : فإذا لم تجد في كتاب الله قال أقضي بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاب في ذلك أيضا فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به قال . فإذا لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقضي بما قضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقد أصاب في ذلك أيضا فقد أمرنا بالاقتداء بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم { اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر } رضي الله عنهما . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ } .
قال : فإذا لم تجد في قضائهم قال أجتهد رأيي وأصاب في ذلك فالقاضي مأمور بأن يجتهد رأيه فيما لا نص فيه وهو دليلنا على جواز العمل بالقياس فيما لا نص فيه فاجتهاد الرأي هو القياس يرد حكم الحادثة إلى أشباهها مما هو منصوص . وإذا جاز اجتهاد الرأي في باب القبلة عند الاشتباه وانقطاع الأدلة ، وفي المعاملات من الحروب وغير ذلك . فكذلك في القضاء فلما أصاب في جميع ما أجاب قال له عمر رضي الله عنه أنت قاضيها أي إني لا أعزلك عن القضاء ما دمت على هذه الطريقة ، وفيه دليل أن الإمام إذا علم من حال من قلده أنه صالح لذلك ينبغي أن يقرره على العمل ولا يعزله بطعن بعض المتعنتين ما لم يتبين له شيء مما لا يحمد من السيرة منه وعن ابن مسعود قال أتى علينا زمان لسنا نسأل ولسنا هنالك ، ثم قضى الله تعالى أن بلغنا من الأمر ما يرون قيل هذا إشارة منه إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان الوحي ينزل وكان عليه الصلاة والسلام يبين لهم فكانوا لا يحتاجون فيه إلى ابن مسعود رضي الله عنه وغيره وقيل بل مراده الإشارة إلى زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم متوافرين في ذلك الوقت ، وما كان يحتاج إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقيل هذا منه إشارة إلى حال صغره وجهله ، وإنما قصد بهذا التحدث بنعمة الله تعالى حيث رفعه من تلك الدرجة إلى ما بلغه إليه ; لأنه قال هذا حين كان بالكوفة وله أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه حتى روي أنه لما قدم علي رضي الله عنه الكوفة وخرج إليه ابن مسعود رضي الله عنه مع أصحابه حتى سدوا الأفق فلما رآهم علي رضي الله عنه قال ملأت هذه القرية علما وفقها .
قال فمن ابتلي منكم بقضاء فليقض بما في كتاب الله تعالى ، وفي هذا إشارة إلى أن التحرز عن تقلد القضاء أولى فقد عده ابن مسعود رضي الله عنه من البلوى بقوله فمن ابتلي منكم وهو اختيار أبي حنيفة رحمه الله فإنه تحرز [ ص: 69 ] عن تقلد القضاء بعد ما حبس وضرب لأجله مرارا حتى قال بعض أصحابه رحمهم الله لو تقلدت نفعت الناس فنظر إليه شبه المغضب .
وقال لو أمرت أن أقطع البحر سباحة لكنت أقدر على ذلك وكأني بك قاضيا
ومن اختار تقلد القضاء قال هذا اللفظ من البلاء الذي هو نعمة قال الله تعالى { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } ، وإنما أراد من أنعم الله تعالى عليه بهذه الدرجة فليقض بما في كتاب الله تعالى وبذلك كان يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول { إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي } وقيل أهل بيته الأقربون والأبعدون فإن تمسكتم بهما لم تضلوا قال فإن لم يجد ذلك في كتاب الله تعالى فليقض بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك كان يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين { قال لأبي رواحة رضي الله عنه في حادثة أما كان لك في أسوة فقال أنت تسعى في رقبة قد فكت ، وأنا أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها فقال صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله } قال فإن لم يجد ذلك فيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى الصالحون يعني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما جاء في الحديث { إذا ذكر الصالحون صنفحيهلا بعمر } قال فإن لم يجد فليجتهد رأيه ولا يقولن إني أرى ، وإني أخاف ، وفيه دليل على أن للقاضي أن يجتهد فيما لا نص فيه ، وأنه لا ينبغي أن لا يدع الاجتهاد في موضعه لخوف الخطأ فإن ترك الاجتهاد في موضعه بمنزلة الاجتهاد في غير موضعه فكما لا ينبغي له أن يشتغل بالاجتهاد مع النص لا ينبغي له أن يدع الاجتهاد فيما لا نص فيه ، ثم بين طريق الحق في ذلك بقوله { فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى مالا يريبك } ، وهذا اللفظ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الحسن رحمه الله ، وفيه بيان أن المجتهد إذا لم يترك الاحتياط في موضع الريبة فهو مؤد لما كلف أصاب المطلوب باجتهاده ، أو أخطأ وهو ما نقل عن أبي حنيفة رحمه الله كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد أي مصيب في طريق الاجتهاد ابتداء ، وقد يخطئ انتهاء فيما هو المطلوب بالاجتهاد ، ولكنه معذور في ذلك لما أتى بما في وسعه .
وذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال { قال لي رسول الله حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت بما في كتاب الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام فإن لم تجد ذلك في كتاب الله تعالى قلت أقضي بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم فإن لم تجد ذلك فيما قضى به قلت أجتهد رأيي فقال صلوات الله عليه وسلامه [ ص: 70 ] الحمد لله الذي وفق رسول رسوله } ، وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن يقلد الإنسان القضاء ينبغي له أن يجربه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك بمعاذ رضي الله عنه مع أنه كان معصوما فغيره بذلك أولى فكان هذا منه على وجه التعليم لأمته ، ثم حمد الله تعالى حين ظهر من التجربة كما تفرس فيه وهكذا ينبغي للإمام إذا بلغه عن عامل له ما يرضى به أن يعد ذلك نعمة من نعم الله تعالى عليه فليقابلها بالشكر ، وفيه دليل جواز اجتهاد الرأي والعمل بالقياس فيما لا نص فيه ، من العلماء رحمهم الله من يقول جواز العمل بالقياس والاجتهاد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان يجوز ذلك في حياته ; لأن الوحي كان ينزل وهو كان يبين لهم ما كانوا يحتاجون إلى الاستنباط في ذلك الوقت والحكم يثبت بالنص مقطوعا به فلا يصار إليه في غير موضع الضرورة والصحيح عندنا إن كان ذلك جائزا لهم في حياته صلى الله عليه وسلم كما بعده وحديث معاذ رضي الله عنه يدل عليه فإن لم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله بين يديه أجتهد رأيي ولما { قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه اقض بين هذين قال أقضي ، وأنت حاضر ، أو جالس قال صلى الله عليه وسلم على أنك إن اجتهدت فأصبت فلك أجران ، وإن أخطأت فلك أجر واحد } فقد جوز له صلى الله عليه وسلم الاجتهاد بحضرته .
وقد كان يشاورهم ( ألا ترى ) أنه شاورهم في أسارى بدر وأشار أبو بكر رضي الله عنه بالفداء وأخذ به رسول الله وشاور السعدين رضي الله عنهما يوم الأحزاب في صلح بني فزارة على بعض ثمار المدينة وأخذ بما أشارا به ولما أشار إليه أسيد بن حضير في النزول عند الماء يوم بدر أخذ برأيه في ذلك وكان صوابا وينبني على هذا الفصل الاختلاف بين العلماء رحمهم الله في أنه صلى الله عليه وسلم هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه فمنهم من يقول كان ينتظر الوحي ، وما كان يفصل بالاجتهاد والصحيح عندنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد ، وما كان يقر على الخطأ بيانه أنه { لما شاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في حادثة قال صلى الله عليه وسلم قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما } . { وقال صلى الله عليه وسلم للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه فقالت نعم قال صلى الله عليه وسلم فدين الله أحق } ، وهذا قول بالاجتهاد .
وقال عليه السلام لعمر رضي الله عنه في القبلة { أرأيت لو تمضمضت بماء ، ثم مججته أكان يضرك } . وقال صلى الله عليه وسلم في بيان حرمة الصدقة على بني هاشم { أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه } فهذا ونحوه دليل أنه كان يقضي باجتهاده ، وما كان يقر على الخطأ فقضاؤه يكون [ ص: 71 ] شريعة والخطأ لا يجوز أن يكون أصل الشريعة فعرفنا أنه ما كان يقر على الخطأ وبيان ذلك في قوله تعالى { عفى الله عنك لم أذنت لهم } الآية وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل ، وإن كان فيه أربع ولم يكن فيه واحدة ففيه وصمة ، وإن كان فيه ثلاث ولم يكن فيه اثنين ففيه وصمتان ، وهذا عبارة عن النقصان والوصم كسر يسير وفوقه القصم ونظيره القنص بالأنامل وفوقه القبض باليد وفوقه الأخذ وهو التناول قال فقال قائل ما هي يا أمير المؤمنين قال علم بما كان قبله وهو إشارة إلى ما بينا في حق المجتهد .
قال ونزهة عن الطمع وهو مأخوذ من النزاهة فمن يتحرز عن شيء يقال هو يتنزه عن كذا والأظهر وتزهد عن الطمع من الزهادة فكل الفتنة للقاضي في طمعه فيما في أيدي الناس ولما امتحن علي رضي الله عنه قاضيا قال له بم صلاح هذا الأمر قال بالورع قال فبما فساده قال بالطمع قال حق لك أن تقضي فينبغي للقاضي أن يكون منزها عن الطمع ليأمن الفتنة ويخلص عمله لله تعالى قال وحكم عن الخصم يعني أن يحكم في بعض ما يسمع من الخصوم مع قدرته على منعه وهو معنى قول عمر رضي الله عنه لا يصلح لهذا الأمر إلا اللين من غير ضعف القوي من غير عنف
قال واستخفاف باللائمة معناه لا ينبغي للقاضي فيما يفصل من القضاء أن يخاف اللائمة من الناس فإنه إذا خاف ذلك يتعذر عليه القضاء بالحق وإلى ذلك أشار الله تعالى في قوله { ولا يخافون لومة لائم } ، وهذا ; لأنه لا بد أن ينصرف أحد الخصمين من مجلسه شاكيا يلوم القاضي مع أصدقائه على ما كان منه وإليه أشار شريح رحمه الله حيث قيل له كيف أصبحت قال أصبحت وشطر الناس علي غضبان . فإذا تفكر القاضي واشتغل بالتحرز عن اللائمة يتعذر عليه فصل القضاء .
قال ومشاورة أولي الرأي ، وفيه دليل على أن القاضي ، وإن كان عالما فينبغي له أن لا يدع مشاورة العلماء ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورة لأصحابه رضي الله عنهم يستشيرهم حتى في قوت أهله وإدامهم { قال المشورة تلقح العقول } . وقال { صلى الله عليه وسلم ما هلك قوم عن مشورة قط } وكان عمر رضي الله عنه يستشير الصحابة رضوان الله عليهم مع فقهه حتى كان إذا رفعت إليه حادثة قال ادعوا إلي عليا وادعوا إلي زيد بن أبي كعب رضي الله عنهم فكان يستشيرهم ، ثم يفصل بما اتفقوا عليه فعرفنا أنه لا ينبغي للقاضي أن لا يدع المشاورة ، وإن كان فقيها ، ولكن في غير مجلس القضاء على ما بينا أن الاشتغال بالمشورة في مجلس القضاء ربما يحول بينه وبين [ ص: 72 ] فصل القضاء ، ويكون سببا لازدراء بعض الجهال به وعن مسروق قال لأن أقضي يوما بالحق أحب إلي من أن أرابط سنة فإن مسروقا ممن يقدم تقلد القضاء على الامتناع عنه ، وقد كان السلف رحمهم الله في ذلك مختلفين وابتلي مسروق بالقضاء ومن دخل في شيء فإنما يروي محاسن ذلك الشيء ، وقد بينا طريق أبي حنيفة رحمه الله في إيثار التحرز عن تقلد القضاء ، وإنما قال مسروق إن القضاء يوما بالحق أحب إلي من أن أرابط سنة لما في إظهار الحق من المنفعة للناس ودفع الظلم عن المظلوم واتصال الحق إلى المستحق ومنع الظالم عن الظلم وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { عدل ساعة خير من عبادة سنة } .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|